مجتمعاتنا تستحق الديمقراطية  

    أكرم البني

البناء الذي ينخره الفساد والقمع لا يصمد أمام الريح وما يستند إلى صخرة الديمقراطية لا تقوى عليه العواصف، هي حقيقة تاريخية أكدتها هزائمنا وما وصلت إليه أحوال مجتمعاتنا في ظل عقود من التسلط والاستبداد. لكن وللأسف، يبدو أن خصوم هذه الحقيقة ومقاوميها يزدادون اليوم في ضوء الانتكاسات والإرباكات التي تشهدها مسارات التغيير والإصلاح ويجاهدون لتزييف دروس الواقع الدامغة واستحضار ما يحلو لهم من الأمثلة والبيّنات للطعن بضرورة الديمقراطية وأهميتها لمجتمعاتنا العربية..

أحدث مظاهر هذه المقاومة جاءت من خلال العمل على الطعن بأهلية مجتمعاتنا لتقبل الديمقراطية وتشويه سمعة مشاريع الإصلاح السياسي واستعمال الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتضليل الجماهير ونشر ثقافة الخوف من أي تغيير أو تحول، بخاصة وأن بعض معطيات الواقع الراهن تغري بذلك، فمرة يجدون في الفوضى والاضطرابات الأمنية التي تعم المدن العراقية مأخذاً على الديمقراطية، يهزأون من العرب الذين لا يستحقون برأيهم الحرية ولا يحسنون استخدامها، يدلون إلى مشاهد التفجير الطائفي والقتل البشع على الهوية المذهبية على أنها مخلفات احترام التعددية وأن الاستمرار في السعي نحو الديمقراطية سوف يزج العراق في آتون حرب طائفية وتقسيم للبلاد!.

ومرة يستخفون بما أنجبته المتغيرات في الوضع اللبناني ويشيرون الى التخبطات القائمة بين الحكومة ورئاسة الجمهورية واحتمال تفجر الأوضاع مع استمرار عجز النخب السياسية اللبنانية عن انجاز التوافقات المطلوبة لضمان استقرار المجتمع وتنميته، ومرة ثالثة يستخفون بنتائج الانتخابات الفلسطينية والتي لم تسفر سوى عن مزيد من حصار الشعب الفلسطيني ومزيد من التوتر والاضطراب! ليخلصوا من كل ذلك الى نتيجة تقول بضرورة تأجيل الاستحقاق الديمقراطي لحمايته من جولة خاسرة أو من عبث العابثين، فالتطبيق الناجح للتعددية والحريات يحتاج برأيهم الى درجة من النضج السياسي والثقافي غير متوفرة في مجتمعاتنا العربية، بينما السائد شعبياً هو إدراك سلبي للديمقراطية يوظفها لإثارة الفتن والانقسامات واستحضار الخصوصيات الفئوية وأساليب العنف وتهديد الوحدة الوطنية!.

ربما يجد البعض بعفوية أن لا شيء يشجع على الديمقراطية ما دام يراها تقود أكثر من بلد الى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار بل ويعتقد أنها تضعه على شفير حرب أهلية لن تبقي أو تذر، في العراق ولبنان وفلسطين، لكن لنتساءل، كيف يتوفر النضج السياسي المزعوم، إذا كان مفقوداً حقاً، ما دام يستمر إقصاء المجتمع من المشاركة في الشأن العام؟! .

ثم ما هي النتائج التي أفضى اليها تدعيم وتكريس الوحدة الوطنية بلغة الحديد والدم، ألم تظهر التجارب التاريخية بما لا يحتمل الشك أن الوحدة الوطنية التي تم التضحية بالحريات من أجلها لم تصمد أمام أول هزة جدية وأمام موجة التحولات الاجتماعية وتنامي النزعات الاستقلالية، بل لم يؤد طمس الاختلافات بالعنف وإنكار حقوق الآخر الى انصهار الخصوصيات في بوتقة الدولة بل على العكس تركها تختمر وتتأجج تحت الرماد لتنفجر بصورة دراماتيكية وفوضوية في أسوأ وقت وأسوأ ظرف؟!

من الحماقة أن لا نتعلم من محن الماضي ومحن الآخر ودروسه كي ننأى عن عثرات وأخطاء دفع ثمنها باهظاً، وتالياً يجب أن لا ننسى أن أكبر عنوان لتخلفنا هو عندما ذهبت مجتمعانا منذ فجر الاستقلال حتى اليوم الى اعتبار الديمقراطية شعارا غريباً عن حقوقنا ومصالحنا وثقافتنا العربية، واختارت معاداتها ومواجهتها بأنظمة شمولية، لا تؤمن بالتعدد السياسي، والحوار والتشارك، بل تمارس، على نقيض من ذلك، الجبروت والطغيان والظلم. ما يعني أن ثمة كارثة حقيقية تنتظرها في حال أحجمت المجتمعات العربية عن الانتقال من عالم الاستبداد الى الديمقراطية.

ولا يستبعد أن يفضي تأجيل هذا الاستحقاق الى انفجار الأزمات المتراكمة بصورة مريعة وأن تسفر حالة الممانعة عن الإصلاح والانفتاح الى انهيارات واسعة أو تفكك الدولة وتشرذمها كما حصل في الصومال وكما يرجح المتشائمون أن يحصل في العراق. ثم ألا تكفينا المعاناة ودورة الآلام التي عشناها طيلة عقود تحت سيف التسلط والاستبداد، وألا يكفينا هذا الفشل المريع في تحقيق الأهداف التي وعدت النخب الحاكمة الناس بها، وكيف تحولت الرموز الوطنية والشعارات القومية التي رفعتها الى غطاء لمراتع الفساد والامتيازات الفئوية ولممارسة القمع والاضطهاد ضد الشرفاء والقوى الحية؟! .

مما لا شك فيه أن ما تعانيه المجتمعات الآيلة للتحول الديمقراطي اليوم من صعوبات وإرباكات يبقى لحظة عابرة صوب أمل ووعد بمجتمع صحي معافى. مثل هذه الصعوبات، هي صعوبات مفسرة واختبارات مفهومة لمجتمعات حطمها القمع وأدمنت السلبية والاتكال، ويجب أن لا تفضي الى هز الثقة بالناس ودورها أو زعزعة الإيمان بالموقف الصائب من حالة الاستبداد وما سببته السلطات القديمة وأساليبها القمعية والاقصائية بوصفها المسؤول الرئيس عما نعيشه الآن!!.

فحالة الفوضى التي تعم العراق وتفشي مظاهر القتل والتدمير ليست بنت الديمقراطية، بل نتيجة طبيعية لما راكمته سنوات طويلة من القمع والمركزة الشديدة ونجاح النظام الديكتاتوري الشمولي في تدمير المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وقتل روح السلام والتآخي والمبادرة لدى الإنسان وتغريبه عن إدارة حياته وحماية حقوقه، أما التحول اللبناني فله سياق مختلف يتعلق بالبنية الطائفية المتخلفة تاريخياً للدولة اللبنانية وبقوة تدخل العوامل الخارجية والمطامع الإقليمية في تقرير مساره وتحجيم آفاقه، بينما تقف الحالة الفلسطينية على درجة من التعقيد في مجالدة للجمع بين القيم الديمقراطية والنضال لاسترجاع الحقوق المغتصبة من محتل يسوغ لنفسه التدخل بمختلف الوسائل، حتى أكثرها عنفاً، في تفاصيل الشأن الفلسطيني. .

إن الانتقال الى الديمقراطية في مجتمعاتنا لا يتحقق بمجرد توفير بعض الحريات والقيام بانتخابات برلمانية، بل هو عملية تاريخية ستتم في فترة زمنية غير قصيرة والطبيعي أن تشهد في بعض مراحلها إرباكات وصراعات حول السلطة وإصرار قوى معينة على تخريبها وإيقافها والارتداد عنها، كما أن الديمقراطية ليست مسحة سحرية وراية وشعارات خلابة، بل هي طريقة في الحياة وأسلوب لتسيير المجتمع يتضمن قيماً وآليات ومؤسسات، فلا يمكن الحديث عن الانتقال الى الديمقراطية دون تعميق القيم الموجهة لسلوك المواطنين في احترام التنوع والاختلاف وأساليب التوافق والصراعات السلمية ودون توافر الآليات المساعدة على نشر هذه القيم والمؤسسات التي تمارس من خلالها هذه الطريقة في الحياة. .

ثمة في الديمقراطية قوة لا توجد في أي نظام سياسي آخر فالإنسان غايتها وهدفها، وهي تتوجه إليه بوصفه المحرك الرئيس لكل تحدٍ وتطور وتعول عليه لتعويض حالة العجز والقصور أمام تحديات البناء والتنمية وفي مواجهة توازن قوى يميل بشكل كاسح لصالح أعدائنا وسالبي حقوقنا، وبالتالي فمجتمعاتنا العربية التي تتوق الى الديمقراطية لا تستحقها فقط، وإنما أيضاً تتمسك بها بالأسنان والأظافر، فدون نصرة الحريات واحترام التعددية وحقوق الإنسان لن تستقيم أمورها وسوف تضل الطريق الوحيدة والناجعة لمعالجة ما صارت إليه أوضاعها من ضعف وتخلف وانحطاط