الحياة تحاور الفكر العربي: أين نحن في العالم؟ متى ينتهي الانحدار؟ أي دور للمثقف؟...
طيب تيزيني: المثقفون العرب باتوا مسوّغاً للدولة الأمنية...
حتى في صمتهم! النظام الأمني صادر السياسة والديموقراطية... أفسد الناس وأجهض الليبرالية والثقافة
ابراهيم العريس : الحياة 17/4/2006
كان يكفيه أن يصدر أول كتاب له يعرف على نطاق واسع في أوساط القراء العرب في ذلك الحين، حتى يصبح اسمه بين الأسماء البارزة في الفكر العربي النهضوي، والباحث عن آفاق جديدة ما إن أفاق الناس من صدمة هزيمة العام 1967. ومنذ ذلك الحين أصبح الدكتور طيب تيزيني، واحداً من المفكرين العرب الذين حاولوا المقاربة بين الفكر الاشتراكي العلمي بحسب تعبيرات تلك المرحلة وبين التراث الفكري العربي. وكان الكتاب الذي نعنيه من التراث الى الثورة. صحيح أن اسم طيب تيزيني خبا، بعد بدايات مميزة، بفعل التدهور العام الذي أصاب الفكر العربي التقدمي، خصوصاً أن كثراً من أعلامه غرقوا في موجات تنازل متتالية، غير ان هذا لا يعني اختفاء صاحب من التراث الى الثورة عن الساحة الفكرية، فهو استمر ينشر أفكاره في مقالات يكتبها بين الحين والآخر، كما استمر في التدريس الجامعي وفي إلقاء المحاضرات، ولا سيما في بلده سورية حيث صارت له شعبية طيبة في أوساط الفكر التقدمي الذي ثمّن عالياً مشروعه المسمى منذ البداية مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بواكيره حتى المرحلة المعاصرة.
اليوم، وبعد ما يصل الى أربعين عاماً منذ نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة من الجامعات الألمانية، وبعد ثلث قرن وأكثر على صدور أول كتاب له وهو صدر في اللغة الألمانية يوزع د. طيب تيزيني وقته في التدريس بين جامعتي دمشق وحلب. كما يساهم في مسألة الحريات العامة من خلال عضويته في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي، ويعزز بمحاضراته وكتبه (التي كان آخرها حتى اليوم كتابين هما: من اللاهوت الى الفلسفة و بيان في النهضة والتنوير العربي؟)، يعزز مكانته التي جعلت مؤسسة كونكورديا الفلسفية الفرنسية الألمانية تختاره في العام 1998 واحداً من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين، بحسب ما أكد لـ الحياة التي التقته في دمشق لتحاوره حول القضايا الراهنة في العالم العربي، وآفاق مستقبل الفكر والثقافة والسياسة في هذا العالم، ضمن سلسلة حوارات شملت حتى الآن كلاً من سمير أمين وجورج طرابيشي، وبرهان غليون والطاهر لبيب ووجيه كوثراني وعلي اومليل وعبدالمنعم سعيد وعبدالله الغذامي وسعد الدين ابراهيم ومحمد الرميحي وابرهيم البليهي...
قبل أكثر من ثلاثين سنة بدأت تصدر تلك النصوص الواعدة التي كان أبرزها يحمل اسماً ذا دلالة: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط. كلمة مشروع كانت حبلى بالاحتمالات، تعد بالانتقال من التاريخ الى المستقبل، لكن هذا كله يبدو اليوم اوهاماً. كنا نلوم انفسنا إزاء أي نكوص عن مجاراة العقلانية والتقدم. اليوم لا يبدو ان ثمة مكاناً لهما في حياتنا. فلماذا، وكيف تشخص الوضع العربي في ضوء مشروعك الطموح؟ وهل لا تزال ترى هذا المشروع قائماً، شاخصاً الى المستقبل؟
- هذا السؤال يبادر بأن يوجه الحوار والقضية التي نتحدث عنها صوب المسألة الاكثر حضوراً في عالمنا العربي كما في حياتنا الشخصية. سؤال يريد ان يعرف اين صرنا وكيف ولماذا. وأنا أعيش وسط هذا النوع من الاسئلة، لكنني احاول دائماً ان اعيد النظر في مساري نفسه، شخصياً وفكرياً وسياسياً ووجوداً عاماً... وألهث وراء هذا الهدف. ربما لا اصل دائماً الى نتائج مهمة مناسبة تعجبني وترضيني، ومع هذا استطيع القول انني وضعت يدي على البدايات الاولى التي تلائم ملاحقة ما يحدث، بالتالي تمكنني من اعادة بناء شخصي فكرياً وسياسياً في صورة محددة. وكل هذا في استجابة واضحة لاحتياجات التغيير الهائل الذي يعيشه عالمنا.
من هنا أقول: لمّا كانت الأحداث الكبيرة ما زالت قائمة، وربما ستظل لفترة طويلة اخرى، طالما انها لم تفضِ بعد لا الى نهاياتها السعيدة ولا الى نهاياتها التعيسة... فالحدث ينمو اكثر وأكثر، ما يعني ان من غير الممكن، بعد، الحديث النهائي حول مسألة ينظر اليها باعتبارها ناجزة وهي لم تنجز بعد.
وجواباً عن السؤال، سأقول بعض الصيغ التي اراها اولية واحتمالية. وأبدأ من ملاحظة تتعلق بعنوان اول كتاب لي، في المشروع الذي تتحدث عنه. كان العنوان من التراث الى الثورة، وهو صدر في 1976. والذي أراه اليوم ان احداث العالم العربي وتطوراته تضطرني وبإلحاح الى ان أبدأ النظر الى الكتاب وعنوانه تخصيصاً. تساءلت: هل ما زال هذا العنوان صالحاً بعدما تفككت افكار كثيرة وتفكك الاتحاد السوفياتي، والأفكار التي كانت مهيمنة في ذلك الحين على فكر تقدمي مهيمن في الساحة العربية؟ بعد رصد ما حدث والتطورات المتلاحقة وضعت يدي على مسألة اظن الآن انها كانت، بالنسبة اليّ، مدخلاً لاكتشاف ما عليّ ان انجزه مجدداً: فكلمة الثورة الواردة في العنوان لم تعد ذات وجود، بصرف النظر عن التسويفات التي يمكن ان تقدم. لغة العصر لم تعد تتسع لهذه الكلمة. ومن هنا رحت افكر في كتابي، من ثم انطلقت من الواقع الى الكتاب ثم من الكتاب الى الواقع... وفهمت ان مشروع الثورة ذاته بات يعيش اختناقاً قاتلاً. من هنا، ومن خلال قراءاتي الدؤوبة في الفكرين العربي والأوروبي، ادركت ما يخيّل إليّ انه البديل المناسب لمفهوم الثورة ومشروعها، وهو مفهوم النهضة ومشروعها.
وداعاً للصراع الطبقي
لكنهما كانا موجودين منذ اواسط القرن التاسع عشر...
- صحيح... لكننا كنا ساهين عنهما. ما أن توصلتُ الى هذه الفكرة حتى تعاظمت في حياتي الفكرية والسياسية لأدرك ان اهم عنصر من عناصر مشروع الثورة والنهضة (وأعني هنا الثورة الحقيقية) انما يتمثل في فهم كينونة الحامل الاجتماعي لأية ثورة او نهضة. وهكذا فكرت ملياً في الامر حتى توصلت الى ان الحامل الاجتماعي لأي تحرك في المجتمع العربي هو المجتمع ذاته... المجتمع كله. بدلاً منه، كنا في الماضي نعتبر الحامل الاجتماعي حاملاً طبقياً ونتحدث عن الصراع الطبقي والاشكالية الطبقية، هذا ليس وارداً الآن. حامل المشروع الجديد، النهضوي، لا يمكن الآن إلا ان يكون تحالفاً طبقياً او سياسياً يضم كل فئات المجتمع. العالم اختلف كثيراً، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي وبروز عالم جديد تقوده الولايات المتحدة وحدها. وتبين لي من موقع علم الاجتماع السياسي ان الحامل الحقيقي الاجتماعي لمشروع نهضوي ما يتمثل في الأمة كلها من أقصاها الى اقصاها. وبتحديد ايديولوجي اكثر، وجدت ان الحامل الاجتماعي لأي مشروع مستقبلي يتمثل في مروحة تنطلق من أقصى اليمين القومي الديموقراطي الى اقصى اليسار الوطني. أخذت ألاحق هذه المسألة السوسيولوجية الثقافية والسياسية ليتبين لي ان حديثنا عن المشروع الثوري، ليس مضللاً فقط، بل هو خطير ايضاً، وهكذا انتقلت الى الموقف الجديد، وفكرت في ان اعيد النظر في مشروعي النظري القديم... وأصيغه حتى في عنوان جديد، معيداً بناء ما يتعين عليَّ بناءه... ثم تركته جانباً، لأصيغ بدلاً منه مشروعاً آخر تماماً، عنوانه من التراث الى النهضة.
أفهم من هذا انك أبدلت ماركس وأنغلز وأدبيات الثورة الروسية التي انفقت سنوات طويلة من عمرك تدعو اليها وتدافع عنها، بأفكار الطهطاوي ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا...
- لا... ابداً. انا لم اتخلَّ عن افكار ماركس وأنغلز، بل على عكس كثيرين لم انكر حتى ايديولوجية ماركس. كل ما في الأمر انني حاولت ان اوضح لنفسي المفاهيم التي كانت ملتبسة طوال عقود من السنين. لم اتخلَّ عن ماركس الايديولوجي، بل أعدت تعريف ايديولوجيته، فقلت ان همّها هو تفسير المعارف وتأويلها بمفترض المصالح. من هنا أقول ان تفسيري لماركس لم ولن يتغير. الذي حدث هو ان هذه الايديولوجيا اخترِقت على مدى الزمن بمواقف خشبية ومتشنجة، تمكنت من ان تطيح كل فهم علمي لها، مطيحة في الوقت ذاته الوجه المعرفي لماركس. اليوم اذ تجب استعادة ماركس، لا تجب من خارجه بل من داخله، من داخل احتياجات الزمن الراهن. انا تركت الأيديولوجيات التي برزت بمسميات وأقنعة ماركسية، فكنا نحن ضحاياها، وكان ماركس نفسه ضحية لها ايضاً.
لنقل ان هذا شكّل لديك انقلاباً فكرياً ايجابياً، فكيف يمكننا ان نطبقه على التاريخ الراهن للأفكار العربية؟ النهضة التي تتحدث عنها هل تتمظهر مثلاً في فكر قومي عربي يخص الأمة كلها، ومن شأنه ان يوصلنا الى نوع من الفاشية التي تقدّس الجموع؟
- ظاهرياً يبدو الأمر كذلك. كان هناك مشروع قومي عربي حدثت فيه اختراقات كثيرة وخطيرة من هذا النوع، لعل اولها غياب الديموقراطية، وغياب السياسة وغياب الحراك الاجتماعي السياسي. ابتلع المشروع القومي كل هذا، ما جعله أشبه بأن يكون مشروعاً شبه فاشي.
ماذا تعني بعبارة شبه فاشي؟
- أعني انه يقترب كثيراً من الفاشية، ولكن لا يمكنه ان يكون فاشياً خالصاً لأن عندنا كوابح كثيرة عادة ما تنطلق من صفوف الناس الذين لا يمكنهم ان يكونوا فاشيين.
كالإيمان الديني مثلاً والذي له جانب انساني عميق يتناقض مع الفاشية... أو، مثلاً كون الدين ذا جانب عقلاني معتدل والفاشية في حاجة الى غياب العقل؟
- ليس تماماً، بل ربما افضّل ان يبقى الكلام محصوراً في الدائرة العقلانية العلمانية. وفي هذا السياق، اضيف انه بدأ يتضح لي شيئاً فشيئاً ان المشاريع الدينية المتعددة ممكنة، انطلاقاً من أن النص الديني قابل لقراءات متعددة تنطلق من قناتين، أولاهما المستوى المعرفي للقارئ، والثانية المستوى الايديولوجي المرتبط بالمصلحة. كل هذه القراءات مشروعة، لكنها لا تمتلك كلها الصدقية المعرفية. هذه الصدقية تمتلكها القراءة التي يمكن ان تنطلق من منظومة المفاهيم الحداثوية العقلانية والديموقراطية. وهي يمكن ان تكون دينية، وهذا أمر وصل اليه بعض اصحاب الفكر الديني، لكنهم لم يدخلوا في ايجاد البديل.
شعب ونخبة
مشروع الثورة مشروع شعبي في نهاية الأمر، اما مشروع النهضة فمشروع نخبوي او هو كذلك على الاقل في تمظهره. فهل ما تتحدث عنه هو عودة الى نوع من الخروج بين النهضة والفكر الشعبي، الرغبات النخبوية الثقافية والجماهير الشعبية...؟
- أرى دائماً ان المشروع الثوري نفسه لا يمكنه في بداياته الا ان يكون نخبوياً...
... كان انقلابياً في بلادنا.
- هذا، بالتحديد، ما أردت قوله. المشروع الثوري كانت تحمله نخبة تفكر وتستنبط وتكتشف وتعمم نيابة عن الناس. مهما يكن، الفكر الثوري لا يمكنه ان يكون عفوياً، هو يحتاج كي يصاغ الى انتاج معرفي لا يمكن ان ينتجه غير اهل النخبة من المثقفين. صحيح ان هناك ما يأتي عفوياً، لكنه نادراً ما يتطور وينمو ويدوم...
أعتقد ان في امكاننا بعد رسم هذه الخلفية ان ننتقل الى غايتنا الأساسية، وهي تشخيص الوضع الراهن...
- أود قبل هذا ان أوضح فكرة أساسية: هذا المشروع الذي كان يقترب من الفاشية لم يصبح فاشياً منذ البداية. صار فاشياً لاحقاً... حين نشأ على أنقاضه مشروع الدولة الأمنية. الآن، وفي معظم أرجاء العالم العربي نعيش في ظل دول أمنية، ولا أقول حزبية. هذا المشروع الأمني بدأ مع مشروع الوحدة بين مصر وسورية. فالشرط الأول للانضمام الى الوحدة في ذلك الحين كان إلغاء الأحزاب، بالتالي إلغاء الحياة السياسية. ومن هنا ألغي العنصر الذي كان عليه، ان يحمي مشروع الوحدة. في ذلك الوقت اذاً، راحت إرهاصات الدولة الأمنية تعلن عن نفسها ووجودها. واليوم ها نحن أولاً، نعيش في قلب المرحلة الأمنية بامتياز، بخاصة مع استشراء الهيمنة الأميركية التي تجد نفسها أمام تفتت هي قادرة على ان تفتته اكثر وأكثر.
هل يعني هذا، بالنسبة اليك نوعاً من اعادة الاعتبار الى مراحل ديموقراطية سبقت الانقلابات العسكرية التي جاءت بالمشاريع الأمنية؟
- اعتقد بأن تلك المراحل لم تستكمل، بل اخترِقت في عز تناميها. وأنا اعتقد ان مشروع الوحدة مثّل الاختراق الأفدح لأنه قام على هاتين الفعلتين (إلغاء الأحزاب، وإقامة الدولة الأمنية). المشروع برمته مثّل انقلاباً في مصر كما في سورية، ما عنى انه كان حتمياً سحق الحياة الديموقراطية الليبرالية ولو في حدودها الدنيا. وها نحن اليوم ندفع ثمن كل هذا غالياً.
هل ترى أن المثقفين لعبوا في هذا كله دوراً سلبياً، هم الذين سموا الانقلابات في الخمسينات ثورات، وأحنوا رؤوسهم امام كاريزما الزعامة وشعارات النهوض القومي اللفظية؟ هل ترى انهم خانوا مهماتهم العقلانية ودجنوا وهادنوا...؟
- لا ارى انهم فعلوا هذا كله عن قصد ووعي. اعتقد بأنهم أُخِذوا على حين غرة بكل ما كان يحدث، فوضعوا وحدتهم الثقافية ومشاريع نهوضهم على الرف، أو رأوها مجسدة في الزعيم. في سورية مثلاً ظهرت تجربة ليبرالية ما، في اعقاب الاستقلال، لكنها لم تكتمل. جاءت الانقلابات العسكرية المتلاحقة لتنهي مشروع التجربة الليبرالية. بيد ان الأخطر كان ما حدث في النهاية: فشلت التجربة الوحدوية مع مصر، ثم صار لدينا حكم الحزب الواحد تحت شعار الشرعية الثورية. ان هذه التجربة في سورية، كما في غيرها من الدول العربية التقدمية اتت مماثلة للتجربة السوفياتية، من ناحية هيمنة الحزب القائد والاقتصاد المخطط وما الى ذلك. في مواجهة هذا لا اعتقد بأن المثقفين خافوا. كل ما في الأمر انهم، ولظروف متنوعة، لم يكونوا قادرين على إدراك ما يخبئه لهم المستقبل. معظمهم استبشر بالوحدة. قلة تنبهت الى الأخطار. وهم جميعاً وقفوا عاجزين في وجه المد الشعبي المرحّب ودفعوا الثمن. بعد ذلك، مباشرة، قام النظام الأمني، وتبلورت الآلية العظمى لنظام عربي أمني كان شعاره ان يفسد أكبر عدد ممكن من الناس.
ما نشأ لم يكن دولة بوليسية بل دولة أمنية. الدولة البوليسية تقمع وتلاحق، اما الدولة الأمنية فتستوعب وتفسد المجتمع بأسره. الدولة الأمنية في معظم أرجاء عالمنا العربي صادرت السياسة والديموقراطية، وابتلعت كل القوى التي كانت تتطلع الى بناء الأوطان.
نهضة ولكن
هزيمة حزيران (يونيو) 1967 وجهت اولى الضربات الى مشروع التقدم الكاذب. بعدها سلك المفكرون والمثقفون درباً نقدية نهضوية نسميها عادة النهضة الثانية. قدموا نقداً للمرة الأولى في التاريخ العربي الحديث، طاول الممارسات الفكرية لا سيما تلك التي أدت الى ولادة كاريزما الزعامة اللفظية. هل وصلت هذه النهضة إذا كنت توافقني على تسميتها هكذا الى نتيجة؟ هل أثرت في أحد؟
- في ذلك الحين نشأت الدولة الأمنية... ونشأ ما تراه فكراً نقدياً في آن. ولكن كان ثمة تفكك في اوساط الناس وتخلف اجتماعي واضح،. ما جعلنا نعيش حالاً جديدة في التاريخ العربي. فإذا عدنا الى تلك المرحلة التي انتجت هذه النهضة الجديدة نجد ان هذه النهضة كانت الوريث الشرعي للاخفاقات السابقة. سبق لتجربة عبدالناصر ان ولدت نظيراً عملياً لها، لكنها أخفقت لأنها بدأت بداية محترقة من حيث البنية، اذ ألغت الأحزاب والحياة السياسية وكذلك الحياة الدستورية. فإذا كان ظهر آنذاك مثقفون وأفكار جديدة، فإنهم انما كانوا نتاج تجربة متصدعة أقصيت منها الليبرالية التي كان في إمكانها، وحدها، ان تكون واعدة. صحيح انه ذات لحظة نشأ نوع من الترابط بين الثقافة والليبرالية، لكن الدولة الأمنية سرعان ما عرفت كيف تجهض الاثنتين معاً. من هنا نما ذلك الشرخ العميق بين الثقافة والسياسة، الشرخ الذي راح يبرز في الحياة العامة، وكان من نتائجه ان اظهَر المثقفين عاجزين عن فعل أي شيء، فكان على شرائح كبيرة منهم في النهاية، ان تدخل البنية الأمنية للدولة. اصبحوا جزءاً منها... جزءاً مسوّغاً لها حتى في صمتهم! ناهيك عن أن طوابير منهم صارت والدولة الأمنية واحداً، وشغلوا مناصب في مؤسساتها. من هنا أتت الهزيمة الكبرى التي طاولت مشروع المثقف العربي. اعني ان السلطة السياسية استخدمتهم للوصول الى أعلى ذرى الحالة الأمنية التي تحولت اليها الثورة ومشروعها.
نحو الطبقة الوسطى
في خضم هذا كله... ما الذي كان في إمكان المثقف ان يفعله ولم يفعله: النقد، التصدي، الانخراط في احزاب بديلة... محاربة المتطرفين باعتبارهم رديفاً؟
- هذا النوع من التساؤل يخص كتل المثقفين اكثر مما يخص مثقفاً فرداً. ذلك ان المشكل من ناحية ثانية كمن في الكتل السياسية الأخرى التي كان فيها مثقفون كثر. فهذه الكتل، من الشيوعية الى القومية، دخلت نفق التحالفات والجبهات. قبل ذلك كانت لها شعبيتها ومشاريعها وكان في إمكانها ان تفعل واقفة في وجه التحولات السلبية التي أفضت الى الدولة الأمنية. توهمت انها ستكون فاعلة من خلال التحالفات، لكنها كانت واهمة. أما المثقفون وأعني هنا المنضوين في تلك الأحزاب فأضحوا من دون فعالية... عجزوا عن التصدي للتحولات الجديدة فصاروا مساندين لها، فابتلعتها الأجهزة الأمنية كما ابتلعت أحزابها وجماهيرها.
اذا تحدثنا عن المثقفين، فإن هذا لا يعني ان حاملاً ثقافياً من محاميل المشروع النهضوي بقي موجوداً هناك. بقيت شراذم... اختفت هي وأحزابها. والمطلوب اليوم دماء جديدة غير تلك القديمة.
هناك غائبان كبيران في كلامك: المجتمع وما يسمى الاسلام السياسي...
- قلت وكتبت ان الدولة الأمنية ابتلعت في طريق صعودها ثلاث مرجعيات: المرجعية السياسية والمرجعية الثقافية ثم المجتمع ذاته. وهنا لا أتحدث عما يسمى الآن المجتمع المدني، بل عن المجتمع في شكل عام. إذ إن الدولة الامنية أدركت منذ البداية ان تبتلع هذا المجتمع بأن تنهي احتمالات البدائل نفسها... بأن تفسد المجتمع كله. ولنتذكر كيف ان تدفق السيولة النقدية خلال النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين دجّن كثراً من الناس، مثقفين وغير مثقفين. اما المرجعية الوحيدة التي ظلت ممانعة فكانت المرجعية الدينية. ذلك أنها تقوم اصلاً على بنية مغلقة، أصولية، فأنا أتحدث هنا عن الاسلام السياسي الأصولي، لا عن الإيمان الشعبي الطيب والصحيح. ولأن هذه المرجعية تفادت ان يفسدها النظام الأمني، في شكل او آخر، راحت تحصد الثمار. وراح المجتمع العربي في شكل عام يتجه صوب الاصولية. ويمكننا طبعاً ان نتوقف عند كثير من الظواهر، لكنني سأكتفي بالاشارة الى الاشتغال على المناهج المدرسية والكوادر التعليمية، ولك ان تتخيل تأثير ذلك خلال ربع قرن. في دوامة هذا كله اتسع الشرخ بين من يملك ومن لا يملك، وتعاظمت الأزمة الاقتصادية مع ارتفاع وتيرة الحديث عن أرقام مالية فلكية. وصبّ هذا ايضاً في طاحونة الأصولية، ما أوصل مباشرة الى التطرف، لتخرج الأمور حتى من يد السلطات السياسية والأمنية. ومن هنا باتت مجتمعاتنا كلها مضطربة، وسط وضعية في النظام العالمي الجديد تجعل الخارج يدخل في نسيج الداخل، من طريق الاعلام المعولم وغيره. اليوم لم تعد في العالم مجتمعات مغلقة إلا في خيال من يريدون نشوء هذا الانغلاق...
كل هذا، اذاً، يخلق مزيداً من التأزم والشرخ بين الدولة الأمنية والمجتمع الذي يشعر بأنه لم يعد لديه سلاح سوى التطرف. أين المثقف؟ وماذا يمكنه، بعد، أن يفعل؟
- اتحدث هنا عن تجربتي الخاصة. اكتشفت ان المسألة الدينية أهمِلت إهمالاً مرعباً من جانب النخب الثقافية، ماركسية او قومية او حتى ليبرالية. واكتشفت ان الخطورة تكمن في حقيقة أن النص الديني يُقرأ بطرق متعددة يطالب هو ذاته بها. انه نص مرن. من هنا جاء ذلك الموقف الفظ الذي وقفته الماركسية والوضعية والفكر القومي حيال الفكر الديني. لم ندرك في الماضي ان الحامل الاجتماعي لأي تغيير تعيش نسبة عظيمة من افراده تبعاً للفكر الديني، ما كان ينبغي له ان يحضنا على قراءة جديدة عقلانية ومنطقية للفكر الديني، أي الفكر الحقيقي الذي يتغذى منه المجتمع حقاً. ومع بروز هوية جديدة لمشروع التغيير (النهضة)، باتت هناك الآن مسوّغات كثيرة أصبح من الضروري امتلاك ادواتها الفكرية. ومن هنا أرى ان من المستحيل الوصول الى أي فكر نهضوي تغييري حقيقي اليوم، من دون اعادة قراءة الفكر الديني والدخول الى روح الوسط الايماني. وهذا ما يدفعني الى التشديد مجدداً على ان الحامل الاجتماعي الثقافي الذي يمكنه وحده اليوم مساندة الفكر التغييري، يمتد من أقصى اليمين الوطني والديموقراطي الى أقصى اليسار التقدمي.
كأنك بهذا تعيد الأمور الى مستوى وجود الطبقة الوسطى التي غابت منذ عقود، على رغم انها هي بانية الأوطان والحضارات عادة...
- اجل، ربما يكون هذا هو ما اعنيه بالضبط. علينا ان نواكب فكرياً إعادة انتاج الفئات الاجتماعية التي تتسم بسمتين أساسيتين (لبناء المجتمعات): اليُسر الاقتصادي والتنوير الفكري. وهذا يأتي ضمن عملية واسعة هدفها إعادة التوازن الى المجتمعات العربية، وسط زمن عولمي يكاد أن يلتهم كل شيء... وبطريقة تزيد خبثاً وقوة عما فعلت الدولة الأمنية حتى الآن.
المواطنة ومشروع الإصلاح الوطني الديموقراطي
إن مشروع الاصلاح أمر بمقدار ما هو في غاية التعقيد، بسيط غاية البساطة. انه بسيط بساطة وطن يراد له ان يسقط وقد لا استطيع ان اكتشف حالة تقول لي ان مرجعية ما اخرى غير هذا البلد، عاشت مثل هذه اللحظة التي نعيشها. وطن يشتعل، وطن مدمر من الداخل كما من الخارج، من دون ان نفعل محاولة جادة او نؤسس لفعل جاد، فما السر في ذلك؟!... في التاريخ لا توجد اسرار وإنما توجد أحوال لا بد من ضبطها وتحليلها وتقديمها فعلاً سياسياً. لهذا ولذاك لا بد من القول، في طور التشديد على ان أي مثقف او أي سياسي يفتقدان معناهما إن لم يحوّلا ما يمتلكانه في الذهن الى فعالية سياسية حقيقية، أن مفهوم حقوق الانسان والمواطنة يكادان أن يكونا اسمين لمفهومين متماثلين، ولكن مع بعض التأثير. ان حقوق الانسان ستكتشف قبل اكتشاف المواطنة، المواطنة مفهوم متقدم في تاريخ البشرية، في حين ان حقوق الانسان ظهرت مع مجيء البشر، أي مع انتقال الكائن الحي من الطبيعة الى المجتمع، بالتالي مع اكتشاف قيمة الحياة، فكانت الحياة اول الحقوق والقيم التي ادرك الانسان اهميتها ودلالتها. من هنا بدأ الناس يكتشفون ان هناك حقوقاً لا يمكن التفريط بها أبداً، ومنها حق الحياة لأن هناك حقوقاً يمكن السكوت عليها. لكن هذه الحقوق التي يُسكت عنها إن غابت تغيّب الحياة نفسها، ففي طبيعة هذه الحقوق، حق العمل، وحق الحرية والعدالة.
العلاقة عميقة بين كلا الأمرين، أو كلتا الفئتين من الحقوق: الحياة والعمل، والحرية والعدالة. مع ذلك نضع حداً ما للتمايز بينهما، فالحياة اولاً، ومع هذا نتبيّن في سجوننا العربية ما لا يحصى ممن قتل، ممن ذوّب، ممن غيّب، ممن طُمِر حياً. هذا يعني اننا نعيش مفارقة تاريخية ربما تكون فريدة. لن تكون هناك حرمة لأي انسان ولا لأي كائن. الجميع سواء، تحت المقصلة. هذا الأمر سيتسع اكثر فأكثر حين نلاحظ ان هذا الأمر حُمِي من دول ونظم سياسية، انما أنشئت من موقع النظام الرأسمالي الامبريالي، وليس غريباً ان نكتشف ان النظم العربية أُسست من خارج الوطن شرط ان تكون ديكتاتورية الطراز. لهذا نكتشف امراً آخر، هو التساؤل لماذا ينقض الآن أولئك الذين أسسوا هذه الديكتاتوريات، على هذه الديكتاتوريات؟!... لماذا هذا الانقضاض الجديد!؟... ما الذي تغير؟!... تغيرت ثلاثة مواقع. جاء النظام العالمي الجديد، حين استُفرِد العالم من قبل هذا النظام، بالتالي لم يعد هذا النظام مدعواً الى ان يراعي معسكراً آخر، غريماً آخر، كان محتملاً ان يطاح بجميع الغرماء الآخرين وأن يستفرد هؤلاء الذين نشأوا وتربوا على ايديهم، على ايدي من أنشأوهم انفسهم. عملية الاستفراد اذاً ذات اهمية خاصة. كان هناك ما سمي في حينه الظهير العظيم او الصديق العظيم: الاتحاد السوفياتي الذي كان يمنع وصول الغرب الى عقر الدار العربية، الآسيوية او الأفريقية. وهذا اوجد حالاً من الوهم والضلال تمثلت في الاعتقاد بأن هذه البلاد التي حُمِيت من هذا الصديق العظيم، انما كانت تسير على طريق سوي.
سقط الصديق العظيم وانتهى الأمر، وذاب الثلج وبان المرج، واتضح ان هناك بلداناً لا وجود لفساد في عالم آخر يماثل الفساد الذي ينتشر فيها. اتضح ان هذه البلدان التي كانت تشكل جبهة صمود ومقاومة انما هي جبهة الفساد والإفساد. الأمر الثاني تمثل بأن النظام العالمي الجديد اذ نشأ، فإنه نشأ مدججاً بالسلاح، السلاح الحضاري الاقتصادي العسكري التكنولوجي، وبصورة خاصة مدججاً بسلاح المعلوماتية والاتصالات التي جعلت يده قادرة على ان تطاول العالم كله. اما الأمر الثالث فتمثل بالبلدان التي رُبيت على أيدي الغير. هذه النظم بدأت تتحول الى عائق في وجه التدفق العولمي الامبريالي الأميركي، بمعنى ان هذه البلدان لم تعد مناسبة لعملية مهمة تتجلى في السؤال: كيف نُدخِل هذا العالم الديكتاتوري المتخلف في عالمنا؟!... كيف نماهي بيننا بمقدار بقدر او بآخر؟!... بل هناك عامل ثانٍ قد يكون اكبر أهمية بالنسبة الى النظام العولمي. وهذا الأمر بدأ الآن ينفتح على العالم كله، والمجال الحيوي لهذا المصطلح العريق والذي نشأ في ألمانيا النازية وقبلها في أماكن أخرى، المصطلح المعني هنا ضرورة ان نمتلك العالم كله كي نصدّر له ما عندنا من صادرات اقتصادية وعسكرية وغيرها، ونلزمه باستيراد كل شيء من عندنا. هذا الأمر في البلدان المعنية (ذات الأنظمة الديكتاتورية) لا يمكن تحقيقه لأنها بلدان تعيش على العشرة في المئة (العشرة في المئة التي تنفق على الشعب بينما الـ90 في المئة تسرقها حكومات). وهذا التقويم الجديد بدأ في محافل متعددة من البحث الاقتصادي والسياسي حين وصلوا الى ان بلاد العشرة، أي العشرة في المئة لا تستطيع ان تكون سوقاً حقيقية لعملية التدفق الاقتصادي الآتي من النظام العولمي الجديد. اذاً لا بد من تغيير واقع الحال، بحيث نبدأ بإعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه البلاد، واعادة بناء الجامعات التي يراد لها ان تكون رديفاً لهذا التدفق الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي، بحيث تصبح القوة الشرائية في الداخل مناسبة كي تستطيع ان تأخذ ما يتدفق اليها من الخارج. وجاء الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001 ليمنح هذه الفكرة صدقية دقيقة، تتركز على انه لا بد من ادانة العالم برمته وفق الثنائية التي اطلقت من موقع النظام العالمي الجديد، وهي ثنائية الديموقراطية والارهاب: إما ان تكون ديموقراطياً وإما ان تكون ارهابياً، أو تكون ديموقراطياً على النمط الذي انتجه هذا النظام الجديد. اذاً، اعادة النظر في البلدان التي اسس لها الغرب ذاته سياسياً ولكن من موقع آخر، والسؤال الذي يدور الآن في اوساط الباحثين السياسيين: لماذا غيّر الغرب موقفه من الأنظمة الديكتاتورية التي أنشأها؟!... اذاً هناك متغيرات اخذت تفرض نفسها على واقع الحال، بهذا المعنى نجد ان المواطنة وحقوق الانسان اخذت تفرض نفسها فرضاً على الغزاة الجدد، لأن حقوق الانسان هنا انما تعني، في مقولة الانسان نفسه، الانسان القادر على ان ينتج ويشتري ما ينتج. كان الانسان سابقاً يعتبر من الهوام لدى الفريقين كليهما: الخارج الذي اسس لهذه الانظمة الديكتاتورية والداخل الذي يعيش عليه هؤلاء الهوام. الهوام الآن لم يعد وجودهم محتملاً.
من نص محاضرة للدكتور طيب تيزيني ألقاها في حمص أوائل 2006