حزب الوفد
ونهاية
الحزبية
العربية
عمر كوش
تطرح أعمال
العنف الدامية
التي حدثت في
مقر حزب
"الوفد"
المصري في
القاهرة
تساؤلات
عديدة حول
مصير هذا
الحزب العريق،
وتمتدّ لتطاول
إشكالية
الحزبية في
الحياة السياسية
والثقافية
العربية بشكل
عام، وماهية
الشكل
السياسي
والتنظيمي الذي
يتجاوب مع
مقتضيات
التغيير
المطلوب في اقع
الحال
المتحقق في كل
بلد عربي.
المحزن
هو أن يحدث ما
حدث في حزب
ارتبط اسمه
بثورة 1919، وبرموز
وطنية عديدة، وأن
الأزمة التي
عصفت به لم
تحل بشكل سلمي
وعبر
الممارسة
الديموقراطية،
مع أنه "حزب
ليبرالي
ديموقراطي"،
ينادي بالتداول
السلمي
للسلطة، وكان
له أثر كبير في
الحياة
السياسية في
مصر إلى أن
قامت ثورة 1952 التي حظر
بعدها ضباط
الجيش الذين
استولوا على السلطة
نشاط جميع الأحزاب
السياسية.
وقد
شهدت الأحزاب في
مختلف
البلدان العربية،
سواء في
السلطة أو في
المعارضة، نماذج
مشابهة
لأزمات عاصفة
منذ الربع
الأخير من
القرن
العشرين
المنصرم إلى يومنا
هذا. وكانت تنتهي
– في كل مرّة - أما
بالتصفيات
والإعدامات
والنفي على
مستوى أحزاب
السلطة
الحاكمة، أو بانشقاقات
أو تجميد أو
خلافات على
زعامة الحزب
على مستوى
أحزاب
المعارضة،
وتأخذ جميعها
طابعاً
قاسياً من
العداوات
والاتهامات
والمكائد،
الأمر الذي
يعكس حالات قسوى
من الانهيار
والتردي على
مختلف
المستويات، ويؤكد
غياب
الممارسة
الديموقراطية،
وأبسط تقاليد
الحزبية
المدنية
الحديثة.
قد يكون
الأمر نتيجة
طبيعية،
نظراً لأن
الأحزاب
والتنظيمات
التي عرفتها
الحياة الحزبية
العربية، منذ خمسينيات
القرن
العشرين
المنصرم، وخصوصاً
تلك التي وصلت
إلى الحكم، لم
تعمل على
إرساء تقاليد
ديموقراطية، بل
على إثارة
مختلف
العصبويات
الفئوية
والمذهبية
والإثنية،
وعلى تعميق
التفاوت
الاجتماعي
والطبقي،
وعلى تأبيد
حاضر الركود
والفوات، ولم
تتمكن من صون وتقوية
الوحدة
الوطنية حتى
في داخل البلد
الذي تحكمه، وابتعدت
عن أقلمات المفهوم
الحديث
للمواطنة
والانتماء
للوطن، فحلت
مختلف
الانتماءات الطائفية
والاثنية
والجهوية
والعشائرية، لتفعل
فعلها ثنايا
وتفاصيل
الحياة
السياسية
والاجتماعية
في البلدان
العربية. وعلى
الطرف
المقابل بدت
ممارسات
أحزاب
المعارضة،
ولو بدرجات
متفاوتة،
وكأنها لا
تختلف كثيراً
عن ممارسات
أحزاب
السلطة، بل
وعجزت عن
تشكيل بديل
ديموقراطي
ومدني، قادر
على تقديم
نموذج مختلف.
وبقيت
الحياة
الحزبية
العربية
مشدودة إلى
مفهوم الحزب
التوتوليتاري،
العسكري الانضباط،
في أغلب
لحظاتها
التاريخية
الحديثة، ولم
تخرج إلا في
لحظات نادرة
عن نطاقه الضيق.
ونشأ مفهوم
جديد للسلطة
المستبدة في
الأقلمة
العربية، هو
مفهوم السلطة المتسلطة
على المجتمع،
على حساب مفهوم
السلطة
الممثلة
للمجتمع، مع
أن تحقق مفهوم
السلطة أفضى
في عالم اليوم
إلى مفعهوم
السلطة
المنظمة
للمجتمع، ذلك
أن دور النظام
السياسي اليوم
يتجسد في تنظيم
القوى
الاجتماعية
والاقتصادية
والفكرية،
ووضع هذه
القوى في طريقة
تناغمية
قادرة على
تحقيق الهدف
الاجتماعي
الأسمى، من
خلال وضع نظم
ومؤسسات
قادرة على خلق
تفاعل إيجابي
سلمي بين هذه
القوى عبر سلسلة
من المؤسسات
الحكومية وغير
الحكومية،
ينهض هدفها على
تحقيق
الأهداف
الاجتماعية
عبر الوسائل
التكافلية
والاحتضان
وليس عبر الإقصاء
والإبعاد
والتخوين.
لا شك في
أن أزمة
الحزبية
العربية لا تخرج
عن مقدمات
التسلط
والاستبداد،
إذ كيف يمكن
لحزب الوفد،
أو الحزب
الشيوعي
السوري مثلاً،
أو أي حزب آخر
أن يكون
ديموقراطي
الممارسة في
ظل استدامة
حالة الطوارئ
والأحكام العرفية
والمحاكم
الاستثنائية
والاعتقال
التعسفي،
وبالتالي كيف
يمكن تعلمّ
الديموقراطية
في ظل الهمينة
والاستبداد؟
وهذا يطرح التغيير
الديموقراطي
كضرورة ملحة
في البلدان
العربية، للخروج
من حالات
القمع
والاستبداد
والأزمات
والتردي
والانهيار،
إلا التغيير
لا يكمن في
سرعة حدوثه،
إنما في
الكيفية
والمعنى
والطريق التي
تفضي إليه.
خصوصاً وأن
الحياة الحزبية
في البلدان
العربية لم
تعرف غير
أنماط انقلابية،
أفضت إلى نظم
الهيمنة
الشمولية.
إن التغيير
المطلوب
يتطلب أموراً
عديدة، وفي
مقدمتها السير
باتجاه تشكيل
حركة أو تيار مدني
وطني، أي خلق كتلة
اجتماعية
واسعة، ذات
طابع انتخابي،
وغير ملزمة
بالتواصل
الحزبي أو
بنمط تنظميه
السائد، الذي
يتطلب
الانضباط
والتوحد في
الانتماء
والولاء
والأفكار، وبالتالي
فالحركة أو التيار
عليه أن يتجسد
في تشكيلة سياسية
واسعة، تنهض على
المصلحة
الانتخابية،
وعلى فعل
تواصلي قائم
على الحوار
الفكري بين أفراد
أحرار.
لن
ينفعنا
الاستغراق
طويلاً في بحث
الإطار النظري
الحامل
لثقافة حزبية
ديموقراطية
سلمية في
ثنايا
ثقافتنا
السياسية، إذ
الممارسة هي
سيدة الأحكام
في هذا المجال.
وإن كان من
الممكن جداً
في بلداننا
العربية أن تسيّر
تظاهرات
مليونية، وهي
تظاهرات
سياسية
التوجه
واستعراضية
وظرفية، فإن المأمول
هو إرساء تقاليد
ديموقراطية سلمية،
تنبذ اللجوء
إلى العنف،
عبر بناء تيار
تقع على كاهله
مهمة إرساء
تقاليد طريق سلمي
للتغيير الديموقراطي
في بلادنا التي
هي بأمس
الحاجة إليه،
بعد أن جربّنا
طويلاً مختلف
أساليب
العنف،
والعنف المضاد،
التي لم تفضي
إلا إلى مزيد
من الدمار
والتردي
والانهيار.
-----------------------------------