إصلاح.. لمفاهيم أميركية

   صبحي غندور*

الحديث الأميركي عن الإصلاح السياسي وبناء المجتمعات الديمقراطية في المنطقة العربية، في ظلّ تجاهل مسألة "الاحتلال"، هو ذرّ للرماد في العيون ومحاولة تهميش الأسباب الحقيقية للصراعات المسلحة في المنطقة، وسعي مقصود لمساواة الإرهاب المرفوض مع المقاومة المشروعة ضدّ الاحتلال.

هناك، بلا شكّ، حاجة قصوى للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحتى الثقافي، في عموم المنطقة العربية ودول العالم الإسلامي، لكن سيكون أجدى لو تبحث واشنطن وكل الدول الصناعية في مقدار مسؤولياتها (مجتمعة أو منفردة) عن أسباب هذا التخلّف والتدهور خلال القرن الماضي كلّه، وما قامت به هذه الدول الصناعية من استعمار مباشر وغير مباشر ومن سلب للثروات الوطنية، ومن تدخّل عسكري وسياسي، ومن حربين عالمتين مدمّرتين للعالم كلّه، ومن "حرب باردة"، كانت دول العالم الثالث هي ساحة الصراع الساخنة لها، ومن دعم كبير ومفتوح للعدوان الإسرائيلي الغاشم لأكثر من نصف قرن على الشعب الفلسطيني كلّه وعلى عدّة دول عربية.

إنّ الحديث عن الديمقراطية والإصلاح في منطقة "الشرق الأوسط الكبير" هو دعوة حقّ يُراد بها باطل، خاصّةً أنّ المقصود بها ليس إسرائيل (رغم اعتبارها بلداً هامّاً في الشرق الأوسط حسب المفهوم الأميركي). ففي الحديث عن الديمقراطية والإصلاح يتمّ استثناء إسرائيل رغم الطبيعة العنصرية للنظام السياسي فيها، وفي الحديث عن العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية تصبح مشاركة إسرائيل أمراً حتمياً لا يمكن تجاوزه. وفي "الحديثين" لا ذكر لمسألة الاحتلال الإسرائيلي ومسؤوليته أصلاً عن الكثير من السلبيات الراهنة.

إنّ الديمقراطية السليمة والإصلاح الشامل مطلوبان فعلاً في دول المنطقة، بل في أنحاء العالم كلّه، كذلك هناك حاجة لهما في مجال العلاقات بين الدول، وفي ضرورة احترام خيارات الشعوب لصيغ الحياة الدستورية فيها، وفي عدم تدخّل أيّة دولة (كبرى أو صغرى) في شؤون الدول الأخرى.

إنّ الديمقراطية هي وجه من وجهي الحرّية، وهي صيغة حكم مطلوبة في التعامل بين أبناء البلد الواحد، لكنّها ليست بديلة عن الوجه الآخر للحرّية، أي حرّية الوطن وأرضه.

لذلك، فإنّ المدخل السليم لأي دور خارجي في المنطقة العربية يكون في إنهاء كافّة أنواع الهيمنة العسكرية الأجنبية على المنطقة وإزالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

إن الولايات المتحدة الأميركية نشأت أصلاً بأولوية حرية الأرض على البناء الديمقراطي، فهي تحرّرت أولاً من الهيمنة البريطانية، ثمّ شرعت هذه الولايات في بناء وضع دستوري سليم تناسبَ مع ظروفها وجغرافيتها والأصول الثقافية لشعوبها.

إنّ العرب تحديداً يحتاجون إلى النموذج الأميركي الحقيقي، وهو نموذج قام أولاً على التحرر من الاحتلال البريطاني والحصول على الاستقلال الأميركي من التاج البريطاني، ثمّ قام زعماء الولايات الأميركية المتحرّرة وقادة الاستقلال بصياغة دستور ديمقراطي اتحادي تكاملي راعى خصوصيات التجربة الأميركية وتعدّدها الجغرافي وتنوّعها الثقافي وسمح بضمّ ولايات جديدة للولايات التأسيسية الثلاث عشرة، ولم يسمح بانفصال الجنوب عن الشمال حيث خاض الجيش الاتحادي بقيادة أبراهام لنكولن حرباً دامية لمنع انفصال الولايات الجنوبية عن الاتحاد الأميركي.

واشنطن تدعم الآن صيغة الفيدرالية كحلٍّ دستوري في داخل البلد العربي الواحد، بينما الصيغة هذه مطلوبة بين البلدان العربية كتطوير لصيغة جامعة الدول العربية، تماماً كما في النموذج الدستوري الأميركي بين الولايات، بحيث تكون هناك مستقبلاً الولايات العربية المتحدة ثمّ تنسّق هذه الولايات مع المجموعات الإقليمية والدولية الأخرى. هكذا فعلت وتفعل أميركا في إطار علاقاتها مع جوارها الكندي والمكسيكي وأوروبا وغيرها من الدول، فرغم وحدة الحال مثلاً بين أميركا وكندا في الكثير من المسائل، فإنّ ذلك لم يمنع من الحرص على الاستقلالية الكندية والأميركية، ومن تأكيد وحدة الكيان الأميركي عبر صيغة فيدرالية ديمقراطية بين الولايات الخمسين، ونظام ديمقراطي ذي خصوصيات في داخل كلّ ولاية.

هذا ما تحتاجه المنطقة العربية الآن، وليس فقط الإصلاح السياسي، فالمنطقة بحاجة إلى صيغة تكاملية اتحادية بين دولها العربية فقط، والأخذ في الحدّ الأدنى بنموذج الاتحاد الأوروبي إذا كان من الصعب اعتماد النموذج الاتحادي الأميركي. لكنّ أيّاً من النموذجين يقتضي أولاً الاستقلال السياسي وحرّية الأرض والأوطان على قاعدة دستورية سليمة بحيث يجتمع في بلدان المنطقة كلّها العدل السياسي مع العدل الاجتماعي، وبحيث يرتفق التحرّر الوطني مع الحرّيات السياسية والبناء الديمقراطي السليم في البلدان العربية.

وكما يلتقي "الاتحاد الأميركي" مع "الاتحاد الأوروبي" مع "روسيا الاتحادية" في مؤتمرات ولقاءات دورية مشتركة رغم التجانس الحضاري بين دول هذه "الاتحادات"، فإنّ مستقبل التعاون الإقليمي في منطقة "الشرق الأوسط الكبير" يمكن أن يقوم على حالٍ شبيهة بحيث يلتقي "الاتحاد العربي" مستقبلاً مع غيره من الكتل الإقليمية الأخرى الممكن تشكيلها في المنطقة.

فالمنطقة العربية التي هي بحاجة إلى الديمقراطية والإصلاح السياسي، وإلى التحرّر الوطني والاستقلال السياسي، هي بحاجة قصوى أيضاً من أجل مستقبلها ونموّها الاقتصادي والاجتماعي إلى التكامل والاتحاد بين دولها وفق صيغة ديمقراطية سليمة، وبتحقيق ذلك، تصون دول المنطقة استقلالها وتضمن تقدمها وتحفظ هويتها الثقافية الحضارية...

 

===============================================================

 

* مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

  alhewar@alhewar.com