عن الداخل والخارج مساهمة في الحوار الجاري

راتب شعبو

 

داخل/خارج

ربما كان الثابت الأبرز في مرحلة ما بعد الحرب الباردة هو الحدود السياسية، فمع انتهاء انقسام العالم (إلى معسكرين، وكانت الصبغة العسكرية لهذا الانقسام تهيمن على ما عداها) تزايد انقسام العالم سياسياً وازداد عدد الدول والأعلام في الأمم المتحدة، أو بكلام آخر تزايدت الدواخل وبالتالي الخوارج. لكن هذا التزايد يغطي واقعياً على نقيضه، فالكلام الدائر عن داخل وخارج في هذه الحقبة يحمل قدراً من العطالة الفكرية والاعتباط غير قليل. الخارج بات اليوم أكثر من أي وقت سابق داخلاً والداخل خارجاً.

هناك اليوم ما يمكن اعتباره دولة عالمية لها رأس وأطراف، دولة تتألف من نسق كامل من الدول تحاول الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح حتى الآن لعب دور الرأس فيها إلى جانب السبعة الكبار، في حين تتدرج الدول الأخرى في شغل الوظائف التي تستدعيها هذه المؤسسة الدولاتية العالمية وفق المنطق الجيوسياسي المفروض.

وهذا النسق الدولاتي العالمي الذي يتوضع ويكتمل ويستجمع منطقه الداخلي بعد أفول المرحلة السوفييتية من شأنه أن يلفظ أية دولة لا تتماشى مع قواعده ونهجه العام الذي تمليه الدولة العظمى وفق مصالحها الإستراتيجية أو ما ترى أنه كذلك. فطابع العلاقة السائدة ضمن هذا النسق طابع قسري ديكتاتوري يقلد إلى حد بعيد طابع علاقة الدولة الديكتاتورية مع "داخلها". هناك قانون طوارئ وأحكام عرفية دولية مفروضة على الدوام يتم تسيير دول العالم وفقها، ويتم وفقها تقسيم العالم إلى دول مارقة وأخرى صديقة (كأن مجموع الدول العالمية بات جهة ولاء تخرج عنها وعليها كل حركة تعارض أسس النظام العالمي القائم)، وعندما ترى الدولة العظمى أن هناك ما يهدد أمنها القومي (الأمن القومي دائماً) تستصلح لنفسها الحق في اللجوء إلى السياسة التي تشاء والسلاح الذي تشاء ضد من تشاء دون أن يحق لأحد مساءلتها، بما في ذلك الأمم المتحدة التي تشكل إطار الدولة العالمية، فمؤسسات الأمم المتحدة تشكل هذا الإطار حقاً غير أنه إطار فقير بالمحتوى.

يمكن أن نقول إننا ننتقل اليوم من الميكروديكتاتورية إلى الماكروديكتاتورية إذا صح القول. ويصير أن تتحول الماكروديكتاتورية (الديكتاتورية في العلاقات الدولية) إلى وسيلة لتحقيق الديمقراطيات الداخلية. هذه مفارقة تضعها أمام أعيننا اليوم عولمة رأسمالية أمريكية الطابع، غير أن هذه المفارقة تتبدد حين ندرك أن الديموقراطية الموعودة هزيلة ومدجّنة اقتصادياً أولاً (من يملك المال ووسائل الإعلام يملك الرأي العام) وسياسياً وعسكرياً ثانياً (فنزويلا من قبل وفلسطين حماس اليوم) إذا اقتضى الأمر. ومع ذلك ما كان يمكن لهذه الديموقراطية المحكومة أو الموجهة أن ترى النور لولا السقوط السياسي للأفكار الكبرى المناهضة للنظام العالمي القائم (الفكر السياسي الشيوعي والفكر السياسي لحركات التحرر الوطني) وتحول العولمة الرأسمالية في الفكر السياسي العالمي إلى ما يشبه القدر الخالد (نهاية التاريخ)، ما يشكل صمام أمان للنظام العالمي الحالي إلى أن يلتف التاريخ كعادته على غير ما انتظار وترى العين ما عجز الفكر عن رؤيته.

سنقول إنه في كل داخل داخلان، داخل خارجي وآخر داخلي، فالذي يحدد الداخل والخارج اليوم ليس الحدود السياسية بل المواقع السياسية. وما يحدد المواقع السياسية هو الخط الفاصل بين العدالة في توزيع الثروة والسلطة وبين احتكارهما. وما يضمن بعض العدالة في توزيع الثروة والسلطة هو دولة القانون والديموقراطية السياسية وما تنطوي عليه من حريات عامة، فالديكتاتورية وتهميش القانون وما ينطوي عليه ذلك من انتهاك لحقوق الشعوب والأفراد ومن فساد وعبث بالثروة "الداخلية" تعبر عن موقع سياسي "خارجي".

إن الرأسمال الداخلي المنهوب تتجه حركته دائماً إلى الخارج (أرصدة واستثماراً) بصورة مشبعة بالدلالة؛ وأصحاب السلطة "الداخلية" الفاسدة يوطدون لأنفسهم ملاذات آمنة في "الخارج" الذي ينتمون إليه سياسياً الانتماء الأصدق. غير أن الحضور المباشر والطاغي للحدود السياسية يجعل الجمهور بعيداً عن هذه النظرة، فالحدود السياسية لا ترسم خطوطاً على الورق فقط بل وترسم انتماءات وولاءات تجعل الجمهور في سياق معين يرى إلى دولته الديكتاتورية الفاقدة لأي مشروع وطني على أنها تمثل انتماءه الوطني ضد "الخارج".

وبقلب زاوية الرؤية، الشيء نفسه يصح على الخارج. أعني هناك "خارج" (دول وسلطات) يجد في تكريس الديكتاتورية الاقتصادية والسياسية العالمية هدفاً له ويحاول استثمار المشاعر القومية لدعم تحقيق هذا الهدف؛ و"خارج" يجد في تكريس هذه العلاقات خطراً على مستقبل البشرية ويعمل على كسر هذه العلاقات لصالح شكل أكثر عدلاً في توزيع السلطة والثروة العالمية.

نحن، والحالة هذه، في ما اصطلح على تسميته العالم الثالث أمام دول كومبرادورية يتم بواسطتها ومن خلالها تكريس علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية وثقافية ليست في صالح "الداخل"، ظاهرة يعبر عنها أفضل تعبير مفهوم الاستعمار الداخلي، والصفة هنا تزيد من شناعة الموصوف رغم أنها "داخلية".

في مفهوم الوطنية

يبدو أن البيئة التي أنتجت مفهوم الوطنية قد تراجعت وبات هذا المفهوم بصفته السياسية مرشحاً اليوم للتراجع، إنه يتحول في البيئة السياسية الفكرية الحالية إلى أداة كليلة تفتقر إلى الدور المعرفي. فالمفهوم الذي نشأ في خضم السعي للتحرر من الاستعمار ووسم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (مرحلة حروب التحرر الوطني)، استمد أسباب بقائه في مرحلة ما بعد التحرر الوطني من اكتسابه بعداً فكرياً سياسياً جديداً هو بناء الاقتصاد الداخلي المستقل الذي يسند سياسة "وطنية" مستقلة، في سياق اعتبر حينها بحق إكمالاً لعملية التحرر الوطني بعد أن تكشف الاستقلال الوطني عن ارتهان "وطني" من نوع آخر سمي استعماراً جديداً أو اقتصادياً.

الاستعمار الأول (القديم) استهدف بالجيوش الذات القومية أو الوطنية فأثار حركة تحرر وطني لطرد جيوش المستعمر (حينها كانت الخطوط والفواصل السياسية شديدة الوضوح، حركة تحرر ضد جيش محتل)؛ والاستعمار الجديد استهدف بوسائل خفية (اقتصادية بعيده عن العين) الذات القومية أيضاً من حيث أنه شل عملية بناء وتطور اقتصادات وطنية لها استقلاليتها، بعد أن عمل خلال مرحلة الاستعمار الأول على ضرب أسس عملية الإنتاج الداخلية وتفكيكها وربطها بعملية الإنتاج في البلد المستعمر وفق مقتضيات وحركة تطور هذه الأخيرة، فعملية الإنتاج الداخلية في البلد المحرر وجدت نفسها وقد فقدت بفعل ذلك منطقها الذاتي ولم تعد مفهومة أو حتى ممكنة إلا في ارتباطها مع عملية الإنتاج في البلد المستعمر. نقول إن هذا الوضع الذي سمي استعماراً جديداً (اقتصادياً) نفخ الروح مجدداً في مفهوم الوطنية كما ذكرنا، ذلك لأن مهمة بناء الاقتصاد الوطني المستقل بدت آنذاك للفكر السياسي مهمة ممكنة، وقد كان من شأن هذه المهمة أن تملأ الفراغ الذي أحدثه في مفهوم الوطنية خروج الجيوش المستعمرة. ولكنها مهمة لم تكن بوضوح مهمة التحرير الأولى. إذ لا وجود لعدو محدد ولا لوسيلة محددة، وهذا ألقى على الفكر السياسي والاقتصادي عبئاً قصّر، لعلّة ما، عن القيام به إلى حد كبير. الأمر الذي شوش توزع المواقع السياسية ووسم مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي بالصراعات والتوترات السياسية التي كانت تحسم حين تحسم لصالح شكل حكم ديكتاتوري عنيف، أعاد بصورة أخرى "داخلية" الاستعمار دورته الأولى (قمع سافر ونهب مباشر وتحويل القيمة المنهوبة إلى الخارج).

الآن وبعد أن فرض الواقع سحب مهمة بناء الاقتصاد المستقل من التداول السياسي، بات مفهوم الوطنية متعطشاً للمحتوى وقد غدا هيكلاً لغوياً يجد سنده الأقوى في المشاعر. والمفارقة التي نشهدها هي ارتفاع صوت الوطنية المشاعرية، أقصد الوطنية كتعبير عن الانتماء، بالتوازي مع انهيار الأسس الواقعية لنصرة هذه المشاعر، وهو ما يغذي أشكال الرفض الشديد "الانتحاري" الذي نشهده.

يدفعنا هذا إلى تأمل خطوط المواجهة في عالم اليوم. إذا تأملنا الوضع في العراق اليوم كمثال نجد أن ما يميز المواجهة مع الجيوش المستعمرة هو، في قسمه الأهم، أولاً استنادها إلى الدين كامتداد لحالة حرب عامة أوسع تتخذ شكل حرب بين ثقافتين/انتمائين وليس إلى الوطن بحصر المعنى؛ وثانياً، وهو ما ينبع من البند الأول، كون القيادة في هذه المواجهة من خارج العراق، وغياب قيادة وطنية عراقية واضحة. الحالة مشابهة في أفغانستان.

في لبنان أيضاً المقاومة التي حررت لبنان اسمها المقاومة الإسلامية وليس الوطنية وامتدادها الإسلامي فوق الوطني واضح.

خط الصراع اليوم يتجاوز بوضوح الحدود السياسية ويعبر الدول، في تطور يتبع انقسام العالم سياسياً إلى نسق الدول العالمية التي تشكل مجتمعة معسكراً موحداً ضد "دواخلها"، وبين هذه "الدواخل" التي تشكل معسكراً مفتتاً لأسباب عديدة أهمها:

         الحدود السياسية التي تجزئ العمل السياسي العالمي إلى ساحات مختلفة.

    ارتكاز المواجهة إلى الانتماءات الثقافية/الدينية التي تضرب الوحدة داخل معسكر توحده مصالحة وهمومه ولكن تفرقه انتماءاته الثقافية والدينية.

         كون المواجهة تفتقد إلى البديل السياسي الاقتصادي الواضح.

خلاصة القول إن العالم ينقسم إلى موقع سياسي يمثله نسق الدول العالمية التي تشكل مجتمعة ما يشكل دولة عالمية، وموقع مواجه تمثله الشعوب والحركات السياسية وغير السياسية المناهضة للنظام العالمي الحالي. وإن هذا الانقسام يحيل مفهوم الوطنية السياسي إلى التقاعد ويستبدله بانتماءات أوسع تتجاوز الحدود السياسية وتعبر الدول؛ ويحيل موضوع السيادة الوطنية إلى مجال لتقاسم السلطة بين الدولة "الوطنية" والدولة العالمية.