ندوة العرب وأميركا

سلامة كيلة

 

أدار الحوار :د.أحمد برقاوي

 

عقد مركز الغد العربي ورشة حوارية تناولت طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الوطن العربي، من حيث الأسس المكوّنة لها، والرؤية التي تطرحها تحت مسمّى "الشرق الأوسط الموسّع". حيث قدّم الأستاذ سلامة كيلة ورقة عمل حول الموضوع، وزعت مسبقاً، وبالتالي كانت أرضية نقاش فني شارك فيه العديد من الأساتذة الجامعيين والكتّاب، المعنيين والمهتمين، وتوصلت إلى استنتاجات عامة.

نأمل أن نكون قدّمنا ما يفيد في توضيح الاستراتيجية التي تتبعها الدولة الأمريكية، من أجل التأكيد على ضرورة التصدي لهذه الاستراتيجية المدمّرة، حيث بتنا نواجه احتلالاً جديداً، وأخطار التفكك والحروب الطائفية، والفوضى، والنهب الإمبريالي، الأمر الذي يفرض استنهاض حركة التحرّر القومي العربية.

  الدولة الأميركية والسياسة الإمبريالية في الوطن العربي

سلامة كيلة

منذ الحرب الأميركية الأولى على العراق سنة 1991، بدا أن الوطن العربي بات في مرمى الاستهداف الأميركي، وأيضاً الأوروبي/ الياباني، رغم أن مطامح أميركا كانت تشير إلى أنها تميل إلى استخدام القوّة من أجل فرض سيطرة فعلية، بينما سار الأوروبيون في مسار برشلونة الأورو متوسطي القائم على »الشراكة«. وبعد الحادي عشر من أيلول سنة 2001، أصبح الاستهداف الأميركي محتّماً، لهذا جرى احتلال العراق بعد أفغانستان، وباتت كل المنطقة مهدَّدة بالتغيير عبر التدخُّل.

هذا الوضع يطرح السؤال: لماذا؟ ويفرض التساؤل عن المبرِّرات والأهداف؟

يمكن أن نشير أوّلاً إلى السياسة التي اتّبعتها الدولة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة، وبالتالي تحديد أسبابها والدوافع التي فرضتها، لكي يكون البحث في سياستها فيما باتت تسميه »الشرق الأوسط الوسع« محكوماً لمنطق سياستها العامة، حيث سنلمس المركزية التي يحتلُّها الشرق الأوسط الأوسع في إطار السياسة الأميركية.

 

سياسة أميركا بعد الحرب الباردة:

منذ بدء انهيار المنظومة الاشتراكية، وخلال الحرب الأولى على العراق، أوضح جورج بوش الأب أنه يعمل على تأسيس نظام عالميّ جديد. وكان واضحاً أن انهيار المنظومة التي كانت تشكِّل نقيضاً للرأسمالية، والقوّة التي تشكِّل رادعاً، سوف يقود إلى إعادة رسم السياسات الإمبريالية، من منطلق أن العالم بات مفتوحاً أمام التوسّع الرأسمالي، وأن التفوّق الرأسمالي يسمح بصياغة للعالم تصبُّ في مصالح الرأسمالية ذاتها. لكن الدولة الأميركية كانت تؤسِّس سياسة »مستقلة«، متعارضة مع الرأسماليات الأخرى. ولقد دفعت إلى القول بأمركة العالم بدل عولمته، التي كانت تعني سيطرة رأسمالية على العالم في إطار توافق بين المراكز (أميركا، أوروبا، اليابان). لهذا كانت الدولة الأميركية هي الفاعل الأوّل في السنوات الخمسة عشر التي انقضت.

يمكن هنا أن نشير إلى الإطار العام للسياسات الأميركية طيلة هذه المدّة، والتي يمكن تكثيفها في التالي:

* الميل إلى الحرب والاحتلال، وهي سمة كانت قد تراجعت في السياسة الأميركية بعد هزيمة فيتنام، رغم التدخّلات في أميركا اللاتينية (غزو غرينادا)، والاعتداء على ليبيا. لكن بدء انهيار المنظومة الاشتراكية سنة 1989، سمح بتوسيع الحرب الأميركية، وتصعيد التدخّل العسكري إلى الحدّ الذي شكّل ما يشبه الحرب العالمية. منذ الحرب الأولى على العراق سنة 1991، وحرب البوسنة (1995) ثم كوسوفو - 1999)، واحتلال أفغانستان (2001)، وبالتالي احتلال العراق سنة 2003.

إضافة إلى  الهجمات »الخاطفة« في الصومال وكولومبيا وإندونيسيا والعراق سنة 1998، وهايتي حيث جرى تغيير الرئيس بالقوّة الأميركية.

وفي إطار هذا الميل للحرب جاءت »الحرب على الإرهاب«، التي كانت تتضمَّن تغيير »الدول المارقة«، وهي الدول التي سعت خلال الحرب الباردة إلى تحقيق الاستقلال والتطوّر، ووُضعت في خانة المنظومة الاشتراكية (كوبا، كوريا، إيران، العراق، سوريا، ليبيا، يوغوسلافيا،...)، والتي تحدَّدت فيما بعد في »محور الشر« الذي بات هو مجال الاستهداف الأوّل منذ الحادي عشر من أيلول، ورغم أن هذا المحور شمل كل من العراق وإيران وكوريا الشمالية، لكنه كان الاسم البديل ل »الدول المارقة«، لهذا كانت كلها تدخل مجال الاستهداف. وإن كان للاستهداف أشكال متعدِّدة وفق وضع كل دولة، كما تقرَّر لدى الإدارة الأميركية بعد الحادي عشر من أيلول.

* الميل للتفرُّد في إطار السياسة العالمية: فقد بدا أن الدولة الأميركية هي التي تمسك بزمام المبادرة، بغض النظر عن آراء حلفائها، كما بغض النظر عن قرارات الأمم المتّحدة التي بدا أنها باتت من ماضي الحرب الباردة، الأمر الذي أظهر أن الإدارة الأميركية تسعى لتجاوزها أو تهميشها. رغم أن الصراعات كانت تفرض عليها العودة إلى الأمم المتّحدة، لكن حينما يكون ذلك مفيداً للسياسة الأميركية.

لقد اتّخذت الإدارة الأميركية قرار الحرب في يوغوسلافيا السابقة وحدها، وفرضت على الرأسماليات الأوروبية اللحاق بها في ذلك. وهي في أفغانستان قرَّرت الحرب واختارت  الحلف الذي تريد، انطلاقاً من »مبدأ« جديد أدخلته عنصراً في سياستها الخارجية، يقوم على أن الهدف هو الذي يحدِّد التحالف وليس العكس، متجاوزة – بالتالي – إمكانية صوغ تحالفات ثابتة. وفي العراق قرَّرت الحرب (بالتوافق مع بريطانيا) رغماً عن معارضة الرأسماليات الأوروبية والمعارضة العالمية الواسعة.

بمعنى أن الدولة الأميركية باتت تتصرَّف كقطب أوحد، معتمدة على تفوّقها العسكري المطلق، ومنطلقة – بالتالي- من مصلحة الشركات الاحتكارية الأميركية، ومن وضع الاقتصاد الأميركي. دون حسابٍ لمصالح الرأسماليات الأخرى، والذي سيبدو أنه على حسابها كذلك. لقد باتت تميل إلى فرض رأيها ورؤيتها، متسلِّحة بتفوّقها ذاك. ومعتبرة أن من حقِّها ذلك.

* ولقد قامت رؤيتها لصياغة »النظام العالمي الجديد«، انطلاقاً من »المبادئ« الآتية:

* هناك مصالح لأميركا في العالم يجب حمايتها، وهي أوّلاً النفط الذي بات يُعتبر »مصلحة قومية أميركية«، وإذا كان مبدأ كارتر الصادر سنة 1980، والذي يعتبر أن الخليج هو مصلحة قومية أميركية، فقد بات كل النفط العالمي يندرج تحت هذا المبدأ، من نفط بحر قزوين إلى نفط أفريقيا، مروراً بالنفط العربي.

وهي ثانياً مصالح الشركات الأميركية في »فتح الأسواق«، وبالتالي بناء مناخ أمني دولي مؤاتٍ لتلك المصالح.

وفي هذا الوضع كانت تتّحد احتكارات النفط والمجمَّع الصناعي العسكري، والشركات متعدية القومية، لدعم »التوسّع العسكري« الأميركي.

* إن الوضع الجديد يفرض تغيير النظر السياسي في العديد من »المبادئ« والقوانين التي حكمت النظام العالمي منذ معاهدة وستفاليا الموقّعة سنة 1648، كما أشار هنري كيسنجر قبل الحادي عشر من أيلول سنة 2001. والذي كان يقوم على مبدأ عدم التدخّل ورفض تغيير الأنظمة بالقوّة الخارجية وتقرير المصير. للتأكيد على نهاية عصر مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، والاستقلال وسيادة الدولة القومية. ونهاية عصر عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للأمم، وبالتالي رفض تغيير الأنظمة من الخارج بالقوّة. ونهاية حق الدول في السيطرة على مواردها (و أساسها النفط)، وحق حماية اقتصادها الوطني.

بمعنى أن النظام العالمي الذي تفرضه الدولة الأميركية، بات يشرعن التدخّل والقوّة والاحتلال، وينهي حق الحرية للأمم الأخرى.

* إقرار مبدأ الحرب الاستباقيّة ضمن إستراتيجية أميركا للقرن الواحد والعشرين، وهي الإستراتيجيّة التي تقوم على غزو الدول الأخرى تحت شعار احتمال أن تشكِّل خطراً على أمن الولايات المتّحدة. والخطر هنا لا يطال القوّة العسكرية فقط، بل يطال الاقتصاد كذلك، بما في ذلك خطر حظر النفط. وهذا ما يؤسِّس لإمكانات تدخّل متعدِّدة، تقرِّرها الدولة الأميركية أو تشير إليها الشركات الاحتكارية. حيث أن قوّة الولايات المتّحدة نابعة من قوّة اقتصادها، وبالتالي فإن مصلحة الشركات هي التي ترسم المصلحة القومية الأميركية، وهي التي تفرض المناخ الأمني الدولي المؤاتي لها.

* إن بناء »المناخ الدولي« المناسب للمصالح القومية الأميركية، فرض توسيع التواجد العسكري الأميركي في العالم، وزيادة عدد الجنود المنتشرين خارج أميركا والذي بلغ ما يقرب من نصف مليون جندي. كما ازدادت الميزانية الحربية إلى أكثر من 400 مليار دولار، وهو ما يشكِّل سدس الميزانية التي تعاني من عجز مستفحل (إضافة إلى الزيادات المتكرِّرة التي تفرضها الحرب في أفغانستان والعراق)، ليشكّل الإنفاق العسكري الأميركي 40% من الإنفاق العالمي. ولتكون الصناعات العسكرية محرِّك أساسيٌّ في الاقتصاد الأميركي، ولتكون أميركا هي الأولى في مبيعات الأسلحة، وبرقم أكبر من كل المبيعات العالمية. إن المصالح القومية تفرض حراستها، لهذا ينتشر الجيش الأميركي في كل أصقاع العالم.

* ولقد حكم كل ذلك إطار أيديولوجيّ، هو في الغالب يعبّر عن اتجاه قويّ في أميركا، يقوم على مبدأ أن لأميركا رسالة تهدف إلى نشر الحرية والقيم الديمقراطية في العالم. وهي رسالة »من الله« وفق ما صرّح الرئيس بوش، ومن »التاريخ« كما صرّح هو أيضاً. إنها رسالة قداسة، وهبها الله لأميركا. وهذا ما أنتج تعابير: الخير والشر، وفرض قَسم العالم إلى: مع، أو ضد.

 

* لهذا باتت الدولة الأميركية تعمل على تأسيس إمبراطورية عالمية، تحكمها بشكل دكتاتوري كما دعا هنري كيسنجر قبل الحادي عشر من أيلول. حيث أن تشابك الاقتصاد العالمي، والأزمات التي يشهدها، تفرض ذلك. والخشية هنا أن تؤدي هزّة جديدة في أسواق المال في جنوب شرق آسيا أو روسيا أو أميركا اللاتينية إلى انهيار الاقتصاد الأميركي كما أشار. الأمر الذي يفرض تحكُّم أميركا بآليات النظام العالمي، وإخضاعها لسيطرة محكمة، تمنع انعكاس الأزمات العالمية على الاقتصاد الأميركي. كما تبقيه الاقتصاد المسيطر دون منافس.

* لهذا سنلمس بأن الهدف الأميركي، كما يبدو، هو السيطرة على حقول النفط، كما على الأسواق، والتحكُّم بكليّة النمط الرأسمالي، من أجل أن تتكرَّس أميركا كقوّة اقتصادية أولى بعد أ، غدت مهدَّدة من قِبل الرأسماليات الأخرى. وتتكرّس الشركات الاحتكارية الأميركية في رأس الشركات العالمية. وليصبّ كل التراكم الرأسمالي في نيويورك. ويبقى الدولار هو العملة العالمية الوحيدة.

 

 

أساس هذه الرؤية:

لماذا هذا الشكل للنظام العالمي؟ لماذا التفرُّد والاحتلال والسيطرة المباشرة؟

أشرت إلى أن رؤية أميركا ودعوتها لتأسيس »النظام العالمي الجديد«، قد تبلورتا لحظة انهيار المنظومة الاشتراكية. وإذا كان الانهيار يشير إلى »فشل« الاشتراكية كما بات يتردَّد منذئذ، فما هو وضع الرأسمالية ساعتئذ؟ حيث أن الرؤية نتجت عن هذا الوضع بالتحديد. ولاشكّ في أن ذاك الانهيار أفضى إلى انهيار التوازن الدولي الذي سمح لكتلة كبيرة من دول الجنوب أن »تستقلَّ، وتحاول تحقيق التطوّر. حيث بدت الرأسمالية ملجومة أمام مدّ التحرُّر الوطني، وانتشار الاشتراكية. وكان انهيار التوازن الدولي لحظة مهمة للرأسمالية لكي »تتوسّع« بالعودة إلى آليات »الرأسمالية الحرّة«، وبالتالي بالعودة إلى أساليب كان وجود المنظومة الاشتراكية يمنعها، منها الاحتلال واستخدام القوّة، وفرض الليبرالية الجديدة كآليات وحيدة في الاقتصاد العالمي. وكذلك العودة إلى النهب (أو التراكم الأوّلي) كآلية رأسمالية، لتبدو أنها ملازمة للرأسمالية وليست المرحلة الأولى في نشوئها كما يشير ديفيد هارفي، وربما كانت هي التي تستدعي الحرب والاحتلال.

وهذا ما أسَّست الرأسماليات عليه رؤيتها العامة، التي تقوم على تعميم اقتصاد السوق، والتقليص الكامل لدور الدولة الاقتصادي، وتعميم قانون الشركات الاحتكارية الإمبريالية، في إطار السياسة التي باتت تسمّى: العولمة.

لكن، لماذا الميل الأميركي للاستفراد والحرب بهذه الطريقة التي تُظهر وكأن الدولة الأميركية تسعى لفرض سلطة عالمية واحدة، تُخضع فيها الجنوب المتخلّف والأمم الرأسمالية الأخرى كذلك، وهو ما أسميناه تأسيس إمبراطورية عالمية؟

بمعنى لماذا شذّت عن الرأسماليات الأخرى، وبدا أنها تسعى لقضم العالم؟

كل المؤشِّرات كانت تقول بأن أميركا تسير نحو الانحدار. وهذه هي فكرة بول كنيدي التي كتبها نهاية ثمانينات القرن العشرين، والتي أشعلت حواراً أسّس لتبلور الرؤية التي رسمنا خطوطها منذ البدء. وهي المؤشِّرات التي كانت تقوم إلى النقاش حول الدولة الرأسمالية التي ستقود بعد أميركا (ليستر ثارو). ولقد ظهرت مؤشّرات التراجع الاقتصادي في ثلاثة عناصر، هي: العجز في الميزان التجاري (و لقد وصل العام الفائت إلى 650 مليار دولار)، والعجز في الميزانية، والمديونية المرتفعة (و لقد وصلت إلى ما يقارب الخمسة تريليون دولار). وكان ذلك يشير إلى اختلال موقع أميركا الاقتصادي، الذي نتج عن تطوّر قدرة الرأسماليات الأخرى، وتحوّلها إلى منافس قويّ. وبالتالي باتت الصناعات الأميركية مهدّدة في كل شيء من المنسوجات إلى الإلكترونيات (حسب كنيدي).

بمعنى أن وضع الشركات الأميركية كان حرجاً، ولقد شهدت انهيار أسواق الأسهم سنة 1987 (ما أسمي الأحد الأسود)، الذي أدى إلى حدوث إفلاسات في هذه الشركات، وفرض الميل للاندماج كحلٍّ إنقاظيّ. ولقد استمرّت أزمة الركود الطويل التي بدأت منذ بداية سبعينات القرن العشرين، وتعمّقت، دون أن تجد متنفّساً يسمح بتجاوزها. حيث كانت الشركات تعاني من ضعف الإستهلاك، و من المنافسة محلياً، وكذلك من المنافسة في السوق العالمي. وكان الاقتصاد يشهد حالة جديدة من الأزمات تمثّلت في اجتماع الركود مع التضخّم (و هو ما بات يُطلق عليه: الركود التضخّمي). و أدى إلى تصاعد أزمة الشركات منذ نهاية تسعينات القرن العشرين، وانهيار العديد منها (أنرون، وولركوم،..) واندماج شركات أخرى لتخفيض الخسارة والتخلّص من العمالة الزائدة، وبالتالي إعادة ترتيب وضعها المالي.

كما كانت عجلة الاقتصاد العالمي تقود إلى زيادة الطلب على النفط، في الوقت الذي كانت فيه حاجة أميركا إلى النفط في تزايد نتيجة تراجع إنتاجها النفطي. و لقد بلغت حاجتها هذا العام 20.5 مليون برميل، تستورد 58% منها من السوق العالمي. و تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أنه سنة 2004 كانت الحاجة العالمية للنفط 82 مليون برميل، سترتفع سنة 2010 إلى 90 مليون، و إلى 120 مليون سنة 2030، تذهب كتلتها الأكبر إلى البلدان الرأسمالية. في وضع يشهد ضعفاً في إمكانيات الإنتاج، حيث يتلاشى في العديد من المناطق (منها أميركا)، لتبقى منطقة »الشرق الأوسط الكبير« هي الخزّان القابل للزيادة كما للاستمرار.

و ضعف الاقتصاد الأميركي كان ينعكس على الدولار، الذي كان منذ أن فُكّ ارتباطه بالذهب وفق إتفاقات بروتون وودز بداية سبعينات القرن العشرين، هو العملة العالمية. حيث كانت تُطبع الأوراق النقدية لسوق عالمي، و دون رصيد. و بالتالي تراكمت كميّة النقد إلى الحد الذي بات يهدِّد بانهيار الدولار، كأيّ سلعة تلقى المنافسة. وتشير الدراسات أن كميّة المطبوع من الدولار بلغت 300 تريليون دولار، وهي تساوي خمسة أو ست أضعاف دورة رأس المال (المقدّرة ب 30 تريليون دولار). زاد في الأزمة دخول اليورو مجال الاستخدام بداية سنة 2002. الأمر الذي فرض تخفيض سعره، و الميل للعمل بالدولار الضعيف بدل الدولار القوي، ذاك الشعار الذي استمرّ طويلاً.

إذن، لقد انهارت المنظومة الاشتراكية و أميركا في أزمة. لهذا جاءت الرؤية الأميركية لـ»النظام العالمي الجديد«، لكي تسهم في تجاوزها أزمتها، و بقائها القوّة الاقتصادية المسيطرة عبر استخدام القوّة العسكرية المتفوّقة. و كان ذلك يعني:

1) التحكّم بالنفط العالمي من أجل استمرار حصولها عليه، و التحكّم بحصص الرأسماليات الأخرى. و هذا شكل من أشكال الضغط، و التحكّم بأسعار السلع المنتجة من قِبل تلك الرأسماليات.

2) السيطرة على الأسواق و احتكارها، من أجل زيادة الصادرات من جهة، و تقليص صادرات الرأسماليات الأخرى من جهة ثانية.

3) ضمان استمرار الدولار عملة عالمية.

ولتحقيق ذلك نشأ الميل لتشكيل إمبراطورية عالمية، تتحكّم الدولة الأميركية بها، و تكون »مرعى« للشركات الاحتكارية. و إذا كانت تتفاعل مع الرأسماليات الأخرى، و تقدّم لها بعض التنازلات، و تتناقض مها أحياناً أخرى، لكنها تميل إلى أن صيغة أخرى للعلاقة بين الرأسماليات يجب أن تقوم لكي تظلّ القوّة الاقتصادية المسيطرة. و هي تفعل كل ذلك في ظلّ تشابك هائل بين الرأسماليات، و تداخل كبير في الرأسمال. حيث أن 43% من استثمارات الشركات الأميركية توظّف في أوروبا، و 45% من الاستثمارات الأوروبية توظّف في أميركا. و حيث أن الاستثمارات الأميركية في أوروبا بلغت سنة 2002 ما مقداره 650 مليار دولار، كما بلغت الاستثمارات الأوروبية في أميركا 900مليار دولار.

بمعنى أن الصراع يجري في إطار التشابك، و من أجل هيمنة طرف على آخر (أي هيمنة أميركا على أوروبا). رغم أن الحرب، وكذلك النهب و الإفقار و التهميش يطال شعوب الجنوب. و بالتالي فإن المسألة هنا تتمثّل في أن الرأسمالية الأميركية تسعى لأن تحكم الهيمنة على الرأسماليات الأخرى، لإعادة تأسيس الرأسمالية و إخراجها من أزمتها. كما أنها تعيد صياغة آليات الهيمنة على شعوب الجنوب، بما يعزِّز النهب و اللاتكافؤ والتخلّف.  

وضع المنطقة العربية:

إذا كانت الرؤية الأميركية تطال العالم، و تستهدف الرأسماليات الأخرى (الأوروبية/ اليابانية)، و كل شعوب الجنوب، فإن المنطقة الممتدّة من أواسط آسيا إلى المغرب، و التي باتت الإدارة الأميركية تُطلق عليها: »الشرق الأوسط الموسّع« (تجاوزاً للشرق الأوسط القديم الذي كان يشمل بلاد الشام و مصر، و ربما أيضاً العراق و السودان)، تبدو أنها مجال اهتمام عالٍ في هذه الرؤية. و لهذا بات »مشروع الشرق الأوسط الموسّع« هو محور تلك الرؤية، من أجل تحقيق الأهداف التي تتضمّنها.

إنه القوس الذي يقسم العالم »القديم« إلى إثنين: الشمال حيث أوراسيا، و الجنوب حيث أفريقيا جنوب الصحراء، و الهند و جنوب شرق آسيا. و يبدو أن الدولة الأميركية تقوم بعملية فصلٍ عبر استقرارها في هذا القوس، يوحي إستراتيجيّاً أنها تقوم بفرض الحصار على أوراسيا و تهديد الهند و الصين من الجهة المقابلة.

إذن، ليس من الممكن أن نشير إلى الوطن العربي الآن دون أن نشير إلى هذا القوس، لأنه بات يشكِّل »منطقة واحدة« ضمن الإطار الإستراتيجي الأميركي، لأنه »مصلحة قومية أميركية«. و ربما تكون الحاجة إلى تحديد هذه المصلحة مسألة نافلة، لأنها ساطعة الوضوح، على الأقل في المستوى الاقتصادي المتعلِّق بالنفط. فهذه المنطقة تتضمّن الكتلة الأساسية من النفط العالمي و من احتياطيّه كذلك. من نفط الخليج و نفط بحر قزوين، نفط ليبيا و الجزائر، و بدرجة أقل نفط السودان و مصر و سوريا. و بالتالي فهو خزّان النفط الضروري للولايات المتّحد