أين ذهب العرب؟

مشيل كيلو


لا جدال في أن العرب بلغوا دركا من الانحطاط لم يسبق لهم أن وصلوا إلى ما هو أكثر سوءا منه طيلة القرن الماضي  شهد الوطن العربي وقائع وأحداثاً تجعل السؤال عن اختفاء العرب مبررا إلى أبعد حد، إن لم يجعل اختفاءهم كطرف سياسي مؤثر مسألة وقت وحسب. واستهداف العرب ليس جديدا، فقد لاحظناه ككثيرين غيرنا من أبناء هذه الأمة وكتبنا عنه مرات عديدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، التي تلت فشل المشروع القومي الوحدوي وبروز حقبة من التمزق والتناحر طالت مكونات الأمة السياسية وأبنيتها المجتمعية في مختلف بلدانها، وأثارت الخوف لدى المخلصين من أبنائها، الذين لاحظوا تزامن هذا التطور مع ظواهر ثلاث مقلقة هي :
حركات تفكيك وانفصال طالت حدود وأطراف دول عربية عديدة، من شمال العراق إلى جنوب السودان فالصحراء المغربية، صاحبها نشوب نزاعات عربية / عربية مزقت العلاقات الطبيعية بين الدول العربية. هذان التطوران المتلازمان مكنا الدول المجاورة لنا والبعيدة عنا من التدخل في شؤوننا ومن إذكاء نيران الخلافات في بلدان عربية رئيسة كالعرق والسودان والمغرب والجزائر.
بلغت الاستهانة بالعرب حدا جعل دولا قيد التكوين كأريتريا تتجرأ على مهاجمة اليمن واحتلال بعض جزره بالقوة، ودفع إيران الإسلامية إلى التمسك باحتلال جزر طنب الكبرى والصغرى وأبي موسى الاماراتية في الخليج، بحجة أنها مهمة أمنيا واستراتيجيا لها، بينما كانت تركيا تكشر عن أنيابها وتنتزع اعتراف سوريا بأن محافظة الاسكندرون التي وهبتها فرنسا لها قبل الحرب العالمية الثانية كي لا تقف في صف ألمانيا، هي جزء لا يتجزأ من كيانها الوطني.
خلو الوطن العربي من قوة أو مؤسسة تلمه وتدفعه إلى تبني سياسات ومواقف مشتركة تحد من خلافاته وتناقضاته، وتوحد كلمته تجاه قضاياه الكبرى وعلاقاته مع عالم يعلن رغبته في إخضاعه، ويخوض حربا شعواء ضد مركزه المصري.
توسع رأس الجسر الصهيوني في فلسطين على حساب المنطقة العربية المركزية، وقيامه بدور خاص في اختراق البلدان قريبها وبعيدها وفي المعارك التمزيقية الناشبة على أطرافها، وإنزال هزائم عسكرية مهينة بها واحتلال أراضيها وانتهاك سيادتها، وبروزه كقوة حسم في بعض علاقاتها، ودخوله على خط المحاور والتكتلات العربية تأييدا لهذه الدولة ضد تلك، ولهذا المحور ضد ذاك، وللخارج ضد جميع العرب في جميع الأحوال.
بهذه التطورات الثلاثة، التي أحاطت الوطن العربي بأذرع أخطبوطية شرعت تتجاذبه من الخارج وتفرغه من الداخل وتجوّف مراكزه وتحل محلها، دخلنا في حقبة جديدة معاكسة للحقبة التي جاءت باستقلالنا بعد الحرب العالمية الثانية، خسرنا خلالها الكثير من قرارنا الحر، وتخلينا عن حلم الوحدة القومية، وطوينا حقبة الرهان على الذات، وأحللنا برامج وسياسات محل تلك التي كانت تبلور مواقف ضاربة للأمة، في حين أطاحت عوامل التفتت الداخلي بعناصر التعبئة الوطنية، وانقسمت المجتمعات العربية إلى كثرة هائلة من الفقراء والمحرومين وقلة قليلة من الأغنياء وأصحاب الحظوة، وعانت من عناصر تفجر عديدة، لأن نظمنا السياسية ارتكزت أكثر فأكثر على تكوينات ما قبل مجتمعية أزاحت تحالفات وقوى المجتمع الحديثة، إلى أن استعاضت السلطة عن المواطن الحر بالرعية وبالعلاقات الشللية والعصبوية، وغاب وعد الحرية تحت واقع العبودية، بينما صارت القطرية فضيلة بعد أن كانت رذيلة، وطرد اليأس الأمل من نفوس المواطنين، وتعززت عناصر التفكك والضعف والانحلال، وقابل الاستبداد الرسمي استبداد مجتمعي محا ما كان في بلداننا من تسامح ديني وسياسي، فانسدت الآفاق وأيقن عرب كثيرون أن مصيرهم مظلم ومستقبلهم غامض، وأنهم أشد ضعفا وعجزا من أن يحرروا أنفسهم بأنفسهم، وتركوا أقدارهم بيد قوى داخلية متحكمة ما انفكوا يحملونها المسؤولية عن خراب حالهم، وقوى أجنبية معادية كانوا قد وقفوا أعمارهم على النضال ضدها، وصار المواطن العربي في شك من أمره، يقلقه سؤال حول أسباب ضعفه، وحول ما حدث وقلب دنياه رأسا على عقب..
في هذه الحقبة، التي خضعت أطراف وطننا العربي فيها لعملية قضم منظم، ومراكزه لعملية سحق أعد لها بدقة، بدأت مظاهر التفكك تطال دولنا ومجتمعاتنا من الداخل، الذي هو مركز قوتنا ومصدرها، فتحولت جمهرة العرب الكبرى إلى تجمعات بلا حقوق وخضعت لسلطات لا وازع لديهم ولا ضمير، انهار بظهورها حكم القانون والشرعية وحل محله حكم القوة، الذي بطش بالناس وقتلهم وأجبر ملايين كثيرة منهم على مغادرة أوطانهم إلى أربع أقطار الأرض، بينما تغربت كتلتهم المقيمة الكبرى عن ذاتها وقضاياها، وغادرت عصرها إلى زمن ليس لها فيه مكان أو موقع أو دور، ونهشت أيد متنوعة الهوية والمطامع أوطانها وكيانها واستهدفتها بصفتها العربية، فهذا يطلق يطالب بجزء من العراق، وذاك يزعم أن القومية العربية حركة صهيونية تتنافى مع الإسلام ( الخميني )، وثالث يطالب باسم مسيحية تحولت إلى هوية قومية بنصف السودان، ورابع يتعلل بالديموقراطية ومقاومة النظام لفصل جزء من المغرب عن وطنه الأم (البوليساريو )، وخامس يرى أن مسيحيي لبنان أمة قائمة بذاتها لا تشبه بقية العرب، ويتنازل فيقبل بالعيش معها في اتحاد كونفدرالي... الخ.
ويا ليت الأمور توقفت هنا، فقد ظهر في نهاية المطاف قوم يريدون بعث الهويات ما قبل العربية، منهم عصبة مثقفين وساسة قالوا بضرورة نفي صفة مصر العربية وطالبوا بإحياء الفرعونية هوية وحيدة لها، وتيار يزعم في السودان أنه ليس بلدا عربيا بل هو أفريقي، بينما تتصاعد الدعوات إلى البربرية كهوية وكثقافة في المغرب العربي، ويعلن رأي واسع الانتشار أن شيعة العراق ليسوا عربا بل شيعة، وأن الأكراد أمة، والعرب مجرد أقلية سنية، فليس العراق عربيا وليس جزءا من الأمة العربية، بل إن أحد المنتمين إلى أقلية وفدت إلى سوريا في مطالع القرن قال إن هذه البلاد لم تكن عربية يوما، وأنها مجرد تجمع أقليات تتعايش مع بعضها البعض دون أن يشدها رابط أو يجمعها انتماء مشترك !.
أين ذهب العرب وماذا أصابهم، وهل بقي لهم وجود سياسي وبشري فاعل في وطنهم المنكوب؟. هل صحيح أن وطننا ليس عربيا وأننا لسنا عربا، وأن فلسطين يهودية وبقية بلداننا لمن يستطيع انتزاعها منا؟. لا جدال في أن العرب بلغوا دركا من الانحطاط لم يسبق لهم أن وصلوا إلى ما هو أكثر سوءا منه طيلة القرن الماضي. ولا ريب في أنهم يتعرضون لتهديد متعدد المصادر والقوى يريد اقتلاعهم من أوطانهم وتغيير هويتها وهويتهم. ومن يتأمل حملة الكراهية المنظمة التي تتهم مثقفي العرب بتأييد الديكتاتورية والاستبداد مقابل أموال تقدمها لهم النظم الحاكمة، وترميهم بالعرقية والتعصب القومي، وتتهم العربي العادي بالعداء للديموقراطية وللتقدم وللآخر، وترى فيه سليل أمة غازية معتدية احتلت المشرق والمغرب بقوة السلاح وتمارس اليوم الاستيطان في أراض ليست لها كالجزيرة السورية اسمها إلى اليوم ديار بكر وتغلب وربيعة وهي جميعها قبائل عربية، سيضع يده على معنى ما يجري، وسيدرك أن العرب تعامل اليوم كأمة دارسة، وأننا إذا لم نفتح أعيننا قبل فوات الأوان فقد نقتلع من أوطاننا، التي تتعاون عليها قوى عظمى وأقزام وفدوا البارحة إلى ديارنا وليس لديهم اليوم من همّ غير الانقضاض عليها.
العرب غائبون ومغيبون، يحيق بهم خطر يكمن سببه الرئيس في غفلتهم وفوات وعيهم واستبداد حكامهم، فإلى متى يدفنون رؤوسهم في الرمال ويتجاهلون ما يدبر لهم، ويتعاملون مع الأخطار وكأنها لا تعنيهم، كأنهم استسلموا لما يدبر ضدهم، أو كأن عقولهم أصابها الشلل فهم صم بكم لا يفهمون؟