ندوة العرب وأميركا

سلامة كيلة

 

أدار الحوار :د.أحمد برقاوي

 

عقد مركز الغد العربي ورشة حوارية تناولت طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الوطن العربي، من حيث الأسس المكوّنة لها، والرؤية التي تطرحها تحت مسمّى "الشرق الأوسط الموسّع". حيث قدّم الأستاذ سلامة كيلة ورقة عمل حول الموضوع، وزعت مسبقاً، وبالتالي كانت أرضية نقاش فني شارك فيه العديد من الأساتذة الجامعيين والكتّاب، المعنيين والمهتمين، وتوصلت إلى استنتاجات عامة.

نأمل أن نكون قدّمنا ما يفيد في توضيح الاستراتيجية التي تتبعها الدولة الأمريكية، من أجل التأكيد على ضرورة التصدي لهذه الاستراتيجية المدمّرة، حيث بتنا نواجه احتلالاً جديداً، وأخطار التفكك والحروب الطائفية، والفوضى، والنهب الإمبريالي، الأمر الذي يفرض استنهاض حركة التحرّر القومي العربية.

  الدولة الأميركية والسياسة الإمبريالية في الوطن العربي

سلامة كيلة

منذ الحرب الأميركية الأولى على العراق سنة 1991، بدا أن الوطن العربي بات في مرمى الاستهداف الأميركي، وأيضاً الأوروبي/ الياباني، رغم أن مطامح أميركا كانت تشير إلى أنها تميل إلى استخدام القوّة من أجل فرض سيطرة فعلية، بينما سار الأوروبيون في مسار برشلونة الأورو متوسطي القائم على الشراكة. وبعد الحادي عشر من أيلول سنة 2001، أصبح الاستهداف الأميركي محتّماً، لهذا جرى احتلال العراق بعد أفغانستان، وباتت كل المنطقة مهدَّدة بالتغيير عبر التدخُّل.

هذا الوضع يطرح السؤال: لماذا؟ ويفرض التساؤل عن المبرِّرات والأهداف؟

يمكن أن نشير أوّلاً إلى السياسة التي اتّبعتها الدولة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة، وبالتالي تحديد أسبابها والدوافع التي فرضتها، لكي يكون البحث في سياستها فيما باتت تسميه الشرق الأوسط الوسع محكوماً لمنطق سياستها العامة، حيث سنلمس المركزية التي يحتلُّها الشرق الأوسط الأوسع في إطار السياسة الأميركية.

 

سياسة أميركا بعد الحرب الباردة:

منذ بدء انهيار المنظومة الاشتراكية، وخلال الحرب الأولى على العراق، أوضح جورج بوش الأب أنه يعمل على تأسيس نظام عالميّ جديد. وكان واضحاً أن انهيار المنظومة التي كانت تشكِّل نقيضاً للرأسمالية، والقوّة التي تشكِّل رادعاً، سوف يقود إلى إعادة رسم السياسات الإمبريالية، من منطلق أن العالم بات مفتوحاً أمام التوسّع الرأسمالي، وأن التفوّق الرأسمالي يسمح بصياغة للعالم تصبُّ في مصالح الرأسمالية ذاتها. لكن الدولة الأميركية كانت تؤسِّس سياسة مستقلة، متعارضة مع الرأسماليات الأخرى. ولقد دفعت إلى القول بأمركة العالم بدل عولمته، التي كانت تعني سيطرة رأسمالية على العالم في إطار توافق بين المراكز (أميركا، أوروبا، اليابان). لهذا كانت الدولة الأميركية هي الفاعل الأوّل في السنوات الخمسة عشر التي انقضت.

يمكن هنا أن نشير إلى الإطار العام للسياسات الأميركية طيلة هذه المدّة، والتي يمكن تكثيفها في التالي:

* الميل إلى الحرب والاحتلال، وهي سمة كانت قد تراجعت في السياسة الأميركية بعد هزيمة فيتنام، رغم التدخّلات في أميركا اللاتينية (غزو غرينادا)، والاعتداء على ليبيا. لكن بدء انهيار المنظومة الاشتراكية سنة 1989، سمح بتوسيع الحرب الأميركية، وتصعيد التدخّل العسكري إلى الحدّ الذي شكّل ما يشبه الحرب العالمية. منذ الحرب الأولى على العراق سنة 1991، وحرب البوسنة (1995) ثم كوسوفو - 1999)، واحتلال أفغانستان (2001)، وبالتالي احتلال العراق سنة 2003.

إضافة إلى الهجمات الخاطفة في الصومال وكولومبيا وإندونيسيا والعراق سنة 1998، وهايتي حيث جرى تغيير الرئيس بالقوّة الأميركية.

وفي إطار هذا الميل للحرب جاءت الحرب على الإرهاب، التي كانت تتضمَّن تغيير الدول المارقة، وهي الدول التي سعت خلال الحرب الباردة إلى تحقيق الاستقلال والتطوّر، ووُضعت في خانة المنظومة الاشتراكية (كوبا، كوريا، إيران، العراق، سوريا، ليبيا، يوغوسلافيا،...)، والتي تحدَّدت فيما بعد في محور الشر الذي بات هو مجال الاستهداف الأوّل منذ الحادي عشر من أيلول، ورغم أن هذا المحور شمل كل من العراق وإيران وكوريا الشمالية، لكنه كان الاسم البديل ل الدول المارقة، لهذا كانت كلها تدخل مجال الاستهداف. وإن كان للاستهداف أشكال متعدِّدة وفق وضع كل دولة، كما تقرَّر لدى الإدارة الأميركية بعد الحادي عشر من أيلول.

* الميل للتفرُّد في إطار السياسة العالمية: فقد بدا أن الدولة الأميركية هي التي تمسك بزمام المبادرة، بغض النظر عن آراء حلفائها، كما بغض النظر عن قرارات الأمم المتّحدة التي بدا أنها باتت من ماضي الحرب الباردة، الأمر الذي أظهر أن الإدارة الأميركية تسعى لتجاوزها أو تهميشها. رغم أن الصراعات كانت تفرض عليها العودة إلى الأمم المتّحدة، لكن حينما يكون ذلك مفيداً للسياسة الأميركية.

لقد اتّخذت الإدارة الأميركية قرار الحرب في يوغوسلافيا السابقة وحدها، وفرضت على الرأسماليات الأوروبية اللحاق بها في ذلك. وهي في أفغانستان قرَّرت الحرب واختارت الحلف الذي تريد، انطلاقاً من مبدأ جديد أدخلته عنصراً في سياستها الخارجية، يقوم على أن الهدف هو الذي يحدِّد التحالف وليس العكس، متجاوزة بالتالي إمكانية صوغ تحالفات ثابتة. وفي العراق قرَّرت الحرب (بالتوافق مع بريطانيا) رغماً عن معارضة الرأسماليات الأوروبية والمعارضة العالمية الواسعة.

بمعنى أن الدولة الأميركية باتت تتصرَّف كقطب أوحد، معتمدة على تفوّقها العسكري المطلق، ومنطلقة بالتالي- من مصلحة الشركات الاحتكارية الأميركية، ومن وضع الاقتصاد الأميركي. دون حسابٍ لمصالح الرأسماليات الأخرى، والذي سيبدو أنه على حسابها كذلك. لقد باتت تميل إلى فرض رأيها ورؤيتها، متسلِّحة بتفوّقها ذاك. ومعتبرة أن من حقِّها ذلك.

* ولقد قامت رؤيتها لصياغة النظام العالمي الجديد، انطلاقاً من المبادئ الآتية:

* هناك مصالح لأميركا في العالم يجب حمايتها، وهي أوّلاً النفط الذي بات يُعتبر مصلحة قومية أميركية، وإذا كان مبدأ كارتر الصادر سنة 1980، والذي يعتبر أن الخليج هو مصلحة قومية أميركية، فقد بات كل النفط العالمي يندرج تحت هذا المبدأ، من نفط بحر قزوين إلى نفط أفريقيا، مروراً بالنفط العربي.

وهي ثانياً مصالح الشركات الأميركية في فتح الأسواق، وبالتالي بناء مناخ أمني دولي مؤاتٍ لتلك المصالح.

وفي هذا الوضع كانت تتّحد احتكارات النفط والمجمَّع الصناعي العسكري، والشركات متعدية القومية، لدعم التوسّع العسكري الأميركي.

* إن الوضع الجديد يفرض تغيير النظر السياسي في العديد من المبادئ والقوانين التي حكمت النظام العالمي منذ معاهدة وستفاليا الموقّعة سنة 1648، كما أشار هنري كيسنجر قبل الحادي عشر من أيلول سنة 2001. والذي كان يقوم على مبدأ عدم التدخّل ورفض تغيير الأنظمة بالقوّة الخارجية وتقرير المصير. للتأكيد على نهاية عصر مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، والاستقلال وسيادة الدولة القومية. ونهاية عصر عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للأمم، وبالتالي رفض تغيير الأنظمة من الخارج بالقوّة. ونهاية حق الدول في السيطرة على مواردها (و أساسها النفط)، وحق حماية اقتصادها الوطني.

بمعنى أن النظام العالمي الذي تفرضه الدولة الأميركية، بات يشرعن التدخّل والقوّة والاحتلال، وينهي حق الحرية للأمم الأخرى.

* إقرار مبدأ الحرب الاستباقيّة ضمن إستراتيجية أميركا للقرن الواحد والعشرين، وهي الإستراتيجيّة التي تقوم على غزو الدول الأخرى تحت شعار احتمال أن تشكِّل خطراً على أمن الولايات المتّحدة. والخطر هنا لا يطال القوّة العسكرية فقط، بل يطال الاقتصاد كذلك، بما في ذلك خطر حظر النفط. وهذا ما يؤسِّس لإمكانات تدخّل متعدِّدة، تقرِّرها الدولة الأميركية أو تشير إليها الشركات الاحتكارية. حيث أن قوّة الولايات المتّحدة نابعة من قوّة اقتصادها، وبالتالي فإن مصلحة الشركات هي التي ترسم المصلحة القومية الأميركية، وهي التي تفرض المناخ الأمني الدولي المؤاتي لها.

* إن بناء المناخ الدولي المناسب للمصالح القومية الأميركية، فرض توسيع التواجد العسكري الأميركي في العالم، وزيادة عدد الجنود المنتشرين خارج أميركا والذي بلغ ما يقرب من نصف مليون جندي. كما ازدادت الميزانية الحربية إلى أكثر من 400 مليار دولار، وهو ما يشكِّل سدس الميزانية التي تعاني من عجز مستفحل (إضافة إلى الزيادات المتكرِّرة التي تفرضها الحرب في أفغانستان والعراق)، ليشكّل الإنفاق العسكري الأميركي 40% من الإنفاق العالمي. ولتكون الصناعات العسكرية محرِّك أساسيٌّ في الاقتصاد الأميركي، ولتكون أميركا هي الأولى في مبيعات الأسلحة، وبرقم أكبر من كل المبيعات العالمية. إن المصالح القومية تفرض حراستها، لهذا ينتشر الجيش الأميركي في كل أصقاع العالم.

* ولقد حكم كل ذلك إطار أيديولوجيّ، هو في الغالب يعبّر عن اتجاه قويّ في أميركا، يقوم على مبدأ أن لأميركا رسالة تهدف إلى نشر الحرية والقيم الديمقراطية في العالم. وهي رسالة من الله وفق ما صرّح الرئيس بوش، ومن التاريخ كما صرّح هو أيضاً. إنها رسالة قداسة، وهبها الله لأميركا. وهذا ما أنتج تعابير: الخير والشر، وفرض قَسم العالم إلى: مع، أو ضد.

 

* لهذا باتت الدولة الأميركية تعمل على تأسيس إمبراطورية عالمية، تحكمها بشكل دكتاتوري كما دعا هنري كيسنجر قبل الحادي عشر من أيلول. حيث أن تشابك الاقتصاد العالمي، والأزمات التي يشهدها، تفرض ذلك. والخشية هنا أن تؤدي هزّة جديدة في أسواق المال في جنوب شرق آسيا أو روسيا أو أميركا اللاتينية إلى انهيار الاقتصاد الأميركي كما أشار. الأمر الذي يفرض تحكُّم أميركا بآليات النظام العالمي، وإخضاعها لسيطرة محكمة، تمنع انعكاس الأزمات العالمية على الاقتصاد الأميركي. كما تبقيه الاقتصاد المسيطر دون منافس.

* لهذا سنلمس بأن الهدف الأميركي، كما يبدو، هو السيطرة على حقول النفط، كما على الأسواق، والتحكُّم بكليّة النمط الرأسمالي، من أجل أن تتكرَّس أميركا كقوّة اقتصادية أولى بعد أ، غدت مهدَّدة من قِبل الرأسماليات الأخرى. وتتكرّس الشركات الاحتكارية الأميركية في رأس الشركات العالمية. وليصبّ كل التراكم الرأسمالي في نيويورك. ويبقى الدولار هو العملة العالمية الوحيدة.

 

 

أساس هذه الرؤية:

لماذا هذا الشكل للنظام العالمي؟ لماذا التفرُّد والاحتلال والسيطرة المباشرة؟

أشرت إلى أن رؤية أميركا ودعوتها لتأسيس النظام العالمي الجديد، قد تبلورتا لحظة انهيار المنظومة الاشتراكية. وإذا كان الانهيار يشير إلى فشل الاشتراكية كما بات يتردَّد منذئذ، فما هو وضع الرأسمالية ساعتئذ؟ حيث أن الرؤية نتجت عن هذا الوضع بالتحديد. ولاشكّ في أن ذاك الانهيار أفضى إلى انهيار التوازن الدولي الذي سمح لكتلة كبيرة من دول الجنوب أن تستقلَّ، وتحاول تحقيق التطوّر. حيث بدت الرأسمالية ملجومة أمام مدّ التحرُّر الوطني، وانتشار الاشتراكية. وكان انهيار التوازن الدولي لحظة مهمة للرأسمالية لكي تتوسّع بالعودة إلى آليات الرأسمالية الحرّة، وبالتالي بالعودة إلى أساليب كان وجود المنظومة الاشتراكية يمنعها، منها الاحتلال واستخدام القوّة، وفرض الليبرالية الجديدة كآليات وحيدة في الاقتصاد العالمي. وكذلك العودة إلى النهب (أو التراكم الأوّلي) كآلية رأسمالية، لتبدو أنها ملازمة للرأسمالية وليست المرحلة الأولى في نشوئها كما يشير ديفيد هارفي، وربما كانت هي التي تستدعي الحرب والاحتلال.

وهذا ما أسَّست الرأسماليات عليه رؤيتها العامة، التي تقوم على تعميم اقتصاد السوق، والتقليص الكامل لدور الدولة الاقتصادي، وتعميم قانون الشركات الاحتكارية الإمبريالية، في إطار السياسة التي باتت تسمّى: العولمة.

لكن، لماذا الميل الأميركي للاستفراد والحرب بهذه الطريقة التي تُظهر وكأن الدولة الأميركية تسعى لفرض سلطة عالمية واحدة، تُخضع فيها الجنوب المتخلّف والأمم الرأسمالية الأخرى كذلك، وهو ما أسميناه تأسيس إمبراطورية عالمية؟

بمعنى لماذا شذّت عن الرأسماليات الأخرى، وبدا أنها تسعى لقضم العالم؟

كل المؤشِّرات كانت تقول بأن أميركا تسير نحو الانحدار. وهذه هي فكرة بول كنيدي التي كتبها نهاية ثمانينات القرن العشرين، والتي أشعلت حواراً أسّس لتبلور الرؤية التي رسمنا خطوطها منذ البدء. وهي المؤشِّرات التي كانت تقوم إلى النقاش حول الدولة الرأسمالية التي ستقود بعد أميركا (ليستر ثارو). ولقد ظهرت مؤشّرات التراجع الاقتصادي في ثلاثة عناصر، هي: العجز في الميزان التجاري (و لقد وصل العام الفائت إلى 650 مليار دولار)، والعجز في الميزانية، والمديونية المرتفعة (و لقد وصلت إلى ما يقارب الخمسة تريليون دولار). وكان ذلك يشير إلى اختلال موقع أميركا الاقتصادي، الذي نتج عن تطوّر قدرة الرأسماليات الأخرى، وتحوّلها إلى منافس قويّ. وبالتالي باتت الصناعات الأميركية مهدّدة في كل شيء من المنسوجات إلى الإلكترونيات (حسب كنيدي).

بمعنى أن وضع الشركات الأميركية كان حرجاً، ولقد شهدت انهيار أسواق الأسهم سنة 1987 (ما أسمي الأحد الأسود)، الذي أدى إلى حدوث إفلاسات في هذه الشركات، وفرض الميل للاندماج كحلٍّ إنقاظيّ. ولقد استمرّت أزمة الركود الطويل التي بدأت منذ بداية سبعينات القرن العشرين، وتعمّقت، دون أن تجد متنفّساً يسمح بتجاوزها. حيث كانت الشركات تعاني من ضعف الإستهلاك، و من المنافسة محلياً، وكذلك من المنافسة في السوق العالمي. وكان الاقتصاد يشهد حالة جديدة من الأزمات تمثّلت في اجتماع الركود مع التضخّم (و هو ما بات يُطلق عليه: الركود التضخّمي). و أدى إلى تصاعد أزمة الشركات منذ نهاية تسعينات القرن العشرين، وانهيار العديد منها (أنرون، وولركوم،..) واندماج شركات أخرى لتخفيض الخسارة والتخلّص من العمالة الزائدة، وبالتالي إعادة ترتيب وضعها المالي.

كما كانت عجلة الاقتصاد العالمي تقود إلى زيادة الطلب على النفط، في الوقت الذي كانت فيه حاجة أميركا إلى النفط في تزايد نتيجة تراجع إنتاجها النفطي. و لقد بلغت حاجتها هذا العام 20.5 مليون برميل، تستورد 58% منها من السوق العالمي. و تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أنه سنة 2004 كانت الحاجة العالمية للنفط 82 مليون برميل، سترتفع سنة 2010 إلى 90 مليون، و إلى 120 مليون سنة 2030، تذهب كتلتها الأكبر إلى البلدان الرأسمالية. في وضع يشهد ضعفاً في إمكانيات الإنتاج، حيث يتلاشى في العديد من المناطق (منها أميركا)، لتبقى منطقة الشرق الأوسط الكبير هي الخزّان القابل للزيادة كما للاستمرار.

و ضعف الاقتصاد الأميركي كان ينعكس على الدولار، الذي كان منذ أن فُكّ ارتباطه بالذهب وفق إتفاقات بروتون وودز بداية سبعينات القرن العشرين، هو العملة العالمية. حيث كانت تُطبع الأوراق النقدية لسوق عالمي، و دون رصيد. و بالتالي تراكمت كميّة النقد إلى الحد الذي بات يهدِّد بانهيار الدولار، كأيّ سلعة تلقى المنافسة. وتشير الدراسات أن كميّة المطبوع من الدولار بلغت 300 تريليون دولار، وهي تساوي خمسة أو ست أضعاف دورة رأس المال (المقدّرة ب 30 تريليون دولار). زاد في الأزمة دخول اليورو مجال الاستخدام بداية سنة 2002. الأمر الذي فرض تخفيض سعره، و الميل للعمل بالدولار الضعيف بدل الدولار القوي، ذاك الشعار الذي استمرّ طويلاً.

إذن، لقد انهارت المنظومة الاشتراكية و أميركا في أزمة. لهذا جاءت الرؤية الأميركية لـالنظام العالمي الجديد، لكي تسهم في تجاوزها أزمتها، و بقائها القوّة الاقتصادية المسيطرة عبر استخدام القوّة العسكرية المتفوّقة. و كان ذلك يعني:

1) التحكّم بالنفط العالمي من أجل استمرار حصولها عليه، و التحكّم بحصص الرأسماليات الأخرى. و هذا شكل من أشكال الضغط، و التحكّم بأسعار السلع المنتجة من قِبل تلك الرأسماليات.

2) السيطرة على الأسواق و احتكارها، من أجل زيادة الصادرات من جهة، و تقليص صادرات الرأسماليات الأخرى من جهة ثانية.

3) ضمان استمرار الدولار عملة عالمية.

ولتحقيق ذلك نشأ الميل لتشكيل إمبراطورية عالمية، تتحكّم الدولة الأميركية بها، و تكون مرعى للشركات الاحتكارية. و إذا كانت تتفاعل مع الرأسماليات الأخرى، و تقدّم لها بعض التنازلات، و تتناقض مها أحياناً أخرى، لكنها تميل إلى أن صيغة أخرى للعلاقة بين الرأسماليات يجب أن تقوم لكي تظلّ القوّة الاقتصادية المسيطرة. و هي تفعل كل ذلك في ظلّ تشابك هائل بين الرأسماليات، و تداخل كبير في الرأسمال. حيث أن 43% من استثمارات الشركات الأميركية توظّف في أوروبا، و 45% من الاستثمارات الأوروبية توظّف في أميركا. و حيث أن الاستثمارات الأميركية في أوروبا بلغت سنة 2002 ما مقداره 650 مليار دولار، كما بلغت الاستثمارات الأوروبية في أميركا 900مليار دولار.

بمعنى أن الصراع يجري في إطار التشابك، و من أجل هيمنة طرف على آخر (أي هيمنة أميركا على أوروبا). رغم أن الحرب، وكذلك النهب و الإفقار و التهميش يطال شعوب الجنوب. و بالتالي فإن المسألة هنا تتمثّل في أن الرأسمالية الأميركية تسعى لأن تحكم الهيمنة على الرأسماليات الأخرى، لإعادة تأسيس الرأسمالية و إخراجها من أزمتها. كما أنها تعيد صياغة آليات الهيمنة على شعوب الجنوب، بما يعزِّز النهب و اللاتكافؤ والتخلّف.  

وضع المنطقة العربية:

إذا كانت الرؤية الأميركية تطال العالم، و تستهدف الرأسماليات الأخرى (الأوروبية/ اليابانية)، و كل شعوب الجنوب، فإن المنطقة الممتدّة من أواسط آسيا إلى المغرب، و التي باتت الإدارة الأميركية تُطلق عليها: الشرق الأوسط الموسّع (تجاوزاً للشرق الأوسط القديم الذي كان يشمل بلاد الشام و مصر، و ربما أيضاً العراق و السودان)، تبدو أنها مجال اهتمام عالٍ في هذه الرؤية. و لهذا بات مشروع الشرق الأوسط الموسّع هو محور تلك الرؤية، من أجل تحقيق الأهداف التي تتضمّنها.

إنه القوس الذي يقسم العالم القديم إلى إثنين: الشمال حيث أوراسيا، و الجنوب حيث أفريقيا جنوب الصحراء، و الهند و جنوب شرق آسيا. و يبدو أن الدولة الأميركية تقوم بعملية فصلٍ عبر استقرارها في هذا القوس، يوحي إستراتيجيّاً أنها تقوم بفرض الحصار على أوراسيا و تهديد الهند و الصين من الجهة المقابلة.

إذن، ليس من الممكن أن نشير إلى الوطن العربي الآن دون أن نشير إلى هذا القوس، لأنه بات يشكِّل منطقة واحدة ضمن الإطار الإستراتيجي الأميركي، لأنه مصلحة قومية أميركية. و ربما تكون الحاجة إلى تحديد هذه المصلحة مسألة نافلة، لأنها ساطعة الوضوح، على الأقل في المستوى الاقتصادي المتعلِّق بالنفط. فهذه المنطقة تتضمّن الكتلة الأساسية من النفط العالمي و من احتياطيّه كذلك. من نفط الخليج و نفط بحر قزوين، نفط ليبيا و الجزائر، و بدرجة أقل نفط السودان و مصر و سوريا. و بالتالي فهو خزّان النفط الضروري للولايات المتّحدة، سواء من أجل تأمين حاجتها المتزايدة، أو من أجل مسك خيوط الاقتصاد العالمي عبر التحكّم بمصادر الطاقة الضرورية لكل من أوروبا و اليابان و الصين.

وإذا كانت أميركا تستورد أكثر مما تصدِّر، و بالتالي تعاني من عجز في الميزان التجاري كما أسلفنا، فإن هذه المنطقة تشكِّل سوقاً هائلة للسلع الأميركية، خصوصاً و أنها غنيّة بالنفط، و بالتالي قادرة على الاستيراد (واستيراد الأسلحة مثال مهمّ في هذا المجال، حيث دفعت دول الخليج خلال العقدين الماضيين عشرات مليارات الدولارات ثمن أسلحة لم تستخدم). و هنا سنلمس أن الدولة الأميركية تميل إلى أن تحتكر هذا السوق الذي يتكوّن من 300 مليون عربي، و ربما عدد مقارب في باقي هذا الشرق الأوسط الموسّع. بمعنى أنها تعمل على أن تُخرج الرأسماليات الأخرى من هذا السوق الهائل، و أن يكون سوقاً مستورداً لسلعها دون الرأسماليات الأخرى.

إن النفط و الأسواق هما عنصرا إغراء في هذه المنطقة، لكن المسألة لا تتعلّق بذلك فقط، حيث أن بناء المناخ الأمني يفرض كذلك التحكّم بكل المناطق الإستراتيجية الضرورية للحفاظ على هاتين المصلحتين. و إذا كان الوجود العسكري في الخليج ضرورياً لحماية المصلحة القومية التي هي النفط، فإن الحاجة إلى السيطرة على النفط تفرض توسيع التواجد العسكري، و إقامة القواعد العسكرية في مناطق عديدة أخرى (منها الجزائر حيث أقيمت قاعدة عسكرية، و ليبيا حيث يجري البحث في إقامة قاعدة بحرية ضخمة، وربما السودان. و أيضاً بات للدولة الأميركية قواعد عسكرية في دول آسيا الوسطى). و لعلّ احتلال أفغانستان هو جزء من هذه الإستراتيجية العسكرية، حيث أنها المركز الذي يسمح للقوات الأميركية تهديد الصين و الهند و روسيا (عبر التواجد في دول آسيا الوسطى كذلك).

و هنا يبدو احتلال أفغانستان و كأنه تنفيذ لتنبيه هنري كيسنجر الذي يدعو إلى الخشية من نشوء ما أسماه التكتل الآسيوي، الذي يضمّ روسيا القويّة عسكرياً، و الصين ذات السوق الهائل و الناهضة صناعياً، و الهند التي تتشابه مع الصين من حيث الحجم و التطوّر السريع. إضافة إلى اليابان المتطوّرة صناعياً. فإذا كان مسك النفط هدف بحدِّ ذاته، فإن التواجد العسكري في آسيا الوسطى يهدف إلى ردع التطلعات الشريرة لآسيا نحو التفوّق.

لكن كل هذا الوجود العسكري في هذا القوس، و السيطرة على النفط و الأسواق فيه، يعني أوروبا مباشرة. فإضافة إلى التحكّم بمنابع النفط، و بالتالي التحكّم بالصناعة الأوروبية (و اليابانية)، إن السيطرة على الأسواق تعني تخليص أوروبا من سوقها القريب، وهي خطة لنقل الركود و الكساد إلى أوروبا، و تحويل الميزان التجاري في صالح أميركا. وهذه جزء من اللعبة الأميركية لتأكيد هيمنتها على العالم، وتكريس اقتصادها كاقتصاد مسيطر، ربما إلى الأبد.

إذن، هناك مصالح اقتصادية و إستراتيجية تجعل هذا القوس مهماً للشركات الاحتكارية الأميركية و للدولة الأميركية. و ربما يكون الأهم في إطار الصراع العالمي بين الرأسماليات، رغم أنه صراع لا يبرز في الواجهة، ولا يقود إلى الاحتكاك المباشر بين هذه الرأسماليات. إنه صراع عبر الآخرين، و على أرض الآخرين و بدمهم.

 

 

الجغرافيا السياسية الجديدة:

و لتوفير المناخ الأمني المناسب لمصالحها، تعمل الدولة الأميركية على الصياغة الإستراتيجية لوضع الوطن العربي، التي تعني إعادة تكوين المنطقة بما يمنع تطوّرها، حيث بدا مع تصاعد حركة التحرُّر القومي العربية أن المنطقة تفلت من إطار السيطرة الإمبريالية، و أن ميلها لتحقيق التطوّر ينتصر على التكوين الذي رسمه الاستعمار القديم، و كانت لازالت الإمبريالية تتمسّك به.

وإذا كانت سياسات التكييف الهيكلي التي بدأت في مصر أواسط سبعينات القرن العشرين، مفروضة من قِبل الرأسماليات الإمبريالية، تؤدّي إلى تفكيك و تصفية ما تحقّق من تطوّر عبر نهب القطاع العام و تعريضه لمنافسة غير متكافئة، فإن الحرب على العراق أوضحت أن البنى التحتيّة و الصناعة التي بُنيت هي مستهدفة كذلك. كما أن دعم الأصولية في الجزائر قاد إلى النتيجة ذاتها. وبهذا كانت السياسات الإمبريالية تهدف إلى تدمير كل التطوّر المتحقِّق (رغم تواضعه أحياناً)، من أجل إعادة البنى إلى وضع ما قبل صناعي كما أشار وزير الخارجية الأميركي قبيل الحرب الأولى على العراق. و أعتقد أن لهذا التحديد معنى عميق، يستحقّ التفكير الجاد، كما يستحقّ الملاحظة الحصيفة.

 

كما أن التراكم الرأسمالي (النفطي و غير النفطي) الذي تحقّق خلال عقود، تعرّض لعملية نهب منظّمة منذ الحرب الأولى على العراق (و هذا ما ظهر في وضع الكويت التي باتت مدينة بعد أن كانت تمتلك ما يقارب الـ 670 مليار دولار كاستثمارات في الخارج. ز كذلك السعودية التي باتت تعاني من عجز في ميزانيّتها). و أيضاً نتيجة النهب الداخلي الذي ترافق غالباً مع عمليات الخصخصة، حيث جرى تهريب مئات مليارات الدولارات إلى الخارج (يمكن الإشارة أ، المهرّب من مصر بلغ ما يقارب الـ 200 مليار دولار، و من سوريا ما يقارب ال 150 مليار...).

وبالتالي كانت نهاية الحرب الباردة تشير إلى إعادة صياغة المنطقة العربية، بما يسمح بأن تتكرَّس المصالح الأميركية، المتمثّلة كما أشرنا: بالنفط و الأسواق لتصدير السلع و الرأسمال. والتي تفترض تأكيد السيطرة و التحكُّم بممكنات التطوّر. و انطلاقاً من ذلك يمكن رسم الصيغة التي تبدو و كأنها المطابقة لهذا الغرض:

* ولقد توضّح أن الاحتلال المباشر لم يندثر كما أشيع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، المرحلة التي أُطلق عليها مرحلة تصفية الاستعمار والتحرُّر الوطني. بل أن السياسة الإمبريالية الراهنة تؤكّد العودة إلى الاستعمار. حيث بات العراق محتلاً. و إذا كانت الظروف العالمية لا تسمح (من الزاوية الأخلاقية على الأقل) باستمرار الاحتلال المباشر كما كان في كثير من المستعمرات القديمة، فإن الميل الأميركي يتمثّل في تكريس الاحتلال عبر بناء العديد من القواعد العسكرية (جرى الاتفاق مع شركات بناء لبناء 14 قاعدة ضخمة)، دون التحكّم المباشر بالسياسة. أي كما كان وضع العراق و مصر في ظلّ الاحتلال الإنجليزي. و بالتالي ستكون السلطة الوطنية واجهة السيطرة العسكرية.

لكن هذا الوضع يفرض الإشارة إلى القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج كذلك، التي باتت عنصر تأثير في القرار السياسي كما في القرار الاقتصادي (النفطي خصوصاً). و بالتالي قوّة احتلال في صيغة ما.

لكن الدولة الأميركية تسعى لتوسيع وجودها العسكري في المنطقة المحيطة بالوطن العربي (البحر الأبيض المتوسط، و بحر العرب). و في المنطقة العربية أيضاً. حيث، إضافة إلى الوجود العسكري في الخليج و العراق و مصر، تسعى لبناء قواعد في ليبيا (قاعدة بحرية) و الجزائر (و يقال أنه قد جرى بناؤها)، و ربما السودان و سوريا.

وبهذا يبدو الاحتلال الأميركي كجزءٍ من إستراتيجية تسعى لتكثيف الوجود العسكري، كضمانة أساسية للمصالح القومية الأميركية.

* في هذا الوضع يكون من الطبيعي أن تحدث تغييرات عميقة في النظام الإقليمي العربي، و في الجغرافيا السياسية كذلك. لأن الاحتلال والتواجد العسكري (الذي سيكون في هذا الوضع احتلالاً كذلك)، يفرضان علاقة جديدة بين الدولة الوطنية (أي المحلية) والولايات المتّحدة، و يحدِّدان دور الدولة الوطنية ذاتها، لأن المصالح الأميركية، كما الرؤية الأميركية، سيكون لهما الأولوية.

 

وإذا أخذنا العراق كمثال، سنلحظ أوّلاً أن القرار الاقتصادي لازال بيد البنتاجون (فهو الذي يقرِّر عقود ما يسمّى إعادة الإعمار)، و أن التشكيل السياسي للدولة يتّسم بسمات يمكن تلخيصها بالتالي:

1) لقد جرت إعادة صياغة الدولة بعد تهديمها، على أساس ما قيل قومي، يقوم على التفريق الطائفي و الإثني و الديني. لهذا غدا العراق يتشكَّل من ثلاثة كتل: الشيعة الذين هم الأغلبية، و الأكراد، و السنّة.

2) لقد تحدّدت الفيدرالية كأساس لبناء الدولة الجديدة، لكن مع تحويل خطر في معنى الفيدرالية، بنقلها من تنظيم على أساس إداريّ، إلى تنظيم ينطلق من الأساس الطائفي و الإثني، و بالتالي تحويل العراق إلى ثلاثة كتل سياسية.

3) تأكيد النظام البرلماني، لكن مع تأكيد أن السلطة هي للأغلبية بالمعنى الطائفي و ليس السياسي.

و هذا يعني تأسيس دولة هشّة قابلة للتفكّك، لأنها تقوم على أساس توافق طوائف و إثنيّات متشكّلة ككتل. و بالتالي تأسيس سلطة ضعيفة تخضع لقوّة الوجود العسكري الأميركي، و لهذا ستكون دمية. و يمكن القول أن هذه الممارسة في العراق هي الشكل الأميركي لأنظمة الحكم في المرحلة القادمة، حيث انتفت الحاجة لإعطائها استقلالية كانت تفرضها الحرب الباردة من أجل ضمان تماسك التحالف المناهض للشيوعية.

في هذا الوضع سنلمس أن الروشيتة الأميركية لطبيعة الجغرافيا السياسية الجديدة، تقوم على عددٍ من المبادئ يمكن إجمالها في التالي:

* تجاوز الطابع العربي للدولة، عبر فصل الأرض/ الدولة عن السكان. ويتوضّح ذلك في العراق كبداية، حيث يكون لها طابعها العراقي، لكن مع الإشارة إلى العرب الذين يسكنون فيها كونهم جزء من الأمة العربية. بمعنى أنه ستكون الدولة غير عربية لكن يسكنها عرب. و هذا قابل للتعميم في كل الدول العربية.

* الدولة الفيدرالية، لكن المنطلقة من التقسيم الطائفي و الإثني، و بالتالي قَسْم الدولة إلى كتل طائفية و إثنية. وهو ما يؤشِّر إلى إمكانية تفكّك الدولة و إعادة صياغة الجغرافيا السياسية و فق تقسيم يتجاوز تقسيم سايكس/ بيكو.

* النظام البرلماني الذي يقود إلى حكم الأغلبية، لكن هنا بالمعنى الطائفي و ليس بالمعنى السياسي. وبالتالي تجاوز مبدأ المواطنة و تكريس مبدأ الملل الديني.

* الخطاب الديمقراطي، لكن الذي يؤسِّس لما سبق. حيث سنلمس أنه يتجاهل مبدأ المواطنة، و بالتالي يكرِّس الأغلبية الطائفية، و كل البنى التقليدية القديمة. و هذا هو الأساس الذي جعله يسعى لتكريس الإسلام المعتدل. المتمحور حول الأخلاق و الثقافة، لكن المتعايش مع الليبرالية والتجارة مع الخارج، دون سعي لتحقيق التطوّر الصناعي و الاقتصادي عموماً.

* تعميم الليبرالية كآليات اقتصادية محلية، لكن مع احتكار القرار الاقتصادي لمصلحة الشركات الاحتكارية الأميركية.

وفي هذا الوضع الهش سيكون ممكناً التحكُّم بالأسواق من أجل حرية التبادل مع الولايات المتّحدة، وحرية نشاط الرأسمال الأميركي، لتجاوز التنافس الصعب مع السلع الأوروبية/ اليابانية.

لكن سنلمس أن كل ذلك يوحي بأن الدولة الأميركية تسعى لوضع اليد على النفط، ليس من زاوية الحماية، فهذه متحقِّقة في الخليج منذ سنة 1990، لكن من زاوية إنهاء احتكار الدولة الوطنية الذي تحقّق مع التأميم، و خصخصته لكي يؤول إلى الرأسمال الأميركي. أي يستثمر من قِبل الشركات النفطية الأميركية بالتحديد.

 

وضع الدولة الصهيونية:

لا يمكن أن نشير إلى الصيغة الإستراتيجية الأميركية الهادفة إلى إعادة صياغة المنطقة دون الإشارة إلى وضع الدولة الصهيونية. فالمشروع الصهيوني كان جزءاً من المشروع الإمبريالي منذ البدء، و لقد وُلد كفكرة رأسمالية أوروبية خلال الحرب ضد محمّد علي باشا (1840-1842) قبل أن يتبلور كفكرة صهيونية (1897). و بالتالي كجزء من التصوّر الإستراتيجي الرأسمالي للسيطرة على المنطقة. هذا التصوّر الذي انبنى على: الاحتلال و التقسيم و كبح التطوّر (الصناعي خصوصاً).

والسؤال الذي بات يُطرح بعد احتلال العراق هو: هل انتهى دور الدولة الصهيونية، و بالتالي بات عليها أن تقبل التكيُّف مع المحيط العربي عبر إنهاء الصراع العربي الصهيوني، و تقبل بقيام دولة فلسطينية مستقلّة؟

أظنّ أن الرؤية الأميركية وفق ما أشرت إليها للتو، تفرض دوراً آخر للدولة الصهيونية، لا يستبعد اعتراف النظم العربية بها، على العكس من ذلك فهو يفترضه، حيث يجب القبول غير المشروط بالوجود الصهيوني، و إقامة العلاقات السياسية والاقتصادية معه بلا تحفّظ أو تردُّد، و تسهيل نشاطه في كل الوطن العربي. لكن التورّط العسكري الأميركي في إستراتيجية عالمية يجعل من دور الدولة الصهيونية العسكري في الشرق الأوسط الموسّع، و خصوصاً في الشرق الأوسط الصغير، حاجة أميركية يجب توظيفها و الإفادة منها. فالدولة الصهيونية لم يُفكَّر بها كحلٍّ لمشكلة اليهود المضطهدين في أوروبا، بل جرى التفكير بتحويلها إلى رافعة لتأسيس قوّة تخدم المشروع الإمبريالي، لهذا كانت جزءاً عضويّاً فيه.

وفي إطار الصيغة الإستراتيجية الراهنة ستكون قوّة عسكرية مكمِّلة للوجود العسكري الأميركي، و متناسقة معه كذلك. و بالتالي ستقوم بالمهمات التي ترى الدولة الأميركية أن عليها أن تقوم بها من أجل نجاح السيطرة الإمبريالية الأميركية.

إذن، هل ستلعب دوراً في العراق أمام الضغط الذي يعاني منه الجيش الأميركي؟ هل تشارك فيما إذا تقرَّرت الحرب على إيران بعد التهديدات التي أطلقها أكثر من مسؤول في الدولة الصهيونية حول الخطر النووي الإيراني؟ أو أن دورها سيكون من أجل ترتيب المنطقة الأخيرة التي لازالت دون سلام، و أقصد سوريا و لبنان، المنطقة التي تخصّها مباشرة؟

إذا كانت الدولة الصهيونية قد لعبت دوراً مهماً في مواجهة التحرُّر العربي في حرب سنة 1956 و حرب 1967 و أيضاً في حرب 1982، فإنني أعتقد أن الرؤية الأميركية تجعل للدولة الصهيونية دوراً أساسياً في إعادة صياغة المنطقة، و بالتالي في الحرب التي باتت تُخاض من أجل ذلك. و هذا يفترض توقّع حرب ضد سوريا و لبنان.

وهنا يمكن التأكيد على أن الدولة الصهيونية تتحوّل إلى قوّة إمبريالية تهيمن على محيطها، و تشارك في التكوين النهائي الذي تصيغ الدولة الأميركية المنطقة فيه. حيث ستكون إمبريالية فرعيّة، وربما تتحوّل، ضمن الرؤية تلك، إلى مركز للشركات الاحتكارية الأميركية من أجل إنتاج السلع التي ستُصدَّر إلى الشرق الأوسط الموسّع. ستكون مركزاً لفروع الشركات الأميركية، مستفيدة من التقنيّة العالية في الدولة الصهيونية، ومن اليد العاملة العربية الرخيصة، وكذلك من قرب السوق، و ربما من الرأسمال العربي أيضاً.

بمعنى أن الوجود العسكري الأميركي يتساوق مع تعزيز دور الدولة الصهيونية، و إلى تحوّلها إلى قوّة إمبريالية متّحدة مع الإمبريالية الأميركية. يترافق ذلك مع إضعاف الدولة القطرية العربية و تفكيكها، و المسك بالمصالح الإستراتيجية العربية المتمثّلة بالنفط و الأسواق. و عبر تعزيز النزعات الإثنية و الطائفية و الدينية والمحليّة الذي يقود في المدى الأبعد إلى إعادة صياغة المنطقة ديموغرافياً بما يلغي طابعها العربي، و يشكِّلها في تنوّعٍ متنافر تحت سيطرة التحالف الأميركي الصهيوني.

هذا الوضع هو الذي يكرِّس التخلّف و يعزِّز السيطرة، و بالتالي يقود إلى نجاح الرؤية الأميركية و سيادة مصالح شركاتها الإمبريالية. هل سينجح؟ لقد حاولت أن أوصِّف الرؤية التي تعمل بها الدولة الأميركية. لكن نتائج كل ذلك، أو بعضه في الأكثر، سوف يقود إلى تفاقم الصراع، وتزايد المواجهة.

   

 

مجريات الحوار  

 

د. أحمد برقاوي

أرحب بالمشاركين في الحلقة النقاشية العرب وأمريكا. التي ستتناول استراتيجية السياسة الأمريكية وعلاقتها بالعرب والمنطقة العربية، انطلاقاً من الظروف الراهنة التي تعيشها المنطقة العربية كلها، من خلال هيمنة شديدة للأمريكان في المنطقة، التي وصلت حد الاحتلال المباشر. المركز كلف الأستاذ سلامة كيلة بإعداد ورقة حول الموضوع وزعت مسبقاً.

لدي اقتراح أن يقدم الأخ سلامة موجزاً للأفكار التي من شأنها أن تحض على النقاش حول هذه الموضوعة، مع العلم أن الورقة تمثل وجهة نظر المؤلف، ونحن لدينا وجهات نظر مختلفة حول هذه الورقة.

سلامة كيلة:

حاولت أن أتطرق إلى أربعة قضايا أساسية في الورقة. القضية الأساسية الأولى، تتعلق بتوصيف سياسة أميركا ما بعد نهاية الحرب الباردة، والقضية الثانية تتعلق بالأسباب التي أرى أنها فرضت هذه السياسة، والقضية الثالثة تتعلق بأهمية المنطقة العربية، خصوصاً بعد طرح مشروع الشرق الأوسط الموسع، القضية الرابعة هي رؤيتي لما يمكن أن تكونه السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، طبعاً هذا الموضوع طويل وواسع حاولت في البداية أن أركز على الاتجاهات العامة في السياسة الأمريكية التي تستدعي القول: أن الدولة الأمريكية تسعى لتأسيس نظام إمبراطوري عالمي، وكان يهمني في هذا المدخل الذي يبدو أنه طويل قليلاً، الإشارة إلى الميل العام في السياسة الأمريكية لتناول تمظهرها العملي في المنطقة العربية تحديداً، حيث اعتبرت أنها تبلورت في صيغة ما في استراتيجية الأمن القومي المقرة سنة 2002، والتي قادت عملياً إلى تحولات في رؤية الإدارة الأمريكية للتكوين العالمي، وللعلاقات العالمية، انطلاقاً من مفهوم الحرب الاستباقية، التي أدت عملياً إلى الميل لتغيير الأنظمة بالقوة والحرب، حيث أصبحت كل بقعة نفط في العالم هي مصلحة قومية أميركية، كما بدا من تصريحات ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى السعي للسيطرة على الأسواق.

 

هذه السياسة تطرح السؤال، لماذا الميل للحرب والاحتلال بعد عقود طويلة اعتقدنا فيها أن الحرب والاحتلال والسيطرة على أراضي الآخرين قد انتهت بعد معركة حركة التحرر لتحقيق الاستقلال في العالم؟

إذا كان الخطاب الأيديولوجي الأمريكي يؤكد على أن هدف السياسة الأمريكية هو نشر الحرية وقيم الحضارة، وبالتالي فرض الديمقراطية في العالم، إضافة إلى ملاحقة الإرهاب والإرهابيين، ونقل الحرب إلى مراكز الإرهابيين، فإن مجمل السياسة الأمريكية انبنت على وضع الاقتصاد الأمريكي لحظة انهيار المنظومة الاشتراكية، حيث كان يبدو أن وضع أميركا في إطار المنظومة الرأسمالية ليس في أحسن حالاته، بل على العكس من ذلك كان يتدهور حيث كان الاقتصاد الأمريكي يدخل مرحلة ركود طويلة قادت إلى أزمات انهيار الشركات وإفلاس الكثير منها، الأمر الذي كان يسرّع من عملية الاندماج الاقتصادي فيما بينها، ويفرض البحث عن أسواق وعن إطار تنافسي عالمي مختلف، وعملياً مظاهر الأزمة هذه يلحظها الباحثون في ثلاثة عناصر:

-عنصر عجز الميزان التجاري، وعنصر عجز الميزانية، وعنصر المديونية المرتفعة.

وكان كل ذلك يعبر عن تراجع وضع الاقتصاد الأمريكي في إطار الاقتصاد العالمي، ويشير إلى نشوء قوى تنافسية في أوروبا واليابان بشكل أساسي، وفي اعتقادي هذا هو الأساس الذي أدى إلى إتباع السياسة الهجومية الأمريكية من أجل السيطرة والاحتلال.

من هذا المنطلق نلمس أهمية المنطقة العربية، التي باتت جزءاً من الشرق الأوسط الموسع، فهنا تكمن ثلاثة مسائل جوهرية، أولها النفط، حيث تحتوي المنطقة نسبة هامة من النفط العالمي، ونسبة أكبر من احتياطي النفط العالمي. وثانيها السوق الواسعة المعززة بأموال النفط، بمعنى أنها سوق واسعة للشركات الأمريكية من الضروري السيطرة عليها، وثالثها الوضع الاستراتيجي للمنطقة حيث أنها تحاصر أوروبا من الجنوب والشرق أيضاً، لكنها في وسط آسيا تُعتبر موقعاً مهماً في مواجهة روسيا، والصين، والهند، كما في مواجهة احتمالات تحالف بينها.

من هذا المنطلق حاولت أن أرسم صورة العناصر السياسية الأمريكية، التي تسعى من خلالها لإعادة صياغة المنطقة العربية، انطلاقاً من ما قيل قبل الحرب على العراق، حيث أن الإدارة الأمريكية تسعى للتغيير الجذري لوضع الأنظمة والجغرافيا السياسية للمنطقة، وحاولت أن أنطلق من العراق كمثال في هذا الموضوع، وفق الصيغة التي أعيدت صياغة الدولة العراقية على أساسها، من خلال تكريس العناصر الطائفية الأثنية في العراق، وبلورة الكتل بمعناها الطائفي الأثني، وتأسيس فيدرالية انطلاقاً من هذه الكتل. وبالتالي لتتحول العراق إلى فيدرالية طوائف وأثنيات، وتأكيد نظام برلماني يأتي بأغلبية هي أغلبية طائفية.

هذه الروشيتة الأمريكية هناك ميل لتعميمها على كل المنطقة العربية، إضافة إلى عنصر آخر، ومثال العراق واضح فيها، هو إلغاء الطابع العربي للدولة، من خلال التمييز بين الأرض والسكان، باعتبار العراق دولة عراقية، ولكن فيها سكان عرب مرتبطين بأمتهم العربية. وبالتالي العراق ليس جزءاً من الوطن العربي، لكن هناك في العراق عرب ينتمون إلى الأمة العربية.

هذه العناصر الأساسية التي هناك سعى الأمريكيون لصياغتها انطلاقاً من وجود عسكري أميركي، واحتلال، وانطلاقاً من وجود دولة هشة ومرتبطة تابعة للدولة الأمريكية.

-العنصر الأخير الذي حاولت أن أشير إليه هو وضع الدولة الصهيونية ضمن هذه الاستراتيجية، والتي أعتقد أنه يعكس ما بدأ يُشاع بعد احتلال العراق، بأن دور إسرائيل انتهى ما دامت أميركا قد حضرت بقواتها إلى العراق، أعتقد أن صياغة الشرق الأوسط الموسع تقتضي بأن يكون للدولة الصهيونية دور أساسي،-على الأقل- في المحيط الإقليمي لها. من هذا المنطلق أعتقد أنها ستصبح جزءاً من المشروع الإمبريالي للهيمنة على المنطقة، وجزءاً أساسياً في الدور العملي للسيطرة والتوسع وتحقيق الاستراتيجية الأمريكية.

د. أحمد برقاوي:

تركت الورقة لنا أن نفكر بـ ما العمل؟.. المحور الأخير في النقاش.

د. نبيل سكر:

من الضروري أن نبدأ التحليل، فيما بعد نقول كيف نتعامل مع هذا الوضع، هل التحليل سليم أم لا؟ عندي ملاحظات:.. أنا لا أعتقد أن الاقتصاد الأمريكي كان في وضع انهيار في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، وكان بحاجة إلى عمل جديد، أو غزو أسواق أخرى، أو إعادة إنعاشه من خلال سياسة إمبريالية. لا أعتقد أن الوضع الاقتصادي الأمريكي له علاقة بالتوجه الجديد لأمريكا. أستطيع القول أن السايكل الاقتصادي بأميركا، حيث كل سبعة سنوات يحدث سايكل يبدأ بالركود ثم يتبعه انحدار. هذا السايكل في المجتمعات الرأسمالية موجود، كان شديداً في السابق، الآن هو أقل مما كان عليه، لأنهم عرفوا كيف يتعاملون مع نظام السوق.

كان الاقتصاد الأمريكي يمر بواحدة من السايكلات، ثم يأخذ بمرحلة نمو. أعتقد أن هناك ورقة كُتبت عام 1996 من قبل النيوكونسيرفنت المحافظين الجدد، قالت: نحن في عالم جديد، وهناك قوى جديدة ستظهر في الصين واليابان، وأوروبا، ستصبح كدول كتلة اقتصادية كبيرة في المستقبل، ونحن يجب أن نستبق الأمور ونفرض سيطرتنا على العالم، قبل أن تتطور هذه القوى الناشئة وتصبح مهددة لمصالحنا.

وتحديداً كانوا يتحدثون عن آسيا وعن الصين، وعن أوروبا، وضمن ذلك دعونا نستبق الأمور ونخلق نوعاً من السيطرة والهيمنة الأمريكية على العالم، أعتقد أن هذا هو ما كانوا يشتغلون عليه في مراكز القرار بأمريكا، وهذا منطلق أساسي للسياسة الأمريكية. ومنذ ذلك الوقت بدأوا يتحدثون عن غزو العراق، كجزء من السياسة الأمريكية للمستقبل، وفي جانب آخر يجب أن لا ننسى أن الورقة يجب أن تركز في دراسة دور النيوكونسيرفنت المحافظين الجدد في السياسة الأمريكية، كيف وصلوا إلى مراكز القرار، وما هو دورهم في السياسة الأمريكية؟ لاشك في أن لهم دور أساسي ولقد تركوا أثرهم في السياسة الأمريكية. وحتى بعد أن يتركوا مراكزهم سيبقى لهم بصمات في السياسة الخارجية الأمريكية، وحتى لو جاء الديمقراطيون لن يستطيعوا التخلي أو التراجع عن السياسة التي بدأها بوش، والتي هي سياسة السيطرة، وسياسة الحرب الاستباقية والفوضى البنّاءة. فكل هذه المفاهيم سيطرت على السياسة الأمريكية وسوف تترك تأثيراتها في المستقبل لفترة طويلة، إلى أن تظهر مخاطر هذه السياسة التي بدأنا نشاهدها في العراق... الخ.

أعتقد أنه يجب ألا ننسى دور المحافظين الجدد، ولا خلفياتهم اليهودية الصهيونية، وأعتقد أن المزيد من الناس الذين يعرفون منطقة الشرق الأوسط، يشعرون بأن هناك دور صهيوني في التوجه الأخير للسياسة الأمريكية في المنطقة، وتجسّد ذلك في المحاولات الجارية لتفتيت الدول العربية، وطمس الهوية العربية. العراق كان يشكّل خطراً على إسرائيل أكثر مما كان يشكله على أميركا، وبالتالي كان ضرورياً بالنسبة للإدارة الأمريكية ضرب العراق، وهذا جزء من المنحى الجديد في منطقة الشرق الأوسط، ضرب العراق لأن العراق صار قوة. إذا أردنا النظر للمستقبل فإن أحد الأسباب الممكنة لعيش إسرائيل في المنطقة هو تفتيت هذه المنطقة وإضعافها. فهي تأخذ بعين الاعتبار ضرب كل الأطراف التي من الممكن أن تشكل تهديداً لها، سواء إيران أو العراق ولنقل سوريا. ومن الممكن النظر إلى المخطط الأبعد الذي هو تفتيت المنطقة إلى دويلات، وهذا موجود في البرنامج والأجندة الأمريكية. هذه بعض الملاحظات، حيث أن السيطرة على منابع النفط، هي جزء من السيطرة على العالم. لأن الفكرة تقول بأن الصين سوف تصبح الدولة العظمى خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة، وأن أوروبا سوف تصبح دولة عظمى واحدة موحدة،وبالتالي سوف يكون هناك منافسة على النفط بشكل هائل، وهذا نراه منذ اليوم، الآن أحد أسباب ارتفاع أسعار النفط هو زيادة الطلب على النفط من قبل الصين والدول التي تظهر على الساحة الاقتصادية، ومن هنا نقول بأهمية محاولة السيطرة على منابع النفط.

أما عن سؤال ما العمل فهذا ممكن بحثه فيما بعد.

أعتقد أن المواجهة في المنطقة ما عادت بيننا وبين إسرائيل فقط، وإنما بيننا وبين أمريكا. وبالتالي هل سنتعامل مع أميركا كعدو أم كوسيط؟ هي لم تعد وسيطاً بل قوة تهدّد العالم العربي. إذن كيف نتعامل معها؟ هذا سؤال ليس له جواب عندي.

أ. ميشيل كيلو:

شهدت الولايات المتحدة في فترة التسعينات أهم فترة نمو اقتصادي في عهد كلينتون. وكلنا نتذكر ذلك، حيث الدولة وحجم الإنتاج الاجتماعي كان في ازدياد، البطالة انخفضت، المديونية نزلت إلى الصفر إلى آخره...

لم يكن هناك أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة في التسعينات، بل على العكس كان هناك ازدهار.

وبالتوازي مع هذا التقدم الاقتصادي الكبير حدث الهجوم الأمريكي النوعي الذي نحن الآن نقع في سياقه، والذي ترتب تحديداً على انهيار الاتحاد السوفيتي، بحيث أن هذا الأخير لم يعد موجوداً. القوة النقيضة لم تعد موجودة. وتشكلت فراغات كبرى في العالم مفتوحة أمام الولايات المتحدة، وبات هناك دور عالمي جديد للولايات المتحدة الأمريكية بهدف إعادة ترتيب النظام الدولي، لأحجامه ولقواه ولعلاقته ولطبيعته إلى آخره.. بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تقدمت لتسد هذه الفراغات.. إذا شاهدتم حركتها، حيث دخلت إلى البلقان عام 1993.(إذاً مع هذا النهوض الاقتصادي، دخلت إلى البلقان التي هي منطقة لم يكن للولايات المتحدة أي نفوذ فيها، منطقة بعيدة عنها تقليدياً)، ثم جاء كلينتون إلى وسط أفريقيا عام 1994، زارها في ذلك الوقت، وحدثت مجازر هائلة في رواندا قتل فيها تسعمائة ألف إنسان، والولايات المتحدة منعت العالم من أي تدخل هناك. ثم بدأت سياستها بالانتشار في المناطق الآسيوية التي تفصل الصين عن روسيا. وروسيا عن أوروبا الغربية، وبدأت تُدخلْ في أواسط التسعينات دول أوروبية شرقية سابقة (بولونيا، تشيكوسلوفاكيا، المجر) في حلف الأطلسي. ثم أعلنت بأن صلاحيات الحلف سوف تمتد إلى ما وراء أوروبا، إلى ما وراء النطاق الضيق لمواجهة المعسكر الاشتراكي، وبدأت هذه السياسة التي تهدف إلى فصل القوى السابقة عن بعضها، فصل قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية عن قوة أوروبا الاقتصادية، التي يمكن إذا ما تجمعتا في البيت الأوروبي (وهذا ما تحدّث عنه غورباتشوف) أن تؤدي إلى كتلة دولية موازية للولايات المتحدة الأمريكية، وبين الصين والهند. (في سياق هذا المخطط أصبح للوطن العربي أهمية مركزية حاسمة، صار الإمساك بالوطن العربي يعني الإمساك بالمجال الأوراسي كله. خاصة بعد انفتاح العديد من خطوطه. حيث أصبحت البلقان بأيديهم، وكذلك تركيا تاريخياً، وأيضاً الحلف الأطلسي والدول التي دخلته حديثاً التي هي أوروبا الجديدة كما أسماها رامسفيلد، والتي لعبت دورها ووظيفتها في إبعاد روسيا، عن أوروبا الغربية وأوروبا الغربية عن روسيا. والتي أثمرت خلافات كبيرة داخل أوروبا الغربية، بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم دخلت الولايات المتحدة الأمريكية على آسيا من أعرض الأبواب، على آسيا السوفيتية السابقة، وبذلت جهداً كبيراً لأن تمسك بحقلي النفط الأساسيين: في الخليج، ثم في بلدان روسيا الإسلامية السابقة بحر قزوين.

وكان واضحاً أنه على هذا الطريق وفي هذه المحاور يحتل الوطن العربي أهمية مركزية، يجب أن تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية عليه، ومنذ عام 1970 بدأت، بإنجاز أبحاث ودراسات لاستراتيجيين ومفكرين توصلت إلى أن: من يمسك بالوطن العربي يمسك بالمجال الأوراسي، وعلى الولايات المتحدة أن تمسك بالوطن العربي لأنها أول قوة مهددة بأن تكون إذا ما عجزت عن الإمساك فيه (في سياق سياسة الانتشار في العالم)، أقصر إمبراطوريات التاريخ عمراً، وهذا يقود إلى عجزها وانهيارها الخ..

هذا ما كان فعلياً وراء هذه السياسة، ولعب دوراً كبيراً في السياسة الهجومية: إزدهار اقتصادي كبير، فراغ عالمي يستدعي دور أميركي، عدم وجود قوة عالمية مكافئة أو موازية أو مناقضة تستطيع أن تلعب دوراً معاكساً، حيث لا أوروبا لديها قرار سياسي واحد، وليس لديها جيش واحد، ولا انتشار عالمي واحد ولا أيديولوجيا عالمية تنشر ثقافة يومية سائدة في العالم مثلما تفعل الثقافة الأمريكية، أي ليس لديها القوة العسكرية ولا التقدم التقني. علماً بأن الولايات المتحدة الأمريكية اشتغلت طيلة الوقت منذ السبعينات على وجود اقتصاديين أمريكيين في العالم: اقتصاد أميركي داخل الولايات المتحدة، وآخر خارج الولايات المتحدة الأمريكية قام على حجم هائل من الاستثمارات، ومن نقل الشركات إلى الخارج، ومن الاقتصاد الرمزي، ومن اقتصاد الخدمات إلى آخره.

أعتقد أن المنطقة العربية وقعت في هذا السياق، وكان يجب أن يمسك بها، لأن الإمساك بها، كما قال أكثر من استراتيجي أميركي، ضروري للتحكم في المجال الأوراسي كله. لضبط تناقضاته وضبط حركته، للتحكم بعناصره وقواه ودوله، التي مرشحة كلها إذا التقت مع بعضها: روسيا والصين، الصين وأوروبا، الصين وأوروبا وروسيا.. الخ، أن تغير توازنات العالم. إذاً انطلاقاً من هذه المنطقة سوف يتم الإمساك في العالم وتوازاناته، وبالتالي كان يجب أن تدخل الولايات المتحدة إلى هذه المنطقة.

إذا كنتم تتذكرون بأن سياسة كلينتون انقسمت إلى قسمين أساسيين، من 1992-1993، كان يتحدث عن قوة مزدوجة يجب أن تتعاون مع بعضها في العالم هي الولايات المتحدة والأمم المتحدة، بدءاً من آخر 1993 بدأ كلام الانفراد الأمريكي، حيث لم تعد الولايات المتحدة تحتاج الأمم المتحدة، بدأت تعطلها، كما عطلت قواتها الموجودة في رواندا من أن تتدخل في المجازر الفظيعة التي حصلت. وكان قائدها يطالب بزيادة عدد قوات الأمم المتحدة العاملة هناك، حيث قال: إن لدي ألف جندي، أرسلوا لي أيضاً خمسمائة وأنا باستطاعتي ضبط الوضع هناك، فعلياً وعندما طالب بطرس غالي بإرسال الدعم قالت له أولبرايت علناً أمام الجميع: إنك تناقض ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية، الويل لك. أعتقد أن ما سقته هو واحدة من الخلفيات إلى جانب ما ذكره الأخوة الزملاء هنا.

د. منذر خدام:

قرأت الورقة المقدمة بتمعن، وهي تقدم كثيراً من المداخل وفيها نقاط نختلف معها، وأعتبر أنها تثير أسئلة تحرّض على التفكير أكثر مما تقطع بأجوبة، فيها توصيف لبعض الظواهر. أعتقد الآن أنه لا يمكن فهم السلوك السياسي الأمريكي، سلوك الدولة الأمريكية، من خلال ذهاب رئيس ومجيء آخر.في اعتقادي ثمة مقدمة أعمق وهي أكثر استقراراً للتحليل العلمي.

لا بد من مدخل مختلف يتعلق بفهم ما جرى في منظومة الرأسمالية العالمية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، الآن هناك تغيرات عميقة في هذه البنية، التي تتنطح أميركا لإدارتها. وموضوعياً عندما سقط الاتحاد السوفيتي أصابها الغرور، فبعد ما كانت قطب من الأقطاب حيث كان الاتحاد السوفيتي في مواجهتها، إضافة إلى حلفائها في حلف الأطلسي أو في اليابان. الآن وجدت نفسها هي القطب الأوحد، وبالتالي هي مسؤولة عن إدارة هذه المنظومة وضبطها، وبنفس الوقت حريصة أيضاً على الحفاظ على موقعها المهيمن في هذه المنظومة، وكما أذكر في عام 1991 تسربت من البنتاغون وثيقة خطيرة، أدت إلى احتجاجات دولية وفحواها أن أميركا لن تسمح في المستقبل في بروز أي قطب آخر يقيد أميركا أو يكون مواجهاً لها. هذه الوثيقة التي صدرت عام 1991 احتجت فرنسا، والأمم المتحدة ودول كثيرة عليها، وسرعان ما تم تجاوزها.

أريد أن أقول الآن ما الذي حصل في بنية التشكيل الرأسمالي بعد انهيار النظام السوفيتي. أعتقد أن هناك تغيرات بنيوية وتحوّل في بنية النمط الرأسمالي العالمي بفعل الثورة العلمية والتكنولوجية أدت إلى التوصل إلى مبدأ جوهره: حيث كان يقول ماركس: أن كمية متزايدة من العمل الحقيقي تؤدي إلى كمية متزايدة باستمرار من الخيرات المادية.. بينما انعكس الوضع الآن حيث أن كمية متناقصة باستمرار من العمل الحقيقي تؤدي إلى تعاظم مستمر في الخيرات المادية. وبالتالي فإن تشغيل المنظومة الرأسمالية العالمية لم يعد يتطلب كتلة بشرية كبيرة، على العكس هناك مأزق خطير في الرأسمالية سوف نبحث عنه هو الذي يولد كل هذا الاستقطاب الذي يحصل سواء بالدول الرأسمالية المتقدمة أو الذي يحصل على المستوى العالمي. الآن موضوع دولة الرفاهية سقطت في أوروبا، موضوع البطالة في أوروبا بات مزمناً لا يمكن حلّها بالترقيعات السابقة، لا يمكن الآن الاستفادة من البطالة لضبط الأجور كما كان يقال سابقاً. أعود إلى ماركس الذي أشار إلى مسألة هامة حول موضوع التركيب الفني والتركيب العضوي لرأس المال، الآن غدت الكتلة الجامدة من رأس المال تنمو باستمرار، ويتناقض هذا باستمرار مع الكتلة الحية، وماذا يمكن أن تفعل الرأسمالية بهذا الفائض الذي سأشير إليه الآن، والمتعلق بوجود فائض سكاني مطلق، لم يعد فائضاً نسبياً، الآن يوجد فائض سكاني يعني أن هناك كتلاً بشرية تندفع باستمرار لتتحول إلى زوائد غير ضرورية لتشغيل رأس المال؟

ماذا تفعل الرأسمالية بهذا الفائض؟! هذا بالتأكيد له دور مزدوج. فمن جهة هي تبحث عن عيشها، ومن جهة ثانية تؤدي إلى تضييق السوق. لأنه عندما تضعف القوة الشرائية يضعف الطلب على السلع.

ممكن أيضاً غير ذلك، عندما نزيد القوة الشرائية، يزداد معها الطلب، وتزداد أيضاً القوة الشرائية.

إذن هناك استقطاب حاد، لا يمكن أن تحله الدول المركزية الرأسمالية المتقدمة وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية إلا على حساب العنصر الضعيف أو المجال الضعيف للمنظومة الرأسمالية العالمية، وهو البلدان النامية أو البلدان المتخلفة.

ليس بإمكانها حلها، لأنها دول مشبعة الآن، وعندما نقول عن نمو أوروبا 1.3%، مقابل الصين 8.3% طبعاً هذان الرقمان يشيران للوهلة الأولى إلى أن الصين متقدمة جداً في النمو. لكن ذلك ليس دقيقاً لأن هذا التطور هو لبلد مشبع في تطوره مقابل بلد غير مشبع. فالواحد بالمئة أكبر بكثير من الـ8%. لكن مع ذلك هذه الـ8% لها دلالة كبيرة. وبالتالي الآن الرأسمالية تدفع أناس في مجتمعاتها وبشكل خاص في العالم الثالث، خارج ضغوط واحتياجات رأس المال، وهذا مما سيؤدي بالتالي إلى عنف كبير، هذا من حيث المبدأ.

من جهة أخرى لا أريد أن أتحدث في العولمة، حتى نبحث في العمق مولدات العنف الذي نراه الآن في السياسة الأمريكية. أنا أتفق مع فكرة قالها الأخ سلامة أن هناك عجز في الميزانية، والمديونية، والميزان التجاري،لكن هل هي نقطة ضعف لأمريكا؟ أنا كاقتصادي أقول العكس تماماً، قوة أميركا ليست فقط في قوة اقتصادها، بل حتى أن عجزها هو قوة، بالتالي يجب أن لا ننسى موقع الاقتصاد الأمريكي في المنظومة الاقتصادية العالمية. تذكروا منذ زمن أعلنت البرازيل إفلاسها فركض العالم لإنقاذها، لأن إفلاس البرازيل يعني الكثير في المنظومة الرأسمالية العالمية، فما بالك بأميركا.جارتنا تركيا عندما كانت في ضائقة اقتصادية، أعطوها أربعين مليار دولار، من أجل ألا تعلن إفلاسها.

بالتالي الاقتصاد الأمريكي مثله مثل أي اقتصاد، كما قال الأستاذ نبيل، يمر بأزمات دورية، هذه الأزمات أسميها أزمات تطورية، أزمات ضرورية لتحريك الاقتصاد الأمريكي وليست أزمات كارثة، الاقتصاد الكبير يشتغل بمنطق مختلف، يجب أن نفرق علمياً بين منطق الاقتصادات الكبيرة والكتل الكبيرة، والاقتصادات الصغيرة، حيث لا يصلح للمقارنة أن نشير إلى أن ما يجري في أميركا يجري في سوريا، أو الآليات التي سيعمل بها الاقتصاد السوري كبلد صغير، لا يصح أن نقول أنها تسير بنفس المنطق. في جانب هام أيضاً أشار إليه الأستاذ نبيل وأنا أركز عليه. الآن على المستوى الاقتصادي العالمي، هناك تشارك كبير، ممكن الأستاذ سلامة قدم بعض المعطيات، الآن الرأسمالية تكاد تشتغل كمنظومة متكاملة في الحقل الاقتصادي، لكنها في المستوى السياسي لا تزال تشتغل في الإطار الوطني، هذا التناقض الذي يعيدنا بالذاكرة إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حينها كانت الرأسمالية صاعدة في بلدانها، أنظمة ملكية وأوتقراطية واقتصاد برجوازي أدى في النهاية في القرن التاسع عشر إلى الثورات المعروفة، حتى الدول تشتغل في الحقل السياسي وكأنها دول قومية، في حين تشاركاتها الاقتصادية هائلة جداً. إن حجم الاستثمار الأمريكي في أوروبا أو الأوروبي في أميركا أو اليابان في أميركا أو العكس لا يسمح لهم بخوض حروب ضد بعضهم البعض، لكن على السطح هناك حدود للمناورة، طالما أن هناك عدم تطابق بين الدول، طالما أن الدولة في أميركا أو غيرها تشتغل ضمن مفهوم دولة قومية سوف يولد صراعاً.

د. أحمد برقاوي:

ليتك تشرح أكثر هذه النقطة.الآن هناك تناقض بين حركة الاقتصاد وحركة رأس المال، وصورة الدولة القديمة، ما هي النتائج المترتبة على ذلك؟! ولماذا ينعكس علينا؟ ما تأثيره على المنطقة؟

د. منذر خدام:

لقد أطلت، ولكن أريد التأسيس لمدخل أكثر استقراراً بالنسبة لي، وذلك لتفسير السياسات سواء فيما يخص أميركا أو غيرها.طبعاً الاقتصاد ليس بالضرورة أن يتطابق لحظياً مع السياسة، هذا لا يصح، فخلال فترة عدم التطابق، يكون هناك نوع من عدم التوافق، نوع من القلق يوّلد صراعات، والآن الصراعات الطبقية التي كنا نشهدها في عهد الرأسمالية الوطنية أصبحت صراعات بين دول وبين كتل كبيرة، تقريباً انزاحت التناقضات الداخلية نسبياً، لصالح التناقضات بين كتل ودول كبيرة. من هنا تأتي حقيقة التنافس الكبير بين الدول القومية لتفريغ أزماتها الداخلية على حساب العالم الثالث. أعتقد أنه إذا كان الصراع في القرن الماضي قد دار بين الاتحاد السوفيتي وأميركا، فإن المهتمين بعلم المستقبل يرون (وأنا أرى ذلك) أن الصراع ربما سيدور بين الصين وأميركا. ربما بعد الثلاثينات من هذا القرن سوف يقفز الصراع إلى مرحلة التنافس التوازني بينهما. الدول الأخرى (روسيا أو أوروبا أو اليابان) سوف تلعب على هذا التوازن، لمنع وصوله إلى مرحلة التفجير، لأن التفجير بين القوى الكبيرة غير مسموح به.

من هنا يأتي الخطر. أميركا ترى أهمية النفط في لعبة التوازن تلك، لكي تتحكم بمجريات الأمور التي سوف تطبع هذا القرن، فهي قامت بالاستيلاء على حوض قزوين كما قال الأستاذ ميشيل، ولقد بات مؤمن أميركياً بشكل مباشر، أي عبر طواقم عسكرية لأنظمة موالية، كما عبر مدّ خطوط أنابيب بنية تحتية داخلية.. الخ. ولاستثمار مباشر. وبالتالي أًُبعدت روسيا عن التأثير على هذا الحقل. الحقل الشرق أوسطي هو الحقل الأهم، وأستطيع القول أن أميركا استطاعت أن تسيطر عليه، بعد أن طردت النفوذ الروسي والفرنسي من العراق، دون أن ننسى أهمية نفط العراق، حيث هناك بعض التقديرات التي تشير إلى أن العراق يمتلك احتياطي نفط هو احتياط أكبر من احتياطي السعودية. يبقى حوض إيران، الذي سيتم استيعابه عبر آلية من الآليات.

وبالتالي هذا الصراع للسيطرة على الطاقة، وتوظيفه في معادلات التوازن القادمة التي تمارسها الدول القومية على ضد من منطق الاقتصاد، هو سبب من الأسباب العديدة التي ستؤدي إلى العنف السياسي.

نزار سلوم:

الملاحظة التي يمكن أن أبديها في البداية هي أننا نركز في أبحاثنا على موضوع أميركا دون أن نلمس وضع العرب. لهذا فقد أرّخنا للمسيرة الأمريكية المعاصرة.

أعتقد أن هذا بحث ناقص منهجياً، قد يكون الحد الأولي الخاص بالمسار الأمريكي المعاصر قد بحث طويلاً، ويوجد كتاب كبار بيننا أرّخوا لهذه المسيرة في مقالات وأبحاث ومداخلات تلفزيونية.. الخ. وإذا كان من شأن هذه الحلقة أن تضيف إلى ما هو مشغول إعلامياً، يجب أن نفكر بأسئلة أخرى، نقول أميركا والعرب: ما هي الأسئلة الذاتية التي تجعل من السياسات الأمريكية ممكنة عندنا؟ نعرف أن أمريكا إمبراطورية وتريد أن تملأ الفراغ، وتريد أن تأخذ دون أن تسأل أحد، لكن هذا ممكن هنا وغير ممكن أكان في كوريا أو إيران، على تحفظنا على اتجاه وبنية الدولة الإيرانية مثلاً. إذاً هنالك سهولة في أن تطبّق أميركا وغير أمريكا، سياسات معينة في منطقتنا، لماذا؟!

العقل العربي دائماً يعود إلى الماضي فيشير إلى شريعة مونرو، وإلى لجنة كينغ كرينغ، حيث كان تداخلهم مثالي. وحتى الدستور السوري كان بتأثير من الأمريكان. يعني كان الأمريكان حسب شريعة ويلسن، عباقرة زمانهم!لكنهم عادوا فتحالفوا مع المشروع الصهيوني. يعني إعطاء أهمية أكبر للمشروع الصهيوني في السياسة الأمريكية. صحيح هنالك لحظة صمت في العلاقة بينهما بما يخص الأحداث الجارية في المنطقة، ولكنه تكتيكي أكثر مما هو صمت استراتيجي، يعني صمت متعلق بالسياسات الأمريكية، أريد أن أشير مع تقديري لكل الأفكار الهامة والعلمية التي طرحت، ولكن ما ألاحظه على نحو خاص،هو هذا الحجم الهائل من الأفكار العقائدية المرافقة للمشروع الأمريكي.

معروف قصة فوكوياما، معروفة قصة المحافظين الجدد ووثائقهم، ومعروفة قصة صدام الحضارات، وصلنا إلى مرحلة جديدة اسمها الديمقراطية، والتي على لسان الأمريكان والتي شئنا أم أبينا ستحوذ على اهتمام كبير، ولكن السؤال هل تلاحظون أن المشروع الأمريكي هو المشروع المتحرك الوحيد.

يكاد يكون المشروع المتحرك الوحيد، وأحد لزوميات تحركه هو المشروع الإسلاموي، هكذا أظن، لأنه لم أشعر بوجود مشروع آخر، مع احترامي إلى كل البنى التي كانت عندنا، الثورية والثقافية، والإضراب وغيره، لم ألاحظ مشروع آخر له دور بارز تجاه المشروع الأمريكي.

هناك محاولات للتطبيع مع المشروع الأمريكي، أكثر مما هي مشاريع مستقلة بذاتها. يعني العقل العربي اليوم يتجه بالتفكير إلى كيف نتطبع مع المشروع الأمريكي ولكن من منا، مثقفين أحزاب قوى، من يحتل اليوم مساحات خاصة كمشروع، دعني أقول أنني لم ألحظ أن أحداً يحتل هذه المساحة.

أنا أعتقد، وصلنا للعراق في المثال الخاص الذي طرحه الأستاذ سلامة، إلى مأزق هائل، هائل جداً، نحن وصلنا إلى السبب، أريد أن أنطلق من سؤال: هل اليوم أميركا في العراق قابلة للهزيمة ليس بالمعنى اللوجستي، بل بالمعنى العام، يعني هل مسموح بهزيمتها؟ أنا أعتقد لا.. العراق ليس فيتنام، ولا أوربا، وعندما قال جاك شيراك أن أبواب جهنم فُتحت، ظن العالم أنها فتحت عليه، لكنه يقول أنه تم زجّنا في المشروع الأمريكي رغماً عنّا، لأنه لم يعد مسموح به أن تهزم أميركا.

 

في موضوع النفط الذي هو ليس موضوعاً حديثاً، أعتقد أن الغرب كله يعتبر أن النفط ملكاً له، وهو الذي اكتشفه وهو الذي صنعه، ويضعه أمانة في مستودعات الشرق، يعني هم لا يعتبرون أن النفط لنا، أي بالمعنى السيكولوجي الداخلي لم يعتبروا النفط لنا. هذه السلعة غربية، سلعة صناعية، هكذا الرأسمالية تنتج ثقافتها. هي وديعة، هذه سلعة الصناعة وليست سلعة البدو وأبيات الشعر. هذه خلقت للصناعة، للتقدم، وبالفعل بالمنطق العلمي هي لهم وليست لنا، نحن ليس لنا حاجة للنفط. من أجل ماذا؟! من أجل أن نشتري سيارة بعشرة ملايين دولار ونضع فيها نفطاً ليس لنا، هي سلعة صناعية وطالما كانت كذلك هي للغرب، هذه حقيقة راسخة ولكنها موجودة في مستودعات الشرق.

د. سمير التقي:

أعتقد أنه من المفيد في هذه اللحظة أن ندرك أن قراءة الولايات المتحدة لا يمكن أن تتم من خلال اللحظة الراهنة. أميركا هي براغماتية إلى أبعد الحدود، وهي تتحرك بالساعات، إذا أردنا العودة إلى أسباب النيوامبراطورية، المسألة واضحة تماماً بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا شك بأنها هي الدولة الأعظم.

يعني لا شك أن الولايات المتحدة هي القطب الوحيد في العالم، ولدي ملاحظة صغيرة، هي أن الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كانت تنتج حوالي 42 في المئة من المنتوج العالمي، الآن أصبحت تنتج 25% من المنتوج العالمي، وهذا كلام هو الذي يحدد الأهمية لأي دولة منتجة. الآن الصين تنتج حوالي 12% من المنتوج العالمي، وهي تخطط حتى نهاية عام 2025 كي تصل بإنتاجها إلى 18%. وتعتقد أنها مع حركة نزول حصة الولايات المتحدة، سوف تصل إلى مرحلة تتكافأ معها. النقطة الثانية، تتعلق بما أكد عليه الأستاذ خدام: وهي أن الولايات المتحدة لا شك بأنها تمر بأزمات ولكن هذه الأزمات دورية، ولكن الآن الولايات المتحدة الأمريكية تمر بأزمة بنيوية تماماً، وهذه دراسة صادرة عن الأكاديمية الأمريكية للعلوم، وهي التي تقول: بأن بنية الاقتصاد الأمريكي هي الأقل بين الاقتصادات (G8) مكافأة لمتطلبات وبنية مجتمع المعلومات.

وفترة الازدهار الرئيسية التي عبر عنها كينغ، هذه الفترة تعبّر تماماً عن الجموح الكبير لهذه النخب من جماعات مجتمع المعلومات (على فكرة آل غور من كبار اقتصاديي مجتمع المعلومات في الولايات المتحدة)، من أجل أن يضعوا يدهم على السلطة، وانتزاع مواقع السلطة من زعامات المجتمع الصناعي، وهو لصالح مجتمع المعلومات. وهو عملياً ما جرى مع مجيء بوش، وكما يحلله استغليننس مجيء بوش هو خطوة من الخطوات الارتدادية، في إطار الصراع على السلطة، وعلى بنية النظام، وعلى بنية الاقتصاد، وبين مجموعات تمثل المجتمع الصناعي الذي يلتحق تدريجياً رغم كل قوته بالمجتمع الأمريكي، والمجتمع المعلوماتي الذي يتقدم ويحتل موقعه.

إذاً في هذا الإطار، المقاربة مختلفة، يعني مقاربة كلينتون كانت مبنية على أن الغرب ينبغي أن يكتسح بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أن يستفيد من تفوقه العسكري، من أجل أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتعزيز مواقعها والاستيلاء على موارد المادة الأولية الوحيدة التي لا تزال لها ثمن وهي النفط، وهي قيمة لم ينتج لها بدائل في الاقتصاد العالمي، ولكن كل هذا كان يجري في إطار منظومة مختلفة تماماً، تأتي من خلال الاستفادة من النفوذ الأمريكي العالمي وتكريس دور الأطلسي... الخ.

ولا ننسى من أن بوش منذ وصوله إلى السلطة،كانت أول رحلة له إلى إندونيسيا، وإلى جنوب شرقي آسيا، لحضور مؤتمر آسيان، لأنه كان يعتقد بأنه يريد أن يبني مع المحيط الهادي وليس مع أوروبا تحالفاً جديداً مناقضاً للجسر الأوراسي الأساسي. لأن هذه هي المشكلة الرئيسية كما يراها، أعتقد أن هذه قضية هامة جداً. في النظام الرأسمالي الحالي المشكلة هي ليست في الأسواق، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نيويورك تستهلك سبعة أضعاف القارة الأفريقية، ندرك أن المعركة ليست معركة أسواق، بل هي أساساً في مجالات الاستثمار، وهذا الكلام الذي أقوله نقلاً عن استيغلش الذي هو أهم الذين تحدثوا في ذلك.

وبالتالي القضية ليست أسواق أيضاً، القضية هي أساساً في الجسر الأوراسي المتعلق بأن مستقبل النمو الرأسمالي الغربي هو أوراسي لأنها هي جغرافياً وسياسياً، كما في مناطق الصين والهند، لديهم تقاليد عمل قوية جداً. تأتي المنطقة العربية، أنا لا أريد أن أبالغ كثيراً في مطلقية أهمية النفط في الأولويات الأمريكية، القضية قد تكون أعلى من ذلك في إطار سيطرة استراتيجية أكثر بكثير مما هي حسابات اقتصادية محدودة، بمعنى إذا أردنا أن نحلل، الفرق بين استخراج البترول في سيبريا، والفرق في استخراجه في العراق، وعلى مدى السنوات التي تخرج الفرق في الأموال التي دفعت في الحرب التي تمت حتى الآن، سيأخذ ذلك 25 سنة كي تستعيد رأسمالها.

أقصد فقط أن لا نعلي كثيراً من قضية النفط، القضية هي موضوع سيطرة استراتيجية عسكرية، وهيمنة جغرافية سياسية، أكثر مما هي مجرد قضية نفط مع وجود الفكرتين الأساسيتين اللتين طرحتا قضية النفط تبقى مهمة جداً، لأنها تدر أرباحاً في إطار نظام إقليمي منهار بتكاليف قليلة جداً، وتنجز انتصارات.

لماذا هذه المقدمة، أنا مع الفكرة التي تقول: لنركز على الجانب الذاتي نحن الآن منظومة إقليمية منهارة، منهارة في بنية التحالفات، منهارة في بنية الدولة بالذات. الدولة الوطنية هي في طور الانهيار، قطعياً إذا لم تستطع أن تعيد إنتاج نفسها وتؤقلم نفسها مع متطلبات وتحديات جديدة.

وأنا لا أعتبر أنه عيب الأمريكان أنهم عوّموا العامل الطائفي وعوّموا العامل المذهبي، حيث أنه عندما تنهار البنية الوطنية أساساً في إطار فشل مشروع وطني وقومي، يعني الدولة القطرية التي لم تستطع أن تبرر نفسها حتى لأصحابها العقائديين أنفسهم، في ظروف نظام شمولي، من الطبيعي جداً، بغض النظر عن الذي أتى، ستظهر الطائفية والعشائرية اليوم في بعض علاقتنا في سوريا، ونحن نعرف في السياسة، هناك فئات تصوت بطريقة ليس لها علاقة بالأمريكان، وليس فعل أميركي، تصوت الآن في سوريا على أساس عشائري أو طائفي.

في هذا المجال أريد أن ألفت النظر إلى مجموعة عوامل:

في المرحلة الثانية لبوش جرى تطور، إننا نحن ندرك الاستراتيجيات الرئيسية، ولكن هناك نقطة صدام رئيسية بيننا وبين الولايات المتحدة هي في طريقة مقاربتها لمشاكل المنطقة، هناك إقليم منهار، منظومة إقليمية منهارة، هل ندفعها باتجاه الفوضى البناءة، أم نحاول أن نعالج هذه المنظومة المنهارة، التي هي بفعل عوامل ذاتية التي حللها الأستاذ نزار، فاشلة بكل المقاييس الدولية، وهل ندفعها باتجاه الانهيار، أم نحاول أن نرممها من الداخل؟ لأن عملية الانهيار قد تكون كارثية حتى على قضية السلم العالمي.

أعتقد أنه يجب أن نرصد التطورات أولاً قبل الحديث عن عدوانية وشراسة ووحشية أمريكا، والموضوعة الأساسية التي طرحت أيضاً، أن في العالم اليوم كما يقول الأمريكان خمسة مليارات من البشر غير منتجين وبالتالي زائدين.. يمكن أن نرشهم بالمبيدات، أو نقتلهم كما حصل في رواندا حيث قتل مليون من السكان، وهم كالفائض المالتوسي للعدد.

ولكن رغم كل ذلك في الولايات المتحدة الآن يوجد تحول، وهو بدء إدراك قضية رئيسية، وهي أن منطق الفوضى البناءة لم يعد من الممكن تحمله، هذه القضية بدأت تعالج ليس فقط في مراكز البحوث والدراسات، بل في إطار الجوانب العملياتية في الدوائر الاستراتيجية الأمريكية التي هي في موقع السلطة.

بمعنى أن الوضع في العراق يثبت بأنه لا يمكن دفع المنطقة كلها في اتجاه الانهيار، الانهيار الإقليمي دفعة واحدة في إطار فوضى منظمة، لأن الولايات المتحدة الأمريكية تكون قوة تدخل دائمة في المنطقة، بينما باتت الولايات المتحدة تقرّ بأنها لا تستطيع ذلك في شكل مستمر. وبالتالي ينبغي أن تفهم مستوى الهزيمة السياسية لعقيدة بوش في العراق. لا أقصد أن الولايات المتحدة ستهزم كدولة، ولكن أقصد هزيمة سياسات أمريكية، فما هُزم في العراق هو أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تبحث عن خروج (Ex Plan الإكس بلان)، يقوم جوهره الرئيسي على فك الاشتباك مع الشارع العراقي أمنياً وسياسياً على الأقل من الآن حتى منتصف 2006، حيث سوف يبدأ التحضير لانتخابات رئيس جمهورية جديد في الولايات المتحدة.

بمعنى أن لا تصبح الولايات المتحدة هي المسؤولة عن تصريف الشؤون السياسية الداخلية العراقية، وعن قضية الأمن في الشارع العراقي، وهذا طموح.

هناك قدرة كبيرة جداً في الإدارات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية على التأقلم البراغماتي، ولإعادة انتاج سياسات جديدة، ينبغي أن نبدأ الآن في السعي لفهمها مسبقاً، لأنها ستكون أكثر عدوانية ربما ليس بالمعنى الحربي، وإنما بالمعنى الاختراقي، في هذا الإطار أريد أن أشير إلى أنه يوجد فشل في العراق، فشل في المقاربة البوشية للعالم بشكل كامل. الآن الباكستان والهند، تطلب الانضمام إلى معاهدة شنغهاي، الآن كوريا الجنوبية التي كنا نعتبرها كإسرائيل في شرق آسيا حوّلت أكثر من ثلث احتياطها النقدي إلى اليورو.

هذه مسألة كانت ستدفع أميركا إلى الحرب قبل عشرين سنة. الآن ينبغي أن ندرك مجموعة قضايا: الانتخابات الإيرانية وتأثيرها، المأزق الإسرائيلي الراهن مأزق حقيقي. خلال المباحثات الأخيرة بين بوش وشارون كان هناك سجال حقيقي حول الأولويات في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يدل على مدى أزمة الطرفين. كان شارون يقول: أنه أقنع العسكر عنده، بضرورة الانسحاب من غزة مقابل قضية رئيسية. أن الاعتبار الرئيسي الاستراتيجي الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وفي إسرائيل، هو التسلح النووي الإيراني الذي كان الأمريكان وما زالوا يبنون سياساتهم على إمكانية التدخل المسلح أو التدخل العدواني ضد إيران، كانت إسرائيل تبني سياسات على احتمال أن تورط أميركا أو أن تخلق وضعاً معيناً يؤدي إلى تصعيد قضية الحرب على إيران، الآن بوش غير مستعد لذلك في الظروف الحالية... لأن لديه أزمة في العراق.

من الناحية العملية، لم يعد يجدي ضرب إيران نووياً أو من أجل الإطاحة بمشروعها النووي، وأصبح الأمريكان وأهم الباحثين يقولون: يجب أن نبتلع حقيقة إنتاج وامتلاك إيران لقنبلة نووية.

إذاً هناك قضية رئيسية تتمثل في مسألة مهمة جداً هي فشل منطق القوة، أو محدودية منطق القوة، في رأيي هذه قضية هامة جداً ينبغي أن ندرك الآن نتائج التجربة، ونعتبر أنها هزيمة لمنطق بوش بالذات، لا أدعي أنه من الممكن هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، وعلى مستوى حضاري، لكن ما تحقق هو أن منطق القوة مُني بهزيمة تامة، بمعنى ظهر قصور مرعب، فوفق تحليل الأمريكان بالذات أن الحرب العراقية لم تؤدِ إلا إلى زيادة عمليات التجنيد، بغض النظر عن كل البروباغندا التي تقولها وزارة الخارجية الأمريكية. وهم يدركون الآن بأن قضية الاستمرار في الصدام الحدي مع المجتمعات في منطقة الشرق الأوسط، لا تؤدي إلاّ إلى كارثة على المستوى العالمي والإقليمي، متعلقة بقضية الحرب اللا متناظرة، وبنيتها وعواملها.

أقول، أننا لسنا في وضع سيء جداً، خاصة وأنه حتى السياسات الليبرالية المتطرفة الجديدة، التي جاء بها بوش، يجري مراجعتها الآن حيث تنظر الولايات المتحدة إلى منظمة الغات (منظمة التجارة العالمية) على أنها منظمة استولى عليها العالم الثالث، لهذا فإن الأهمية التي كانت تعطى لها لم تعد موجودة، منذ مؤتمر الدوحة بالذات، حيث وضعت دول العالم الثالث وبعض دول أوروبا يدها بشكل جماعي على إدارة العملية، لهذا فإن كل الزخم الذي كان حول الغات ونتائجه لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارته، وباتت تفكر بالعودة إلى السياسات الحمائية.

الأهم من ذلك أن الأوساط الاقتصادية الغربية تفكر بالعودة إلى نظام بروتن وودز وهي أساس منظومة الدولة الرعائية، وأساس منظومة الأفعى النقدي، كل هذه القضايا تدل على أن مقاربة الوضع العالمي، في إطار اقتحام عسكري تدميري للبنى الاقليمية والبنى الكونية التي أنتجتها، بدايات تكون الانتقال إلى مجتمع المعلومات، سيلحق بها فشل حقيقي.

ما نراه الآن، حتى في مراكز الأبحاث التابعة للمحافظين الجدد، مثل ABC (أميركان فورن بوليسي كانسل)، أي المجلس الأمريكي العدلي لأمن السياسات الخارجية. وهو الصرح الأساسي للنيوكونسل، هناك مراجعات رئيسية في لقاء أخير، قال أحد المحاضرين لمجموعة الباحثين الذين تم في دبي بأنه: نحن نفكر ونراجع بشكل عميق، مدى حكمة قراءة الحرب على العراق.

وهذا الذي بدأ من مجموعة الديمقراطيين، وحتى مجموعة الجمهوريين التقليديين، هل يبدأ في أن يصدر من هؤلاء بالذات؟ ما جرى في الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة، هو أن عدد من الجمهوريين التقليديين أصبحوا يرون بأنه لا ينبغي ترك المحافظين الجدد يستولون بشكل كامل على دفة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس تمت صفقة جوهرها هو إبعاد بعض الرموز الأكثر تطرفاً في هذه الإدارة، ولقد بدأ نوع من التبني من الجمهوريين التقليديين الآن لبوش، بهدف تحديد الخسائر التي نجمت عن فترة بوش الثانية، ساهم فيها كلينتون بالذات في فترة معينة.

الشيء الإضافي هنا، هو أن المسألة لا تتعلق فقط في إبعاد عدد من الأشخاص، بل بدأت التحضيرات عملياً منذ الآن للانتخابات الرئاسية المقبلة لعام 2008، في الولايات المتحدة الأمريكية من منظار محدّد، هو أن الشعب الأمريكي بكامله ينظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال عدسة الوضع في العراق.

إن المحافظين الجدد، هم الذين تسببوا في هذه الحرب، وأنه ما لم تجد الولايات المتحدة الأمريكية مخرجاً لهذا المأزق العميق الاستراتيجي على مستوى كوني في مقاربة كونية للوضع العالمي، أعتقد أنهم لن يستطيعوا أن ينجحوا وأقول أكثر من ذلك، بعض منهم عبّر بوضوح تام على أنه إذا جاء الديمقراطيون إلى السلطة فإنهم سوف ينكلون بنا مثلما نكلّنا بهم يعني، مثلما أطاحوا بعدد هائل من الرؤوس من وزارة الخارجية، ومن مواقع السلطة في الولايات المتحدة. إذاً الآن ربما نشهد تحوّل في المقاربات الأمريكية، لا تعني أن أميركا ستصبح أقل عدوانية، ولا أقل تحالفاً مع إسرائيل، ولكن تعني بأن هناك حقائق يعززها الواقع، هناك جيل من الزعامات الأمريكية فشل وهو يعبر عن جيل مندثر، منتحر على المستوى التاريخي، الآن يعود ليكرس نفسه كجيل جديد في الإدارة الأمريكية.

د. يوسف سلامة:

المشهد السائد اليوم هو محصلة لعناصر سابقة ليس بالضرورة أنها تمتد فقط لعشرين أو ثلاثين سنة مضت. يمكن أن يصدق ذلك على الجانب الأمريكي. إن التطورات التي حدثت خلال الثلاثين سنة الأخيرة في بنية الاقتصاد الأمريكي وبنية السياسة الأمريكية، وبوجود التغيرات الدولية وتفاعل هذه التغيرات في البنية السياسية والاقتصادية الأمريكية، وفي تفاعل هذه المتغيرات مع ما حدث من تطورات دولية، بسقوط الاتحاد السوفيتي والحرب الإيرانية العراقية وغزو العراق للكويت، وحرب تحرير الكويت... الخ. هذا يصدق على الجانب الأمريكي أن نقول أنه يريد أن يبني إمبراطورية. وهذا أمر طبيعي، حيث إن عناصر القوة متوفرة لإنتاج قوة فريدة ووحيدة في الكون تستطيع أن تؤكد هيمنة أمريكا المطلقة وتبسط سيطرتها في العالم قدر المستطاع. هذا أمر طبيعي، لكن من هنا ستكون علاقة أمريكا مع العرب من حيث أنه موضوع للسيطرة، ومن حيث أنه موضوع للغزو، ومن حيث أنهم مستعدون بمجملهم لقبول الغزو، لقبول السيطرة، وإذا لاحظنا في العالم كله، الصين روسيا أوروبا، هناك أشكال من المقاومة للمشروع الأمريكي. للإمبراطورية الأمريكية بتفردها. لكن إذا نظرنا للعالم العربي، بصفة عامة، سنلمس أنه لا توجد بؤر مقاومة جديّة بالمعنى العقلاني للكلمة، بمعنى أن البنى القائمة في منطقتنا شاخت وعجزت وأصبحت عتيقة وغير صالحة لمواجهة قوة مثل قوة الولايات المتحدة الأمريكية، ورؤية متقدمة متطورة مثل الرؤية التي تقدمها الثقافة الأمريكية عن العالم، حتى وإن كانت قابلة للنقاش، في مقابل الرؤى القائمة في منطقتنا العربية. الرؤى القائمة والتي تقوم عليها البنى القائمة هي رؤى تقليدية زائفة قديمة عتيقة، لا تصلح لمواجهة العصر. ومن هنا فإن الفراغ الإقليمي القائم في المنطقة هو ليس مجرد فراغ سياسي أو اقتصادي، وإنما هو أيضاً فراغ حضاري ثقافي، نحن لا نمتلك مشروعاً، كان لدينا مشروع مؤقت الذي هو المشروع القومي، والذي انهار نهائياً وأصبحنا عراة تماماً لا نمتلك أية رؤية نستطيع أن نواجه بها لا الولايات المتحدة الأمريكية ولا غيرها، فالسؤال: إذا كنّا نريد أن نقاوم الولايات المتحدة أو نقاوم استيلائها على المنطقة، فالسؤال لماذا؟ لماذا نريد أن نقاوم استيلاء الولايات المتحدة أو أية قوة غزو أخرى، نحن ليس لدينا كمجموعة عربية ثلاثمائة مليون عربي، ليس لدينا مشروع ثقافي حضاري يوحّد هذه المنطقة في إطار معين ولا نمتلك رؤية واحدة.

فنحن موضوع الفعل، نحن منفعلون بما يحدث في العالم الخارجي، ومن ثم فعوامل المواجهة مع المشروع الأمريكي غير قائمة بالمطلق. النظام الإقليمي كدول سياسية انهار نهائياً، والنظام الثقافي العربي الذي يمكن أن يكون نظاماً شعبياً هو ذاته منهار لأنه نظام عتيق، ينتمي لتصورات عتيقة عن العالم، لم تعد تصلح لمواجهة الرؤى الحديثة والتطورات الأحدث في صناعة القرار، وفي صياغة المجتمعات الحديثة لنفسها سواء كانت تستند لثورة المعلومات، أو أسس الصناعة المتقدمة أو الأيديولوجيات الأكثر تقدماً، فنحن لا نمتلك أياً من هذه العناصر. من هنا، يصبح موضوع النفط وموضوع الاقتصاد هي عناصر مُسَّلّمة، بمعنى أن الأمريكان بالتأكيد لا يريدون النفط العربي من أجل ثمنه، لأنهم غير محتاجين لثمنه، وإنما هو مصدر قوة يمتلكونها لفرض شروطهم على الآخرين غير العرب.

 

الأمريكي لا يحتاج سعر النفط، وبرميل النفط، ولا بحال من الأحوال، وهذا وهم من الأوهام، إن الأمريكان يعطونا سعر مبيع بـ 62 دولاراً للبرميل، صحيح أنهم كونهم الشركات المستوردة والمصدرة والمنتجة والمستخرجة، حصتهم هي الأوفر. إذاً لا يوجد رفض منظم للوجود الأمريكي، أو للمشروع الأمريكي في المنطقة، وإنما ما يمكن أن نفكر فيه هو: هل يستطيع الآخرون أن يكتشفوا لأنفسهم مصالح في المنطقة. تسمح لهم أو تدفعهم لأن يدخلوا في نوع من المواجهة مع السياسات الأمريكية.؟!

 

بمعنى إلى أي مدى الأوروبيون أي أوروبا الغربية بزعامة فرنسا وألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي، قبل امتداده نحو الشرق وقبل صياغة الدستور الأوروبي الموحد والذي رُفض من بعض الدول الكبيرة، يمكنهم، (الدول والشعوب). أن يكون لهم مشروع يمتد من أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط بحيث يصبح الشرق الأوسط عنصر توازن في السياسة الدولية، بدلاً من أن يظل موضوعاً للفعل الأمريكي المنفرد والوحيد في هذه المنطقة.؟!

بمعنى آخر، العرب ربما في السنوات المقبلة، وعلى المدى القريب، لا يمتلكون عناصر القوة لمواجهة المشروع الأمريكي. وما يحدث من مقاومة في العراق هو في جزء كبير منه إرهاب وليس مقاومة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهو يقوم على بنى عتيقة، نحن نعارضها ونرفضها. ومن ثم نحن، صحيح أننا لسنا في اتفاق حول فكرة الغزو التي قامت بها الولايات المتحدة، ولكننا أيضاً لا نملك هذه البنى التي نستطيع بها أن نضع بدائل للوجود الأمريكي في المنطقة.

الآن النظام السياسي العربي خلال خمسين سنة من عمره هو الذي دمَّر كل هذه البدائل، أسقط المشروع القومي نتيجة ممارساته الخاطئة، عزل الشعوب العربية، ومنعها من ممارسة الحرية والديمقراطية، ومن بناء نظم سياسية متقدمة، تمتلك المقدرة على صياغة المشاريع التي تسمح لها بالنهوض وبأن تصبح جزءاً من العالم. العرب في صورتهم الراهنة ليسوا جزءاً من العالم، هم يعيشون على هامش العالم، أو خارج العالم بمعنى ما، ولذلك أعتقد أن العرب موضوع لصراع عالمي، وليسوا طرفاً أكيداً في هذا الصراع، ومن ثم أعتقد أن مستقبلنا ليس متوقفاً في هذه اللحظة على قدراتنا وإرادتنا بقدر ما هو متوقف على شروط الصراع العالمي التي يمكن أن تتبدل أو تتغير.

فيما إذا نهضت الصين والهند، وإذا ما شكلت منظومة كبيرة اقتصادية وسياسية. فيما إذا نهضت أوروبا واستطاعت أن تنتج أو تنجز وحدتها السياسية والاقتصادية. فيما إذا تبدلت الشروط السياسية في روسيا أو حدثت تحالفات روسية صينية، أو روسية صينية هندية. هذا كله هو الذي يمكن أن نفكر فيه كبدائل للوجود الأمريكي في المنطقة. أما كمقاومة ذاتية صادرة من المنطقة فنحن موضوع للانفعال سواء كان هذا الغزو أمريكياً أو أوروبياً أو أي شكل آخر من أشكال الغزو، نحن لا نمتلك الآن منظومة فكرية وحضارية وذهنية واقتصادية وسياسية تؤهلنا بأن نكون عنصراً فاعلاً في هذا الصراع. أقول كلامي هذا وأنا في غاية الأسف والحزن.

د. أحمد برقاوي:

لدي بعض الملاحظات، لتعيين المسألة عربياً، نحن متفقون على الإطار العام للاستراتيجية العامة للولايات المتحدة الأمريكية، ومختلفون في بعض النقاط، ولكن هناك اتفاقاً على أن العرب موضوع هيمنة أمريكية، وأيضاً هناك اتفاق على جملة الوسائل التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية لمشروع الهيمنة هذا، لكن إذا عيّنا المسألة الآن في الوطن العربي سنجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، صحيح أنها لا ترى حركة عربية ناهضة قادرة على مقاومتها، لكنها أيضاً ترى حركات معادية للولايات المتحدة الأمريكية، الأخطر في هذه الظاهرة أنها حركات معادية لأمريكا باسم الدين الإسلامي. هذه قضية يجب أن لا نتجاهلها الآن، في إطار علاقة أمريكا في هذه المنطقة، وأمريكا في استراتيجيتها القديمة والجديدة والمستقبلية.

كما أعتقد أنها تقف ضد أي حركات راديكالية في المناطق العربية سواء كانت حركات راديكالية إسلامية أو قومية أو يسارية. وبالأساس وقفت ضد الحركات الراديكالية اليسارية،، ووقفت ضد حركات الراديكالية القومية، وضد حركات الراديكالية الإسلامية. الآن تحليل هذه الأشكال من العداء لأمريكا، وما يتمخض عنها من سلوك عنيف (في النهاية هذا العداء ليس عداءً لغوياً فقط، أو نفسياً، بل يوجد شيء مادي، تفجيرات وتدمير، واعتداءات... الخ) ترى أنها ليست الوحيدة المسؤولة عن درجة هذا العداء. هذه نقطة تأخذها الآن الولايات المتحدة بعين الاعتبار في علاقتها بالعرب، إنما الأنظمة السياسية هي واحدة من العوامل المؤثرة والمؤسسة للعداء لأميركا، من خلال العلاقة القديمة التي كانت تربط أمريكا بهذه الأنظمة السياسية، ولهذا فإن تحسيناً ما في شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع العربي ضروري جداً للتخفيف من حالة العداء. الموجودة في هذه المنطقة. من هنا نرى أن العتب السلطوي العربي على أميركا متوازي مع العداء الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية.

والنقطة الثالثة: أن أمريكا تعتقد أن استقراراً بالمعنى الأمريكي للكلمة، استقراراً مطلوباً لتسهيل عملية اللعب والسيطرة، هذا الاستقرار المطلوب، يعني (إذا أرادت أن تحققه) أنه لا بد من حل المشكلة الفلسطينية، ولهذا هي اللاعب الرئيسي في الحل، طبعاً الحل ليس على ما تريد، لا سيما وأن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، كلاهما متفق على أن أمريكا هي الوسيط، لا ليس وسيطاً بل فاعلاً هي تُعطى هنا دور رغم الانحياز لإسرائيل.

من هنا فإن المشاريع القائمة على التسوية أمريكياً هي لخلق هذا النمط من الاستقرار الذي يحول بين المنطقة وبين انفجار الثورة الصامتة الموجودة. المنطقة تنطوي على مثل هذا الشعور العدائي للسلطة، العدائي لأمريكا وللغرب، الإسلام أصبح مسيساً أكثر، المنطقة ليست سهلة كما نعتقد.

في كل الأحوال، لما كان الإسلام السياسي الآن هو الشكل الفاقع، هو الشكل الوحيد المعادي للولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو ظاهرياً أن المعركة تبدو بين الإسلام وبين الولايات المتحدة الأمريكية، هذا مما يزيد من أسلمة الصراع، وأسلمة الصراع بمعزل عن أية نتائج ممكنة هو نكوص إلى الوراء. حتى لو وجدت سياسة بوش نفسها في مأزق في العراق، انطلاقاً من مقاومة إسلامية في العراق، يمكن أن يكون أمام الولايات المتحدة الأمريكية خيار، أن تخرج من العراق غداً وتترك العراق يغرق في حرب أهلية، فلا أحد يستطيع أن يعرف الوقت الذي تنتهي فيه هذه الحرب، بين السنّة والشيعة. ولقد وضعت المقدمات الأساسية لحرب أهلية بين السُنّة والشيعة في العراق، وضعت هذه المقدمات في الوقت الذي فشلت فيه إسرائيل حتى الآن أن تفتعل نوعاً من الحرب الأهلية في فلسطين، لأن في فلسطين لا يوجد الخلاف العقائدي الديني، يعني في النهاية فتح تقريباً إسلامية والجهاد إسلامية، وحماس، ولذلك الحرب الأهلية في فلسطين تقريباً شبه مستحيله، لذلك هناك بدائل أخرى، بدائلها سلطة قوية...

ينطبق عليها السؤال المطروح في بلاد الشام وفي لبنان، كيف يمكن التلاؤم والتكيّف مع الولايات المتحدة الأمريكية؟

على الرغم من أنني لا أعرف إلى أي حد الولايات المتحدة الأمريكية راضية في موضوع التكّيف، لأن تجربتها في العراق صعبة، وأنا أعتقد أن العراق شكل حماية كبرى لسوريا، التجربة الآن في العراق هو شكل من أشكال الحماية السياسية.

إذا أخذنا كل التحليلات القيّمة التي طرحت من الزملاء بعين الاعتبار، فكأننا أجبنا بصورة مضمرة على سؤال طرحه أخي نبيل سكر في البداية: أنه ما العمل؟! كأننا متفقون جميعاً على أن هناك شكل من أشكال العطالة الموجودة في المنطقة، فلا المجتمع السياسي قادر على مواجهة أمريكا ولا المجتمع في صيغته العادية، لأن المجتمع بالأساس فقد روحه السياسية والمدنية، فنحن نعيش في لحظة من الركود التاريخي، لا ندري إلى أي حد من الممكن أن تستمر فالسؤال: هل فعلاً نحن نعيش حالة من الركود التاريخي الفاجر، الذي لم يعد يسمح لنا أبداً أن نقدم تصورات ممكنة عما يمكن أن نصوغه أو نخلقه في مواجهة هذه السياسة الأمريكية في المنطقة؟ هذا هو السؤال في الحقيقة....

علي الكردي:

من المؤكد أن التحليلات التي قدمت من قبل الزملاء والأساتذة قد أغنت الموضوع من جوانب مختلفة، لكن يشعر المرء وكأنه ينظر إلى أمريكا على أنها القوة المطلقة التي لا قاهر لها.

ويبدو أنها هكذا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في إطار التنافس بين الدول الكبرى: الصين، الاتحاد الأوروبي-روسيا-اليابان، هل أنها، على الرغم من وجودها في إطار التنافس نفسه، عاجزة عن أية مواجهة، أو لا ترى هذا الخطر الأمريكي، حتى على مصالحها الكبيرة....؟

الكتل الكبيرة.. هي التي أتحدث عنها وليس عنا نحن العرب، فالاتحاد الأوروبي أو الصين وغيرها، يرسمون استراتيجيات في مواجهة الإستراتيجية الأمريكية، وتداخل المصالح الكبرى بين الشركات المتعددة الجنسيات تلعب دورها في عملية التخفيف من الهيمنة الأمريكية الخ.. إلا أن أميركا في محاولتها الهيمنة على المنطقة، وهذا هو المفتاح الأساسي الذي نحاول الإمساك به،وخلال خمسين عاماً، تعاملت مع الأنظمة الاستبدادية الموالية للسياسة الأمريكية بالمطلق من أجل الحفاظ على مصالحها، فاكتشفت أن هذا المسار أي (التعامل مع الأنظمة لحماية مصالحها واستقرارها) غير كاف.

لهذا فهي الآن تطرح التدخل الفج،حتى في نظم التعليم في الدول العربية وإعادة هيكلة القيم والمفاهيم إلى أخره الحركات الإسلامية الأصولية خلقتها أمريكا بشكل أو بأخر وغذتها، ثم شطّت تلك عن الطريق وانقلبت عليها، ولكن بحدود معينة. إذن على المرء أن يرى الصراع بوجهين: جزء منه أن الإسلاميين يمارسون شكلاً من أشكال المجابهة لهذا المشروع الأمريكي (المجابهة التاريخية له) ودعنا نقول أننا كعلمانيين لدينا نظرة حداثية، وعلى الرغم من تحفظنا على الاتجاه الإسلامي، لكننا نقر أن مجابهته للمشروع الأمريكي هو جزء من عملية مجابهة تاريخية بين شعوب وقوى تواجه هذا الخطر الماحق،الذي تبدو مواجهته ضعيفة، الجانب الثاني سنلحظ انه ضمن هذا التيار الإسلامي يوجد تيار ظلامي يحرف المسار عن الطريق. لكنه على المستوى الشعبي يشكل وعاءً لهذا التيار الإسلامي.

علينا ملاحظة الشعور بالغبن التاريخي الذي يغذي المواجهة الإسلامية التي تتمظهر بهذا الشكل، علينا التمييز بين مستويين، ما يجري في فلسطين (حماس والجهاد) لهما لون ثانٍ حتى حزب الله له لون أخر، في العراق الآن أشكال المقاومة تأخذ عدة أطياف علينا التمييز بينها،إذاً شكل المواجهة العربية مع المشروع الأمريكي، يتمظهر ضمن هذا الشكل الإسلامي الذي صار مركباً ومعقداً إلى درجة لا يمكننا الاستخفاف به،بهذه الطريقة السريعة التي تم التحدث عنها.

ميشيل كيلو:

لا أريد أن أتحدث في جانب ما العمل، ولا أريد التحدث عن أمريكا،اعتقد أن هناك مستويات للسياسة الأمريكية، أحدها العنف، الجيوش، السياسة العسكرية، لكن الجوهري في السياسات الأمريكية، ليس العنف وليس الجيوش، وإنما نسج بنية كونية تمسك الولايات المتحدة بمفاتيحها وتسيطر عليها، لتنمو داخلها علاقات القوى مع الآخرين، وتنمو داخلها إمكانيات الدول والبلدان الخ....

سوف أضرب لكم مثلاً:الصين تنمو بدلالة الاقتصاد الأمريكي، وهناك كتاب معروف كثيراً يقول أن: كل مجتمع انفتحت الولايات المتحدة على اقتصاده، وكل تجربة اقتصادية انفتحت الولايات المتحدة عليها، وفتحت أسواقها معها ومارست تجارة حرة معها،تقدمت وتطورت، والتي أغلقت في وجهها وأهمها الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، فشلت وهذا ما يمكن أن يندرج في إطارات السيطرة الكونية، أيضاً هناك مثل في غاية الأهمية يتعلق بمسألة: أين تنجح السياسة الأمريكية، وأين تفشل؟ حتى نعرف الحدود التي نقدم فيها البديل. فيتنام، كلنا احتفلنا بنهاية الإمبراطورية الأمريكية وعندما هزمت أمريكا في فيتنام، وفرنسا في الجزائر هزمت بريطانيا في الملايو، ثم في جنوب اليمن، وكينينا فانتهت، والآن الولايات المتحدة هزمت في كوريا، ثم ها هي تهزم في فيتنام.

 

والولايات المتحدة هزمت فعلاً عسكرياً في فيتنام، لكن بعد عشرين سنة كانت هذه الدولة التي هزمت في صراع عالمي، قد تمكنت من أن تحسم في عناصر السياسة والقوة الأخرى، الذي هو الاقتصاد والانتشار العالمي والايدولوجيا الخ... أن تحسم الصراع الغربي ضد الاشتراكية وأن تركع فيتنام حتى تستثمر فيها ثلاثة مليارات أو مليارين ومليار ونصف الخ..

وأن تقبل في أن تتبعها بمنطقة نمو اقتصاد حنوب شرق أسيا، هزمتها فيتنام عسكرياً ثم انهزمت أمامها استراتيجياً. اعتقد أنه عندما نقول أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تمتلك الآن القدرة على شن الحرب في مناطق أخرى من العالم العربي، يجب علينا القول أن: لدينا حججاً قاطعة وإثباتات داحضة تؤكد أنها تريد شن الحرب،أنا شخصياً ليس لدي الحجج والإثبات. والوجه الأخر علينا القول: أن هذا المعيار الوحيد للنجاح والفشل، يعني لم يعد لدى الولايات المتحدة أي خيار أخر في العراق، وليس لديها مخارج أخرى. منذ قليل تحدث الدكتور أحمد عن مخرج ثاني محتمل وممكن، وهو حرب أهلية. أن تشرف أمريكا من منطقة كردستان العراق على حرب أهلية في العراق ومنطقة الخليج العربي ولم يبق ما يمنع ذلك، فقد تم تأسيس فيلق بدر وفيلق عمر وبعد قليل فيلق محمد وأبو بكر.

 

لقد أتت أمريكا إلى العراق لكي تبقى،وفي رأيي أنه في كل أزمة كبرى هناك عناصر نجاح وعناصر فشل، في الاستراتيجيات الكبرى وفي كل سياسة كبرى، لا يوجد مرحلة من مراحل السياسة الأمريكية إلا وكانت تنتقد وتراجع ومن ثم يجري العودة عنها الخ...، لكن هذا فعلياً واحد من أهم عناصر الحيوية والقوة في السياسة الأمريكية، وليس مطعناً يدل على ضعفها وتهافتها.

قبل أن نحدد ما هو البديل، البديل هو مشروع عربي البديل هو إعادة إنتاج مشروع عربي وحدوي ونهضوي، وشعبي ومجتمعي وتقدمي وديموقراطي.... الخ، المترابط مع العالم، ولديه قاعدة حقيقية في المجتمع لكي يستطيع مواجهة الهجمة الأمريكية على المنطقة، وسوف تحتويها. كلنا نعرف أن هذا هو البديل لكن رأيي هذا ليس البديل، هذا بديل كلامي، الواقع العملي يشير إلى أن أمريكا في حالة هجوم لفترة طويلة. وفي رأيي إن عناصر إنزال هزيمة حقيقية بالولايات المتحدة الأمريكية، تفتح الباب أمام البديل العربي (هذا معنى الهزيمة بالنسبة لي، باعتباره بديلاً لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك أن تحبطه أو تكبحه وأن تعوقه، أو أن تقف في وجهه) فالمسألة تحتاج إلى زمن، وعمل شاق.

الأستاذ حسين العودات:

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الداخل الأمريكي، وأظن أنه عامل هام، وهو بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون ساكناً ومستقراً داخل الولايات المتحدة على إدارة ما. وكما نزعم نحن العرب هناك صراع بين احتكار هنا واحتكار هناك. هناك بنية مجتمع عامة، هناك ظروف، هناك صراعات، هناك إنتاج، هناك مصالح، وهناك فقر وغنى. قضايا عديدة جداً كلها تتداخل في داخل المجتمع الأمريكي، وسيكون لها دوراً هاماً في السياسات المقبلة، في العلاقات الاقتصادية، في التطور العالمي بكامله، وهذه كلها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

 

الأمر الآخر يتعلق بالإسلاميين، واقع الحال الإسلاميون لم تخلقهم الولايات المتحدة، هذه الحركات الإسلامية هي نتيجة فشل مشاريع حقيقية في بلدانها، مشروع التحرر، مشروع اليسار إلى حد ما. المشروع اليساري فشل تقريباً، المشاريع القومية فشلت تقريباً، إلى أن أتى المشروع الإسلامي، إذا سميناه مشروعاً، أراد التيار الإسلامي الجنوح نحو الإسلام كي يحل مشكلة البديل ولأن المزاج العام الشعبي يريد الدفاع عن نفسه، بشتى الطرق، تمسّك بهذا المشروع.

 

لكن من هم الإسلاميون؟ الآن هناك متطرفون حملة سلاح. هناك ديمقراطيون، هناك الإسلام هو الحل، هناك دولة مدنية، هناك دولة إسلامية، أظن أن الإسلاميين سياسياً ليس لهم أي مستقبل، ومثلما فشلت كل هذه التيارات سيفشلون وبسرعة. وربما بتسارع أيضاً لأنهم في النهاية لا يصمدون أمام الظروف المعقدة لبلداننا.

إذاً بالنسبة لنا طبعاً هناك الرهان على منظمات إقليمية سواء أوروبا أو الصين، مثلما قال الدكتور أحمد وقال بعض الزملاء إن الانتقال من هيمنة إلى هيمنة لا يحل المشكلة، هذا حل جكارة بأمريكا أظن أن حل مشكلتنا، بنهاية النهاية تكون في تأسيس نظام إقليمي عربي متماسك وجدي وحقيقي وقائم بسياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.كل هذه العناصر المهددة الآن بالشرق أوسطية، وبالعولمة.

هذا لا يكون مع وجود هذه الأنظمة القائمة بلا استثناء. والمقتل لكل هذه الأنظمة هي الديمقراطية، وهي الوحيدة التي تخلق مناخ الحوار. ليس من المعقول في مجتمع عربي مكون من ثلاثمائة مليون عربي أن لا يجد حلاً لنفسه، بحراكه، بحواره، بصراعه، بمطالبه، بآماله. فالمفتاح الوحيد لهذه المسألة هو: الديمقراطية، وبالتالي أن نقول أنه من الضروري أن نضع مشروعاً بديلاً، يفرض أن توجد الديمقراطية وإذا وجدت ديمقراطية سيصل الناس إلى مشروع بديل، ومتماسك. فيما إذا وجدت ستنشأ أحزابها وتياراتها، وسيعود حراكها من جديد، ونموها ومقاومتها لكل ما يهدد وجودها وثقافتها أو قيمها الوطنية أو حتى قيمها الأخلاقية. بطبيعة الحال الإمبراطورية الأمريكية لن تبقى إلى نهاية التاريخ، مثلها مثل كل الإمبراطوريات التي مرّت، ولكن لا ننسى أنها قادرة، خاصة في عصر العولمة، في عصر سيطرة التقانيات وفي عصر سيطرة وسائل الاتصال والمعلوماتية والشركات متعددة الجنسيات، وتشكيل عالم جديد وخلق علاقات استهلاكية، ونمط حياة استهلاكي. كل هذه صعوبات حقيقية تؤكد أن المسألة طويلة وتؤكد أننا أضعف مما نعتقد أيضاً، لكن بالتأكيد ليس أمامنا إلا أن نناضل جميعاً من أجل قيام ديمقراطية في بلداننا، تمهيداً لقيام نظام عربي إقليمي معقول يستطيع أن يواجه هذا المسار.

د. نبيل سكر:

لم يعد من الممكن أن نقول أن هناك مستويات للحلول.

أحد الحقول الاستراتيجية الأساسية هو أن مركز الإمبراطورية يصبح هو مكان الصراع، مركزها بالذات، يعني واشنطن تصبح مكان الصراع، يصبح مركزها بالذات مكان الصراع.

سلامة كيلة:

يعني أن لا يعود هناك فارق بين الداخل والخارج، نسميه العالم ونحن. هذه هي النقطة الأساسية التي أعتقد أنني حاولت أن أبدأ بها فالمسائل تتشعّب، نبدأ في نقطة ونصل إلى نقطة ثانية، وهكذا بالتالي لن يعود هناك بحث جدّي في المسائل المطروحة. حينما حدّدنا موضوع أمريكا والمنطقة العربية، لم يكن هدفنا أو هدفي أو عنوان الندوة، أن نبحث في الواقع العربي في مركز الغد العربي فتحنا موضوع طويل اسمه الإخفاق العربي لنبحث كل هذه المسائل. وبالتالي، الآن من المفترض أن يكون التركيز حول مسألة رؤية أمريكا للمنطقة العربية، هذه هي النقطة المركزية في اعتقادي التي يمكن أن تسمح لنا بأن نحدد إجابة على السؤال الذي طرحه الدكتور نبيل ما العمل؟! لأنه واضح من النقاشات أن هناك خلافات. أعتقد أن أساسها هو عدم الاتفاق على مسألة طبيعة الدور الأمريكي الآن في العالم. من هذا المنطلق أعود إلى ما قاله الدكتور سمير الذي أشار إلى ورطة أمريكا في العراق، وبالتالي إلى حلول وانسحاب سريع. أعتقد أن لذلك علاقة بأشكال فهمنا لماذا مارست أمريكا هذا الدور بالأساس؟ من هذا المنطلق أعتقد أن هذا الجانب مهم وأساسي. طبعاً، أجيب على من نقد رأيي حول أزمة الاقتصاد الأمريكي، أنني كنت أولاً أتحدث عن الثمانينات، وبالتحديد عن اللحظة التي انهارت فيها النظم الاشتراكية، أي وضع أمريكا الذي دفعها إلى إعلان تأسيس نظام عالمي جديد بقوة السلاح في العراق 1990-1991. طبعاً لا نختلف في جذر هذا الموضوع، لماذا هذه الأزمة؟ هناك عدد من العناصر، حاولت أن أركز على بعضها، الدكتور نبيل أشار أيضاً إلى بعض العناصر. أعتقد طبعاً أن وجود قوة ناشئة في أوروبا واليابان هو الذي وضع الاقتصاد الأمريكي في مأزق. ثم نشوء الثورة التكنولوجية، أيضاً خلق ظرفاً جديداً، مؤاتي. ولكن أيضاً هناك عنصر آخر أعتقد لم نتطرق إليه هو مسألة الرأسمال المالي، أو المال المضارب الذي أصبح يشكل ثقلاً أساسياً في الرأسمال العالمي، والذي أصبح يحتاج لعالم مفتوح، لكي يمارس كل عمليات المضاربة براحة شديدة. هذه العناصر التي أسست لسياسة عدوانية تقوم على بناء إمبراطورية في العالم.

بناء إمبراطورية يعني تحكم الدولة الأمريكية بالاقتصاد العالمي، دمج الرأسماليات الأوروبية اليابانية بالرأسمال الأمريكي، وتحول الرأسمال الأمريكي الأوروبي الياباني، إلى كتلة واحدة مسيطر عليها أمريكياً. وبالتالي إحكام السيطرة على كل مناطق الجنوب، هذا هو الأساس الذي أسس لهذه السياسة التي حاولت أن أشير إلى تمظهرها في الواقع العربي. من هذا المنطلق أعتقد أن الحديث عن دور الصهيونية الذي أشار إليه الدكتور نبيل والأستاذ نزار ليس أساسياً. إن الدولة الصهيونية بالأساس هي جزء عضوي من الإمبريالية الأمريكية، وبالتالي ليس هناك تأثير صهيوني على أمريكا، هناك سياسة إمبريالية أمريكية عامة، إسرائيل جزء منها. هذا الذي حاولت توضيحه في الورقة لأقول أن المرحلة القادمة هي ليست مرحلة ميل أمريكي لحل المسألة الفلسطينية، بل على العكس، هناك دور صهيوني مكمّل للدور الأمريكي العسكري في فرض السيطرة على المنطقة للحد من نفوذ الرأسماليات الأوروبية واليابانية من أجل إعادة صياغة النمط الرأسمالي العالمي بطريقة جديدة، بطريقة هيمنة، ولكن للرأسمالية الأمريكية هيمنة أعلى فيها.

النقطة الثانية هي أن هناك فعلاً إمكانية لنشوء دول منافسة جديدة مثل الصين، وأعتقد أيضاً روسيا، يمكن أن تدخل في مجال المنافسة من جديد. وبالتالي تؤسس لإمكانية انشقاق عالمي جديد.

النقطة الثالثة هي الحراك العالمي الذي يحدث الآن، بمعنى أن الدور الأمريكي الهمجي الذي يجتاح العالم والذي يزيد الفقر، يخلق آليات مقاومة تتصاعد بشكل واسع، من هذا المنطلق بالتالي، أرى أن هناك مأزقاً سينشأ، ولكن أختلف مع الدكتور سمير أنه سريع جداً. أوافق على ما قاله د. نبيل سكر، هناك دراسات في مراكز الأبحاث الأمريكية تتناول الإجابة على السؤال: هل هناك مأزق أم لا والاحتمالات؟ لكن هذه الدراسات ليست سياسة الإدارة الأمريكية، وليست سياسة الشركات الاحتكارية الأمريكية. هي وجهات نظر للاستنارة بشكل أساسي، طبعاً مطلوب أن ندرس وضعنا على ضوء هذا الموضوع من أجل الإجابة على سؤال: ما العمل؟ ولكن هذا موضوع مفتوح لنقاش طويل، بمعنى أنه فعلاً بحاجة لأن نتناوله في ندوة خاصة.