إعلان دمشق بين الظاهر والباطن       الفجر الجديد

 

 

في 16/10/2005 صدر في دمشق إعلان موقع من مجموعة من الأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية، وهو يشير إلى [أخطار لم تشهدها سوريا من قبل نتيجة السياسات التي سلكها النظام] ويحذر من [مخاطر تلوح بوضوح في الأفق] لذلك لابد من تجنيد طاقات الجميع [لإنجاز التغيير على يد الشعب السوري ووفق إرادته ومصالحه] ويساعد على تجنب [الانتهازية والتطرف في العمل العام].

وقد اجتمعت إرادة الموقعين على البيان "بالتوافق" على مجموعة من الأسس تشكل بمجملها المشروع المقترح [للتغيير الديمقراطي في سوريا].

إن تقييم هذه الأسس لا بد أن يعتمد على إطار من المبادئ والأسس التي تشكل بمجملها "المنظار" الذي لابد منه لرؤية الواقع أقرب ما يكون من الموضوعية ونقصد بالموضوعية ، هنا ، توافق تلك الرؤية مع ثوابت المنظار المستخدم دون غيره، لأنه لابد من الاعتراف والإقرار بأن مبعث الاختلاف بين المتحاورين يرجع ، في أغلب الحالات، إما لاستخدامهم لأدوات فكرية مختلفة ، أو لتباين معلوماتهم عن الواقع ، أو السببين معاً . ولما كان من المستحيل حجب هذا الواقع أو تزييفه إلى ما لانهاية لانعكاسه على حياة الناس بأشكال مختلفة .. تبقى المشكلة محصورة بشكل أساسي في كيفية انتقال هذا الواقع إلى وعي المتصدين لتحديده وتغييره .

لذلك سنستعرض فيما يلي جملة من المبادئ والتصورات التي سنعتمدها في تقييم ما رمى إليه الموقعون على الإعلان .. وهي فرصة حتى يعرف منها الذين يتفقون معنا في النتائج لماذا هم متفقون ، ويعرف الذين يختلفون لماذا هم مختلفون .

أولاً:    إن الأمة جماعة بشرية تكونت عبر مراحل متعاقبة من التاريخ ، من قبائل وعشائر وشعوب (بمفهوم عرقي) مختلفة في لغاتها وعاداتها وتراثها ومصالحها وذلك سعياً منها لحياة أفضل ، متفاعلة تارة ، متصارعة تارة أخرى ، انتهت في مرحلة متقدمة إلى أن تلتحم لتكون شعباً واحداً (بمفهوم قومي) يرتبط بلغة مشتركة وتاريخ مشترك ومصير مشترك وأرض مشتركة ، وعليه فالأمة هي تكوين من "الناس" و"الأرض" معاً . ولا يصح الحديث عن أمة بدون اختصاص "الناس" بأرض معينة رسمت حدودها حدود أمم أخرى أو موانع طبيعية أو العاملان معاً.

واللغة المشتركة لا تلغي اللغات الخاصة بكل جماعة أو شعب ولا تتناقض معها ، وإنما هي إضافة تساعد على التواصل بين جميع الجماعات والشعوب ، وغالباً ما تكون لغة الجماعة الأكثر عدداً أو الأكثر تحضراً عن باقي الجماعات .. وتكاد لا تخلو أمة من الأمم من وجود عدد كبير من اللغات الخاصة إلى جانب لغة التخاطب المشترك بين الجميع.

والتاريخ المشترك لا يلغي التاريخ الخاص لكل جماعة أو شعب بما يتضمنه من عادات وثقافات وأنماط حياة ولا يتعارض معه وإنما هو صناعة مشتركة من قبل الجميع. والمصير المشترك تحتمه الوحدة الموضوعية للمشكلات التي كانت الأساس في التفاعل والتدافع باتجاه الحياة الأفضل . أما الأرض المشتركة فهي المجال "الطبيعي" الذي يضم الجميع وهم في تفاعلهم لبناء الحياة ، وهو ساحة مفتوحة لحركة الجميع بدون اختصاص لأي فريق بأي جزء من هذه الساحة.

ثانياً:    وبناء عليه .. ولما كانت الأمة تكويناً تاريخياً فإن اشتراك جميع "مكونات المجتمع البشرية"  في الوطن هي مشاركة تاريخية .. تحول ، من ناحية ، دون هذه "المكونات" بأن تتصرف في الوطن أو أي جزء منه في أية مرحلة تاريخية معينة ، ومهما كانت الأسباب ، لأن الوطن شركة تاريخية بين الأجيال المتعاقبة . وتحول ، من ناحية أخرى ، دون أي جزء من هذه "المكونات" وأن "تتصرف" في الإقليم الذي تعيش عليه أو في أي جزء منه للغير أو تمكين الغير من الاستيلاء عليه ، وتحول ، من ناحية ثالثة دون أي جزء من هذه "المكونات" بأن يستأثر بأي إقليم أو أي جزء منه عن الآخرين.

ثالثاً:    إن الأمة ، كتكوين تاريخي ، لم تتكون إعتباطاً أو مصادفة ، بل تكونت من خلال بحث الناس عن حياة أفضل . فإذا كنا قد بلغنا خلال المعاناة التاريخية الطور القومي .. فإن هذا يعني أن أجدادنا قد استنفذوا كل إمكانيات العشائر والقبائل والشعوب "بمفهوم عرقي" قبل أن تلتحم معاً لتكون أمة عربية وحدة ، وأنها عندما اكتملت تكونياً ، كانت بذلك دليلاً موضوعياً غير قابل للنقض على أن ثمة "وحدة موضوعية" قد نعرفها وقد لا نعرفها بين كل المشكلات التي يطرحها واقعنا القومي أياً كان مضمونها وأنها بهذا المعنى مشكلات قومية لا يمكن أن نجد حلها الصحيح إلا بإمكانيات قومية وقوى قومية في نطاق المصير القومي .

وقد يحاول ، من يشاء ، أن يحل مشكلاته الخاصة بإمكانياته القاصرة ، ثم يقنع بما يصيب ولكن لن يلبث أن يتبين ، في المدى القصير أو الطويل ، أن الحل الصحيح المتكافئ مع الإمكانيات القومية المتسق مع التقدم القومي، قد أخطأه عندما اختار أن يفلت بمصيره الخاص من الوحدة الموضوعية للمشكلات التي تشكل حلولها المصير القومي الواحد.

رابعاً:   كان الإسلام مصدر وجود الأمة العربية ، منه استمدت عقيدتها ، وعلى هديه بنيت الحياة وبه تحققت وحدة الأرض واللغة والتاريخ والمصير .. تم هذا منذ أربعة عشر قرناً ، ولم يكن إضافة على وجود قومي منتهي التكوين [الفرس والأتراك] وإنما كان "المادة الأولية" الحاسمة في صناعة الوجود القومي العربي الحالي وبدونه ما عرف العالم الوطن العربي بحدوده الجغرافية والاجتماعية الراهنة ، وعليه ، فمن العبث التعرض لصناعة الحياة في الأمة العربية بدون أن يكون للإسلام الدور الأبرز في بلورة وتأسيس سلم القيم الذي على هديه تواجه مشكلات التطور في المجتمع وتصاغ الغايات المرحلية والاستراتيجية للتطور الاجتماعي.

·   إن الأمة العربية ، في هذه المرحلة ، هي الأمة الوحيدة على سطح الكوكب التي تعاني ما تعانيه من تجزئة واحتلال واغتصاب وتخلف وتبعية . وحالتها الراهنة تعكس حجم "تغول" أعدائها في كيانها ونتائجه الخطيرة على وجودها وهويتها الحضارية .. وهذا ليس جديداً. إنما الجديد .. بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير لم يعد مشروعاً يتداوله الاستراتيجيون للمنطقة في دوائرهم المغلقة .. وإنما تعدى ذلك إلى البدء بتنفيذه عملياً على الأرض بعد أن تم التمهيد له على مدى العقدين الأخيرين . لقد إتضح للولايات المتحدة الأمريكية خاصة وللغرب عامة، بأن خريطة المنطقة كما حددتها "سايكس-بيكو" على أسس جغرافية سياسية لم تعد ضامنة لمصالحهم المتعاظمة في المنطقة بعد أن دمرتها أعاصير العولمة على مختلف الصعد ، وهتكت أنظمة الاستبداد والفساد بناها الاجتماعية مما يتيح فرص ذهبية لاعادة تقسيم المنطقة على أسس التهتك الاجتماعي الجديد / عرقي ، مذهبي ، طائفي ، عشائري / لتشهد دولاً تتطابق حدودها السياسية مع حدود تكويناتها المذهبية والطائفية والعرقية والعشائرية بدون التفريط بما أنجزته اتفاقيات التقسيم السابقة أي الاضافة إلى تقسيمات سايكسبيكو تقسيمات جديدة.

 

أولاً: في الأسلوب الذي اعتمده الموقعون على إعلان دمشق:

من المعروف أن مفهوم "التوافق" يعتمد الأخذ بالقاسم المشترك بين المتوافقين لأنه الجامع ، أما الرؤية الخاصة بكل فريق فيحتفظ بها داخلياً ولا يجوز فرضها على باقي أطراف التحالف حتى لا يتعرض لتصدعات محتملة ، بل وأكيده ، في هذه المرحلة.  وأهم صفات "المشترك التوافقي" أنه يطرح بشكل عام وبدون الغوص في الشرح والتفصيل والتدقيق ، هذا أولاً .  وثانياً أنه مرحلي ، بمعنى أن أطراف التوافق ملتزمة "بالأسس التوافقية" خلال مرحلة معينة أملتها ضرورات موضوعية ظرفية، وبمجرد أن يتغير الواقع وتتحقق مجمل أو أغلب هذه الأسس ، يمكن أن ينفرط عقد التحالف ليبدأ التأسيس إما لتحالفات جديدة أو لتنافسات وصراعات جديدة على أساس صلاحية البرامج الخاصة بكل فريق ، وبالتالي يمكن القول بأن مفهوم التوافق يجمع بين التقاء مؤقت على أسس مشتركة وتنافس وصراع مؤجل إلى مرحلة تالية ، وثالثاً .. وهنا أدق وأخطر صفات "المشترك التوافقي" أن "الضرورة" تملي على جميع الأطراف إستعمال أو عدم الاعتراض على إستعمال عبارات ومفاهيم ومصطلحات غير محددة ، مبهمة وغامضة أحياناً ملتبسة أحياناً أخرى وتحتمل تأويلات متناقضة أحياناً ثالثة . ورابعاً وأخيراً .. يعبِّر "المشترك التوافقي" عن محصلة التجاذب الفكري والسياسي بين القوى المتحالفة التي تعكس ، إلى حد بعيد ، موازين القوة فيما بينها ، وبالتالي فهي تؤسس لـ "محاصصة" مستقبلية لا يستطيع أي طرف تجاوز الحدود المتفق عليها بدون أن يُعرض التحالف لمخاطر التصدع والصراع ويمكن أن نضرب مثلاً واحداً لما نحاول الاشارة إليه .. فالديمقراطية كأسلوب مقترح لادارة الدولة والمجتمع هو من أهم الأسس التي إلتقى عليها أطراف الإعلان أما .. ما علاقة الديمقراطية بالمشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الناس ؟ وما علاقتها بالمشروع الصهيوني هنا وهناك في الوطن العربي ؟ [هنا يمكن أن يكون القبول بهذا المشروع .. مجرد وجهة نظر] ؟ وما علاقة الديمقراطية بالكثير من القضايا والمشكلات تجزئة وطائفية ومذهبية .. إلخ ، نقول إن الاجابة على هذه التساؤلات غير ضرورية الآن .. وإذا كانت جاهزة عند بعض الأطراف فلا يمكن أن تكون شرطاً "يتوافق" الآخرون عليها.

أخيراً .. نود الاشارة  إلى أن أطراف "التوافق" ليسوا أحراراً "بالمطلق" بالاتفاق "على" المجتمع بأن يرسموا له المستقبل على الصورة التي تتمخض عنها نتائج تجاربهم السابقة / وهي مؤسفة بطبيعة الحال/ أو إمكانياتهم الراهنة، على تواضعها ، فقد إلتزموا بأن يتم التغيير [على يد الشعب السوري ووفق إرادته ومصالحه] وهذا هو المهم أولاً وأخيراً .

فكيف تعامل أصحاب الاعلان مع تعهدهم هذا ؟

إعلان دمشق من حيث التوقيت :

صدر الاعلان في ذروة الضغوط الخارجية على النظام مما يمكن أن يعكس مفهوماً خاطئاً عن أصحابه مفاده أن هناك قاسماً مشتركاً من المصالح بين أطراف الضغوط الخارجية وأطرف الضغوط الداخلية ، وإن لم يعلن عن أي تحالف بين الطرفين ، بل حتى لو أعلن أصحاب الاعلان عن رفضهم التعامل مع الضغوط الخارجية ، أو على حد تعبير الاعلان "التغيير محمولاً من الخارج" .. لأن هذا الموقف في حقيقته العملية ، ما هو إلا مجرد إعلان براءة من ممارسة "جاءت في توقيتها" متهمة.  وبالتالي فهو موقف لن يفيد أصحابه كثيراً .  فإذا كان تزامن الضغط مع الخارج ، أمراً حدث ولو بالصدفة بالرغم من عدم جاهزية الموقعين على الاعلان على إدارة وقيادة عملية الاصلاح المطلوبة فإن ذلك يعكس إندفاعاً "غير محسوب" في تداعيات هذه الضغوط على الوطن والمواطن .. ولا أحد يستطيع الادعاء بإمكانية الامساك بهذه التداعيات فضلاً عن قيادتها . وبالطبع . تؤكد الأحداث الكارثية التي جرت على العراق أرضاً وشعباً وحضارةً بالاحتلال الغربي ، صحة موقف أصحاب الاعلان في رفضهم "التغيير محمولاً من الخارج" لأنهم / حقاً وطنيون ولايستطيع أحد المس أو التشكيك في ذلك .. ولكن .. ماذا تفيد "النوايا المخلصة" في مواجهة "هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني للشعب السوري" كما ورد في مقدمة الاعلان.. إننا نعتقد أن صورة هذا التهتك نجدها مجسدة ، هناك في العراق الشقيق في أوضح صورها فإذا كانت الأحزاب الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية و "المحاصصة" بين هذه القوى لاقتسام السلطة والثروة أمراً مرفوضاً من قبل قوى الاعلان بدواعي وطنية . وهم محقون في هذا بكل تأكيد .. نقول .. ماذا أعدت قوى الاعلان حتى لا تجد نفسها ، مرغمة ، على التعامل مع واقع ليس من صنعها ويدفعها إلى أسوأ خيارين يمكن توقعها : - إما أن تتحول (هي) إلى أحزاب طائفية ومذهبية وعرقية [العراق ، لبنان] لتستجيب لمصالح "التهتك" الاجتماعي الواقع فعلاً فتقع في الشرك المخطط الذي رسمه الغرب للمنطقة . واما .. أن ترفض هذا التحول فتتيح بذلك ، الفرصة "للتهتك" الاجتماعي ليعبر عن نفسه وينتج القوى المعبرة عن مصالحه بعد أن تقطعت أوصاله . إن شعبنا في  العراق الحبيب يدفع اليوم من دم أبنائه . ولأجل غير معروف ، ثمن الحسابات الخاطئة لقياداته السياسية عندما تحولت إلى قيادات طوائف وعشائر وأعراق محكومة بقوانين الصراع الاجتماعي بعيدة كل البعد عن قوانين الجدل الاجتماعي .

فهل تستفيد قوى الاعلان من "السيناريو" الماثل أمام أعينهم في العراق الآن ويوفروا على هذا الجزء من المجتمع العربي (سوريا) تضحيات مجانية غير ضرورية لتقدمه .. ؟ .

ألا تستدعي [المخاطر التي تلوح بوضوح في الأفق] إلى أن يلتفت أطراف الاعلان إلى التأسيس ، في الواقع الاجتماعي ، للحيلولة دون أن يكون هناك أي إحتمال صريح أو غير صريح ، خالي أو مؤجل ، لأن تحدق هذه المخاطر بالمجتمع وتفتك به على غرار ما يجري في الجوار "العراق" ؟ .

لنر كيف تعامل إعلان دمشق مع هذه المخاطرة .

أولاً: تعامل أصحاب الاعلان مع سوريا ، الوطن والمجتمع ، وكأنها قادمة من الفضاء الخارجي ، بدون تاريخ على الأرض ولا ذاكرة لدى المجتمع ، فقد تحولت "الأمة العربية" إلى منظومة عربية على غرار منظومة دول غرب أسيا أو منظومة دول أمريكا اللاتينية .. إلخ ، وبعد حوالي أربعة أشهر من صدور الاعلان جرى تصحيح هذه "الخطيئة" ولا نقول الخطأ في البيان التوضيحي الصادر في 31/10/2006 ، الذي أكد أن سوريا جزء عضوي من الأمة العربية .. كذلك لم ترد الاشارة إلى "العدوان الصهيوني على أهلنا في فلسطين" في نص الاعلان الأول ليرد في البيان التوضيحي المذكور.

إننا نخشى بأن الوقوع في "الخطيئة" لم يحدث "سهواً" ونظن أن البعض ممن تنكروا لهويتهم لا يجد نفسه متناقضاً مع المشروع الصهيوني على الأمة العربية ، والبعض الأخر لا يتناقض ، بل ويتوافق ويؤسس مع ما أنتجته إتفاقيات سايكسبيكو على الأمة ، والبعض الثالث لا يدرك حقيقة "الوحدة الموضوعية" للمشكلات التي تعاني منها الأمة العربية وتداعيات هذه "الوحدة" على برامج التغيير المحلية لدى كل جزء من الأمة العربية هذا ما نخشاه ونظنه ، وليس كل الظن إثم .. وإن الكثير من الخشية لغو ولا فائدة منه ، وتسقط الخشية والظن إذا أكدت جميع القوى والأحزاب في إعلامها الداخلي وفي بنيتها التنظيمية انتماءها إلى الأمة العربية.

نريد أن نقول بإختصار .. إستخدم أطراف الاعلان ذات المفردات الرائجة الآن في الساحة العراقية [مكونات الشعب السوري ، الاثنية ، العرقية ، الطائفة ، الجنس ، العشيرة ، حرية الأفراد والجماعات والأقليات القومية ، المذهبية ، إئتلاف ، توافق ..] .. لذلك فهي تحمل في طياتها "ملامح" الأوضاع الحالية في العراق التي تدفع هذا الجزء من الأمة بعيداً عن حقيقة إنتمائه إليها .

والسؤال المهم هنا: هل إحتاطت قوى إعلان دمشق ضد هذا المنزلق الخطير؟  ، وإذا كان إستخدام هذه المصطلحات ضرورة "توافقية" فهل تضمنت برامجها الداخلية ما من شأنه الحؤول دون دفع البلاد بإتجاه ما يريده أعداء الوطن ؟.

ثانياً: نبذت قوى الاعلان "الفكر الشمولي" ولم تحدد مفهومها لهذا الفكر هل هو الفكر القومي العربي مثلاً .. أم هو الفكر الاسلامي ؟ أم هو كليهما معاً .. أم هو الفكر الذي "يشمل" في مخططاته وأهدافه المجتمع ككل بغض النظر عن محتواه ..؟ . بذلك تدفع قوى الاعلان "مكونات الشعب السوري" إلى أن يتبنى كل فريق ما يخصه ويميزه من أفكار وهي بالتالي إما لفكر مذهبي طائفي عرقي وإما لليبرالية لا تجد في المجتمع سوى مجموعة من الأفراد الذين لا رباط بينهما سوى المصلحة الخاصة .. وهي فلسفة ونظام للحياة بعيدة كل البعد عن تحقيق شروط التطور والعدل الاجتماعي في الوطن.

وهنا نتساءل .. هل يكمن الغموض في هذه الفقرة من الاعلان وراء تغيب مصطلح "الأمة العربية" من نص الاعلان؟ وهل هو وراء "الالتفاف" على هدف الوحدة العربية في الفقرة /16/ ؟. وهل هو وراء تغييب الاشارة إلى مخاطر المشروع الصهيوني على الأمة العربية ..؟.

إننا نعتقد أن "المفردات" المستخدمة في صياغة الأسس التي تم التوافق عليها لا تساعد على رؤية سوريا "جزء عضوي من الأمة العربية" وهي تشكل بمجملها ، منظاراً يحدد الرؤية داخل الوطن ليظهر المجتمع .. مجموعة من المكونات [طوائف وعشائر وأعراق] فقدت هويتها وحقوقها في إطار الفكر "الشمولي" الذي لابد من نبذه للانعتاق إلى ملكوت الحرية ؟؟، وتحدد علاقة الوطن بمحيطه بالمعاهدات والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الانسان.

ويجب أن لا نستغرب خلو الاعلان من أية إشارة أو تحذير من مخاطر الطائفية والعشائرية والعرقية وما يمكن أن تجره على البلاد من ويلات .. لأن المفردات المعتمدة في رؤية الواقع تحمل في طياتها كل المعاني التي تدفع "بمكونات الشعب السوري" للبحث والتنقيب عن حقوقها المذهبية والعرقية والعشائرية على حساب أية أفكار "جمعية"  أو  "شمولية" .

ثالثاً: ورد في الفقرة /2/ من الاعلان "نبذ العنف في ممارسة العمل السياسي ، والعمل على منعه وتجنبه بأي شكل ومن أي طرف كان" .   وملاحظتنا هنا بسؤال : هل ستعمل قوى الاعلان على تشكيل جهاز أمن جديد في الوطن يتبع لها ، لترصد الجماعات والأفراد التي تخالفها الرأي بخصوص أسلوب ممارستها العمل السياسي وحسب تعريفها هي "للعنف" فتلاحق هذه الجماعة أو تطارد الأفراد المارقين على الأسلوب الذي تعتمده ؟؟ . فهل تعمد مثلاً إلى المطالبة "بتخليص" القرآن الكريم من آيات الجهاد وقتال المعتدين والدفاع عن الأرض والدين ؟ ! .

رابعاً: ورد في الفقرة /8/ من الاعلان "ضمان حرية الأفراد والجماعات والأقليات القومية في التعبير عن نفسها"  وإعتراضنا هنا ليس على هذه الحقوق وإنما على توصيف الأقليات بـ"القومية" ولو كان التوصيف بـ "العرقية" لما كان ثمة أي إعتراض لأن "القومية" كرابطة شملت جميع مكونات المجتمع من قبائل وعشائر وأعراق وبالتالي فإننا عندما نتكلم عن الأمة العربية ذات الهوية القومية العربية فيجب أن لا يفهم من ذلك أننا نتكلم عن "مكون واحد" من مكونات الأمة وإنما عن جميع المكونات التي ساهمت في صناعة الأمة العربية .. نريد أن نقول أن مفهوم المجتمع القومي يتجاوز مفهوم المجتمع العرقي ولا يلغيه .. كذلك فإن الأعراق والعشائر التي ساهمت في صناعة الأمة عبر سعيها للحياة الأفضل عبر قرون من الزمن لن تتمكن أولاً: - من العودة للوراء فتلغي ما ساهمت في صنعه ، ولن تتمكن ثانياً: - من الكف عن معاناتها المشكلات التي تعاني منها أمتها ، ولن تتمكن    ثالثاً : - من الانفلات بمصير خاص بها وستجد دائماً بأن الحل الأمثل لمشكلات التطور الاجتماعي فيها يكمن في الامكانيات التي تتيحها أمتها لها وليس عشيرتها أو شعبها أو عرقها . وإذا ما توهم البعض من أبناء العشيرة أو العرق أن مصالحهم العشائرية أو العرقية هي في الانسلاخ عن أمتهم والتبرؤ من مشكلاتها والاستغناء عن إمكانياتها .. فإن هذا يطرح الكثير من الأسئلة عن حقيقة البواعث والغايات من ناحية وطبيعة العلاقات مع أعداء أمتهم من ناحية أخرى .. والمثال الذي يطرح نفسه بقوة .. الأحزاب الكردية ولا نقول الشعب الكردي .. فهذه الأحزاب تثير الكثير من التشكيك والتشويش والريبة في الدور التاريخي الذي ساهم فيه الأكراد في صناعة الأمة العربية . وبالتالي التأسيس لمخططات فك الارتباط معها  .

أما الشعب الكردي: فقد أخذ من الاسلام لغته وعقيدته ونظام حياته كما فعلت بقية الأعراق من عربية وسريانية وآرامية وبربرية .. إلخ ، الأمر ذاته .  وأعادوا صناعة لغتهم الخاصة "الكردية" بحروف لغة القرآن الكريم واستخدموا المئات من المصطلحات والكلمات من اللغة العربية واشتركوا مع باقي مكونات الأمة العربية في صناعة حضارة مشتركة وثقافة مشتركة وعادات وتقاليد مشتركة على أرض مشتركة عبر مئات السنين ليلتحم الجميع في تشكيل كيان "جديد" إسمه "الأمة العربية" . وهذا أيضاً ما فعله الأكراد الأتراك عندما أخذوا من التركية حروفها . ثم .. نتسائل هل يستطيع أخواننا الأكراد من التفاهم فيما بينهم إذا تخلصوا "تماماً" من الكلمات والحروف العربية في لغتهم الخاصة ؟وإذا كان هذا ممكناً .. فهناك من أعداء أمتهم العربية من سيوفر لهم مراكز الأبحاث والعلماء والجامعات للمساعدة في فك ارتباطهم بالعربية .. وهل من الممكن أن يتنكروا لتلك المرحلة الحرجة من تاريخ أمتهم العربية يوم أن اختارت منهم حكامها وقادة جيوشها للذود عن الوطن [بلاد الشام ومصر] والدفاع عن العقيدة ؟ لقد كان الأيوبيين يحكمون البلاد على أساس إنتمائهم القومي لأمتهم العربية الاسلامية وليس على أساس أنهم أكراد سيطروا على الحكم واستبدوا بباقي المكونات الاجتماعية ، أما لماذا يتوزع الأكراد في ثلاثة أمم رئيسية "العربية والتركية والايرانية" ولا يوجد لهم كيان سياسي واحد يجمعهم ؟ فالاجابة موجودة "قطعاً" في التاريخ .. تاريخ المنطقة العربية التركية الايرانية وتاريخ المقيمين عليها وليس هذا مجال بحثنا الآن .. ولكن ما يمكن قوله بأن العودة إلى التاريخ "تفسر" لنا "ما صنعته" الأجيال المتعاقبة من كيانات وأمم ولا "تغير" ما تم صنعه .

نريد أن نقول .. إذا كان لدى بعض الأحزاب الكردية الاستعداد للتنكر للدور التاريخي الذي لعبه الأكراد في صناعة أمتهم العربية والدفاع عنها .. فإن الشعب الكردي يقدم الدليل ، من حياته اليومية ، أنه لا يوافق على فك الارتباط بأمته العربية.

ثم تأتي الفقرة /9/ من الاعلان لتخص المواطنين الأكراد بحل ديمقراطي "لقضيتهم"ولن نناقش هنا كيف يكون الحل    ديمقراطياً ؟. ولا علاقة "قضيتهم" بقضايا أمتهم عموماً ، إنما نود الاشارة إلى أننا نرى في هذا التخصيص تعبيراً عن حجم الدور الذي تمثله الأحزاب الكردية في هذا التحالف والذي إنعكس في صياغة بعض المفردات والمفاهيم التي تؤسس في مضامينها لخطاب سياسي يثير الكثير من الجدل حول حقيقة البواعث والغايات التي تندفع منها وإليها هذه الأحزاب وهي المسؤولة عن حسم هذا الجدل وتقديم الدليل من خطابها السياسي الداخلي وفي بنيتها التنظيمية على أنها أحزاب وطنية ترتبط مع أمتها العربية بروابط عضوية [كما جاء في البيان التوضيحي] .ثم هل يصح استخدام مصطلح "قضية" على توصيف "المشكلة" التي يعاني منها أكراد سوريا ؟  ألا يحمل هذا المصطلح في طياته معاني تؤسس لمشاريع فك الارتباط مع الأمة العربية ؟  وإذا كنا مرتبطين "حقاً" بعلاقة عضوية مع أمتنا العربية فإن مشكلة المحرومين من الجنسية ومشكلة الحقوق الثقافية وغيرها ليست مشكلات الأكراد وحدهم .. بل هي مشكلات الجميع سواء كانوا مقيمين في عفرين والقامشلي أو في سبتة ومليلة أي في دارفور وجنوب السودان أو في جبال الأوراس أو في الصحراء الغربية .. إلخ .

خامساً: إننا نعتقد بأن القلق الذي يسا