العولمة
لتحرير
الشعوب من
قومياتها
عمر
كوش
ينطلق
غسان سلامة في
كتابه الجديد
"أميركا والعالم:
إغراء القوة
ومداها" من
أطروحة مفادها
أن النظام
العالمي هو
رقعة شطرنج
متعددة الأبعاد،
ومكونة من
حلبات عديدة
لكل منها
ميزان قوى
خاص، وتحتل
الولايات
المتحدة فيه
مكانة القطب
العسكري
الوحيد، إلا
أنها ضمن
ثنائي أو ثلاثي
اقتصادي، في
حين أن العالم
يشمل أقطاباً
عدة على مستوى
"القوة
الناعمة"
التي تمثل قوة
الجذب
والدعوة إلى
التمثل بها
على كافة
المستويات.
لكن المؤكد
اليوم هو أن
الولايات
المتحدة الأميركية،
دون أي جدال،
أقرب بلدان
العالم لأن
تكون "قوة
كاملة"،
بمعنى قوة لها
رصيد كبير في
مختلف
المصادر
المعروفة
للنفوذ
والهيمنة. ويبقى
هذا التفوق
البارز لعقود
طويلة ولو أنه
لم يعد
لأميركا، في
الحلبة الاقتصادية،
تلك المكانة
الطاغية (نصف
الناتج الدولي
العالمي) التي
كانت لها سنة 1945.
ويشهد واقع الأمر،
أنه في الحلبة
الاقتصادية،
بلغ التاثير
المتبادل
مستوى لم يعد
يسمح بالحديث
عن الاستقطاب
في زمن أصبحت
الشركات
الكبرى واسعة
الاستقلالية
في
استراتيجياتها
ومتعددة
الجنسيات في
رؤوس أموالها
وإداراتها.
ولا يقوم
التفوق الاميركي
على ايجاد
هذا الموقع
العسكري
الطاغي وحسب،
وإنما أيضا
على المحاولة الدؤوبة
لترجمته إلى
فوائد تعود
على الولايات
المتحدة خارج
الميدان
العسكري
بمعناه الحصري
ـ في دوائر
تأثير أخرى.
فأميركا هي
المصدر شبه الحصري
للأمن، وعلى
البلدان
الأخرى أن
تكون سعيدة بهذه
المبادلة.
وانطلاقا من
حسابات كهذه
عقدت شركة إنرون
اتفاقية في
الهند واضحة
الإجحاف بحق
الهنود، أو
قامت دول
الخليج بشراء
ترسانات من
أسلحة أميركية
لم تكن بحاجة
فعلية لها، أو
استحوذت
الولايات
المتحدة الأميركية،
بحكم الأمر
الواقع، على
حق الفيتو في صندوق
النقد الدولي
لكي تمنع
اليابان من
تنفيذ إنشاء
صندوق نقد
آسيوي تستثني
منه الولايات
المتحدة.
ولهذا السبب
تحديداً كان
أعضاء مجلس
الأمن ينتهون
إلى الموافقة
على قرارات لم
يكونوا
ليصوتوا
عليها في
العادة. ومهما
تكاثرت التفسيرات
لحرب أميركا
على العراق،
ومهما تفاوتت
التقديرات
لأهمية
العنصر
النفطي في
جنوح أميركا
للحرب، فليس
من يشكك بوجود
هذا العنصر،
أو بصورة أعم،
بمحاولة
أميركا الدؤوبة
لجعل قدرتها
العسكرية
"قابلة
للصرف" في قطاعات
دولية أخرى
ليس لها فيها
الموقع
البارز المعترف
لها به في
الميدان
العسكري،
لاسيما في
مجال النفط التي
ما زالت
تستهلك
بمفردها ربع
إنتاجه العالمي.
ويقدم غسان
سلامة عصابة
المحافظين
الجدد عبر
أبرز
ممثليهم،
ويفضح فكرهم
ويهدمه بهدوء
أكاديمي،
وبالأخص فكر
مرشد العصابة
"برنارد
لويس" الذي
أصبح المرجع
في الاسلام
والمسلمين،
مع أن اختصاصه
الاصلي
هو الامبراطورية
العثمانية.
وقد جعل أركان
هذه العصابة
من الاسلام
عدواً بعد
الشيوعية،
فكلهم يغذي
زعم لويس أن هناك
صراعاً مع الاسلام
لم يبدأ أمس،
وإنما منذ
تأسيسه في
القرن السابع
الميلادي،
وحتى اليوم من
دون توقف.
ويرى سلامة أن
نجاح تلك
العصبة ـ إن
وضعنا جانبا
الفكر التآمري
المعروف أو
الميول
المبتذلة
للبحث عن "يد
اليهود" في أي
أمر كان ـ لا
يمكن تفسيره
بذاته ولذاته
وكأنه حدث
منعزل عن
السياق العام.
فلكي تنمو
أفكارهم
وتنتشر خارج
العصبة الضيقة
التي أطلقتها
ثم تتحول إلى
بناء ايديولوجي
تستند إليه
حكومة الدولة الاعظم،
كان لابد، في
الأقل من
شرطين مسبقين:
تربة مناسبة
لزرع هذه
الأفكار
وفرصة مناسبة
لترجمتها على
الأرض. أما
الفرصة فقد
واتت
المحافظين
الجدد
بالانتخاب
المشكوك فيه
لرجل ذي سيرة شخصية
خاصة جداً وذي
فهم محدود
جداً لأمور
العالم وهو جورج
بوش الابن. ثم
جاءتهم، بعد
ذلك بأشهر
قليلة، فرصة
ثانية تمثلت
في غزوة 11
أيلول والذعر
العام الذي تم
استخدامه
بصورة خرقاء
عملاً على
تنفيذ مشاريع
طموحة لم تكن
قد لاقت سنداً
جماهيريا قبل
ذلك. لكن
الفرصة بحاجة
أيضاً إلى
إطار لتتحقق والإيديولوجيا
بحاجة إلى أرض
تزهر فيها. وقد
وجدت تلك
الأرضية في
تلك "القومية
المتصلبة"
التي انبثقت
من جديد بقوة
في أميركا،
حتى وإن جاءت
مغلفة أغلب
الأحيان
بعبارات
الوطنية.
وتشكل عناصر
قراءة عصبة
المحافظين
الجدد للعرب
والمسلمين
أرضية التوجه الامبراطوري
الجديد، وهي
تعتبر
المسلمين
بعيدين من اجراء
مقاربة
عقلانية
وسياسية
للعالم،
نظراً لكونهم
مصابين بنوع
من "الحنق"
العضوي على
الغرب، وهذا
"الحنق" ليس
جديداً، وانما
هو قديم قدم الاسلام
وقائم على
صراع حضارات.
وطالما أن
المواجهة بهذا
العمق، فليس
من المجدي
البحث عن
أسبابها في
ممارسات
أميركا. وهي
قراءة تستثني
تركيا، لأن
لويس متعاطف
معها، إلا أن
حكومة نجم
الدين أربكان
الاصلاحية
بخلفية اسلامية
صدمته. كما
تعتبر
القراءة أنه
لا يوجد رأي
عام في بلدان
العرب
والمسلمين،
وأن الانظمة
العربية والاسلامية
لا تفهم سوى
لغة القوة
سواء كانت
دينية أم
علمانية. وباعتبار
أن الانظمة
أسيرة "شارع
حانق"، فلا
جدوى من
التعامل معها،
وعليه فإذا
كان الحلفاء الاوروبيون
لا يشاركون
الولايات
المتحدة هذه
القراءة، فلأنهم
اخطأوا
في استقبال
أقليات مسلمة
في بلادهم.
وقد بقيت
الولايات
المتحدة الأميركية،
على المستوى الايديولوجي،
ذلك البلد
المغرق في
الحداثة، حيث
أن أهم الايديولوجيات
المعبّرة
أفصح تعبير عن
مرحلة
الحداثة هي الايديولوجيا
القومية.
ويورد غسان
سلامة أمثلة
تدلل على تلك
القومية التي
لا يحبذ
الأميركي
الاعتراف بها،
قدر اعتقاده
أنه يتدخل في
العالم
لتحريره من
قومية
الآخرين
الكريهة، كما
كانت عليه
الحال بين
عامي 1917 و1941،
وتجسدت من خلال
النكات
اللاذعة
الموجهة نحو
الأزياء الفولكلورية
للشعوب
الأخرى،
ويمين الولاء
التي يقسمها
المجنسون
الجدد واضعين
أيديهم فوق
قلوبهم،
وكذلك
الأعلام التي
تظهر كل يوم
في شوارع
المدن
الأميركية،
والتي تعبر عن
الحماسة التي
ارتفع
منسوبها غداة
حوادث أيلول،
والاندفاع
المفرط
للمهاجرين
الجدد في تعلقهم
بالبلد،
والجهل
بالحضارات
الأخرى مع عدم
الاكتراث
بالتعرف
إليها.
لكن جيمس كورث
يعتقد أن
الولايات
المتحدة بلغت
مرحلة ما بعد
الحداثة،
ويؤكد ذلك
بالقول إن
الولايات
المتحدة هي
نموذج مجتمع
ما بعد
الحداثة،
وثقافة ما بعد
الثقافة،
وجيش ما بعد
الخدمة
الإلزامية،
واقتصاد ما
بعد التصنيع.
لكن غسان
سلامة يطرح سؤاله
المشكك: "هل
تلك حالة الإيدلوجيا
أيضاً؟ ألا
يمكن، على
العكس،
التأكيد بأن
الولايات المتحدة
قد بقيت على
هذا الصعيد
نموذجاً للبلد
المغرق في
الحداثة،
وبالتالي في
أهم الايدلوجيات
المعبرة عن
مرحلة
الحداثة، أي الايديولوجيا
القومية؟".
غير أن غسان
سلامة يطرح
سؤالاً
لاختبار هذه الإيديولوجيا
القومية
يتجسد في
صيغة: "هل
يتفوق
التصميم على
العولمة لدى
الولايات
المتحدة على
مصلحتها
القومية؟" وفي
سياق الإجابة
عن هذا
السؤال،
يستعرض مرحلة البرغماتية،
التي أنتجها
توازن قام بين
العولمة
والمصلحة
القومية، في
عهد كلينتون
وصولاً إلى
مرحلة الميل
المتزايد إلى
الاتفاقات
الثنائية، المفصح
عن أولوية
القومي على
احترام منطق
العولمة. غير
أن العولمة،
التي كانت بالنسبة
إلى جيل
كلينتون،
مفتاح العالم
المتغير،
أصبحت، بعد
وصول بوش
الابن إلى
الرئاسة، ضرباً
من ضروب
العقيدة، إذا
لم نقل آلة
حربية، حيث
تحولت
العولمة إلى
معركة لا توفر
الدم أو العرق،
وينهض قوامها
على صورة شبه
كاريكاتورية
تقسم العالم
معسكرين:
"العالم
الموصول" و"العالم
المفصول". ولا
بد للعولمة
إذاً من التقدم
لوصل
المفصولين،
من دون
استبعاد فرضية
مقاومة
حكامهم
الشرسة.
وطبيعي أن مثل
هذا الوصل
يعني موافقة
الداخل على
قبول تبعيته
للمجموع،
والقبول بأن
يقوم العالم
بعمليات
إعادة صياغة
لاقتصاده
ومجتمعه،
أكثر بكثير
مما يصبح في
مقدوره
التأثير على
تطوره الخاص.
وعليه انتقلت
العولمة
تدريجياً من
ثورة
تكنولوجية،
إلى تواصل
كثيف، فآلية
اقتصادية
ومالية تسير
بخطى حثيثة
لربط العالم ببعضه،
وتأمين
المصالح
الأميركية،
لتنتهي لدى بوش
الابن إلى ما يشبه
العقيدة
الدينية،
التي ينبغي
دفعها قسراً
نحو تحققها
الكامل.
ويكتب سلامة
عن "وودرو
ويلسون" وشبح افكاره
على السياسة الاميركية،
إذ بالرغم من
مرور ثمانين
سنة على هزيمة
ويلسون سنة 1920،
فإن شبحه
مازال يسكن
الساسة، واكتسب
مع مضي الوقت
شيئاً من
القداسة، فلا يكاد
يوجد رئيس
أميركي لا
يعتبر نفسه "ويلسونياً".
رغم أن "الويلسونية"
اسطورة،
فقد تدخل
ويلسون في
شؤون الدول الاخرى،
واستبدل
ديكتاتوراً
بآخر في
الفيليبين، ورفض
المعارضة في
الداخل، فنفى
أغلب معارضيه أو
سجنهم، ثم
حاول إعادة
تشكيل العالم
تبعاً للقيم الاميركية.
والمقارنة في
هذا المجال
طريفة ومعبرة
بين مواقف
ويلسون من نشر
الديموقراطية
ومواقف بوش،
بما في ذلك
استخدامها
عذراً للمغامرات
العسكرية
التي تبررها
مقولة إن أميركا
"مدينة مشعة
على جبل"
ومتسعة لتشمل
كلّ العالم.
ويرى غسان
سلامة أنه من
السخف تصنيف
كتابه "مع" أو "ضد"
أميركا، ليس
لأن الكتاب لا
يتضمن نقداً منهجياً
لعدد من
السياسات
الأميركية
الراهنة، بل
لقناعته بأن
المنطق
الثنائي
القائم على
تقسيم الناس
إلى مع وضد
يخلّ بطموح
الدراسة
العلمية إلى
الموضوعية،
ويختزل
الألوان الرمادية
التي تخيّم
على النظام
العالمي إلى ثنائية
مبسطة إلى حد
الابتذال بين
الأبيض
والأسود.