الدولة الفلسطينية المنشودة "حلقة نقاشية" أدار الحوار :علي الكردي

د. يوسف سلامة، د. أحمد برقاوي، ماجد كيالي، سمير الزبن، سليمان دباغ، إبراهيم الراهب، سلامة كيلة، ياسين الحاج صالح، محمود شواهين، د. محمد أبو ناموس، جواد عقل، ماهر اليوسفي، وأدار الجلسة علي الكردي

 

 

 

أدار الحوار :علي الكردي

الدولة الفلسطينية المنشودة

الواقع.. والاحتمالات

"حلقة نقاشية"

 

نظم مركز الغد العربي للدراسات حلقة نقاشية حول الوضع الفلسطيني الراهن، شارك فيها الباحثون: د. يوسف سلامة، د. أحمد برقاوي، ماجد كيالي، سمير الزبن، سليمان دباغ، إبراهيم الراهب، سلامة كيلة، ياسين الحاج صالح، محمود شواهين، د. محمد أبو ناموس، جواد عقل، ماهر اليوسفي، وأدار الجلسة علي الكردي.

المحور الأساسي للورشة هو الدولة الفلسطينية المنشودة، والاحتمالات المفتوحة المتعلقة بها، وفيما إذا كانت التطورات الموضوعية والذاتية مهيّأة فعلاً لنشوء مثل هذه الدولة، وفي هذا السياق تناول الحوار تشخيص الوضع الفلسطيني الراهن في الداخل والخارج، وفيما إذا كان قادراً على فرض تصوراته لهذه الدولة. وكذلك تناول استراتيجية السياسة الإسرائيلية على ضوء التطورات التي برزت بعد الانتفاضة الثانية، ودورها في تحديد طبيعة الدولة الفلسطينية المنشودة، وقدرة الولايات المتحدة على طرح أجندة مختلفة على طرفي الصراع، أم أن تصوراتها ـ المنطلقة من خارطة الطريق ـ متطابقة مع التصورات الإسرائيلية. كذلك طرحت الورقة النقاشية السؤال حول الدور الذي تقوم به أوربا في هذا الإطار، والوضع العربي والإقليمي وتأثيراتهما على الوضع الفلسطيني.

برز على ضوء الحوار ثلاثة اتجاهات تعكس تباينات في رؤية المسألة: الاتجاه الأول نظر إلى الموضوع من زاوية وعيه السياسي المباشر، والاتجاه الثاني لم يرسم خطاً فاصلاً بين دراسة الظاهرة والموقف منها، ممّا دفعه إلى إلقاء وعيه الأيديولوجي على الظاهرة المدروسة، بينما حاول الاتجاه الثالث تشخيص الظاهرة واحتمالاتها كما هي في الواقع بغض النظر عن موقفه منها، وهنا أيضاً برز أكثر من رأي أحدهما ظل يتحدث في الكليات المجردة، وآخر حاول مقاربة الظاهرة بتعييناتها.

بدايةً قدّم أ.إبراهيم الراهب مدخلاً تاريخياً كتصور لنقاش المسألة وبرأيه لو كان هناك توجه لإقامة دولة فلسطينية عام 1948 حسب قرار التقسيم لما احتلت إسرائيل 78% مقابل 22% زمن الحرب. في عام 1967 استكملت إسرائيل الاحتلال وتراجع المطلب العربي من تطبيق قرار التقسيم والتحرير إلى شعار عودة الأرض المحتلة عام 1976، أي بعد مسيرة نضالية قاسية تراجع سقف المطالب الفلسطينية والعربية، ثم جاء أوسلو الذي أدى إلى انقسام في الصف الفلسطيني والعربي.

ورأى الراهب أن إسرائيل حددّت أربع لاءات بعد حرب حزيران وهي: القدس، الحدود، اللاجئون، المستوطنات، وكل ما جرى حتى الآن من تطورات لم يغيّر شيئاً من الموقف الإسرائيلي تجاه هذه اللاءات، وبالمقابل لم تستطع المقاومة الفلسطينية أن ترتقي بأوضاعها لتحقيق أهدافها بحكم ظروف موضوعية وذاتية، والنتيجة أن إسرائيل برأيه لن تنسحب من الأرض الفلسطينية، ولن تسمح بإقامة دولة فلسطينية في ظل الخلل القائم في موازين القوى، ودعم الولايات المتحدة وأوروبا لإسرائيل، وبالتالي أمام الفلسطينيين نضال طويل وشاق لترتيب أوضاعهم وتحالفاتهم على المستوى الفلسطيني والعربي والعالمي.

 

الدولة الفلسطينية بين فكرة الحق والقوة!

ورأى د. أحمد برقاوي:

أن هناك من الناحية النظرية سقف موافق عليه فلسطينياً لإقامة الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وهناك سقف لإقامة الدولة في غزة وجزء من الضفة الغربية موافق عليه نظرياً أمريكياً وإسرائيلياً، لكن القوى الفاعلة لنقل هذه الإمكانية إلى واقع عملي هي الولايات المتحدة وإسرائيل، وتريد السلطة الفلسطينية من الولايات المتحدة أن تكون أداة ضغط وأداة تنفيذ لقيام الدولة، لكن إسرائيل هي عامل نابذ لقيامها حسب الفهم الفلسطيني، وهذا العامل النابذ قوي جداً ويواجه بسلطة فلسطينية قوتها من الناحية العملية ناشئة عن فكرة الحق التي تتملكها، ومن مجتمع فلسطيني قادر على إعادة إنتاج الانتفاضة مرة أخرى بوصفها طقساً لتحقيق أجندات سياسية، وهذا عامل تأخذه إسرائيل بعين الاعتبار.

الوضع العربي أيضاً بحسب رأي د. برقاوي هو عامل نابذ، ولا يشكل عنصراً مهماً، والاتحاد الأوروبي هو الطرف الوحيد الأقرب إلى التصور الفلسطيني، لكنه أيضاً غير فاعل لتحقيق الدولة الفلسطينية.

ويتساءل برقاوي:

هل حل القضية الفلسطينية بشكل دائم مرتبط بإقامة الدولة الفلسطينية؟ ويخلص إلى أن الحل الدائم مرتبط بحل ثلاثة قضايا هي: المستعمرات، القدس، اللاجئون. ويضيف: هل لدى الفلسطينيين القوة والقدرة على فرض تصوراتهم، أو جزء من تصوراتهم لمستقبل القدس واللاجئين والمستوطنات؟! هذه هي المسائل المهمة التي يجب تناولها والإجابة عليها.

وعلّق علي الكردي بالقول:

دخل عرفات أوسلو وحلمه قيام دولة فلسطينية في حدود 1967 (الضفة الغربية وغزّة)، لكنه اصطدم بأن أوسلو والمفاوضات الماراتونية بعده لم تصل به إلى تحقيق هذا الهدف، مما فجّر الانتفاضة الثانية كأداة أخرى للضغط، لكن الانتفاضة وصلت إلى مأزق، وبعد موت عرفات حاول أبو مازن تغيير الأدوات والعودة إلى التفاوض، فهل تغيرت المعادلة فلسطينياً أم لا يزال المأزق قائماً؟!

رداً على هذا التساؤل يلاحظ برقاوي بأن الانتفاضة خلقت وقائع جديدة على الأرض لا يمكن لإسرائيل تجاوزها، فهي سبّبت وضعاً صعباً للفلسطينيين والإسرائيليين على حدٍّ سواء، وبالتالي شروط الفلسطينيين الآن ليست أفضل حالاً من الشروط التي دخل فيها أبو عمار إلى كامب ديفيد.

 

تحقيق الدولة الوطنية المستقلة هدف من أهداف الانتفاضة!

علي الكردي:

طرح محمود عباس التهدئة، والإصلاح الإداري والسياسي، ويراهن على إعادة بناء المؤسسات، وإنهاء عسكرة الانتفاضة، ويقول بإمكانية استخدام أساليب أخرى عبر التفاوض لتحقيق أهداف سياسية فلسطينية في إقامة الدولة على أراضي الضفة الغربية وغزة، كذلك هناك اختلاف واضح بين أسلوب عرفات (الدعوة إلى التفاوض، ودعم الانتفاضة من تحت الطاولة) وبين أسلوب أبو مازن في المرحلة الجديدة، لكن المأزق سوف يظل قائماً بغض النظر عن اختلاف الأسلوبين، وسوف يزداد الأمر تعقيداً في المرحلة القائمة، رغم ملاحظة الوقائع الجديدة التي خلقتها الانتفاضة على الأرض. الأجندة الإسرائيلية ماضية في تنفيذ خطتها (انسحاب أحادي من قطاع غزة وبعض المستوطنات في الضفة)، ومن ثم فرض وقائع موضوعية صعبة على الأرض تمس حياة الفلسطينيين من خلال تعزيز الحصار على غزة وفصلها عن الضفة، مما قد يؤدي إلى احتمال الاقتتال الداخلي، أو شكل ما من أشكال الترانسفير الذي سيكون نتيجة الظروف الموضوعية الصعبة المفروضة على الأرض.

من جهة أخرى فإن الأجندة الأمريكية ـ الأوروبية (خارطة الطريق) تدعو في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية، لكن ماهية هذه الدولة وحدودها وآفاقها لم تتوضح تماماً بحسب هذه الرؤية.

 

الدولة الوطنية ووثيقة الاستقلال.

د. محمد أبو ناموس:

أريد أن أذكر أن المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في الجزائر في 15/11/1988 أعلن وثيقة الاستقلال التي تنص على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية التي أكدت على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، باعتباره حقاً طبيعياً وتاريخياً وقانونياً، بالإضافة إلى أن كفاح الشعب الفلسطيني ونضاله عبر الأجيال المتعاقبة قد كرّس هذا الحق، ويمكن أن نضيف أن قرارات القمم العربية المستندة بالأساس إلى قرارات الشرعية الدولية، ومنها قرار التقسيم الذي صدر عام 1947 الذي ينص على حق الشعب الفلسطيني في ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال السيادي والسياسي فوق أرضه إلخ... كل هذه المسائل تشكل تراكمات على طريق إقامة الدولة الفلسطينية، ووفق معايير خبراء القانون الدولي هناك أربعة معايير لنشوء دولة مستقلة هي: 1- الأرض والتي تعني وجود أراضي محددة لا تختلف أي دولة بشأن السيادة عليها، 2- وجود سكان دائمون على هذه الأرض، 3- قدرة الدولة واستعدادها لتأدية الالتزامات الدولية والأعراف المتفق عليها، 4- التحكم الفعّال لهذه الدولة بالأراضي وسكانها.

ووفق هذه المعايير المتوفرة أساساً على أجزاء من أرض فلسطين التاريخية في الضفة الغربية وغزة المحتلة عام 1967 هناك أساس شرعي ثابت لإقامة الدولة الفلسطينية.

هذا التصور الذي استندت إليه وثيقة الاستقلال بني على آراء مجموعة من الخبراء الدوليين، أما لماذا لم تقم الدولة الفلسطينية حتى الآن (وهذا هو المحور الذي تناقشه هذه الورشة)؟ فهذا بتقديري يعود إلى عدة أسباب منها أن القدس والسيادة على القدس الشرقية ما تزال موضع خلاف حتى الآن على الرغم من أن مائة واثنتان وتسعون دولة في العالم لم تعترف حتى اللحظة بسيادة إسرائيل على القدس الشرقية بما في ذلك الولايات المتحدة، وبالتالي لم يتم الاعتراف دولياً بالقدس الموحدة (كما تريدها إسرائيل) حتى الآن.

في الجانب الدبلوماسي وبعد إعلان وثيقة الاستقلال وحق الفلسطينيين بإقامة الدولة تم اعتراف مائة وأربع وعشرون دولة بهذا الإعلان، النقطة الثالثة التي تتعلق بالمعايير وهي ديمومة السكان، أعتقد بأنها مسألة ليست بحاجة إلى نقاش، أما مسألة التحكم الفعّال في الأرض والسكان فأعتقد أن منظمة التحرير، أو السلطة الفلسطينية باعتبارها ذراع المنظمة في الضفة وغزة (إذا جاز التعبير) فهي لم تُتح لها الفرصة الكافية لممارسة التحكم حتى اللحظة بسبب وجود الاحتلال.

إن اتفاق أوسلو الذي خلق السلطة الفلسطينية في ظل خلل موازين القوى على كافة الأصعدة الإقليمية والدولية لم يكن في مصلحة م. ت. ف، لذلك فالسلطة الفلسطينية، أو منظمة التحرير الفلسطينية لم تستطع أخذ زمام المبادرة لإعلان الدولة الفلسطينية رسمياً حتى تمارس ما تستطيع ممارسته وذلك لعدة أسباب منها: الموقف العربي الرسمي السلبي، على الرغم من أن بعض الدول العربية في بداية إعلان وثيقة الاستقلال عام 1988 قد أبدت استعدادها لدعم إقامة الدولة الفلسطينية، لكنّها كفّت عن ذلك بعد تشكيل السلطة الفلسطينية لاحقاً في غزة والضفة الغربية. كذلك تراكمت مجموعة من الإشكاليات حالت دون إعلان قيام الدولة الفلسطينية بشكل رسمي، ومنها الموقف الأوربي والأمريكي بشكلٍ خاص الذي لم يسمح بهذا الإعلان.

وختم د. أبو ناموس بالقول:

إن قيام الدولة الفلسطينية قابل للتحقق في ظل المعطيات القائمة، شرط أن تقلع الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية عن سياسة التناحر وتخطو خطوات مدروسة باتجاه وحدة وطنية فلسطينية فعلية على الأرض.

 

الدولة الفلسطينية حاجة وطنية وإقليمية ودولية!

د. يوسف سلامة:

لا أريد مناقشة المسألة من زاوية توفر أو عدم توفر ضمانات كاملة، لأن الضمانات الكافية هي الحفاظ على الهوية الفلسطينية، ومن هنا فإن الهوية الفلسطينية يجب أن تتركز على رقعة من أرض فلسطين ضمن المعطيات القائمة، ومطلبنا أن تقوم دولة للحفاظ على الهوية الفلسطينية، وبالتالي لا يصحّ النقاش في: هل نريد دولة أو لا نريد؟! لأن النقاش في هذا الموضوع معناه تعريض الهوية ذاتها والمصير للخطر. الآن بعد التسليم بكل ما قاله الزملاء، وحتى لا أكرر ما قالوه برأيي الدولة الفلسطينية هي ليست مطلباً فلسطينياً فقط في هذه الظروف، وإنما هي أيضاً مطلب دولي، وحاجة إقليمية، وحاجة وطنية في نفس الوقت، لأن استقرار المنطقة لا يمكن له بأي حال من الأحول أن يتأتى، ويتحقق فعلاً ما لم يكن هناك نوع من التسوية لهذا الصراع العربي ـ الإسرائيلي والذي حتى الآن أصبح فعله المحتدم هو الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. هذا مطلب إقليمي لابدّ منه.

الطلب الدولي، وخاصة الحاجة الأمريكية لما يسمونه مكافحة الإرهاب يدفع الأمريكيين إلى نزع ما يرونه من أسباب الإرهاب، ومعالجة الأسباب الأخرى (الاستبداد والفقر).

إذن هناك سببان حسب وجهة النظر الأمريكية للإرهاب: سبب سياسي وآخر اقتصادي، وما لم يتم العثور على حل للقضية الفلسطينية، فالإرهاب من وجهة النظر الأمريكية سيستمر في العالم وليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب.

إذا كان الأمريكيون قادرين على ترويض النظم السياسية وغزو البلدان العربية، فهم غير قادرين على تغيير الوضع الفلسطيني إلاّ بدفعه إلى الأمام نحو نوعٍ من الاستقرار الإقليمي الذي يخططون له (شرق أوسط كبير) حسب التصور الأمريكي أو حسب التصور الإسرائيلي، ومن هنا فإن مطلب الدولة الفلسطينية لم يعد مطلباً فلسطينياً، أو إقليمياً فحسب، وإنما حاجة دولية تمليها موازين القوى الاستراتيجية السائدة في العالم، وهذا من شأنه أن يجعل موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل أقلّ اختلالاً دون أن يجعلها متكافئة بأي حال من الأحوال.

على ضوء ذلك، إذا ما تحققت شروط داخلية فلسطينية، تعي استراتيجية الولايات المتحدة، وتتناغم مع المطلب الدولي (أعتقد إذا حدث هذا) فسوف تُدفع الأمور خطوة في الاتجاه الصحيح نحو قيام دولة فلسطينية، أما إذا لم يستطع الفلسطينيون إيجاد تعايش فلسطيني عميق ينطوي على حدٍّ أدنى من البرامج السياسية، ففي هذه الحالة يصبح الخلل بموازين القوى أقوى. إذاً العامل الذاتي مهمٌّ جداً، ولا ينبغي الاحتكام فقط إلى العامل الدولي، وإلاّ نكون كمن يفكر بطريقة قدرية، وبهذا المعنى يزداد الدور الفلسطيني أهمية في ظل التصورات الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية، والدولة الفلسطينية هي مطلب أمريكي، لا من أجل الفلسطينيين ولكن من أجل تحقيق مصالح أمريكية أعم وأشمل.

 

ليس هناك خلاف جدّي بين الفلسطينيين حول الدولة!

جواد عقل:

إن إقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وغزة كان محل خلاف بين القوى الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، ولكن مع تطور الأوضاع، وبعد الانتفاضة الثانية أصبح هذا الأمر موضع إجماع فلسطيني، حتى أن حماس والجهاد الإسلامي يتحدثان بنوع من الإيجابية حول هذا الهدف ارتباطاً بالمعطيات الدولية والإقليمية والفلسطينية، وبتقديري ليس هناك خلاف جدّي بين الفلسطينيين حول أهمية وضرورة إنجاز هذا الهدف، وإنما الخلاف هو حول سبل تحقيقه، والمقصود بالدولة حسب المطلب الفلسطيني كما بات معروفاً هو: دولة كاملة السيادة في أراضي الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس الشرقية، مع الأخذ بعين الاعتبار عودة اللاجئين إلى ديارهم، على الرغم من أن المطلب الأخير ما تزال ملامحه غير واضحة كمطلب دولي، لأن الإدارة الأمريكية تتبنّى الموقف الإسرائيلي الذي يريد دويلة لا دولة في غزة وأجزاء من الضفة، وبالتالي هناك ضرورة ملحّة لبلورة استراتيجية فلسطينية واضحة للتوجه إلى العرب والمؤسسات الدولية للضغط على الكيان الصهيوني من أجل تحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية حسب الفهم الفلسطيني، ومن الخطأ برأيي وضع كل الملف الفلسطيني في سلّة الإدارة الأمريكية التي تتبنى الموقف الإسرائيلي، لاسيما وأن خارطة الطريق ـ حتى دون التحفظات الإسرائيلية عليها ـ هي حل أمني لا يحقق للفلسطينيين حلمهم المنشود بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة.

إن الاستراتيجية الفلسطينية المطلوبة يجب أن تقوم على إجماع وطني فلسطيني في استخدام كافة الأساليب النضالية والكفاحية، سواء كان نضالاً سلمياً، أو كفاحاً مسلحاً من أجل الضغط على دولة الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي ومؤسساته لتحقيق مثل هذا الهدف.

تعليقاً على كلام جواد عقل يتساءل علي الكردي: على ضوء المعطيات التي قمت بطرحها ما هي برأيك الاحتمالات، أو الآفاق المستقبلية بعد التهدئة، والهدنة المؤقتة.. هل ستمضي العملية التفاوضية أم ستصل إلى مأزق يؤدي مرةً أخرى إلى انفجار انتفاضة ثالثة، أو كفاح مسلّح.. أم سيتم فرض شروط ما على الأرض بشكل قسري على الفلسطينيين؟!

جواد عقل:

أعتقد أن المرحلة القادمة تحمل في طياتها مأزقاً للحل المطروح للقضية الفلسطينية، سواء فيما يتعلق بطرح القيادة السياسية الفلسطينية التي روّجت أوهاماً بإمكانية إيجاد حل، أو فيما يتعلّق بأصحاب الحل الدولي (الأمريكيين والأوروبيين)، وباعتقادي أن الشعب الفلسطيني بعد كل التضحيات التي قدّمها قادر على الاستمرار في نضاله بأشكال مختلفة، والانتفاضة ليست الأسلوب الوحيد وبكل الأحوال لا يمكن للشعب الفلسطيني بعد التجربة الطويلة من النضال والتضحيات أن يقبل بأقل من دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.

 

ليس هناك إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة!

سلامة كيلة:

أرغب في مناقشة الموضوع من زاوية مختلفة.. لقد أثبتت التجارب أنه لا يوجد إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة بالشروط الذاتية والموضوعية القائمة، والخطأ الذي ارتكبته التنظيمات الفلسطينية نابع برأيي من الاعتقاد غير الصحيح بأن تخفيف الهدف قد يؤدي إلى قبول إسرائيل بالحل، وانطلاقاً من هذه النقطة، أو النظرة التبسيطية توقف الفلسطينيون عن المطالبة بفلسطين التاريخية، ووافقوا على إقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وغزّة (حدود 1967)، وهذا ناتج عن غياب رؤية دقيقة لطبيعة المشروع الصهيوني، المرتبط أساساً بالمشروع الإمبريالي، وبالتالي تحوّلت المسألة وكأنها تعامل مع دولة عادية تحتل جزءاً من الأرض، وبالتالي يمكن المساومات معها على المساحة التي قد تتنازل عنها كدولة احتلال.

إن مثل هذا التحليل الذي تبنته جهات فلسطينية شطب كل التحليلات السابقة له، واعتبر أن إسرائيل التي قامت على أراضي الـ 1948 هي حل لمشكلة اليهود، وباتت المشكلة في أراضي الـ 1967 التي يمكن استعادتها دون ملاحظة الطبيعة الإمبريالية التوسعية للمشروع الصهيوني، ودوره الإقليمي، وحينما ندقق وندرس الوقائع على الأرض منذ أوسلو وحتى اليوم نلحظ أن إسرائيل ماضية بتنفيذ رؤيتها للحل التي تعتبر أن كل الأراضي الفلسطينية هي إسرائيل، وهي تفصل بين الأراضي والسكان، وتعتبر أن جميع الفلسطينيين الموجودين في الضفة الغربية وغزة، وحتى من هم في أراضي الـ 1948 هم جالية أجنبية على أرض إسرائيل، إن كافة الحلول الإسرائيلية تنطلق من هذه الرؤية، وقد نجحت إسرائيل من خلال أوسلو في إدخال هذا العنصر، وعلى هذا الأساس تعمل على تغيير الوقائع على الأرض من خلال بناء الجدار وتوسيع المستوطنات وتخليها مؤخراً عن غزة لا يعني بالضرورة أنها سوف تتنازل عن الضفة.

حول الوضع الدولي وتأثيراته على المنطقة يجب أن نتذكر أن الفلسطينيين لم يستطيعوا في ظل الحرب الباردة ووجود السوفييت الضغط لتغيير المعادلة، فكيف يمكن لهم التأثير حالياً بعد أن أصبحت الولايات المتحدة هي القطب المهيمن عالمياً؟!، حيث تسعى إلى الاحتلال والهيمنة المباشرة على مناطق مختلفة في العالم وفي المنطقة العربية، وبالتالي كيف يمكن أن تقبل إسرائيل في مثل هذه الشروط التنازل، ونشوء دولة فلسطينية؟! وإذا افترضنا جدلاً أن من الممكن قيام مثل هذه الدولة (رغم عدم قناعتي في ذلك) فهي سوف تقوم في إطار المشروع الإمبريالي ـ الصهيوني، وسيأتي من يقبل من الفلسطينيين بهذا المشروع كي يحكموا كموظفين تابعين لأصحاب المشروع.

 

إقامة الدولة الفلسطينية مسألة محسومة والنقاش يدور اليوم حول حدود هذه الدولة!

سمير الزبن:

وعلى النقيض من رأي سلامة كيلة يرى سمير الزبن أن مسألة قيام دولة فلسطينية باتت مسألة محسومة، لكن الجدل القائم اليوم هو على حدود هذه الدولة، وهذه النقطة هي التي تحتاج برأيه إلى نقاش، ولكن من نوعٍ آخر لأنه حدث تحول في مفهوم الدولة، هذه الدولة الممولة أوروبياً، والتي سيكون الأمريكان ضامنيها هي ليست الدولة المستقلة، ولا هي الدولة التي طُرحت في الستينات بمعنى الدولة الوطنية الديمقراطية فهناك تحوّل بالأساس بالمشروع السياسي الفلسطيني، وبصراحة يقول الزبن: لا أجد اليوم تصوراً فلسطينياً للدولة، بل هناك عبارة عن حل ينتج عن المفاوضات، وقد استطاع الفلسطينيون خلال المرحلة الماضية أن يصمدوا في مواجهة السياسة الإلغائية التي مارستها إسرائيل، لكن الشرط السياسي الإقليمي والدولي هو شرط مختلف عن الشرط الذي كان قائماً في ظل صراع القطبين وبالتالي برزت إشكالات من طبيعة أخرى، وليس هناك مؤشرات في المدى المنظور، ستعدّل ميزان القوى، والدولة حسب (خارطة الطريق) لم تعد مطروحة كحل نهائي، بل يجري الحديث عن دولة مؤقتة، بعد أن جرى تدجين مفهوم الدولة المستقلة التي تأتي على قاعدة استقلال في مواجهة الاحتلال، والدولة المطروحة اليوم هي دولة توافقية تُطرح عبر تسوية مع الإسرائيليين بإشراف أمريكي على إدارة المفاوضات، وبالتالي مثل هذه الدولة سوف يتم توظيفها في إطار السعي لاستقرار المنطقة. والإشكال القائم اليوم بين مفهومين، الأول مفهوم مأزوم وهو مفهوم دولة المقاومة، وبين مفهوم آخر أكثر إمكانية للتحقيق وهو أيضاً مفهوم مأزوم لأنه دولة التوافق مع التصورات الأمريكية للمنطقة، وبهذا المعنى لا يوجد اليوم مفهوم واحد للدولة حتى يُناقش، لا فلسطينياً، ولا عربياً، ولا دولياً.

الدكتور برقاوي مقاطعاً:

يوجد هناك تصوّر فلسطيني للدولة، ويوجد تصوّر إسرائيلي لهذه الدولة، ولو لم يكن هناك تصورين مختلفين بعض الشيء، لما كان هناك مشكلات بين الطرفين.

يتابع سمير الزبن:

برأيي لا يوجد تصور إسرائيلي للدولة الفلسطينية، ولا يوجد تصور فلسطيني، بل هناك صراع على قضايا. يوجد صراع على الأرض، وصراع على المستوطنات.. أنا أقصد الدولة كمشروع وطني. الدولة كمشروع وطني بالمعنى الفلسطيني أعتقد أنه تفكك، والحديث الجاري اليوم أن هناك تصورات متقاربة، وهم يحتكمون للأمريكيين، بمعنى أنه يوجد قضايا، ونحن متفقون على أن إسرائيل بالأساس (هذه بديهية) أنها مشروع توسعي، وبالتالي هي تتوسع على حساب الأرض الفلسطينية......

يقاطع برقاوي بسؤال:

تُرى هل يمكن أن نستخدم الآن جهاز المفاهيم القديمة في تحليل العالم الراهن؟! أخشى ما أخشاه أن نكون مسمّرين في هذا الجهاز القديم، ونرى القضية في إطار هذا الجهاز. نعلم أن إسرائيل مشروع إمبريالي ـ صهيوني، ولكن ما هو موقع إسرائيل في هذا العالم اليوم؟! وما هي الإمبريالية الآن؟ ما هو مفهوم الدولة الوطنية الفلسطينية؟ ماذا تعني الدولة؟ وماذا تعني الدولة الوطنية؟...

يتابع سمير الزبن:

أعتقد (بالتحليل السياسي) يجب دائماً أن تُتخذ المعطيات في اللحظة السياسية الراهنة، ويجب أن تُرى المشاريع في سياق هذه اللحظة دون أن تُقطع عن تاريخها، وعن تاريخ التحولات، وبالتالي أي مشاريع فلسطينية يجب أن يُنظر لها ارتباطاً بمعطيات الصراع، وبمعطيات واقع الحال. إذ لا أستطيع أن أرى الدولة الفلسطينية دون السلطة، ولا أستطيع أن أشاهد الدولة الفلسطينية دون حركة الفصائل، ودون الهيمنة الأمريكية، ودون التراخي العربي الذي أفضى إلى التخلي عن القضية الفلسطينية لاعتبارات داخلية، وهذه كلها عوامل بالأساس تحكم السياق الذي يؤدي إلى إقامة دولة محكومة بآليات معينة. عندما يقول الأمريكان: (رؤية بوش للدولة) فهذا يعني دولة متحكّم بها حسب مشروعهم، والموضوع الفلسطيني الذي كان أساسياً في العالم العربي تحول اليوم لعارض من عوارض الصراعات في المنطقة، بحكم قضايا كبيرة مستجدة، إذ قضية العراق اليوم لا تقل أهمية عن قضية فلسطين لجهة حسم مسار المنطقة، وكذلك موضوع مطالب الإدارة الأمريكية في تغييرات داخلية للأنظمة العربية الذي بات عاملاً مؤثراً إلى حد كبير باتجاهات المنطقة، وعلى هذا الأساس تنظر الولايات المتحدة إلى الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ضمن معطيات الرؤية الأمريكية للمنطقة وما هو مطلوب منها، وأعتقد أن الولايات المتحدة بحاجة لحل هذا الصراع حسب رؤيتها، وهذا ربما يسمح لهامش حركة فلسطينية، ولكن هذا الهامش لا يسمح ـ كما يعتقد البعض ـ للانقلاب على الصيغة الأمريكية بمعنى من المعاني، لذلك قلت أن موضوع الدولة بات محسوماً والصراع الجاري هو صراع على حدود هذه الدولة بغض النظر عن كل التفاصيل الأخرى التي من الممكن أن تؤثر سواء بتوافق الفصائل أو برؤية، أو بتعايش، أو بما يسمى بوحدة وطنية إلخ... الصراع اليوم هو على حدود الدولة، ولكن ضمن الرؤية العامة المحكومة بمعطيات أمريكية وإقليمية.

على الكردي:

على ضوء تحليلك هذا للصراع، واحتمالاته الممكنة، وعلى ضوء الوضع العربي والإقليمي والدولي السلبي، هل يعني هذا أن يقبل الفلسطينيون بهذا القدر الذي يفرض عليهم؟! وهل تستخدمهم إسرائيل كوسيلة استخدامية من أجل أن تتحول (ضمن النظام الشرق أوسطي) إلى جزء طبيعي من نسيج المنطقة؟ هل تعتقد بهذا الاحتمال أم هناك احتمالات أخرى؟

 

الصراع الداخلي الفلسطيني خطر كامن قابل للانفجار!

سمير الزبن:

إن حلم البعض بأن تتحول الدولة الفلسطينية القادمة إلى سنغافورة المنطقة هو مجرد حلم، وأعتقد أن الفلسطينيين أصبحوا أكثر تواضعاً، وأنا لا أرى المخاطر بقيام مثل هذه الدولة، بل هناك إشكال فلسطيني داخلي، يشكّل لديّ بصراحة خوفاً شديداً على الموضوع الفلسطيني، ليس لاعتبارات خارجية وإنما لاعتبارات داخلية، ولا أحد يعتقد اليوم أن الفلسطينيين محصنين ضد الحرب الأهلية، فهم مثل أي شعب آخر، بل ربما يكون الوضع أسوأ، إذ أن هناك الكثير من التناقضات والقضايا التي توضع تحت السجادة، دون أن نعترف بوجودها. نحن اليوم لسنا موحدين حول قضايا معيّنة، أو حول رؤيتنا لطبيعة الدولة القادمة، بل نعيش صراعاً داخلياً على السلطة على الرغم من أن الدولة لم تقم بعد، هناك إشكال داخل السلطة، وهناك إشكال داخل فتح، وإشكال بالعلاقة بين فتح وحماس، ويوجد صراع حقيقي على أشكال التحكّم بالمجتمع الفلسطيني، وهناك عمليات استقطاب، صحيح أنها لم تصل إلى مرحلة الانفجار، ولكن دون تنظيم آليات، ودون رؤية فلسطينية للوضع الداخلي الفلسطيني من الممكن أن يحدث الانفجار في أية لحظة، وهذه المخاطر برأيي هي أهم للنقاش من مسائل الرؤية أو التصورات القادمة لشكل الدولة الفلسطينية.

 

خيار الدولة ليس حتمياً!

ماجد كيالي:

إن خيار الدولة الفلسطينية هو خيار سياسي تاريخي، وهو أحد الخيارات الوطنية بالنسبة للفلسطينيين لكنه ليس خياراً حتمياً، وليس بالضرورة أن نشهد قيام دولة بعد أربع أو خمس سنوات، إن الحركة الوطنية الفلسطينية اقتربت من مفهوم الدولة الفلسطينية منذ ثلاثين عاماً، وازدادت اقتراباً منه منذ العام 1988، وبالتالي موضوع الدولة الفلسطينية، أو هذه التسوية المجحفة على علاتها هي مشروع نضالي، وليس مشروعاً يقدم للفلسطينيين باعتباره منحة أو هبة من الآخرين، وإذا كانت الدولة مشروع إمبريالي أو إسرائيلي فلماذا لم تقم حتى الآن؟!

لقد عملت إسرائيل على تقويض عملية التسوية بكافة مجالاتها، ومن وجهة نظري لدى الفلسطينيين معضلة في التعامل مع إسرائيل سواء في الصراع معها عبر الكفاح المسلح، أو في التسوية، وهذه المعضلة ناتجة عن الاختلال الحاصل في موازين القوى نتيجة علاقة إسرائيل مع القوى الغربية، وتحالفها مع الولايات المتحدة التي تعتبر القطب المهيمن على النظام الدولي وعلى عملية التسوية، ورغم أن العالم اليوم بما فيه الولايات المتحدة بات نظرياً مع الدولة الفلسطينية، إلاّ أن هذه المسألة لم توضع ولا مرّة واحدة على رأس جدول أعمال الولايات المتحدة التي تنظر إلى موضوعة الدولة الفلسطينية باعتبارها جزءاً من خطة عامة أشمل ترتبط بنظرتها إلى إعادة هيكلة المنطقة وشروط الديمقراطية والإصلاح حسب فهمها، وبهذا المعنى لا أجد أية إمكانية لإقامة الدولة الفلسطينية المتخيلة (الدولة الوطنية المستقلة) التي يطمح لها الفلسطينيون، أما الدولة الواقعية فهي مرهونة بالعملية التفاوضية، وموازين القوى الفاعلة، وبما أن الوضع العربي الراهن متهالك على مستوى الحكومات والمجتمعات، والولايات المتحدة ترسم خريطة العالم والمتغيرات فسوف نجد أنفسنا أمام دويلة في قطاع غزة وشكل من أشكال الحكم الذاتي في الضفة الغربية وأمام هذه المعطيات غير المؤاتية ليس أمام الفلسطينيين سوى أحد حلين، إما أن يركّزوا على هدف الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وهذا يحتاج إلى آفاق سياسية، وأيضاً إلى ممارسة نظرية منسجمة مع هذا الحل، وإلى نهج نضالي مختلف، وإما اعتماد الحل الآخر الذي يريد كامل التحرير والقضاء على الكيان الصهيوني وهذا من الطبيعي أن ينسجم مع ذاته بممارسة العمليات الاستشهادية وغير الاستشهادية.

الخيار الأول يركز على هدف الدولة الفلسطينية، والخيار الثاني يقول أننا عجزنا في التسوية، وعجزنا في الصراع، ولندع الأمر الواقع يأخذ مساره ويطور احتمالاته ليفتح على مسارات أخرى مثل دولة ثنائية القومية، أو دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين.

 

الرؤية الإسرائيلية للدولة الفلسطينية: حرب خرائط على الأرض!

ماهر اليوسفي:

هناك أكثر من رؤية إسرائيلية للدولة الفلسطينية، حيث تحول الصراع الآن إلى حرب خرائط على الأرض، وحسب ما جاء في قرارات مؤتمر هرتز ليا تحددت الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية باستبدال أراضٍ بأراضٍ سواء في الأردن أو الضفة أو حتى في جزء من الجولان، وهناك لدى العقل التفاوضي الإسرائيلي بدائل دائمة يطرحونها، وبالتالي علينا أن نعين الإشكاليات التي وصلت لها العملية التفاوضية وتأثيرات سنوات الانتفاضة، وفيما إذا مارست ضغطاً على الإسرائيليين يدفعهم إلى تغيير اللاءات الإسرائيلية التي واجهت عملية التفاوض (في أوسلو وواي ريفر وكامب ديفيد إلخ..) من جهة أخرى يمكن أن نلحظ أن التفكير الأوروبي يركّز على بناء سلطة أكثر من تركيزه على بناء دولة كذلك فالمشروع الأمريكي في المنطقة، أو ما يسمى (الحرب على الإرهاب) يتجه حالياً إلى التهدئة على الجبهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية وهذا يصب في خدمة المصالح الأمريكية، ومن جهته الوضع العربي ضعيف ومهترئ، ويبدو أن خيار الانسحاب من غزة هو نوع من الاختبار وتجزئة للتسوية من وجهة النظر الإسرائيلية التي تنطلق من ضمان الأمن الإسرائيلي، إن أي حل نهائي مرتبط بقضايا: القدس واللاجئين والحدود وحتى الآن الأمور لم تنضج، وبالتالي سيظل الصراع قائماً لسنوات طويلة، وإذا لم تستطع إسرائيل والولايات المتحدة أن تجدا حلاًّ لهذه القضايا، فلن تستطيعا بتقديري الضغط على الفلسطينيين، على الأقل الآن لتقديم تنازلات تجاه هذه المسائل.

إقامة دولة فلسطينية سيحوّل الصراع مع إسرائيل من صراع حركة تحرر وطني إلى تنازع على حدود بين دولتين!

محمود شواهين:

أتفق في العام مع ما طرحه سلامة كيلة، على الرغم من أن طرح سؤال الدولة هو طرح قديم ودائم وارتبط بالمشروع الوطني الفلسطيني، غير أنه مؤخراً تمّ اختزال المشروع الوطني الفلسطيني برمته إلى مشروع سلطة وطنية تقام على أي قطعة أرض يتم تحريرها، وبالعودة إلى حرب 1973 والأوهام التي رافقتها في التجربة الفلسطينية حول إمكان قيام سلطة وطنية فلسطينية تامة على أي قطعة يتم تحريرها، ثم أطروحة دولة في حدود الرابع من حزيران، وصولاً إلى الدولة الموهومة حسب اقتراح بوش، وأخيراً التي يتفق عليها في المفاوضات مع شارون..إلخ...

أعتقد أننا دون تأسيس وعي حقيقي بطبيعة ومعنى مشروع العدو الصهيوني، باعتباره كياناً استيطانياً توسعياً، وطبيعة رؤيته بالضبط، ليس من موقع مسلمات القومية فحسب، بل من طبيعة أن الصراع معه هو صراع وجود وليس مواجهة، فسوف يستمر هذا الكيان في دوره ويحقق تقدماً.

عندما نعيد الصراع إلى جوهره، نعيد الاعتبار إلى أننا حركة تحرر وطني، لها وظيفة واضحة ومحدّدة، وعلى هذا الأساس إذا نظرنا لصراعنا مع العدو كصراع على الوجود (أن نكون أو لا نكون) لا يهمنا عندئذ أن نقيم دولة أو لا نقيم، لأن صراعنا ضد الكيان الاستيطاني هو صراع مركب ومعقد وطويل الأمد، له تشعباته الدولية، أما إذا وضعنا الصراع في حدود دولة سيكون صراعاً غير مفهوماً، وكأنه صراع على أرض متنازع عليها، بهذا المعنى إذا لم نتفق على المقدمات لن نتفق على النتائج والنهايات.

أود أن أقرأ عليكم نصّاً حول رؤية شارون للدولة الفلسطينية.

يقول شارون حرفياً: أنه وافق عليها (الدولة) قبل أن تعلن خارطة الطريق، بغرض الانفصال الدائم، على أن تقوم على أصغر رقعة ممكنة من الأرض بأكبر عدد من السكان، وهو يعتبر وجودها شرطاً لاستمرار التفاوض على الحل الدائم.

لقد تحولت هذه الدولة إذاً إلى مطلب إسرائيلي في عهد شارون، ويمكن أن تتحقق قبل الحل الدائم، وفي الواقع بدلاً منه، وفي رأي شارون يجب أن تكون الدولة في إطار مرحلة انتقالية طويلة المدى وعلى 40% من أرض الضفة الغربية وغزة أو أكثر أو أقل قليلاً، وأن تتم المفاوضات على الحل الدائم بعد مرحلة طويلة بين الدولتين (دولة إسرائيل والدولة الفلسطينية) بعد أن تثبت الأخيرة نفسها كدولة، بمعنى ترتيب أمورها القانونية والاجتماعية لكي تفاوض إسرائيل دون عجلة وإلى ما لا نهاية حول الحل الدائم.

على هذا الأساس يتحول الصراع في الواقع إلى صراع حدود على أرض متنازعٍ عليها بين دولتين، ومثل هذا الحل لمسألة الحدود بين دولتين، يعني أنه لا يوجد حقوق وطنية لشعب، ولا حق عودة وبالتالي علام تتفاوض الدول؟! تتفاوض على مسائل حدودية، والمسألة ليست مسألة حركة تحرر وطني، وطبعاً سيكون من حق تلك الدولة المقامة على غزة وجزء من الضفة أن تمنح اللاجئين جواز سفر، أو أن تسمح لبعض اللاجئين بالعودة إلى حدودها، فهذا حقها الذي لن يتدخل به شارون، لكنه ربما يعارض أن يتنازل مرة أخرى تنازلاً مؤلماً.

هذا هو الفارق بين التفاوض مع إسرائيل كحركة تحرر وطني، والتفاوض معها على أساس أننا دولة، لأن هناك عشرات الدول التي تعيش صراعات حدودية، وهو شأن غير ملح عموماً، خلافاً للمسائل الوطنية وهذا ما سوف يحصل إذا ما قبل الفلسطينيون بدولة خارج إطار الحل الدائم والعادل والشامل.

وحتى لا نزرع وهماً، يجب أن يستمر الصراع مع الكيان الصهيوني باعتباره صراعاً ضد هذه العنصرية، وعلى هذا الأساس سيكون صراعاً مفهوماً لكل الدنيا. صراع تخوضه حركة تحرر وطني ببرنامج واضح، واستراتيجية وطنية واضحة ومحددة، وبأفق يحظى بالإجماع من قبل كل القوى الوطنية الفلسطينية والشارع الفلسطيني نقدمه لجماهيرنا وللعالم، وخلاف ذلك نستمر في زرع الأوهام.

تراجع الاهتمام القومي بالقضية الفلسطينية.

ياسين الحاج صالح:

سوف أنطلق من الملاحظة التي طرحها أحد الأخوة حول تراجع اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية. في الحقيقة إذا أردنا تشخيص هذه القضية بدقة، فقد تم خلال ربع القرن الأخير نزع لقومية القضية الفلسطينية، وبالتالي لم تعد القضية الفلسطينية قضية قومية عربية، وهناك سببين لهذا التراجع. السبب الأول أن الفلسطينيين كانوا الضحايا الوحيدين حتى أواسط السبعينيات، ولكن بعد عام 1975 قُتل من السوريين واللبنانيين والعراقيين بمقدار ما قُتل من الفلسطينيين، والقصد لم يعد الفلسطينيون يحتكرون وحدهم كونهم ضحايا.

العامل الثاني الذي أدى إلى نزع قومية القضية الفلسطينية هو: تصاعد دور العامل الدولي بعد أن تخلت الأنظمة العربية عن المشروع القومي الذي يعطي اهتماماً كبيراً بالقضية الفلسطينية، كقضية قومية تحظى بالإجماع الداخلي، وبفقدانها لهذا الإجماع راحت الأنظمة تستند إلى فاعلين خارجيين من أجل أن تضمن بقاءها في السلطة، وبما أن الفاعلين الخارجيين يريدون من هذه الأنظمة اهتماماً أقل بالقضية الفلسطينية بتنا نرى اليوم أن اهتمام الدول العربية بالقضية الفلسطينية هو اهتمام ملحق بالعلاقات العربية ـ الأمريكية، كاهتمام المصريين وتونس ودول الخليج.. إلخ.. كل هذه الدول باتت تهتم بالقضية الفلسطينية من زاوية تحسين علاقاتها مع الأمريكيين. في المراحل السابقة كان اهتمام الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية هو سبب تدهور علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، بينما أصبحت الأنظمة اليوم تهتم بالقضية الفلسطينية من أجل تحسين علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، وهذا ما يجعلني أقترح على الأخوة الفلسطينيين، بما أنهم لم يعودوا الضحية الوحيدة في المنطقة أن يعطوا اهتماماً أكبر لقضية الكفاح الديمقراطي في الدول العربية.

أنا لا أطالب الفلسطينيين أن يهملوا قضيتهم، ولكن أطالبهم بأن يعطوا اهتماماً أكبر بقضية الكفاح الديمقراطي في الدول العربية لأن هذا سيعود عليهم ببعض المكاسب.

النقطة الثانية التي أود التحدث حولها هي ملاحظة حول ما تحدث به آخر المتكلمين (محمود شواهين) حول أن إسرائيل هي عبارة عن ثكنة.

هذا صحيح، وأنا لا أريد مناقشة رأيه، ولكن أتساءل: ترى هل يمكننا أن نبني سياسة متماسكة حول هذا الرأي؟! بتقديري لا. وما دام لا يمكننا أن نبني سياسة متماسكة حول فكرة أن إسرائيل ثكنة، لأن السياسة هي وسائل وإمكانيات وتعبئة وموازين قوى، وظروف دولية ومحلية مواتية، وإذا لم يكن بالإمكان أن نبلور سياسة حول هذا الكلام، فنحن كأننا نتحدث كلام هباء.

أريد أن أتخيّل مجموعة من الإسرائيليين بمثل عددنا جلسوا يناقشون قضية مشابهة للقضية التي نتحاور حولها، فسوف يكون الفارق بيننا وبينهم كبيراً، ليس لأنهم أكثر فهماً منّا بالضرورة، ولكن لأنهم يملكون موارد أكثر، وفرصاً للوصول إلى نبع المعلومات وإمكانية أكبر للمتابعة، والشيء الأساسي الذي يشكّل فارقاً بيننا وبينهم أنهم قادرون على الفعل، ولا يوجد ثمة انفصال بين ما يقولون وبين السياسات التي يمارسونها، بينما نعاني من تهميش، وكلامنا منفصل عن السياسات والاستراتيجيات والخطط السياسية، ومنفصل كذلك عن الديناميكية العامة للمرحلة.

استغرب مثلاً أن مفهوم الدولة ثنائية القومية لم يذكره أحد تقريباً باستثناء ما قاله الأستاذ ماجد كيالي بشكلٍ عابر. وأتساءل: ألا يستحق هذا الموضوع الحوار حوله، ليس بمعنى أنه الحل والبديل، وإنما لنبحث عن فرصة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وكلامي لا يعني أن الباب مفتوحاً لدولة ثنائية القومية، ولكن مثل هذا الطرح برأيي يمكن أن يعوّض عن استحالة واقعية بشيء من المحاصرة الأخلاقية للإسرائيليين، من خلال التركيز على مطلب دولة ثنائية القومية لشعبين متساويين، ولهم حقوق متساوية، وهذا الطرح بتقديري أقدر على إثارة اهتمام قطاعات أوسع في أوساط الرأي العام العالمي.

سليمان دباغ:

أعتقد أن وضع السياسات استناداً إلى وقائع واستشرافها أشبه بسياسة السيناريوهات التي لا يمكن إدخال أي شيء مختلف عليها.

الموضوع الأول الدولة العتيدة، وأنا أفضل أن أسميها الدولة الفلسطينية، لا الوطنية، ولا الديمقراطية، لأنه حتى اللحظة لا نستطيع أن نخمّن ماهية ومكوّنات هذه الدولة، وسوف أشرح لماذا.

إن مطلب الدولة الفلسطينية تحوّل من مجرد اجتهاد فكري سياسي ـ نظري في نهاية السبعينيات، ومطلع الثمانينات إلى معطىً سياسي واقعي بعد الانتفاضة الأولى، حيث برز حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني باعتباره أحد القضايا الأساسية المطروحة على جدول أعمال المجتمع الدولي، وبالتالي اكتسب مفهوم الدولة الفلسطينية محتوى أكثر ملموسية، ومنذ ذلك الحين، ومع نهاية مسار الانتفاضة الأولى لم يعد الصراع على الدولة نفسها، بل بات على شكل وقانونية ومحتوى وكيانية هذه الدولة، وهذا شرط في غاية الأهمية، ينبغي تلمس عناصره ومحطاته الأساسية، لاسيما حينما أقر المجلس الوطني وثيقة الاستقلال، حيث برزت مشكلة قانونية، لأن الاعترافات التي تتالت عليها كانت اعترافاً بالاستقلال، لا بالدولة، وهذا الخلط الذي وقع في المستوى الرسمي الفلسطيني أشار إلى أن موضوعة إقامة الدولة الفلسطينية بات مطروحاً أيضاً على جدول أعمال الكثير من الدول، وانتقل النقاش إلى أطر تحقيقها ألا وهو الأرض. هذه الدولة مطروحة إذاً، ومطلوب تحقيقها على أراضي الـ 1967 حصراً (القدس والضفة الغربية وقطاع غزة)، وفي هذا السياق مجرى الصراع سيحدد ما هي مكونات وحدود وطبيعة هذه الدولة.

ما جرى في أوسلو، وما بعد أوسلو هو شكل من أشكال التعبير عن ذلك المخاض الذي جرى، ومن المفيد جداً بتقديري العودة إلى نقاشات كامب ديفيد وذلك بمعزل عن موافقتنا، أو عدم موافقتنا عليها، وبصراحة المسألة ليست مغلقة على تبريرات نفترضها بشكل مسبق، وأعتقد أن القدس واللاجئين والحدود ليست تابوات لدى الإسرائيليين كما يشاع بدليل أنه جرى التفاوض على هذه العناصر الثلاث في إطار كامب ديفيد، وبات الرأي العام الإسرائيلي يتساءل: هل أقنعونا أن الضفة الغربية وقطاع غزة أراضٍ إسرائيلية، وأقنعونا أن منظمة التحرير لا يمكن التفاوض معها، وتفاوضوا على القدس واللاجئين في كامب ديفيد إلخ...

نعم هذا كله جرى التفاوض عليه، أي جرى التفاوض على المكونات الرئيسية الثلاث في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولكن أي دولة فلسطينية ستطرح؟! ولماذا دولة فلسطينية؟! خاصة وأن مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة كما كان يطرح في الأدبيات الفلسطينية كله تبدّد وفي هذا السياق من السذاجة الحديث عن دولة قومية ديموقراطية مسلحة، وكاملة السيادة في الوقت الذي اختفت فيه مثل هذه الدولة في العالم. إن هذا المفهوم يجري إعادة تشكيله من جديد في إطار بناء الإمبراطورية الأمريكية الجديدة بعد نتاجات نهاية الحرب الباردة، وما آلت إليه الأوضاع العالمية، حيث تطور مشروع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية المعولمة.

وهذا الأمر لا ينطبق بنتائجه علينا فحسب، وإنما حتى على أوروبا بنسبة معيّنة، ولكن علينا بنسبة أكبر. أي أن هذه النتائج تطبق على الهامش أكثر مما تطبق على المركز، وبهذا المعنى الكل يخضع بدرجات متفاوتة من الشدة للمشروع الإمبراطوري الأمريكي والسؤال: ما الذي نريده الآن؟!

المفارقة الغريبة أننا ومع نهاية الانتفاضة الثانية التي كانت نتائجها علينا سلبية، بالمقارنة مع الانتفاضة الأولى 1988 وذلك لأسباب متعددة، وعلى الرغم من أنها تركت أيضاً آثاراً سلبية على إسرائيل، إلا أن إسرائيل خرجت من المأزق منتصرة لتحمل مشروعاً عنوانه الرئيسي: لم يستطع أحد حل الموضوع الفلسطيني حتى بعد أن كسب الفلسطينيون جولات متعددة في إطار هذه الانتفاضة التي انتهت بمجموع من شارك فيها إلى القاهرة تحت سقف خطة الطريق، وهي بالمناسبة ليست خطة أمريكية بل هي خطة أوروبية اعتراضية في وجه المشروع الأمريكي، أضيف إليها العديد من العناصر الأمريكية، وبموجب ذلك تحولت إلى خطة أمريكية، لكنها بالأساس لم تكن كذلك، وبمعزل عن تقييمها، وفيما إذا كانت تعجبنا أم لا، الصراع الآن يدور بين الفلسطينيين كسلطة، أو مفاوضين في إطار خطة الطريق، التي يحاول الإسرائيليون التملّص منها كما جرى في أوسلو وذلك لإعادة صياغة الرؤية الإسرائيلية لخارطة الطريق من خلال تغليب العناصر الأمنية فيها على العناصر الأخرى، وهي بكل الأحوال لا يمكن أن تخرج عن عاملين رئيسيين، وهما وهميين يشكّلان عملية التفاوض في الوقت الراهن:

الأول: الاستيطان، والثاني: الدولة.

الاستيطان الذي يجري الحديث عنه هنا ليس بالمفهوم الفلسطيني، وإنما حسب المفهوم التفاوضي الذي يعني تقسيم المستوطنات إلى فئات، فهل هناك إمكانية لإقامة دولة فلسطينية في السياق الراهن؟!

يبدو أن مفهوم الدولة قد جرى مرحلته مرة أخرى، ولا يبدو واضحاً ما سيجري في مرحلة أخرى. المرحلة الأولى ستجري في قطاع غزة، وهذا لا يعني دولة في قطاع غزة، ولكن الخطورة أن يتحول الفلسطينيون إلى دولة في قطاع غزة تحت ذريعة أنها مرحلة أولى، ومن ثم أجزاء أو مراحل أخرى تتحدّد ماهيتها في إطار مراكمة القوى عند الفلسطينيين والأطراف الإقليميين، والفاعلين الأوروبيين، وهناك تحليل ربما لا يكون دقيقاً يقول: أن الأوروبيين لا يتطابقون تماماً مع الأمريكيين في الرؤية السياسية للحل الفلسطيني، وهم لديهم موقفاً أكثر تقدماً، وهذا ما تعكسه ليس فقط الحكومات الأوروبية، وإنما أيضاً الشارع الأوروبي. وعلينا أن ننتبه إلى هذا التحوّل الذي يجري في أوساط الشارع الأوروبي، وهو تحوّل في غاية الأهمية في مواجهة العولمة الأمريكية، وفي مواجهة قضايا الفقر، وباتجاه المسألة الفلسطينية.

إن ردود الفعل حول موت عرفات وفّر فرصةً فريدة يجب التقاطها وهي أن موقع القضية الفلسطينية كقضية حق ما تزال تلقى تعاطفاً في الشارع الأوروبي وذلك بغض النظر عن الوجهة التي يسير فيها الأوروبيون كبشر لهم مصالحهم، إن هذا الموقع برز بصورة أقوى من ردّ الفعل الذي برز في المنطقة العربية (بكل أسف) وهذا يدلّل أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية مركزية، والأسباب ليس لها علاقة بالتقاعس العربي، وإنما يكمن السبب في تدهور وانهيار النظام العربي، الذي بدأ ينكفئ باتجاه التحلل والانهيار مع احتلال العراق، لذلك بات هذا النظام مشغولاً بالحفاظ على نفسه، وباتت الشعوب العربية مشغولة بعدم إنتاج نظامها الخاص. الموضوع إذن ليس موضوع تقاعس، أو عدم رغبة وإنما هناك أسباب موضوعية كثيرة يجب النظر بها.

إبراهيم الراهب:

أتساءل: هل نستطيع أن نطلب دولة فلسطينية؟! جوابي هنا: لا.

هل نستطيع أن نناضل من أجل دولة فلسطينية حقيقية.؟! جوابي: نعم.

يجب ألاّ نقبل بدولة غير وطنية، ونعارض أي دولة غير وطنية مهما كانت، ومهما كان من يقف خلفها. أي موافقة على دولة غير وطنية، يعني أن نكون في النهاية عملاء للأمريكيين.

هل تقف الولايات المتحدة بين حدّي الصراع؟! الجواب: إن الولايات المتحدة ومنذ عام 1947 وحتى الآن تقف مع الحد الإسرائيلي، وكل ما تقوله الآن حول الدولة الفلسطينية هو عملية تنفيس.

في الماضي وافقت الولايات المتحدة على التقسيم وفي أيام 1956 فرضت الانسحاب من غزة لكن القرار الأمريكي اتجاه إسرائيل دائماً يكون حاسماً ولمصلحتها.

د. أحمد برقاوي:

من الصحيح أن القضية الفلسطينية تراجعت عن كونها مسألة قومية عربية، لكن هذه الفكرة لم تزُلْ كلياً، فإذا ذهبت إلى المغرب مثلاً تلمس المظاهرات المتعاطفة مع الفلسطينيين، لكن الشيء الجديد أنها أصبحت قضية إسلامية وهنا تكمن الخطورة، وهذا الأمر برأيي أخطر من كونها لم تعد قضية عربية، بمعنى أن الخطاب الإسلامي المناهض لأمريكا لا يخلو إطلاقاً من اعتبار القضية الفلسطينية قضية إسلامية، من هنا تأتي أهمية تفكير الأمريكان بحل ما لهذه القضية. ثانياً أعتقد أن الأمريكيين يريدون استقراراً في المنطقة ولكن على هواهم وبالتالي ألا يتطلب استقرار المنطقة إطفاء بؤر التوتر؟! هناك ثلاث أو أربع بؤر توتر في المنطقة. القضية الفلسطينية واحدة منها، ومسألة علاقة النظام السياسي بالمجتمع هو سؤال أمريكي بمعزل عن سؤالنا الخاص، بل حتى بمعزل عن مشكلات من طبيعة تنموية، لأن مفهوم الإرهاب في النهاية أفرز كل هذه التصورات الأمريكية، وبالتالي سوف يلقي بظله على تفكيرهم بالقضية.

النقطة الثالثة: هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع متجانس؟! أرى أن هذا المجتمع مثل أي مجتمع آخر يوجد فيه زوايا كثيرة، ونحن أمام مجتمع متحرك في وعيه، وبناه، وسياساته، ولا نستطيع أن نتعامل معه كجسم صلب، ومن الضروري أن نأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، عندما نريد أن نفكر فيما إذا كانت الدولة الفلسطينية إمكانية قابلة للتحقق وفق تصوراتنا، أم وفق تصورات العدو، أم وفق التصورات الأمريكية، أم ستكون خليطاً من هذه التصورات الثلاث.

أعتقد من جهتي أن الأمريكيين يريدون أن يفرضوا تصورهم لشكل الدولة الفلسطينية علينا وعلى إسرائيل، أي هم الذين سيفرضون وجهة نظرهم على حدي الصراع، وبالتالي يقررون نهاية الصراع على الأقل في المرحلة الراهنة.

ياسين الحاج صالح:

لا أعتقد، ولست متأكداً حتى الآن من أن القضية الفلسطينية أصبحت قضية إسلامية، وعندما كانت قضية عربية، لم يكن العرب وحدهم مهتمون فيها. كان هناك شيء أهم من ذلك. كان هناك مأسسة ومتابعة، ولجان وكان هناك وزراء خارجية يعقدون اجتماعات من أجلها، وكان هناك ميزانيات ضخمة تصرف، الآن سأعود إلى النقطة الأولى وهي إعادة ربط القضية الفلسطينية بالكفاح الديمقراطي العربي.

صورتنا في العالم ليست فقط أننا أناس ضعفاء لا نستطيع فعل شيء، بل نحن لم نقدم نموذجاً يحتذى في حل قضاياه، أو بأنظمته السياسية، أو بالاستقرار، وهذا سيعطي أهمية أكبر لمسألة الكفاح الديمقراطي، ويعيد الجوهر الأخلاقي للقضية الفلسطينية، كقضية عدل ومساواة..

سمير الزبن:

أريد أن أسأل سؤالاً.. يبدو أن هناك ضحايا على مستويين، في الموضوع الفلسطيني هناك ضحايا الاحتلال التقليدي العنصري، وهناك ضحايا سلطات ديكتاتورية ذات أنظمة شمولية، واليوم هناك دخول خارجي عبر الديمقراطية، وعندما نقول أن القضية الفلسطينية ليست قضية تحرر، ونزاوجها مع قضايا الديمقراطية في المنطقة أعتقد أننا سنقع في إشكال كبير، لأن الإسرائيليين لديهم محمول على هذا الادعاء، ويعتبرون أنفسهم جزءاً من معركة الديمقراطية في العالم، وهم الحامل بشكلٍ أو بآخر لهذه القضية، لأن مشكلتهم في جزءٍ منها مع الموضوع الفلسطيني كما يدّعون هو عدم ديمقراطية هؤلاء الناس، أو عنفهم. إذن هناك إشكال بهذا المعنى، لأن الفلسطينيين في مرحلة تحرر وطني وللأسف انتهت مرحلة التحرر الوطني، والعالم العربي يقوم بالتخلص من قضايا الدكتاتورية، ونحن كفلسطينيين نبدأ من مكان بدء العرب لذلك بتقديري هناك إشكال في إمكانية المزاوجة بين القضيتين.

ياسين الحاج صالح:

أنا لا أعني أن ترتد القضية الفلسطينية إلى قضية الديمقراطية، لكن من المهم أن يُفتح باب الحوار حول ديمقراطية الدولة، حتى يصبح هناك مدخلاً لإعادة اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية. نعم هناك خصوصية للقضية الفلسطينية لا أحد ينكرها، وأنا اختلفت مع الصديق سلامة كيلة عندما قال إن إسرائيل ليست هي دولة لليهود، بمعنى أنها مرتبطة بالمشروع الإمبريالي، وأظن أن الأخطر هي كونها دولة لليهود، وارتباطها بنظام إمبريالي هي مسألة سياسية ولكن كونها دولة لليهود هو الأخطر، لاسيما وأن هناك تماهي مع اليهود، ويعتبرون في الغرب قضية اليهود قضية أخلاقية، هناك شعور كبير لديهم بالندم بسبب المحرقة. وعلى هذا الأساس يتعاطفون مع إسرائيل رغم أنها تظلمنا، ولا يمكن أن يتعاطفوا معنا إذا شكّلنا خطراً عليها. وكل عملية استشهادية في فلسطين تعيدنا إلى الخلف عندما تصيب الأولاد أو الأطفال.

سليمان دباغ:

أعتقد أن قدرة الشعب الفلسطيني على تجديد نفسه على ضوء نتائج الحل السياسي مسألة هامّة جداً، وهنا تدخل القضية الفلسطينية في مرحلة جديدة وهامة، وهي إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وهذا له مقوماته الكامنة التي تلحّ عليها قضايا طُرحت فلسطينياً قبل أن تُطرح أمريكياً، وقبل أن تُطرح في تخوم الدول العربية.

أعني قضايا إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وهذا المعطى لا يمكن أن يوضع في مجال التعارض مع الاحتلال، بل هو الرافعة الأساسية لدحر الاحتلال، وهو ما يستلزم إعادة صياغة لعلاقات داخلية فلسطينية تختلف بشكل جذري عن العلاقات القائمة حالياً، وتندرج بإطار الدفع باتجاه سقف الدولة الفلسطينية، لكي تكون أكثر وطنية، وأكثر سيادية، وأكثر ديمقراطية، وهذا مرهون بالأساس بإشراك القطاعات الأوسع من الشعب الفلسطيني بشكلٍ فعلي لرفع سقف النضال الوطني الفلسطيني.

الإشكال الرئيسي الذي كان قائماً قبل أوسلو كان عماده الأساسي النظام التوافقي في إطار المحاصصة الفلسطينية الذي أدّى إلى انشراخ في النظام السياسي الفلسطيني، وبعد أوسلو ترتب عليه تعقيداً جديداً، يُضاف إلى ذلك استبعاد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني من عملية الصراع الأمر الذي أدى إلى عملية إلغاء وتهميش منظم لدور خمسة ملايين فلسطيني في الخارج نتيجة وهم سياسي بأن هؤلاء يمكن أن يقيّدوا حركة المفاوض الفلسطيني في حين أن هؤلاء يشكلون ثقلاً داعماً للمفاوض الفلسطيني، وبالتالي يجب أن نأخذ هذا الموضوع كعامل هام في إعادة صياغة العلاقات الفلسطينية الداخلية على أسس المشاركة الديمقراطية، والتمثيلية، وبصراحة أعتقد أن الصحوة الأخيرة لحزب السلطة التي وضعت الانتخابات الأخيرة وما سبقها أمام استحقاقات جديدة دفعته أن يطرح مرة أخرى إعادة تصحيح جزئي لهذه العلاقة بين الداخل والخارج. وبرزت أصوات في غاية الأهمية تعترف بالحاجة إلى الخارج، ولكن في الوضع الفلسطيني لا يوجد خارج كما هو الخارج بالنسبة للدول العربية، بل الخارج هنا شديد الاختلاف، وهنا نقطة مفارقة. لذلك هذه العملية لا يمكن أن تتم إلا بأيدي فلسطينية، وبدأ هذا الأمر يطرح بشكل خجول وذلك في الدعوة إلى إعادة بناء تيار ثالث.

علي الكردي:

من الملاحظ وجود دعوات كثيرة تدعو إلى الديمقراطية لمحاربة الفساد، والاستئثار بالسلطة، ولكن على الأرض هناك عوائق كثيرة أمام الديمقراطية. المطلوب الآن فلسطينياً من قبل السلطة: إصلاح إداري، بناء مؤسسات، انتخابات. هذا مطلب إسرائيلي ـ أمريكي ـ أوروبي ومطلب داخلي أيضاً، ولكن عندما ننظر إلى الأرض نرى عقبات حقيقية أمام الاتجاه بهذا المنحى!

جواد عقل:

أحب أن أعقب على مقولة أننا كفلسطينيين ضحايا الاستبداد العربي. نعم نحن ضحايا الاستبداد العربي في وجه من وجوه المسألة، وبنفس المستوى الذي لحق بكثير من الشعوب العربية في بلدانهم لكنني أعتقد أن النظام السياسي الفلسطيني الراهن يقدم الآن نموذجاً مختلفاً عن النظام الشمولي ـ الاستبدادي العربي، والذي يجري الآن في فلسطين، بغض النظر عن ملاحظة هنا أو هناك هو شكل من أشكال التأسيس لركائز جديدة للنظام السياسي الفلسطيني، يضرب بعرض الحائط كل المكونات السابقة التي كانت تبنى على أساسها ما كان يسمى بالوحدة الوطنية الفلسطينية، لذلك أقول بشكل واضح وصريح، أننا كنا في السابق مثالاً مشوهاً للنظام السياسي العربي، حيث يهيمن حزب السلطة على كل مقاليد الأمور مع وجود شركاء ضعفاء مكوناتهم تمنع أي تطور ممكن للحركة الوطنية الفلسطينية على المستويات السياسية والنقابية والشعبية، وهذا الأمر عكس نفسه على كل مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وعلى ضوء ذلك وبغض النظر عن نتائج الانتخابات وطبيعتها أعتقد أن هناك نسخة جديدة يقدمها الفلسطينيون على الرغم من كونهم تحت الاحتلال، ولا أوافق على الكلام الذي يقول أن الفلسطينيين يقدمون نموذجاً خاضعاً لطلبات خارجية أمريكية وإسرائيلية. نعم هناك ضغوطات خارجية على الفلسطينيين، وربما سرّعت هذه الضغوطات من الاستجابة لهذا الإصلاح، ولكن هناك شيء جديد على الأرض، وعناصر الائتلاف الفلسطيني تتشكل بفعل صندوق الاقتراع، وبفعل الموقف الشعبي من هذا الفصيل أو ذاك، ولذلك أعتقد أن هناك انقلاباً جديداً في حياة الفلسطينيين، والفصائل لم تألف هذا الموضوع، أو ربّما متخوفة منه، لذلك هم يشككون في أي عمليات تجري على الأرض، وأعتقد أن الخارج الفلسطيني يمكن أن يشارك في هذه العملية الديمقراطية عند إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. إن الانتخابات الفلسطينية سوف تلغي التعيين ونظام الكوتا الذي ألقى بظلال سلبية في الماضي على مكونات النظام السياسي الفلسطيني.

د. محمد أبو ناموس:

كتعقيب على ما ذُكر أحب أن أؤكد على مسألة أن الفلسطيني هو ضحية الاستبداد، وهو يعامل كمواطن من الدرجة الرابعة في كل الدول العربية، وبهذا المعنى المعاناة الفلسطينية مختلفة عن معاناة أي مواطن عربي آخر. من جهة أخرى الفلسطيني هو ضحية الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي النضال الديمقراطي للتجمعات الفلسطينية في الدول العربية هي فكرة صحيحة لكن تحتاج دراستها إلى شفافية وجرأة بمعزل عن الشعارات المرفوعة تاريخياً، لأن من حق الفلسطيني كلاجئ أن يتمتع على الأقل بحقوق الإنسان، وهذا برأيي سؤال كبير، وبكل الأحوال الدولة الفلسطينية سوف تقوم لا محالة، لكن هذه الدولة بتقديري لن تقوم حسب اشتراطات الفلسطينيين رغم أنها باتت مطلباً أمريكياً من أجل استقرار المنطقة، وهي بهذا المعنى حاجة موضوعية، وإحدى عوامل استتباب الأمن والسلام في المنطقة، ولكن علينا أن نعي أن مثل هذه الدولة لن تقوم دون اشتراطات معينة، تحدّث عنها الجميع قبل قليل، وإذا كانت الدولة القطرية الموجودة سيادتها بشكل أو بآخر منقوصة، فلماذا الرهان على الفلسطينيين، أو الطرف الفلسطيني وتحميله فوق ما يحتمل؟! إذ يمكن للفلسطينيين أن يطوروا هذه الدولة، ولكن يجب ألا يغيب عن البال أنها ستكون تتويجاً لنضالات خمسين عاماً على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية...

ثمة نقطة أخيرة وهي أن الناظم العام للفلسطينيين في الداخل والخارج وفي كافة أماكن تواجدهم هو حق تقرير المصير، وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس كحد أدنى. هذا هو الناظم العام ولا يمكن لأي فلسطيني أن يتنازل عنه، وبتقديري كل الظروف والمعطيات تخدم هذه الفكرة.

سلامة كيلة:

أريد من جهتي أن أوضح بعض المسائل. عندما يجري الحديث عن الحركة السياسية الفلسطينية، فهذا لا يعني أن الحديث يشمل الفلسطينيين عموماً.

الحركة الفلسطينية تحالفت مع بعض الأنظمة العربية، وهذا ما خلق نوعاً من الإشكاليات بين الحركة الفلسطينية والشعوب العربية. من جهتها تبرّر التنظيمات الفلسطينية علاقتها مع الأنظمة، لكن هذا الأمر خلق لدى الشعوب إشكالاً حقيقياً وأدى إلى نوع من القطع مع الواقع العربي لأن الفلسطينيين ركزوا على الفلسطنة، وبنوا تحالفاتهم مع الآخرين على هذا الأساس، وعلى الرغم من أن الواقع الشعبي العربي دعم القضية الفلسطينية أساساً إلا أنه بدا يتلمس هذا الإشكال بسبب تحالف التنظيمات الفلسطينية مع الأنظمة العربية وراح يبتعد عن التنظيمات الفلسطينية.

هناك سؤالان من المفترض أن يكونا جوهر النقاش، حتى نخرج بخلاصة.

الأول يتعلق بالظرف الواقعي وفيما إذا كان يسمح بأن تحقق المقاومة الفلسطينية رؤيتها للدولة المستقلة؟. باعتقادي الجواب: لا، وبالتالي هذه الـلا مهمة وخطيرة بنفس الوقت.

السؤال الثاني: هل أمريكا وإسرائيل تريدان دولة فلسطينية؟!

أعتقد أن عجزنا أو عجز الحركة الفلسطينية عن إقامة دولة وفق رؤيتها هو الذي يدفع إلى القول: بأن إسرائيل وأمريكا ستمنحان هذه الدولة، وبالتالي يجب أن نتكيف مع هذا الحل ونقبل به تماماً كمن يتكلم عن الديمقراطية ويقول: ما دام أن أمريكا ستعطي الديمقراطية سنصبح مؤيدين لأمريكا..

في هذا السياق هناك عقل إشكالي. من جهتي أعتقد أن أمريكا وإسرائيل يمكن أن تطرحا حلاً للمسألة الفلسطينية، وقد يكون هذا الحل بإعطاء دولة، ذلك بالتأكيد ليس في الضفة الغربية، بل قد يكون في قسم منها وقسم آخر في الأردن وهذا ما يعيدنا إلى ما كان يطرح سابقاً حول (الخيار الأردني). بمعنى أن هذا الحل يأتي في سياق مشروع أمريكي ـ إسرائيلي للسيطرة على المنطقة، في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، وفي نطاق الدور الإسرائيلي ضمن مشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

من أجل هذا أشرت أن الوقائع على الأرض لا تسمح بقيام دولة، وعندما نناقش الوضع في الضفة الغربية، هل نستطيع أن نقيم دولة فلسطينية عليها؟

40% أو 60% من الضفة باتت مستوطنات، وجدار عازل، وهذا الأمر وافقت عليه الولايات المتحدة، وفرضته إسرائيل كأمر واقع.

النقطة الأخرى أن إسرائيل تتعامل مع الفلسطينيين كسكان على أرضها هي، ولا تتعامل مع الضفة الغربية كأرض فلسطينية حتى الآن.

أمام هذا العجز نحن معنيون بإعادة النظر في كل الوضع القائم، ومعنيون بإعادة النظر بالمشروع الصهيوني ليس على أساس أنه مشروع حل لليهود، وإنما باعتباره مشروع هيمنة على المنطقة، وبالتالي نحن معنيون بطرح فكرة: هل الدولة ثنائية القومية هي الحل النهائي؟! أعتقد لا، لأن إسرائيل لا تقبل، والفلسطينيون لا يقبلون مثل هذا الحل، وبالتالي يجب إعادة النظر بميزان القوى في المنطقة العربية حتى يعاد طرح المسألة. علينا أن نعود قوميين قدامى ونقول: إن إسرائيل يجب أن تنتهي لأنه لا يوجد حل آخر.

اليهود يمكن أن يوجد حل لهم، ونحن معنيون أن نبحث فيه على أساس ديمقراطي، بإقرار بقائهم كمواطنين ضمن دولة عربية، وأعتقد أن هذا الحل هو الحل المنطقي الممكن.

ماهر اليوسفي:

أريد أن أبدأ بفكرة تشابه الألم وفرادته. تشابه الألم بمعنى أن المواطن العربي كان يعتبر القضية الفلسطينية قضيته، الآن هناك قضايا أخرى يعمل بها، وللأسف الأمريكان هم الذين طرحوها بقوة كمسألة الديمقراطية، والأنظمة الدكتاتورية والصراع معها، والآن هناك تشابه على صعيد الألم بين المواطن العربي.... والفلسطيني فكلاهما متشابهين كضحايا، لكن المواطن العربي لديه دولة بينما الفلسطيني لا يملك دولة. الفلسطيني إما لاجئ أو يعاني من الاحتلال.

لقد عملت السياسة الأمريكية والإسرائيلية على ترويض الضحية حتى تقبل بما هو مطروح، وقد اتفقنا في التحليل أن أمريكا وإسرائيل من مصلحتهما أن تقوم دولة فلسطينية حسب تصورهما، ومن ضمن استراتيجيتهما الأمنية، وهنا أذكّر بما قاله إدوارد سعيد بسخرية ما هذه الدولة الفلسطينية التي تقوم على 3% من أرض فلسطين التاريخية ضمن الشروط الإسرائيلية المطروحة؟.

هناك متغيرات كثيرة ستنعكس شئنا أم أبينا على الجانب الفلسطيني، ولكن هل يقبل الفلسطينيون بتنازلات جديدة!!

إبراهيم الراهب:

لدي كلمة واحدة كتعقيب في العام 1964 قال عبد الناصر: من قال أن لدي خطة لتحرير فلسطين فهو كاذب، وفي نفس العام دعا إلى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لأنهم كانوا في المحافل الدولية يسألونه عن علاقته بفلسطين، فقال أريد منظمة فلسطينية كمرجعية للفلسطينيين حتى أدعم الشعب الفلسطيني، وفي عام 1967قال:ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وهذا ما ينطبق على الدولة الفلسطينية. وفي أخر حديث لعبد الناصر مع د. جورج حبش قال كلمة واحدة:عندما نحتل تل أبيب تسترجعون الضفة الغربية.أردت الإشارة إلى حجم التعقيدات التي رافقت مسار بلورة النظام السياسي الفلسطيني لكي نقدر طبيعة المرحلة الراهنة.

ماجد كيالي:

دون شك استفدنا من هذا الحوار من خلال المعطيات ووجهات النظر التي طرحت حول موضوعة الدولة الفلسطينة لكني لاحظت أن الأخ سلامة كيلة لديه وجهة نظر أخرى لها منطقها، ومرتكزاتها واجتهاداتها واعتقد أنها جديرة بالحوار، وعلى هامش هذا اللقاء أحب أن أوضح أن هذا النوع من ورشات العمل ذو طابع علمي، يعبر فيها الشخص عن رأيه بكل وضوح وصراحة وجرأة لأن الحوار يدور حول قضايا تمس مستقبلنا كشعب، وبالتالي نحن لا نعبر عن رغباتنا أو أمنياتنا، وإنما نحاول تقديم تحليل علمي للواقع بغض النظر عن الرغبات.

د. يوسف سلامة:

هناك بعض النقاط من المفيد أن تؤخذ بعين الاعتبار من أجل جدية النقاش ومنهجيته.

أولاً:الدولة الفلسطينية هي مفهوم غير محدد المعالم، لأنها موضوع صراع طويل، وبالتالي الحديث عن مضمون محدد لهذه الدولة مرهون بآفاق الصراع، وبالتالي عملية التفاوض هي جزء من هذا الصراع، حيث ينتهي التفاوض بشكل محدد إذا تم الاتفاق بين الأطراف المتصارعة. إذاًَ الآن لا يوجد لدينا شكل محدد للدولة، لأنه لا يمكن لطرف ما قبل التفاوض أن يأخذ كل ما يريد، ولا يمكن للطرف الآخر أن يفرض كل ما يريد، وفي النهاية العملية الدبلوماسية المعقدة جداً تنطوي على صراعات كثيرة هي التي ستحدد في نهاية المطاف المضمون المرتقب للدولة.إذاً نحن أمام مفهوم ديناميكي، وعلى الفلسطينيين أن يحشدوا مجموعة قوى لزجها في هذا الصراع، وعليه يجب تحليل الوضع الدولي، وأظن أننا حللنا في هذه الورشة الوضع الدولي، والاستراتيجية الأمريكية وحاجتها في المنطقة لإطفاء بؤرة هذا الصراع. أقول (حاجة) وليس مطلباً كما تم التأكيد عليه، وبالتالي الوضع الفلسطيني الداخلي يصبح شرطاً أساسياً لكي نستغل هذه الحاجة ونستفيد منها إلى أقصى حدٍ ممكن.

أيضاً مهما كان وزن العامل العربي ثانوياً، فيجب عدم إهماله بل يجب البحث بإلحاح عن كل أشكال الدعم العربي والشعبي والرسمي إن أمكن، وينبغي عدم إهمال أي عامل لدعم المسار الذي قد يؤدي إلى دولة فلسطينية، ويجب أن نعلم أن وجهة النظر الأوروبية في هذا الموضوع هي أقرب إلينا من وجهة النظر الأمريكية، مع التأكيد على أهمية الدور الأوروبي وإبرازه وخاصة العامل الفرنسي على اعتبار أن الفرنسيين أصحاب مبادرات رائدة في المنطقة وزيارة الرئيس الفرنسي إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية وتداعياتها معروفة للجميع.

إذاً فإن حشد أكبر عدد ممكن من القوى، وإضفاء طابع منطقي على الصراع أمر مهم جداً في رأيي، وأن نتصرف في حدود العقل والمنطق، وما يمكن أن يكون مقبولاً من وجهة النظر الأخلاقية والدولية هو شيء ضروري من أجل دعم موقفنا في العالم، وبالتالي على القوى والفصائل الفلسطينية أن تصوغ لغة وممارسة تؤدي إلى أن نحصل من هذا العامل الدولي على أكبر نفع ممكن.

سمير الزبن:

أريد أن أقول شيئاً له علاقة بأساس الفكرة،صحيح أن لدى الفلسطينيين مشكلة بحل قضيتهم، ولكن هناك مشكلة أيضاً عند الآخرين، بمعنى أن القضية الفلسطينية هي قضية إسرائيلية داخلية تحتاج إلى حل، وهذه المشكلة ليست من جانب واحد. الفلسطينيون ليسوا مشكلة فلسطينية فحسب.هم مشكلة فلسطينية وإسرائيلية وأمريكية، ورداً على سلامة لا أرى اليوم أن الوضع بمقاييس معينة في المنطقة يتطلب تغييراً بالجغرافيا السياسية، فالأمريكان اليوم يقلبون أنظمة. هناك جغرافيا سياسية هي التي تتغير ليس على طريقة (سايكس بيكو)، ومن بين هذه القضايا التي تحتاج إلى حل بالنسبة للأمريكان المشكلة الفلسطينية باعتبارها مشكلة داخلية إسرائيلية، وبالتالي إلحاحهم على حل نابع من كونهم يريدون الخلاص من هذه القضية، وجزء آخر من المشكلة أن الإسرائيليين اليوم ليسوا مع أوسلو، ولكنهم في نفس الوقت لا يريدون أن يتحملوا مرة أخرى مسؤولية الاحتلال، وبالتالي لا أرى أي تصوّر (أياً كان) يدعم فكرة إقامة دولة فلسطينية في الأردن. اعتقد أن هذا الموضوع قد حسم-على الأقل-في المدى المنظور، وبالتالي هناك دولة فلسطينية بحدود المشكلة الفلسطينية لسكان في منطقة ما، بغض النظر عما ترى إسرائيل. هناك أساس لحل فلسطيني على أرض فلسطينية، يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً، وبالتالي هذا الحل لم يعد يخرج عن إطار المنطق الجغرافي الذي له علاقة بالضفة الغربية وقطاع غزة، ومن الصعب اليوم بتقديري تصديره إلى الخارج.

علي الكردي:

اعتقد في ختام هذه الورشة أن المشروع الفلسطيني اليوم تحول من حركة تحرر وطني إلى شريك للتفاوض مع الإسرائيليين على الرغم من عدم اعتراف الإسرائيليين بوجود هذا الشريك، وفي ظل مجموعة المتغيرات الفلسطينية والإقليمية والدولية يعتبر هذا الشريك ضعيفاً، يحاول أن يثبت جدارته في العملية التفاوضية حتى يكون مقبولاً، لأن هذا هو المدخل برأي البعض للحصول على شكل ما لدولة فلسطينية في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن هذا الحل المقبول فلسطينياً ومتوافق عليه في الحدود الدنيا مع رفض له من بعض الأطراف الفلسطينية الأخرى، تحاول إسرائيل وبدعم الولايات المتحدة تقليصه إلى حل على جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة،وإذا افترضنا أن حلاً ما تم التوافق عليه مع بعض الأطراف الفلسطينية مع رفض لبعض الأطراف الأخرى يصبح السؤال:هل لمثل هذا الحل أن يغلق الصراع؟!

أرى أنه ربما يغلقه، أو يجمده لمرحلة معينة، ولكن لا بد أن ينفتح الصراع مجدداً، لأن مقومات تفجيره ظلت كامنة، بل سوف يرتبط بانفجار صراعات أخرى في المنطقة، وخاصة في إطار الصراع الديموقراطي الذي تخوضه الشعوب في الوطن العربي.