القضاء في سورية

هيثم المالح

 

سبق أن كتبت بحثاً حول القضاء في التشريع السوري نشر في كتاب مشترك حول حقوق الإنسان والديمقراطية في سورية، وكان بتكليف من الأخ الدكتور هيثم مناع. وقد اقتصر البحث على القضاء العادي الذي ينظمه قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 98 لعام 1961 باعتباره السلطة القضائية في الدولة.

إلا أنني وجدت أن أضيف إلى هذا الموضوع أنواع الأقضية الأخرى التي استحدثت في سورية والتي منها ما يعتبر قضاء عادياً ومنها ما يعتبر قضاء استثنائياً،وبإدخال هذين النوعين يكون البحث قد استوفى سائر عناصره وأعطى صورة حقيقية لما عليه القضاء السوري نظرياً وواقعياً.

يمثل القضاء الحصن الأخير لحماية الأمة و أفرادها بعضهم بمواجهة البعض الأخر أو بمواجهة السلطة و بقدر ما يكون القضاء قويا مستقلا راسخا تكون حريات الناس و أموالهم و أرواحهم و أعراضهم مصونة محصنة كريمة، و لو مررنا إمام مبنى قصر العدل في دمشق لوجدنا عبارة (العدل أساس الملك) تزين واجهته ، و هذه العبارة لم تكن موجودة سابقا حين كان القضاء مستقلا قويا محصنا .

 

نادت جميع الشرائع السماوية بالعدل فقد ورد في القرآن الكريم " إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "(النساء 508) وفي رسالة للقديس بولص الموجهة إلى روما " إن الله عادل وكل منا يدان بحسب أعماله ، إن الله متناهي العدالة".

 

وفي الشرائع القديمة نودي بالعدل فهذا حمورابي يقول (ناداني الإلهان آل وبال أنا حمورابي لكي أقوم بما يعود على خير البشر وأجعل الحق سائدا في هذه البلاد وأقضي على الشرير والفاسق وأمنع الظالم من الإضرار بالضعيف ).

 

وقد استعار القضاة الصفة "الإلهية " صفة توزيع العدل بين الناس فغدوا ألسنته التي تنطق بالحق وتقول بسيادة القانون ويحكمون فتنفذ أحكامهم دون أن يتركوا لأحد بعدهم أي مقال، لأنها"أي الأحكام"، عنوان الحقيقة والصواب وهم يعصمون المظلوم ويحمون الضعيف ويحملون الناس على العيش في حياة لا محل فيها للطغيان أو الاستعلاء أو التعسف .

 

فهل يمكنهم أن يحققوا كل ذلك ؟ أن يشيعوا الطمأنينة بين الناس في أرواحهم وأموالهم وحرياتهم وشرفهم إذا لم يكن الجهاز الذي يؤلفون جزءا من كيانه سلطة قائمة بذاتها مستقلة عن باقي السلطات ، لا مؤسسة أو إدارة كباقي مؤسسات الدولة أو إدارتها ؟ أو كان القضاة كسائر موظفي الدولة لا حصانة فعلية لهم تعصمهم من الخضوع ليّ أي مؤثر خارجي يحول بينهم وبين العمل في إطار الحق والعدالة ، حصانة تساعدهم على أن يكون ما يقومون به بمنجاة من الخوف ومن تعسف أو طغيان أو هوى فيأتي عملهم محققا للعدل مطبقا لسيادة القانون !!

كلا، لن يتمكن القضاة من تحقيق هذا الأمر ولن تتمكن السلطة القضائية من بلوغ هذا الهدف إذا لم يعترف بالقضاء سلطة مستقلة تقف على قدم المساواة مع باقي السلطات في الدولة ، وإذا لم يعترف للقاضي بحصانة تتيح له أن يقف صامدا أمام التيارات الجارفة كافة ، فلا ينجرف معها ولا ينساق ، فيبقى عزيزا بعيد المنال أيا كان القرار الذي يصدره، ما دام منبعثا من ضميره ووجدانه حتى ذلك الذي يغيظ السلطة الحاكمة .

 

وإذا كان للقاضي سلطان على أغلى ما يملكه الناس أي حريتهم وحياتهم ومالهم وشرفهم، فإن عمل القاضي يختلف عن عمل أي موظف كان وبالتالي كان لا بد من الاعتراف بأمرين اثنين :

 

أولهما : استقلال السلطة القضائية ،وثانيهما : استقلال القضاة في عملهم. إذ ما جدوى استقلال القضاة إذا لم يعترف بالقضاء سلطة ذات كيان مستقل ؟ وما جدوى استقلال القضاء إذا أقحمنا عليه أشخاصا غير متخصصين تحت ستار أي باعث كان ؟ وما فائدة هذا الاستقلال أيضا إذا اعتدينا على حيدة القضاء وزججنا به في خضم السياسة ومتاهاتها فغدا جزءا من إرادة الحاكم ؟!

 

أ‌-       السلطة القضائية بموجب المرسوم التشريعي رقم 96 لعام 1961 :

 

-    و في بحثنا هذا سوف نتعرض لحصانة القاضي ثم للسلطة القضائية في التشريع السوري مرورا بالتشريعات السابقة و نخلص إلى النتيجة التي يؤول إليها البحث.

 

1 حصانة القاضي في التشريع السوري:

 

لن نعود إلى العقود البعيدة و لكن سنتعرض لحصانة القاضي بدءا من عام 1961 ، فقد صدر في هذا العام المرسوم التشريعي رقم 98 تاريخ 15/11/1961 و الذي طرأت عليه عدة تعديلات بعد صدوره، و بمقتضى هذا القانون و تعديلاته يراد بالحصانة صيانة القضاة من العزل و النقل.

و العزل : الصرف من الخدمة ،و النقل: النقل من بلد لآخر أو من وظيفته المحددة في مرسوم تعيينه إلى وظيفة أخرى (م 92)

 

و يتمتع جميع القضاة من حكم و نيابة بالحصانة من العزل (م92/1) باستثناء القضاة الذين لم يمض على تعيينهم في القضاء ثلاث سنوات (م93/1) .

 

و بالنسبة لحصانة النقل فإن جميع القضاة يتمتعون بها (م92) باستثناء قضاة النيابة العامة إذ يتم نقلهم بمرسوم يصدر بناء على اقتراح وزير العدل، و قضاة الحكم الذين لم يمض على تعيينهم في القضاء ثلاث سنوات، و القضاة الذين طلبوا النقل خطيا، و القضاة الذين أمضوا ثلاث سنوات فأكثر في الوظيفة المحددة في مرسوم تعيينهم، عندما تقضي الضرورة بنقلهم، و القضاة الذين ينقلون ترفيعا من فئة إلى فئة أخرى ،و القضاة المحكوم عليهم من قبل مجلس القضاء الأعلى بعقوبة أشد من عقوبة قطع الراتب، و معاونو القضاة، الابتدائيين، وقضاة الشرع، وقضاة التحقيق (م93/2) .

 

و لا يجوز نقل القاضي أو ندبه إلى وظيفة أدنى من فئته (م84) أو نقله إلى ملاك آخر في الدولة إلا بناء على طلبه و موافقة مجلس القضاء الأعلى (م85 /1 ) .

 

كما لا يجوز أن يجتمع في محكمة واحدة قضاة حكم، أو قضاة نيابة عامه تربطهم ببعضهم مصاهرة أو قرابة من الدرجة الرابعة فما دون، و إذا وقعت مصاهرة أثناء وجود القاضيين في محكمة واحدة فعلى أحد الفريقين أن يقدم طلبا بنقله و إلا ينقل الصهر (م88) ،أي ان الصهر هنا يفقد حصانة النقل بالنسبة لهذه الحالة فقط حتى و لو كان يتمتع بها في الأصل، و لم يسمح هذا التشريع بإقامة الدعوى الجزائية على القضاة بصدد الجرائم التي يرتكبونها أثناء قيامهم بالوظيفة أو خارجها إلا من قبل النائب العام للجمهورية بناء على أذن من لجنة قضائية مؤلفة من رئيس محكمة النقض و اثنين من أقدم مستشاريها، أو بناء على طلب من مجلس القضاء الأعلى عندما يتبين له أثناء محاكمة القاضي المسلكية وجود جرم جزائي، و ليس للمدعي الشخصي أن يحرك دعوى الحق العام في هذه الجرائم (م114) .

 

و بحسب هذا التشريع ترفع حصانة النقل عن قضاة الحكم متى أريد ترقيتهم من فئة إلى أخرى ( و ليس من درجة إلى درجة ضمن المدينة ) كما و ترفع عن القضاة الذين أمضوا ثلاث سنوات فأكثر في مراكزهم عندما تقضي الضرورة بنقلهم، كما أنه يمكن نقل قضاة الحكم إلى ملاك النيابة العامة أو العكس بقرار يصدر عن وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى (م83) دونما حاجة لموافقة القاضي.

 

إن حصانة القاضي من العزل لا يعني عدم قابلية صرفه من الخدمة على الإطلاق، إذ يمكن أن يتم ذلك إذا صدر قرار عن مجلس القضاء الأعلى بعزله بوصفه مجلسا لتأديب القضاة إذا ارتكب القاضي أعمالا من شانها أن تشين مسلكه أو تعيبه، و في هذه الحالة يمكن إيقاع عقوبة العزل بحق القاضي الذي أثبت عجزا أخلاقيا و يصدر مجلس القضاء الأعلى قراره بالأكثرية .

 

و على هذا فإن هذا التشريع قد و كل أمر البت في موضوعات القضاة من تعيين و ترفيع و نقل و عزل و تأديب إلى هيئة قضائية صِِرْفة هي مجلس القضاء الأعلى، و قد كان تأليفه من سبعة قضاة برئاسة رئيس محكمة النقض ،الأمر الذي يؤكد حصانة القاضي و استقلاله ،و يتناول اختصاصه قضاة الحكم و النيابة العامة على حد سواء، باستثناء نقل القضاة الأخيرين الذي يتم بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل فقط دونما حاجة للرجوع إلى مجلس القضاء الأعلى .

 

و لقد أتت تشريعات كثيرة بدءا من القرار رقم 124 تاريخ 15/6/1923 و من بعده القرار رقم 238 تاريخ 2/6/1928و كذا المرسوم التشريعي رقم 15 تاريخ 19/10/1946 و المرسوم 80 تاريخ 30/6/1947 و المرسوم التشريعي رقم 19 تاريخ 10/7/1952 و المرسوم التشريعي رقم 133 تاريخ 8/10/1953 ، و في عهد الوحدة صدر قانون السلطة القضائية رقم 56 لعام 1959 ثم أعقبه المرسومين التشريعيين رقم 23 و 40 لعام 1966 و جميع هذه المراسيم تناولت حصانة القضاة و كان أخرها المرسوم التشريعي رقم 32 تاريخ 6/2/1968 الذي سمح فيه للسلطة التنفيذية بأن تصرف كل موظف أكمل الخامسة و الخمسين من عمره أو تجاوزت خدماته الثلاثين عاما بناء على اقتراح الوزير المختص و بذا تكون حصانة العزل قد رفعت عن كل قاضي تتوافر فيه إحدى الحالتين السابقتين .

و الامر الذي نلاحظه من التشريعات المتقدمة كثرتها و الكثرة تخلق في السلطة القضائية جوا من عدم الاستقرار النفسي و الطمأنينة اللذين لا بد منهما للقاضي في عمله ، فضلاً عن أن رفع الحصانة ينعكس أثره على المتقاضين أكثر مما ينعكس على القضاة.

 

2 السلطة القضائية في الدساتير السورية و النصوص التشريعية الأخرى:

 

السلطة القضائية في الدستور:

 

مرت السلطة القضائية بالعديد من الحالات خلال فترة الاستقلال:

أ‌-            الدستور السوري لعام 1951 :

لقد أضفى الدستور أهمية كبيرة للقضاء و حرص على استقلالية القضاء فنص في المادة 113 على ما يلي:(1- تؤلف المحكمة العليا من سبعة أعضاء يسمى أحدهم رئيسا لها .

2- يشترط في العضو أن يكون :

أ-متمتعا بشروط المرشح للنيابة .

ب‌-        حاملا أجازة الحقوق من الجامعة السورية أو ما يعادلها.

ج- متما الأربعين من عمره.

د- قد مارس القضاء و المحاماة و التدريس الجامعي أو أحد هذه الأعمال مدة لا تقل عن عشر سنوات)

 

نص في المادة 118 على ما يلي: (1- يؤلف مجلس القضاء الأعلى من سبعة أعضاء :

أ ـ رئيس المحكمة العليا رئيسا.

ب- اثنين من أعضاء المحكمة العليا تختارهما المحكمة .

ج- الأربعة الأعلى مرتبة من قضاة محكمة التمييز .

2 - يشرف هذا المجلس على شؤون قضاة الحكم المتعلقة بمهمتهم.)

و المادة 119 (لرئيس مجلس القضاء الأعلى و لوزير العدل حق تقديم الاقتراحات بتعيين قضاة الحكم و ترفيعهم و نقلهم و تأديبهم و عزلهم وفقا لأحكام القانون و يبت مجلس القضاء الأعلى في هذه الاقتراحات بقرار يتخذه بالأكثرية المطلقة و يبلغه إلى وزارة العدل لتنفيذه بمرسوم أو بقرار وفقا لأحكام القانون.)

 

ب ـ في عام 1962 جاء المرسوم التشريعي رقم 120 تاريخ 11/9/1962 فنصت المادة 3 منه على ما يلي(يلغى نص المادة 65 من قانون السلطة القضائية المشار إليه و يستعاض عنه بالآتي

-          يؤلف مجلس القضاء الأعلى على الوجه الآتي :

-          - رئيس محكمة النقض رئيسا .

-          النواب الثلاثة لرئيس محكمة النقض.

-          الأمين العام لوزارة العدل.

-          أقدم مستشاري محكمة النقض.

 

عند غياب رئيس محكمة النقض أو أحد نوابه أو رئيس محكمة الاستئناف يحل محله من يليه في الأقدمية من ملاك محكمته و عند غياب الأمين العام يحل محله أقدم قضاة الإدارة المركزية .

 

و إن قراءة سريعة للنصوص السابقة تعطينا فكرة واضحة عن مكانة القضاء و استقلاله في الدساتير السابقة لدستور عام 1973 ، و اتجاه المشرع لأن يجعل من الجهاز القضائي جهازا متميزا يضم خيرة الناس علما و سمعة و خبرة.

 

3 في الدستور السوري لعام 1973 :

 

فصل الدستور السوري تحت الباب الثاني سلطات الدولة فأتى على شرح السلطة التشريعية تحت عنوان الفصل الأول ثم أتى على السلطة التنفيذية تحت الفصل الثاني و نص على أجهزة السلطة التنفيذية بان جعل رئيس الجمهورية رأسا لهذه السلطة و شرح كيفية ترشيحه و انتخابه من المادة 83 حتى المادة 114 و من دراسة هذه المواد يتجلى لنا أن رئيس الجمهورية يهيمن هيمنة كاملة و تامة على جميع السلطات و يحكم قبضته عليها بشكل لا يدع لها مجالا للحركة إلا وفق مشيئته فهو يمثل مركزا أقوى من مراكز بعض الملوك أو الأمراء. إنه مركز مطلق لا معقب لحكمه أو لرأيه فلذا جاء الدستور مهيئا لسلطة مطلقة للسلطة التنفيذية التي يرأسها رئيس الجمهورية. ليس هدفنا شرح صلاحيات رئيس الجمهورية، بل نتعرض لها حتى يكون انتقالنا لشرح أوضاع السلطة القضائية انتقالا واضحا يسلط الضوء على النواحي كافة التي تحكم هذه السلطة !

 

لقد خص الدستور السوري لعام 1973 في الفصل الثالث بحث السلطة القضائية في المواد من 132 و حتى 138 كما يلي:

المادة 132(يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى و يبين القانون طريقة تشكيله و اختصاصه و قواعد سير العمل فيه)

 

المادة 133(1- القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون .

2- شرف القضاة و ضميرهم و تجردهم ضمان لحقوق الناس و حرياتهم.)

 

المادة 134 (تصدر الأحكام باسم الشعب العربي في سورية )

 

المادة 135 (ينظم القانون الجهاز القضائي بجميع فئاته و أنواعه و درجاته و يبين قواعد الاختصاص لدى مختلف المحاكم)

 

المادة 136 (يبين القانون شروط تعيين القضاة و ترفيعهم و نقلهم و تأديبهم و عزلهم)

 

المادة 137 (النيابة العامة مؤسسة قضائية واحدة يرأسها وزير العدل و ينظم القانون وظيفتها و اختصاصاتها).

 

و لئن كان الفصل قد جاء تحت عنوان السلطة القضائية إلا أنه لم يذكر بأن هذه السلطة هي سلطة مستقلة بل إن المادة 132 قد بينت أن رئيس الجمهورية و الذي هو في الوقت ذاته رئيس السلطة التنفيذية يرأس مجلس القضاء الأعلى و لئن كانت المادة 133 قد بينت بأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون إلا أن هذا النص لا يعود له معنى حين يقحم القضاة في خضم السياسة فيغدو القاضي تابعا لسلطة حاكمة و بالأحرى هو جزء في عجلة النظام!!

 

مقدمات أدت إلى نتائج:

 

إن ما حدث في سوريا إنما هو تهيئة كاملة للطلاب بأن يكونوا حزبيين و تأطيرهم بالسلطة الحاكمة سواء عن طريق إلزامهم أثناء مراحل الدراسة الابتدائية لأن ينخرطوا في منظمة طلائع البعث أم حين يصبحون في مراحل الدراسة الثانوية بالانخراط فيما يسمى شبيبة الثورة حتى إذا واصلوا دراستهم الجامعية كان عليهم الانخراط في اتحاد الطلاب أو أن يخضعوا لهيمنة هذا التنظيم وينتسبوا إلى حزب البعث فإذا تخرجوا من كليات الحقوق أضحى لزاما عليهم حتى يقبلوا في سلك القضاء أو حتى يجدوا لهم عملا أن يكونوا حزبيين و بذا تكون مراحل التهيئة السابقة قد أتت على شخصيتهم المستقلة و أضحوا كالعجينة بيد الخباز و بالتالي فإن معنى استقلال القاضي في حكمه و شخصيته و آرائه يكون قد أصبح في مهب الريح ناهيك عن تدخل الأجهزة الأمنية فوق كل ذلك في تعيين القضاة و إرسال التقارير عنهم مما يجعلهم خاضعين مستقبلا لهذه الأجهزة فلا يمكن أن يمر تعيين أي قاض ما لم توافق عليه هذه الأجهزة فضلا عن دور الرشاوى في عملية التعيين .

 

-استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية: فإذا لم تكن السلطة القضائية سلطة مستقلة تماما عن السلطة التشريعية، بأن لا يحجب حق التقاضي عن الناس بأي تشريع و تحت أي مسمى و أن لا تلغى الأحكام القضائية أو يعطل نفاذها وأن لا تمس حصانة العزل أو النقل تحت أية حجة كانت، لا يكون لاستقلال القضاء عن السلطة التشريعية أي معنى، لأنها تستطيع بسط هيمنتها على هذه السلطة متى شاءت و تحت ستار النصوص القانونية ، وهو الأمر الجلي الواقع في سوريا .إذ لا معنى للأحكام القضائية التي تصدر عن القضاء لأن نفاذها رهن بإجازة سلطات أخرى سواء تنفيذية أم تشريعية و لأن عددا من المراسيم و القوانين صدرت بحجب حق التقاضي أمام العدالة و هي أكثر من أن تحصى .

 

1-  مثال ذلك المادة 85 مكرر من قانون الموظفين التي تبيح تسريح الموظف دون بيان الأسباب وتمنع عليه مراجعة القضاء بشأن قرار التسريح.

2-    القوانين العديدة: المنافية للدستور التي لا يستطيع المواطن مراجعة القضاء للطعن في دستوريتها.

 

ولو عدنا إلى نصوص قانون السلطة القضائية الحالي لوجدنا أن حصانة القاضي هي حصانة اسمية ووهمية فقد ترفع حصانة النقل عن قضاة الحكم متى أريد ترقيتهم وعن القضاة الذين أمضوا مدة ثلاث سنوات فأكثر في مراكزهم عندما تقضي الضرورة بنقلهم في حين أن التشريعات السابقة لم تكن تسمح بالنقل إلا بموافقة القاضي الخطية حتى لو كان من أجل ترقية (المادة 79 من المرسوم التشريعي رقم 80 لعام 1947 والمادة 96 من المرسوم الاشتراعي لعام 1946 ) كما أن التشريع الحالي سمح بنقل قضاة الحكم إلى النيابة العامة (مادة 83) دون موافقة القاضي وبهذا تكون حصانة القاضي هشة و عرضة للسلب .

 

-استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية:

 

فإذا لم تكن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية بعدم تدخل هذه السلطة في تعيين القضاة و حماية مرتباتهم و ترقيتهم و خضوع القضاة لنظام خاص بالمسؤوليتين التأديبية و المدنية و بعدم تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية أو قرارات مجلس القضاء الأعلى فان هذه السلطة لا تكون مستقلة استقلالا تاما.

 

-    إلا أننا لو عدنا إلى نصوص القانون لوجدنا أن المادة 65 من قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم 98 لعام 1961 المعدلة نصت على ما يلي:(يؤلف مجلس القضاء الأعلى على الوجه الآتي:

-          رئيس الجمهورية ينوب عنه وزير العدل رئيسا .

-          رئيس محكمة النقض عضوا.

-          النائبان الاقدمان لرئيس محكمة النقض عضوا.

-          معاون الوزير لوزارة العدل عضوا.

-          النائب العام عضوا.

-          رئيس إدارة التفتيش القضائي عضوا.

 

إذا تغيب معاون الوزير أو رئيس التفتيش يكمل النصاب مدير إدارة التشريع و في حالة غياب احد الأعضاء الآخرين يكمل النصاب أقدم المستشارين في محكمة النقض.

 

و هكذا أضحى وزير العدل يرأس السلطة القضائية، فضلا عن أن أكثرية المجلس تابعة لوزير العدل و هم معاون الوزير و النائب العام و رئيس إدارة التفتيش.

 

و بذا فلم تعد هذه السلطة سلطة مستقلة و إنما دائرة من دوائر الدولة يديرها وزير العدل الذي هو عضو في السلطة التنفيذية التي هي الوزارة .

و من نافلة القول أننا نجد أن وزراء ليس لهم الخبرة القضائية الكافية يرأسون مجلس القضاء الأعلى الذي يضم فيه قضاة أمضوا عمرهم كله في خدمة القضاء فكيف يمكن لنا أن نفسر ذلك؟؟ هل نستطيع أن نقول أن السلطة القضائية بعد ما تقدم من بحث هي سلطة مستقلة ؟

كلا و ألف كلا!!

 

و لكن كيف تم تجريد القضاء من سلطته المستقلة و تم الاعتداء على حياده من نواح أخرى؟

إن إنشاء الأقضية الاستثنائية أسلوب شاذ من أساليب النظم الشمولية التي لا تقبل اختصاص القضاء العادي في جرائم أو منازعات بعينها، و لا شبهة في أن انتزاع ولاية القضاء العادي في صدد منازعة أو جريمة بعينها يكشف عن انحياز في المعاملة، و إلا فلو كان الأمر أمر احتكام إلى القانون لما كان هناك محل لأن تشكل محاكم أو لجان خاصة و حتى لو لم تعط هذه الجهات سلطات استثنائية يتجاوز بها حدود القانون العام و تنتهك بها ضماناته ،فان تشكيل هذه المحاكم واللجان بحد ذاته يعتبر انتهاكا لمبدأ حيدة القضاء (عن بحث للأستاذ نصرت ملا حيدر في مجلة المحامون).

 

لقد دأب المشرع في سورية على إنشاء العديد من المحاكم و اللجان الاستثنائية بغرض سلب القضاء اختصاصاته و منها:

1-  المحاكم العسكرية التي وصفها رجال الفقه الدستوري بأنه أسلوب شاذ لا يأتلف مع قيام القضاء العادي كسلطة مستقلة كما لا يأتلف مع الأسلوب الديمقراطي في الحكم و قد أتت دساتير عديدة منها عربية على منع إنشاء مثل هذه المحاكم .

2-  و من هذه المحاكم محاكم الميدان العسكرية التي لا تتقيد بأصول و لا تتقيد بالعقوبات و القضاة فيها لا يشترط تخرجهم من كلية الحقوق و لا يربطهم بالقانون أي رابطة، و التي يكون من اختصاصها أصلا محاكمة العسكريين في حالات محددة، إلا أن مرسوما تشريعيا قضى بتوسيع صلاحيات هذه المحاكم لمحاكمة المدنيين.

3-  كذلك من هذه المحاكم محكمة أمن الدولة العليا المنشأة بموجب المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968 المعدل و أحكام هذه المحكمة يصادق عليها رئيس الجمهورية الذي له حق تعديلها أو إلغائها أي أن أحكام هذه المحكمة خاضعة لرقابة السلطة التنفيذية و تصديقها و لا رقابة عليها لأية جهة قضائية

4-    كما أن القوانين أحدثت لجانا خاصة مثل لجان تحديد الأجور للعمل الراعي و لجان تسريح العمال و سواها.

 

كل هذه المحاكم الاستثنائية و اللجان سلبت القضاء اختصاصه و حصرت عمله في نطاق محدد و نالت من حيدته و هيبته.

 

 

 

 

ب-القضاء العسكري المنظم بالمرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 27/2/1950 :

عقب وقوع الانقلاب العسكري الأول الذي قاده الضابط حسني الزعيم أصدرت السلطة الحاكمة في ذلك الوقت المرسوم التشريعي رقم 61 لعام 1950 والذي نظم المحاكم العسكرية، وبذلك أضحى القضاء العسكري قضاء عادياً يستمد أصوله من المرسوم آنف الذكر .

قسم القضاء العسكري إلى ثلاثة أقسام وقد نصت المادة الأولى منه على مايلي:

 

1-    ينظر في القضايا العسكرية:

أ- قاض فرد واحد أو أكثر في كل لواء أو قطعة مماثلة.

ب-محكمة عسكرية دائمة مركزها دمشق ويجوز لها عند الضرورة أن تعقد جلساتها

في أي مكان آخر.

يجوز عند الضرورة تأليف محاكم أخرى دائمة أو مؤقتة بمرسوم يصدر بناء على اقتراح القائد العام للجيش والقوات المسلحة يعين فيه صلاحياتها.

ج‌-    محكمة تمييز عسكرية.

المادة" 31 " تتألف محكمة التمييز العسكرية من الغرفة الجزائية في محكمة التمييز على أن يستبدل أحد مستشاريها بضابط لا تقل رتبته العسكرية عن عقيد.

 

المادة"32" تنظر محكمة التمييز العسكرية في :

أ‌-       الأحكام والقرارات القابلة للتمييز الصادرة عن المحاكم العسكرية وقضاة التحقيق العسكريين .

ب‌-   تعيين المرجع.

ت‌-   نقل الدعوى.

ث‌-   طلبات إعادة المحاكمة .

 

كما نصت المادة 2 على مايلي:

يمكن زمن الحرب إنشاء محاكم عسكرية تابعة للجيش بمرسوم يتخذ بناء على اقتراح القائد العام للجيش والقوات المسلحة للنظر وفقاً لقواعد الصلاحية والأصول المنصوص عليها في هذا القانون في الجرائم الواقعة في مناطق القتال أو الاحتلال الحاصلين من الجيش السوري الذي تلحق به هذه المحاكم.

 

كما نصت المادة 3 على مايلي:

ينظر القاضي الفرد :

1-    كافة المخالفات والجنح.

2-  في كافة جرائم الأسلحة والقطع المفصولة والذخائر والأعتدة والمتفجرات من جميع الأنواع والتي تقع زمن الحرب أو في حالتي الحرب والطوارئ وفي المناطق التي تعلن فيها الأحكام العرفية مهما كانت صفة مرتكب هذه الجرائم .

 

كما نصت المادة 19 على مايلي:

1-  عندما تتوقف دعوى الحق العام على اتخاذ الشاكي صفة المدعي الشخصي ، يحق للنائب العام أن يجري الملاحقة بناء على شكوى المتضرر فيما إذا كان المدعى عليه مدنياً. أما إذا كان عسكرياً فليس للمدعي الشخصي أن يحرك دعوى الحق العام إلا بموافقة النيابة العامة وأذن المراجع الآمرة بالملاحقة.

2-  إذا كان المتضرر من العسكريين فلقيادة الجيش أو رئاسة الأركان العامة رغم رجوع الشاكي عن دعواه أن تطلب متابعة النظر بالدعوى إذا رأت ضرورة لذلك .

وهنا نرى التمييز الكبير بين المدني والعسكري.

كما حددت المادة 34 نوعية الأشخاص الذين يمكن لهم شغل منصب القاضي في المحكمة كما يلي:

 

1-    يجب أن يكون رئيس المحكمة ضابطاً لا تقل مرتبته العسكرية عن رائد أو قاضياً مدنياً من قضاة المرتبة الثانية على الأقل.

2-    يجب أن يكون عضوا المحكمة من الضباط على أن لا تقل الرتبة العسكرية لكل منهما عن رتبة رئيس أي " نقيب" .

3-    إذا كانت المحكمة مؤلفة من ثلاثة ضباط وجب أن يكون أحدهم مجازاً في الحقوق .

4-    يجب أن يكون النائب العام أما ضابطاً حقوقياً لا تقل رتبته العسكرية عن مقدم أو قاضياً مدنياً لا تقل درجته القضائية عن المرتبة الثانية .

5-    يجب أن يكون قاضي التحقيق إما ضابطاً لا تقل رتبته العسكرية عن رئيس أو قاضياً لا تقل درجته القضائية عن المرتبة الثالثة .

6-  يجب أن يكون معاونو النائب العام وقضاة التحقيق الملازمين وقضاة الفرد من الضباط الحقوقيين على أن لا تقل رتبهم العسكرية عن رتبة ملازم أول .

7-    يعين قضاة المحاكم العسكرية من الضباط بمرسوم يصدر بناء على اقتراح القائد العام للجيش والقوات المسلحة .

8-    ويجوز عند الاقتضاء إسناد القضاء إلى قضاة مدنيين دون المراتب المذكورة .

 

كما أعطى القانون المحاكم العسكرية صلاحيات تعيين المرجع القضائي الصالح للمحاكمة كما يلي:

السلطات القضائية العسكرية هي وحدها التي تقدر ما إذا كانت القضية من صلاحيتها أم لا، وكل خلاف يثار لدى مرجع قضائي آخر في شأن الصلاحية يحال إليها لتفصل فيه قبل النظر في أساس الدعوى .

فإذا قررت هذه السلطة أن القضية ليست من صلاحيتها أعادتها وإلا نظرت فيها بشرط أن تبلغ قرارها إلى المحكمة التي رفعت إليها القضية قبلاً.

 

ومن مراجعة النصوص الأخرى نجد أن صلاحيات القضاء العسكري تشمل في كثير من الأحيان :

أ‌-       المدنيين في حالات محددة وخاصة أثناء إعلان حالة الطوارئ.

ب‌-   العسكريين في الجرائم العادية والمدنيين المتلازمين مع العسكريين .

ت‌-  أعطى القانون القضاء العسكري وحده تقرير المرجع المختص في أية قضية اشترك فيها المدني والعسكري على ما نصت عليه المادة 51 أصول محاكمات عسكري.

 

لقد كانت القوانين السابقة للقانون الحالي التي تنظم المحاكم العسكرية إنما تنحصر في العسكريين ، بمعنى أن المحكمة العسكرية هي بمثابة مجلس تأديب الموظفين ، فصلاحيات هذه المحاكم تنحصر في محاكمة العسكريين وفي القضايا العسكرية ولا علاقة لها بالمدنين، إلا أنه عقب استيلاء العسكريين على السلطة بدء من عام 1949 تحول المشهد فأضحى القضاء العسكري يهيمن على الحياة المدنية لأحكام سيطرة الأنظمة العسكرية الاستبدادية والعسكريين على السلطة والمجتمع،وإيجاد نوع من التمايز بين العسكريين والمدنيين.

 

 

المحاكم الميدانية العسكرية-ت

 

مع وصول حزب البعث إلى السلطة بانقلاب عسكري صدر العديد من القوانين والمراسيم التشريعية المتعارضة مع الدستور القائم آنذاك والتي أسست لحكم استبدادي شمولي تنعدم فيه الحريات العامة وحقوق الإنسان ، بدءاً من إعلان حالة الطوارئ بموجب أمر عسكري خلافاً لقانون الطوارئ نفسه ، مروراً بالمادة 16 من المرسوم التشريعي رقم 14 الصادر عام 1969 والمتضمن مايلي :

 

ولا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكولة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير .

 

ثم القانون 49 لعام 1980 الذي قضى بإعدام كل منتسب للإخوان المسلمين بمفعول رجعي خلافاً للدستور السوري الذي أقر عام 1973 وخلافاً لسائر القوانين المحلية والمعاهدات الدولية.

وكانت الأحكام الصادرة بالاستناد إليه معدومة من الناحية القانونية والدستورية .

 

وعندما وجد الرئيس الرئيس الراحل حافظ الأسد النظام نفسه مهدداً وسع صلاحية المحاكم الميدانية العسكرية لاستخدامها لتصفية خصومه السياسيين وعلى رأسهم الإخوان المسلمين بالمرسوم التشريعي الذي ننشره بنصه الكامل .

مرسوم تشريعي رقم 32 تاريخ 1/7/1980

رئيس الجمهورية بناء على أحكام الدستور

يرسم مايلي :

 

المادة 1- يضاف إلى نهاية الفقرة ب من المادة 2 من المرسوم التشريعي رقم 109 تاريخ 17/8/1968 النص التالي :

أو (عند حدوث اضطرابات داخلية).

 

المادة 2- ينشر هذا المرسوم التشريعي في الجريدة الرسمية ويعتبر نافذاً من تاريخ 25/6/.1980

 

وكان قد صدر في أعقاب الثامن من آذار مرسوم تشريعي بإحداث المحاكم الميدانية العسكرية برقم 109 تاريخ 17/8/1968 ندرجه فيما يلي لتكتمل الصورة ولنستطيع تسليط الضوء على هذا النوع من المحاكم التي استقر الفقه القانوني على أنها نوع شاذ من أنواع القضاء .

 

مرسوم تشريعي رقم 109

تاريخ 17/8/1968

 

أحداث محاكم الميدان العسكرية

 

بناء على أحكام قرار القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي رقم 2 تاريخ 25/2/1966

وعلى قرار مجلس الوزراء تاريخ 14/8/1969

 

يرسم مايلي :

 

مادة 1- تحدث محكمة أو أكثر : تسمى محكمة الميدان العسكرية .

تتولى هذه المحكمة النظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية التي يقرر وزير الدفاع إحالتها إليها .

يسري اختصاص هذه المحكمة اعتباراً من 5/6/1967

 

مادة 2- يقصد في هذا المرسوم التشريعي مايلي:

 

أ‌-       زمن الحرب : هو المدة التي تقع فيها اشتباكات مسلحة بين الجمهورية العربية السورية

وبين العدو ويحدد بدؤها وانتهاؤها بمرسوم .

ب‌-   العمليات الحربية: الأعمال والحركات التي يقوم بها الجيش أو بعض وحداته في

الحرب أو عند وقوع صدام مسلح مع العدو .

 

مادة3- تؤلف المحكمة بقرار من وزير الدفاع من رئيس وعضوين، ولا تقل رتبة الرئيس عن

رائد كما لا تقل رتبة كل من العضوين عن نقيب ، ولا يجوز محاكمة أحد ضباط القوات

المسلحة أمام محكمة يكون رئيسها أدنى منه مرتبة .

 

مادة 4- أ- يقوم بوظائف النيابة العامة لدى المحكمة قاضٍ أو أكثر من النيابة العامة العسكرية

يجري تسميتهم بقرار من وزير الدفاع .

ب‌-   تتمتع النيابة العامة لدى المحكمة بجميع السلطات والصلاحيات الممنوحة للنائب العام وقاضي التحقيق العسكريين .

ت‌-   تصدر قرارات النيابة العامة قطعية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن .

مادة 5- يجوز للمحكمة ألا تتقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات

النافذة .

 

مادة 6- تطبق المحكمة العقوبات المقررة قانوناً ولا تقبل الأحكام التي تصدرها أي طريق

من طرق الطعن .

 

مادة 7- لا تنفذ أحكام محكمة الميدان العسكرية إلا بعد التصديق عليها من السلطة

المختصة، وتنفذ وفاقاً للتشريعات المرعية .

 

مادة 8- أ- تخضع أحكام الإعدام لتصديق رئيس الدولة، أما باقي الأحكام فيجري تصديقها

من وزير الدفاع .

 

ب- لرئيس الدولة ووزير الدفاع كل بحسب اختصاصه أن يخفف العقوبة أو يستبدل بها عقوبة أخرى ، أو يلغيها كلها مع حفظ الدعوى .

ويكون لحفظ الدعوى مفعول العفو العام . كما يجوز له أن يأمر بإعادة المحاكمة أمام محكمة ميدان عسكرية أخرى ، ويجب أن يصدر القرار في هذه الحالة معللاً ، فإذا صدر الحكم في المحاكمة الثانية بالبراءة وجب التصديق عليه في جميع الأحوال ، وينفذ فوراً .

 

ت - لوزير الدفاع ضمن اختصاصه أن يوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها ، وفي هذه الحالة تطبق قواعد وقف تنفيذ الأحكام المنصوص عليها في قانون العقوبات العام .

ث‌-   لرئيس الدولة أو وزير الدفاع كل بحسب اختصاصه بعد التصديق على الأحكام بالإدانة أن يمارس الصلاحيات المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين .

 

مادة 9- ينشر هذا المرسوم التشريعي في الجريدة الرسمية .

 

وإذا أضفنا التعديل الذي صدر في عام 1980المتقدم إلى نص الفقرة 4 من المادة 25 فتصبح كمايلي:

 

ت‌-   العمليات الحربية : الأعمال والحركات التي يقوم بها الجيش أو بعض وحداته في

الحرب ،أو عند وقوع صدام مسلح مع العدو ، وعند حدوث

اضطربات داخلية.

 

من تدقيق نص المرسوم السابق نجد:

 

أ‌-       أن اختصاص المحكمة محصور بالنظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية .

 

ثم حددت الفقرة أ- معنى زمن الحرب : بأنه هو المدة التي تقع فيها اشتباكات مسلحة بين الجمهورية السورية وبين العدو ويحدد بدؤها وانتهاؤها بمرسوم .

 

ثم جاءت الفقرة ب لتحدد معنى العمليات الحربية وهي معطوفة بالمعنى على الفقرة أ- إذ نصت على تفسير معنى العلميات الحربية بأنها الأعمال والحركات التي يقوم بها الجيش أو بعض وحداته في الحرب وعند وقوع صدام مسلح مع العدو.

 

وبالتالي فإن الفقرة ب ليست سوى تأكيداً للفقرة "أ" وشرحاً لها إذ أن ما يجري في الحروب إنما هو أعمال وحركات تقوم بها الجيوش المتحاربة .

 

وعلى هذا فإن مشروعية المحاكم الميدانية مستمدة من سرعة الحسم في جرائم ترتكب أثناء الحروب وهي مما تقتضيها حالة الحرب نفسها ، فلو أخل عسكري بواجباته أو فر من الخدمة أو تخابر مع العدو ، إذاً لوجب أن يحاكم محاكمة سريعة حفاظاً على معنويات الجيش وهيبته أثناء الحرب ومنعاً للتخاذل باعتبار أن المحاكمات العادية تستغرق وقتاً طويلاً في حين أن حالة الحرب تقتضي سرعة البت في الجرائم المرتكبة أثناءها .

 

وعلى هذا وحرصاً على أن يكون عمل المحاكم الميدانية تحت سقف المشروعية فقد نصت الفقرة أ من المادة المار ذكرها بأن بدء العمليات الحربية وانتهاؤها يحدد بمرسوم وبالتالي فهي محاكم نائمة تنتظر صدور المرسوم المبين آنفاً لتصبح محاكم متحركة ومستيقظة تنتظر إحالة مرتكبي جرائم أثناء المعارك إليها حتى تحاكمهم.

 

إذاً كيف لنا أن ننظر إلى المادة التي أضيفت إلى الفقرة ب بموجب المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 1980 والتي اعتبرت الاضطرابات الداخلية من اختصاص المحاكم الميدانية بغض النظر عن صحة هذا المرسوم وانسجامه مع الدستور من عدمها، فإن هذه المحاكم لا يجوز لها أن تحاكم المدنيين لسببين :

 

أ‌-       لأنها أصلاً محدثة لمحاكمة العسكريين وبالتالي فلو فرضنا جدلاً صحة صلاحياتها لمحاكمة العسكريين أثناء الاضطرابات لكان من الواجب إصدار مرسوم لتحديد بدء العمليات الحربية أو بدء تفعيل المحكمة وإيقاظها من سباتها .

 

2- في كل الأحوال فإن إضافة نص يشمل صلاحياتها للعمل أثناء الاضطرابات الداخلية لا يعني بالضرورة محاكمة المدنيين إذ أن مطلع المرسوم 109 واضح بأن اختصاصها هو النظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية ، وبالتالي فلا يشمل المدنيين .

 

ولم نجد أي نص في ثنايا المرسومين المار ذكرهما يبيح محاكمة المدنيين الذين ما كان يجوز للمحاكم الميدانية التصدي لمحاكمتهم .

 

وعلى هذا فإن الملاحظ على المرسوم "32" الذي أضاف إلى نص الفقرة ب من المادة الثانية عبارة ( عند حدوث اضطرابات داخلية ) أن هذا التعديل المضاف :

أ‌-       لم يغير من طبيعة اختصاص المحاكم الميدانية والذي هو لمحاكمة العسكريين وفق قانون العقوبات العسكري .

ب‌-   إن المحاكم الميدانية لا يمكن أن يبدأ عملها إلا بعد صدور مرسوم يعلن أن البلاد في حالة اضطرا بات داخلية تماماً كما يعلن عن حالة الحرب .

 

إلا أن مرسوماً كهذا لم يصدر وبدأت المحاكم الميدانية عملها دون سند من القانون ، كما تحرك وزير الدفاع بإحالته قضايا الناس بالجملة إلى المحاكم الميدانية لبدء تصفية جماعية دون وازع من قانون أو ضمير .

 

والأغرب من كل ذلك أن هذه المحاكم لا تزال تعمل إلى يومنا هذا وتحاكم حتى أناساً ارتكبوا جرائم عادية لا تدخل في اختصاص القضاء العسكري .

 

في تشكيل المحكمة :

 

برغم أن المرسوم التشريعي رقم 109 الذي أحدث المحاكم الميدانية قد صدر بداية العهد الاستبدادي عام 1968 فإنه جعل المحكمة من محاكم الجماعة بمعنى أنها ليست مشكلة من قاض واحد وإنما من رئيس وعضوين وتمثل فيها النيابة العامة .

إلا أن الواقع العملي أنه لم يمثل أي متهم أمام محكمة مشكلة من ثلاثة قضاة وبحضور النيابة العامة، فالمحاكم كانت مشكلة من قاض واحد وهو ما يشي ببطلان أحكامها.

 

في النيابة العامة : فقد بينت المادة الرابعة بفقرتيها أن النائب العام أمام هذه المحكمة يتمتع بصلاحيات واسعة وقراراته قطعية ، وبالتالي فإن هذه الصلاحيات أهدرت حقوق المواطنين المدنين الذين أحيلوا إليها فعلاً ومن حقهم في الدفاع أمامه ومراجعة طرق الطعن بقرارات النائب العام .

 

في هذا النص جمعت وظيفة قاضي التحقيق المنصوص عنها في المادة 23 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات العسكري مع وظيفة النائب العام وذلك خلافاً لقانون الأصول.

وباعتبار أن حكم المحكمة الميدانية قطعياً مما يفوت على من يحاكم أمامها فرصة الطعن بالأحكام والقرارات التابعة لها مما يخل بعدالة القضاء .

 

نفاذ أحكام المحكمة :

 

نصت المادتان "7و8" على أن الأحكام لا تنفذ إلا بعد التصديق عليها من رئيس الدولة إذا كانت أحكام إعدام ومن وزير الدفاع لما دون ذلك من عقوبات .

 

كما أعطت الفقرة ب من المادة "8" لرئيس الدولة ووزير الدفاع صلاحيات تخفيف العقوبة أو استبدالها بأخرى أو بإلغائها كلها .

 

وهذا يشي بأن الأحكام التي تصدر عن هذه النوع من المحاكم إنما هي أحكام سياسية وليست قضائية أو قانونية وهي قريبة المثال مع أحكام محكمة أمن الدولة .

 

وقد صرح وزير الدفاع السابق العماد مصطفى طلاس لمجلة ( دير شبيكل) الألمانية بأنه كان يوقع على أحكام إعدام مائة وخمسين سجين أسبوعياً وهو ما يجعله مسؤولاً شخصياُ عن هذه الإعدامات .

 

مما تقدم يتضح :

 

أولاً: إن صلاحيات المحاكم الميدانية محصورة بمحاكمة العسكريين وامتدادها لمحاكم المدنيين غير صحيح ويجعل الأحكام الصادرة عنها معدومة .

 

ثانياً : إن في استمرار عمل هذا النوع من المحاكم يرتب مسؤولية كاملة على الجهات التي تحيل إليها الأشخاص لمحاكمتهم سيما في حال الجرائم العادية، كما تجعل القضاة الذين يمارسون محاكماة من هذا القبيل مسؤولين عن الأحكام التي يصدرونها .

 

ج‌-   محكمة أمن الدولة:

 

أحدثت محكمة أمن الدولة العليا بموجب المرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28/3/1968 وقد نص على مايلي:

رئيس الدولة :

بناء على أحكام قرار القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي رقم /2/ تاريخ25/2/19660

وعلى قرار مجلس الوزراء رقم 47 تاريخ 20/3/1968

يرسم لمايلي:

 

1-    تحدث محكمة ( أمن الدولة عليا) تمارس مهامها في مدينة دمشق أو في أية مدينة حسب مقتضيات الأمن ، وذلك بأمر من الحاكم العرفي.

2-    لرئاسة المحكمة حق عقد جلسات المحاكمة في أي مكان تراه مناسباً.

 

المادة2

أ‌-       تشكل محكمة أمن الدولة العليا بقرار من رئيس الجمهورية ، من رئيس وأعضاء يحدد وصفتهم المدنية أو العسكرية بقرار تشكيلها.

المادة3

أ‌-       يمثل الحق العام لدى محكمة أمن الدولة العليا نيابة عامة يسمى رئيسها وأعضاؤها على النحو المبين في المادة السابقة .

 

المادة 4

يجوز عند الضرورة إحداث وتشكيل أكثر من محكمة أمن دولة .

 

المادة 5

تحل محكمة أمن الدولة العليا المحدثة بموجب هذا المرسوم التشريعي محل المحكمة العسكرية الاستثنائية التي تعتبر ملغاة، وتتمتع بسائر اختصاصاتها وصلاحياتها المحددة بالمرسوم التشريعي رقم /6/ الصادر بتاريخ 7/1/1965 وتعديلاته وتختص بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في المادة الثالثة من المرسوم التشريعي المذكور وتعديلاته وذلك إذا أحيلت إليها بأمر من الحاكم العرفي في أي مرحلة من مراحل القضية .

 

كما تختص في كل قضية أخرى يحيلها إليها الحاكم العرفي.

المادة7

أ‌-   مع الاحتفاظ بحق الدفاع المنصوص عليه في القوانين النافذة، لا تتقيد محاكم أمن الدولة بالإجراءات الأصولية المنصوص عليها في التشريعات النافذة وذلك في جميع أدوار وإجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة.

ب‌-   يكون للنيابة العامة عند التحقيق جميع الصلاحيات المخولة لها ولقاضي التحقيق ولقاضي الإحالة بمقتضى القوانين النافذة .

ت‌-   يمكن للمحكمة أن تحكم بالحقوق أو التعويضات المدنية عن الأضرار الناتجة عن الجرائم في الدعاوى التي تفصل فيها.

 

المادة8

لا يجوز الطعن بالأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة العليا ، ولا تكون هذه الأحكام نافذة إلا بعد التصديق عليها بقرار من رئيس الدولة الذي له حق إلغاء الحكم مع الأمر بإعادة المحاكمة، أو إلغائه مع حفظ الدعوى، أو تخفيض العقوبة أو تبديلها بأقل منها. ويكون لحفظ الدعوى ، مفعول العفو العام، وقرار رئيس الدولة في هذا الشأن مبرماً غير قابل لأي طريق من طرق الطعن أو المراجعة.

 

المادة 9

تنقل جميع الدعاوى التي هي قيد النظر لدى المحكمة العسكرية الاستثنائية الملغاة بحالتها الحاضرة، إلى محكمة أمن الدولة العليا المحدثة.

المادة 10

تلغى جميع الأحكام المخالفة لهذا المرسوم التشريعي.

المادة11

 

ينشر هذا المرسوم التشريعي في الجريدة الرسمية ويعمل به اعتباراً من تاريخ صدوره.

دمشق في 29/12/1387و28/3/1968 .

رئيس الدولة

الدكتور نور الدين الأتاسي

 

مما تقدم يتضح ما يلي:

أ‌-       أن يد الحاكم العرفي مطلقة في إحالة أية قضية منذ ابتدائها أو أثناء نظرها في أية محكمة وفي أية مرحلة من مراحل التقاضي.

ب‌- يد المحكمة مطلقة في عدم التقيد بقوانين الأصول ، والتي هي أصلاً الضابط لمحاكمات عادلة، فلا قيمة لممارسة التعذيب على المعتقلين كما لا قيمة لقولي التحقيق في الأمنية السرية للأجهزة الأمنية.

ت‌-   يمارس النائب العام لدى المحكمة كافة صلاحيات قاضي التحقيق، وقاضي الإحالة.

ث‌- أحكام المحكمة قطعية لا رقابة عليها لا في القانون ولا في تدقيق وقائع القضية أو تمحيص الكيفية التي جرت فيها التحقيقات أو أي شيء من ذلك .

 

ولا تلتفت المحكمة للتهديدات التي توجه عادة إلى الموقوفين بهتك أعراض أسرهم ونسائهم وبناتهم. وليس لأي إجراء خارج القانون أثر على المحاكمات، وهي بالإجمال محاكمات خارج إطار القانون وتندرج في إطار سياسة الدولة، وبرغم أن رئيسها الحالي قد تقاعد من عمله فلا زال رئيساً للمحكمة، وبالتالي القانون خارج إطار العدالة.

 

 

ح-القضاء الإداري:

 

أحدث القضاء الإداري في سورية في عام 1959 عقب الوحدة التي تمت بينها وبين مصر وهي خطوة إلى الأمام في اتجاه تطوير القضاء ومأسسته، ذلك أن القضاء الإداري قبل ذلك كان منوطاً بالمحكمة العليا التي أسست بالقانون 57 لعام 1950 وتبع ذلك القانون 165 لعام 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة.

 

كان القضاء الإداري في جمهورية مصر العربية راسخاً منذ زمن بعيد، وضم كفاءات علمية عالية، في حين كان في سورية تتقاذفه تيارات عده. فتارة يعود للقضاء العادي وتارة يعود لأنواع من القضاء متفرعة عن القضاء العادي، كالمحكمة العليا مثلاً.

أسس للقضاء الإداري في سورية القانون رقم 55 الصادر بتاريخ 21/2/1959 وقد نص على مايلي:

باسم الأمة

رئيس الجمهورية

 

بعد الإطلاع على الدستور الموقت، وعلى قانون السلطة القضائية الصادر في سورية، وعلى قانون ديوان المحاسبات رقم 207 لسنة 1952 الصادر في سورية وعلى القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة والقوانين المعدلة له، وعلى القانون رقم 57 لسنة 1950 الصادر في سورية في شأن المحكمة العليا المعدل بالقانون رقم 190 لسنة 1954، وعلى قانون الموظفين الأساسي رقم 135 لسنة 1945 الصادر في سورية، وعلى القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة والقوانين المعدلة له الصادر في مصر.

قرر القانون الآتي:

المادة (1)

يستبدل بأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة والقانون رقم 57 لسنة 1950 الصادر في سورية في شأن المحكمة العليا المشار إليهما، النصوص المرفقة وتلغى جميع الأحكام المخالفة لأحكام هذا القانون.

 

وقد حدد قانون مجلس الدولة اختصاصات المجلس كمايلي:

المادة(1)

مجلس الدولة هيئة مستقلة تلحق برئاسة مجلس الوزراء.

تكوين المجلس

المادة(2)

يتكون مجلس الدولة من:

أ‌-       القسم القضائي.

ب‌-   القسم الاستشاري للفتوى والتشريع .

 

يشكل المجلس من رئيس ومن عدد من الوكلاء والمستشارين والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين يحدد في الميزانية.

ويلحق بالمجلس مندوبون مساعدون وتسري عليهم الأحكام الخاصة بالمندوبين.

 

كما بينت المادة 3 المحاكم التي يتألف منها القسم القضائي من المجلس كمايلي:

يؤلف القسم القضائي من :

أ‌-       المحكمة الإدارية العليا.

ب‌-   محكمة القضاء الإداري.

ت‌-   المحاكم الإدارية.

ث‌-   هيئة مفوضي الدولة.

 

كما حددت المواد"8و9و10" اختصاصات مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري كما يلي:

المادة (8)

يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره بالفصل في المسائل الآتية:

ويكون له فيها ولاية القضاء كاملة:

أولاً الطعون الخاصة بانتخابات الهيئات الإقليمية والبلدية

ثانياً- المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت المستحقة للموظفين العموميين أو لورثتهم.

ثالثاً الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالطعن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو الترقية أو بمنح علاوات.

 

رابعاً- الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية.

خامساً- الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بإلغاء القرارات الإدارية الصادرة بإحالتهم إلى المعاش أو الاستيداع أو فصلهم عن غير الطريق التي تصدر استناداً لأحكام المادة 85 من قانون الموظفين الأساسي.

 

سادساً- الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية.

سابعاً- الطعون في القرارات النهائية الصادرة من الجهات الإدارية في منازعات الضرائب والرسوم.

 

ثامناً- أحكام ديوان المحاسبات وقراراته القطعية.

تاسعاً- دعاوى الجنسية.

 

 

ويشترط في الطلبات المنصوص عليها في البنود "ثالثاً" و"رابعاً" و"خامساً"و "سادساً"و"ثامناً" و"تاسعاً" أن يكون مرجع الطعن عد الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة.

 

ويعتبر في حكم القرارات الإدارية رفض السلطات الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه وفقاً للقوانين أو اللوائح .

 

المادة(9)

يفصل مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره في طلبات التعويض عن القرارات المنصوص عليها في المادة السابقة إذا رفعت إليه بصفة أصلية أو تبعية.

 

المادة (10)

يفصل مجلس لدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره في المنازعات الخاصة بعقود الالتزام والأشغال العامة والتوريد أو بأي عقد إداري آخر.

 

 

ونشير بهذا الصدد إلى قضاة مجلس الدولة وهو المجلس الذي ينظر في الدعاوى الإدارية الإدارية فقد نص القانون رقم 55 لعام 1959 على أن أعضاء مجلس الدولة من درجة مستشار مساعد فما فوق غير قابلين للعزل أما النواب فيمكن عزلهم إذا لم يمضوا ثلاث سنوات متصلة في وظيفتهم أو في وظيفة مماثلة لها يتمتع شاغلها بالحصانة فيها . ومع ذلك إذا اتضح أن أحدا من هؤلاء قد فقد الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهما الوظيفة القضائية أحيل على التقاعد بمرسوم من رئيس الدولة بعد موافقة اللجنة المشار إليها في المادة (64) السابقة وتتألف لجنة التأديب والتظلمات من قضاة من المجلس المذكور برئاسة رئيس المجلس وقد نصت المادة ( 66) من القانون (55) على طريقة تأليف اللجنة .

 

كما أن المادة الأولى من القانون قد ربطت مجلس الدولة برئاسة مجلس الوزراء.

كما حددت المادة 40 وما بعدها صلاحيات وتشكيل القسم الاستشاري للفتوى والتشريع والذي يحتوي على إدارات بعدد رئاسة الجمهورية والوزارات المختصة. ..

ومهمة هذه الإدارات إعطاء الرأي الذي تطلبه أية جهة إدارية، كما تتولى صياغة القوانين التي تقترحها الحكومة وصياغة مشروعات اللوائح والقرارات التنفيذية للقوانين وقرارات رئيس الجمهورية ذات الصفة التشريعية.

بينما تختص الجمعية العمومية للقسم الاستشاري بإبداء الرأي مسبباً في:

(أ)في المسائل الدولية والدستورية والتشريعية وغيرها من المسائل القانونية التي تحال إليها بسبب أهميتها من رئيس الجمهورية أو من الهيئة التشريعية أو من أحد الوزراء أو من رئيس مجلس الدولة.

(ب)في المسائل التي ترى إحدى اللجان رأياً فيها يخالف فتوى صدرت من لجنة أخرى أومن الجمعية العمومية للقسم الاستشاري.

(ج) في المنازعات التي تنشأ بين الوزارات أو بين المصالح العامة أو بين الهيئات الإقليمية أو البلدية أو بين هذه الهيئات.

 

كما تختص بمراجعة:

(1)     مشروعات القوانين واللوائح والقرارات التنفيذية التي تتولى اللجان صياغتها وترى إحالتها إلى الجمعية لأهميتها .

(2)  مشروعات التشريعات التفسيرية التي يصدر بها قرارات من رئيس الجمهورية أو غيره من الهيئات التي يخوله القانون فيها هذا الحق .

 

ويجوز لمن يطلب إبداء الرأي في المسائل المنصوص عليها في الفقرة(1) أن يحضر بنفسه جلسات الجمعية عند النظر فيها كما يجوز له أن ينوب من أهل الخبرة كمستشارين غير عاديين عدداً لا يجاوز أربعة ويكون لكل منهم صوت معدود في المداولات.

 

إلا أنه في الواقع فإنه منذ عام 1970 لم يعرض على هذه الهيئة أو حتى على الإدارات المتفرعة عنها أي مشروع قانون واقتصر عملها على أعطاء الفتاوى التي تطلبها الوزارات والإدارات العامة.

 

 

ح -المحكمة الدستورية:

 

نص الدستور السوري تحت عنوان المحكمة الدستورية العليا على مايلي:

 

المادة 139- تؤلف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيسا يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم .

 

المادة -140- لا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية العليا وتولي الوزارة أو عضوية مجلس الشعب ويحدد القانون الأعمال الأخرى التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المحكم.

 

المادة 141- تكون مدة العضوية في المحكمة الدستورية العليا أربع سنوات قابلة للتجديد .

 

المادة 142- أعضاء المحكمة الدستورية العليا غير قابلين للإقالة من عضويتها إلا وفقا لأحكام القانون .

 

المادة 143- يقسم رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاءها أمام رئيس الجمهورية وبحضور رئيس مجلس الشعب قبل توليهم عملهم القسم التالي:

" أقسم بالله العظيم أن احترم دستور البلاد وقوانينها وأقوم بواجبي بتجرد وأمانة " .

 

المادة 144- تحقق المحكمة الدستورية العليا في الطعون الخاصة بصحة انتخاب أعضاء مجلس الشعب وتحيل إليه تقريرا بنتيجة تحقيقها.

المادة 145- تنظر المحكمة الدستورية العليا وتبت في دستورية القوانين وفقا لما يلي :

1-  إذا اعترض رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب على دستورية قانون قبل إصداره إلى أن تبت المحكمة فيه خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تسجيل الاعتراض لديها وإذا كان للقانون صفة الاستعجال وجب على المحكمة الدستورية أن تبت فيه خلال سبعة أيام .

2-  إذا اعترض ربع أعضاء مجلس الشعب على دستورية مرسوم تشريعي خلال مدة خمسة عشر يوما اعتبارا من انعقاد دورة مجلس الشعب وجب على المحكمة الدستورية العليا أن تبت فيه خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تسجيل الاعتراض لديها .

3-  إذا قررت المحكمة الدستورية العليا مخالفة القانون أو المرسوم التشريعي للدستور يعتبر لا غيا ما كان مخالفا لنصوص الدستور بمفعول رجعي ولا يرتب أي أثر.

 

المادة 146- لا يحق للمحكمة الدستورية العليا أن تنظر في القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتنال موافقة الشعب .

 

المادة 147- تتولى المحكمة الدستورية العليا بناء على طلب من رئيس الجمهورية إبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين والمراسيم التشريعية وقانونية مشروعات المراسيم.

 

المادة 148- ينظم القانون أصول النظر والبت فيما تختص به المحكمة الدستورية العليا ويحدد ملاكها والشروط الواجب توافرها في أعضائها ويعين رواتبهم وحصاناتهم ومزاياهم ومسؤولياتهم.

من ذلك يتبن أن اختصاص المحكمة الدستورية ينحصر في نقطتين :

أولاهما: البت بصحة الانتخابات التشريعية .

ثانيهما : البت في دستورية القوانين.

 

ثم أنشئت المحكمة الدستورية بالقانون رقم 19 تاريخ 2/7/1973 عقب صدور الدستور وقد نص القانون على مايلي:

 

تشكيل المحكمة وقضاتها:

مادة1- تؤلف المحكمة الدستورية العليا من رئيس وأربعة أعضاء، يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، يحدد فيه أقدميتهم بحسب تاريخ التخرج ، وفي حال التساوي يرجح السن.

مادة2- يشترط فيمن يسمى رئيساً أو عضواً في المحكمة أن يكون:

 

أ‌-       سوري الجنسية، متمتعاً بشروط التوظيف العامة.

ب‌-   متماً الأربعين من عمره، ولم يجاوز الخامسة والستين عند التعيين.

ت‌-   حائزاً إجازة الحقوق من إحدى الجامعات السورية أو ما يعادلها.

ث‌- مارس القضاء أو المحاماة أو التدريس في الجامعة، أو أكثر من واحدة منها مدة خمس عشرة سنة على الأقل، أو مارس وظائف في الدولة مدة عشرين سنة على الأقل بعد حصوله على إجازة الحقوق.

 

مادة3- لا يجوز أن يسمى لرئاسة المحكمة وعضويتها من ترابط صلة القربى أو المصاهرة حتى الدرجة الرابعة.

 

مادة4- لا يجوز الجمع بين رئاسة المحكمة أو عضويتها وبين:

أ‌-       الوزارة أو عضوية مجلس الشعب.

ب‌-   أية مهنة أو وظيفة أخرى، باستثناء التدريس في الجامعة.

 

مادة5- يقسم رئيس المحكمة وأعضاؤها قبل توليهم عملهم، أمام رئيس الجمهورية وبحضور رئيس مجلس الشعب اليمين التالية:

 

" أقسم بالله العظيم أن احترام دستور البلاد وقوانينها وأقوم بواجبي بتجرد وأمانة".

 

مادة 6- أعضاء المحكمة الدستورية العليا غير قابلين للعزل إلا في الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون.

 

مادة 7- يحظر على رئيس المحكمة وأعضائها ما يحظر على القضاة.

 

مادة 8- يخضع رئيس المحكمة وأعضاؤها في ملاحقتهم الجزائية إلى الأصول والاختصاصات المتبعة في محاكمة القضاة.

 

وفي حال ارتكاب أحدهم الجرم المشهود يعلم رئيس المحكمة فوراً بالأمر، أو تعلم الهيئة العامة إذا كان الفاعل هو الرئيس.

 

مادة 9-أ- إذا فقد الرئيس أو أحد الأعضاء ما يتطلبه منصبه من أهلية وسيرة حسنة، تتخذ الهيئة العامة للمحكمة قراراً معللاً بفصله، ويعلم رئيس الجمهورية بهذا القرار .

ت‌-   ينفذ قرار الفصل بمرسوم وتصفى حقوق المفصول التقاعدية وفقاً للقوانين النافذة.

 

مادة 10- يقدم رئيس المحكمة وأعضاؤها استقالتهم من مناصبهم أو طلب إحالتهم إلى التقاعد إلى رئيس الجمهورية.

 

مادة11- يسمى رئيس الجمهورية بمرسوم رئيساً أو عضواً بدلاً من الرئيس أو العضو المفصول أو المستقيل أو المحال على التقاعد لمدة لا تتجاوز المدة الباقية للأصيل.

 

مادة 12- يستفيد رئيس المحكمة وأعضاؤها من العطلة القضائية المقررة في قانون السلطة القضائية ومن الأجازات الإدارية والصحية المنصوص عليها في قانون الموظفين الأساسي وتعيلاته.

 

الاختصاصات:

مادة 13- أ- تتألف الهيئة العامة للمحكمة من الرئيس والأعضاء، وتختص بالنظر في المسائل المتعلقة بنظامها وشؤونها الداخلية وتوزيع الأعمال بين أعضائها.

 

ب‌-   تدعى الهيئة العامة للانعقاد بناء على طلب الرئيس أو عضوين من أعضائها.

ت‌- لا يكون انعقاد الهيئة العامة صحيحاً إلا بحضور أربعة من أعضائها بما فيهم الرئيس وتتخذ قراراتها بالأكثرية. وفي حال تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي فيه الرئيس.

 

مادة 14-أ- تؤلف المحكمة عند النظر في القضايا الداخلة في اختصاصها المنصوص عليه في المادة 15 من هذا القانون من رئيسها وكامل أعضائها .

 

ب‌-   إذا فقد نصاب المحكمة لأي سبب كان يتمه رئيس محكمة النقض أو رئيس المحكمة .

ت‌-   إذا غاب رئيس المحكمة ينوب عنه العضو الذي يليه في الأقدمية ويكمل النصاب على النحو المتقدم في الفقرة السابقة.

 

مادة 15- تنظر المحكمة في الأمور التالية:

 

أ‌-       التحقيق في الطعون الخاصة بصحة انتخاب أعضاء مجلس الشعب.

ب‌-   دستورية القوانين قبل إصدارها بناء على طلب رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب.

ت‌-   دستورية مشروعات القوانين والمراسيم التشريعية بناء على طلب رئيس الجمهورية .

ث‌-   قانونية مشروعات المراسيم بناء على طلب رئيس الجمهورية.

ج‌-    محاكمة رئيس الجمهوري.

 

مادة 16- في حال تنازع الاختصاص بين المحكمة الدستورية العليا والسلطات القضائية الأخرى، يجري تعيين المرجع من قبل هيئة مؤلفة برئاسة رئيس المحكمة الدستورية العليا وعضوية أحد أعضائها يسميه الرئيس و أحد مستشاري محكمة النقض أو مجلس الدولة حسب الحال يسميه رئيس محكمة النقض، أما رئيس مجلس الدولة، ويكون قرار هذه الهيئة ملزماً.

 

مما تقدم يتضح أن إنشاء المحكمة الدستورية إنما كان عبارة عن شكل خال من المضمون، ذلك أنه في ظل نظام استبدادي قمعي شمولي لا يملك مجلس الشعب المستولى عليه أصلاً من قبل السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية أن يقوم بأي عمل دون موافقة الرئيس إذ أنه لم يعرض على المحكمة أي من القوانين التالية والتي تتنافى مع الدستور ومع قانون العقوبات و المعاهدات الدولية.

 

ومن هذه القوانين والمراسيم هي المرسوم 14 لعام 1969 الذي أحدث جهاز أمن الدولة والمادة 16 منه التي تشرعن الجريمة والقانون 49 لعام 1980 الذي قضى بإعدام كل منتسب لجماعة الأخوان المسلمين، والمرسوم التشريعي الذي بسط صلاحيات المحاكم الميدانية لمحاكمة المدنيين خارج القوانين المعمول بها وحتى الدستور نفسه .

 

وإذا أردنا استعراض العديد من القوانين المتعارضة مع الدستور ومع القوانين الأخرى ، لاحتجنا إلى العديد من الصفحات وما قدمناه إنما هو مثال على الفوضى التشريعية الموجودة في سوريا.

 

ما هو الواقع :

 

عقب الثامن من آذار كان من بواكير المراسيم التي أصدرها مجلس قيادة الثورة مرسوم العزل المدني اذ أتى هذا المرسوم على تشميل بعض الأشخاص بالعزل المدني ثم جاء مرسوم آخر فاعتبر المعزول مدنيا مصروفا من الخدمة (لا سابقة لهذا المرسوم فيما أعلم).

 

و قد شمل هذا المرسوم أحد القضاة هو الأستاذ أحمد الراشد الذي انتدب لرئاسة المحكمة العسكرية التي حاكمت من اتهموا بالاشتراك في فتنة حلب و التي ذهب ضحيتها عدد من خيرة ضباط الجيش و قد حكمت المحكمة على المدعو إبراهيم العلي بالإعدام إلا أن المذكور كان له دور بارز فيما أعقب الثامن من آذار و من هنا يمكن لنا أن نفهم كيف صدر مرسوم العزل المدني و معلوم أن القاضي يتمتع بحصانة العزل . فإذا بهذا المرسوم يفتئت على القانون والدستور ويعتدي على قاض قائم بعمله عقابا له على حكم إصدره .

 

وفي عام 1966 كنت معارا للعمل في القضاء الليبي فأصدرت السلطة مرسوما تشريعيا قضى يرفع الحصانة عن القضاء وتم صرف أربعة وعشرين قاضيا كنت أنا منهم وكان منهم رئيس محكمة النقض الأستاذ عبد القادر الأسود احد اكبر رجالات القضاء في سورية وكان أيام الوحدة رئيسا لمحكمتي النقض السورية والمصرية ، وشمل أيضا الأستاذ الكبير علي الطنطاوي وآخرين ، وقد زعم من أصدر المرسوم أن المصروفين من الخدمة غير متوافقين مع الثورة ! .(المرسوم في نهاية البحث ) .

 

وأخيرا إن القضاة هم سلطان الحق الذي لابد منه لسلطان القوة ، لأن القوة بدون الحق تعني البطش وسلب الحقوق في حين أن سلطان القوة من اجل الحق هو التقويم للباطل وفعله والإنقاذ للإنسان من التخبط في شريعة الغاب .

 

ولا يوجد في الحكومات البشرية سوى قوتين ضابطتين : قوة القانون وقوة السلاح .وإذا لم يتول قوة القانون قضاة فوق الخوف وفوق كل ملامة وتأثير فإن قوة السلاح ستسود حتما وبذلك تؤدي إلى سيطرة النظم العسكرية على النظم المدنية .

 

وفوق كل ذلك فإن معظم أجهزة الدولة ترفض تنفيذ الأحكام القضائية ومع أن من يمتنع عن تنفيذ أي حكم قطعي يقع تحت طائلة المعاقبة القانونية فإن اجتهادا قضائيا خاطئا منحرفا قضى بعدم جواز مساءلة الوزير الممتنع عن تنفيذ الأحكام القضائية إلا من قبل رئيس الجمهورية . (صدر هذا الاجتهاد عن إدارة التسريع التابعة لوزارة العدل ) .

 

مما تقدم لنا يتضح لنا كيف انهار القضاء انهيارا كاملا في سورية ، وبالحقيقة فإن ثمة اغتيالا تشريعيا منظما لهذا الجهاز القضائي الهام والذي لاغنى عنه في أي مجتمع من المجتمعات ، وهو حصن الأمة الأخير لحماية المواطنين في أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وحريتهم .

 

وبعد أليس من المفيد أن نستعرض بعض الإحداثات في قصر العدل والتي تبين أن السلطة التنفيذية ومن يقف وراءها من تنظيمات حزبية قد تغلغلت إلى صميم القضاء وكيانه وسلبته حريته واستقلاله .

فلو دخل الواحد منا قصر العدل فماذا يجد :

1-    قاعة للفرقة الحزبية .

2-    قاعة البيعة .

3-  صور رئيس الجمهورية منتشرة على جدران المحاكم بشكل يخرج القضاء عن هيبته ويحوله إلى معرض للصور لا يأتلف مع الذوق العام لقصر يسعى لتحقيق العدالة بين الناس وبسط سلطة القانون عليهم .

الواقع العملي للقضاء:

 

رغم كل ما بيناه سابقا فإن الواقع القضائي أكثر إيلاما فلقد ساد الجهل وتغلغل الفساد في جميع مفاصل القضاء مما أضحى معه دمية يأتمر بأوامر الأجهزة الأمنية والسلطات العليا.

 

لدينا مثالان واضحان في ذلك أولهما المحاكمة التي جرت للنائب السابق السيد مأمون الحمصي فقد كنت واحدا من هيئة الدفاع وطالبنا بصورة عن الملف ودخلنا مع المحكمة بمفاوضات استمرت عدة جلسات حتى حصلنا على الملف وتقدمنا بد فوعنا إلا أننا لم نجد أذناً صاغية وعندما تأكدنا من عدم حيادية المحكمة انسحبنا من المحاكمة بعد تقديم مذكرة بهذا الخصوص إلا أن المحكمة لم تأبه لانسحابنا وأجلت القضية لجلسة قادمة ثم أصدرت حكما جنائيا على الموكل دون حضور محامين ودون دفاع ثم كلفت هيئة دفاع جديدة وطعن بالحكم أمام محكمة النقض إلا أن المفاجأة الكبرى كان أن صدقت هذه المحكمة على حكم محكمة الجنايات وزج بالنائب في السجن خلافا للقانون .

 

وثاني هذين المثالين هي محاكمة النائب السابق السيد رياض سيف الذي حوكم بسبب اعتراضه على عقد هاتف الخليوي الذي آل لأحد المتنفذين الكبار،واقتيد من داره بحيلة دبرها وزير الداخلية حيث أرسل له ضابطا كبيرا واصطحبه بحجة مقابلة الوزير ، إلا أنه وجد نفسه في السجن،من ذلك يتضح إن ما حوكم عليه السيدان سيف وحمصي إنما هو آراؤهما ونشاطهما النيابي .

 

لقد أمضى المحكومان النائبان المشار إليهما أعلاه ثلاث أبارع مدة محكوميتهما وتقدمت بطلب إلى محكمة الجنايات لوقف الحكم النافذ ومنحهما ربع المدة الباقية وإطلاق سراحهما عملاً بالمادة172 من قانون العقوبات إلا أن المحكمة رفضت الطلب بداعي أنهما لم يثبتا إصلاح نفسيهما، ولقد عالجت الموضوع بصورة قانونية وبينت عدم صحة هذا الطلب إلا أن الواقع القضائي كان مناقضاً للعدالة.

وقد أرفقت مع هذا البحث مذكرة الطعن التي قدمتها بخصوص مأمون الحمصي لأهميتها .

 

إن الحداثة والجهل والفساد الذي يسري في جسم القضاء لا يمكن أن يحصى وكل ما نشاهده من تراكم الأخطاء إنما نتج عن المقدمات التي ذكرتها

 

ولو أردت أن أسرد أمثلة على الانحراف الجسيم في جسم القضاء لما كفاني صفحات طوال فاكتفي بهذا القدر وأنا الذي سلخت من عمري عشر سنوات في القضاء وأعلم ما ألمّ بهذا الجسم من مرض ووهن .

 

والخلاصة : إن القضاء الذي يشكل القوة الحقيقة للدولة ، والحصانة للمجتمع والأفراد ينبغي أن تعاد صياغته وتشكيله بصورة .

1-    أن يمنح استقلالاً كاملاً عن سائر أجهزة الدولة بحيث يعتبر سلطة حقيقية لا سلطان عليها لغير القانون .

2-  أن يجري إلغاء سائر الأقضية الاستثنائية وأن يعاد إلى القضاء العادي الصلاحيات الكاملة التي انتزعت منه وأعطيت إلى القضاء الاستثنائي.

3-  أن يجري تعديل القضاء العسكري بحيث ينحصر مهام المحاكم العسكرية بمحاكمة العسكريين حصراً وفي القضايا العسكرية التأديبية ، وأن تبسط صلاحيات القضاء المدني لمحاكمة سائر المواطنين عسكريين ومدنيين وبذلك تترسخ السلطة المدنية .

4-  تعديل نظام المحكمة الدستورية بحيث تتمكن النقابات والمنظمات والجمعيات من الطعن بدستورية القوانين إضافة للصلاحيات المعطاة لرئيس الجمهورية ولمجلس الشعب .

5-    أن يصدر تشريعاً بأحقية القضاء العادي بالتصدي لدستورية القوانين ولو بطريق الدفع.

6-    إصدار تشريع بفك ارتباط الرواتب القضائية عن رواتب الموظفين ورفع معدلاتها لتكون عاملاً في استقلال القضاة وكفايتهم .

7-    تفعيل الأحكام القضائية بحيث يكون تنفيذها ليس مرهوناً بأي إرادة سياسية أو أدارية.

هذه خطوطاً عريضة قدمتها عن القضاء في سورية آملاً أن تجد أذناً صاغية من المسؤولين وصناع القرار وسائر أجهزة الدولة ونقابة المحامين للتحرك سريعاً لإنقاذ السلطة القضائية لجعلها سلطة مستقلة فاعلة محصنة تنشر العدل والمساواة بين الناس.

 

والله من وراء القصد

 

 

المحامي هيثم المالح