سوريا والمحقق الغامض

 ميشيل كيلو‏

تفاءل النظام السوري كثيراً بانتهاء مهمة ديتليف ميليس، رئيس لجنة التفتيش الدولية الألماني، الذي قام طيلة ستة ‏أشهر بالتحقيق في اغتيال رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان الأسبق، ثم أنهى مهمته لأسباب بقيت غامضة، ‏قالت سوريا إنها نقص المهنية الذي أظهره في مسائل عديدة، وقال هو إنها رغبته في العودة إلى بلاده، بعد أن ‏وضع التحقيق على سكة صحيحة بخبرته ومهارته، مما جعل تسليمه إلى غيره مسألة لا تهدد سلامة النتائج التي ‏يجب أن تتمخض عنه. ومع أن شائعات كثيرة عزت مغادرته إلى تذمره من سلوك أمين عام الأمم المتحدة كوفي ‏أنان، الذي تفاهم مع الروس بالنيابة عن الأمريكيين، على التحقيق مع بعض السوريين في فيينا، بينما كان ميليس ‏يفضل إجراءه في دمشق، فإنه ليس مؤكداً بعد ان الرجل “قرف” لأن رئيسه عمل من وراء ظهره، بل إنه نفى هو ‏نفسه ذلك بطريقة غير مباشرة، وإن كان قد ألمح إلى تدخلات غير حميدة وغير مهنية في تحقيقاته، تركت ‏بصماتها السلبية عليها، فلم يبق له من خيار غير المغادرة.‏

ارتاحت دمشق لذهاب ميليس واعتبرته انتصاراً لها، وهي التي لاحقت مهمته بالنقد والتحفظ، ووجهت إليه تهماً ‏ثقيلة رأت بعضها فيه صهيونياً وعميلاً للأمريكيين، لم يأت كي يحقق، بل ليعلن النتائج التي أوحى سادته بها إليه ‏وتقطع بإدانة سوريا ونظامها وتعتبرهما مسؤولين عن اغتيال الحريري، مع أنه لم تتوفر أية أدلة جدية على ذلك. ‏في الوقت نفسه، أكد أهل النظام بفرح أن ما يجري يعني وصول التحقيق إلى نهايته، وفشله في العثور على دور ‏سوري في الجريمة، وثبوت براءة النظام من دم رجل الدولة اللبناني. هكذا، تلازم الارتياح السوري مع الثقة ‏بالنفس وغياب المحقق/ العدو، وبدا وكأن الأزمة صارت من الماضي، وأن أحداً لن ينجح في تجديد دمائها، ‏خاصة وأن براميرتس، المحقق الجديد، أبدى خلال زيارته الأولى إلى دمشق قدراً من التعاون أدهش السوريين ‏الذين فاوضوه، وجعلهم يعتقدون أنه لم يأت كي يواصل التحقيق، بل لينهيه في أقرب وقت، وأن الوضع الصعب، ‏الذي عرفه النظام بسبب اتهامات القاضي السابق، يوشك أن ينتهي، وأن بالإمكان العمل وكأن الأزمة لم تعد ‏موجودة أو عصية على التحكم، فليس لأحد أن يوليها بعد كبير اهتمام، وليس لحسابات النظام أن تنطلق منها أو ‏تتوقف عندها.‏ في هذه الأجواء، أصدر براميرتس تقريره الأول، بعد أن لزم الصمت طيلة فترة امتدت لشهرين ونيف، لم ينطق ‏خلالها بكلمة واحدة، ولم يوزع أية معلومات على الصحافة، سواء كانت تحتمل قراءات كثيرة كالمعلومات التي ‏كان يوزعها ميليس أم واضحة لا تحتمل أي سوء فهم. ومع أن الرجل اعتبر تقريره بتقرير خبرة، فإن سلوكه ما ‏لبث أن أثار ملاحظتين مقلقتين هما:‏ أنه لم يطلق سراح أي معتقل أمر ميليس بإيقافه في لبنان، بل أعلن أنه سيأمر في مرحلة ما من مراحل التحقيق ‏بإيقاف متهمين سوريين، وسيحقق مع كبار قادة النظام في دمشق: كالرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع.‏ أنه كرر في تقريره القسم الأكبر من اتهامات وتحليلات ميليس، حتى بدا وكأنه ينقل نص التقريرين اللذين قدمهما ‏هذا الأخير إلى مجلس الأمن، مع إضافة صغيرة هنا وحذف قليل الأهمية هناك. قال المحقق الجديد: إن هناك قوة ‏على درجة رفيعة من التنظيم، تملك قدرات الدول ولديها جهاز واسع ومتشعب وخبرات متقدمة، هي التي خططت ‏للجريمة ونفذتها، وأن هناك لبنانيين كباراً ساعدوها.‏ جاء رد الفعل السوري الأول متحفظاً ولكن من دون ضجيج، وقيل همساً: ليس الرجل كما اعتقدنا، فهو لم ينقض ‏ما قاله سابقه، وقبل الاستماع إلى عبد الحليم خدام كشاهد، ولم يتخل عن التحقيق مع سوريين نافذين جداً يعلنون ‏براءتهم من القتل، وأدخل القضية في الغموض عوض أن يدخلها في النسيان، وشحنها بعلامات خطيرة ومنطويات ‏قد تكون شديدة السوء، خاصة وان خدام نشر تسريبات يفهم منها أن التقرير النهائي سيتضمن معطيات يمكن ‏لمتابعتها دولياً أن تهز استقرار النظام الداخلي، وتهدد رموزه، وتزيد عزلته الدولية. وزاد الطين بلة أن الرجل ‏ليس من الذين يمكن اتهامهم بتسييس التحقيق أو بالعداء لسوريا أو للعرب، فهو القاضي الذي أمر باعتقال شارون، ‏رئيس وزراء العدو، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، حين كان على وشك زيارة وطنه بلجيكا، وهو الذي ‏تعرض لحملة إعلامية صهيونية شعواء اتهمته بعداء السامية وكره اليهود، ولم يقل شيئاً يمكن انتقاده بسببه، ‏وسيؤكد أي موقف سلبي منه تهماً وجهت إلى النظام رأت في موقفه من ميليس موقفاً من تحقيقات اللجنة الدولية، ‏التي تريد دمشق طيها والتخلص منه.‏ واليوم، توجد ثمة مخاوف في دمشق من أن يكون المحقق الجديد فخاً نصب للسياسة السورية ودورها الإقليمي. ‏وهناك اعتراف بأن براميرتس أكثر ذكاء وربما خبثاً من سابقه، وأنه ربما كان يفوقه مهنية، بينما يمكن لطريقته ‏أن تشكل إرباكاً خطيراً لسوريا، بسبب سريتها واعتمادها أسلوب العمل الصامت وما تتضمنه من مفاجآت يجهلها ‏المرء، قد تضعه أمام تحديات مباغتة ذات نتائج وعواقب مؤذية، لا سيما وأن مسار تحقيقاته يشير إلى عثوره ‏على أدلة جديدة ضد المتهمين باغتيال الحريري، جاء بعضها من أسلوبه في قراءة ملفات التحقيق، الذي يختلف ‏عن أسلوب سلفه، ويعتبر أكثر جدوى منه.‏ سيقدم براميرتس تقريره في الخامس عشر من الشهر المقبل إلى مجلس الأمن. وإذا لم تحدث مفاجآت غير ‏متوقعة، فقد يظهر أن تغيير المحقق لم يكن بالضرورة ما خالته دمشق: أمراً لمصلحتها، وقد يضعها أمام نتائج ‏نهائية لطالما حاولت التنصل منها، وتخطيها، ستترتب عليها تدابير وإجراءات دولية وإقليمية غير مستحبة، هذا إذا ‏تجاهلنا حقيقة مهمة هي أن خطة عبد الحليم خدام لزعزعة النظام مبنية في جوهرها على مفاجآت كهذه.‏ لم تصبح جريمة اغتيال الحريري من الماضي بعد، وخاصة بالنسبة إلى أهل النظام في سوريا، الذين فرحوا قبل ‏الأوان بذهاب ميليس، ويقولون اليوم بصوت خافت: إن خليفته الغامض قد يكون أشد خطورة منه.