علاقة الداخل بالخارج - الراهن والآفاق (1)

كامل عباس

علاقة الداخل بالخارج ماضيا

 

عرف التاريخ البشري منذ القدم تجمعات عديدة أدى تطورها لإعطاء كل منها هويته الحضارية المميزة له , ومع أن منطق التطور الداخلي كان العامل الحاسم في رسم صورة الهوية لشعب ما , إلا أننا لاستطيع أن ننكر دور العامل الخارجي وتأثير الحروب والغزوات التي كانت تتم بين تلك التجمعات من اجل السيطرة على موارد الطبيعة ,لدرجة تهجين الثقافة أحيانا بين الغالب والمغلوب , لا بل يحدثنا التاريخ عن حضارات سادت ثم بادت نتيجة غزوات الخارج .

فيما بعد تشكلت ملامح كل شعب من عادات وتقاليد وآلام وآمال ولغة وتاريخ مشترك لتعطي الأقوام والأمم الحالية , ومرة أخرى كان للخارج دور في تشكل الدول المعبرة عن تلك الهويات , على سبيل المثال لا الحصر . الشعب الكردي له هويته القومية العريقة , مع ذلك وزع بين أربعة دول , ولم يسمح له بإقامة دولته المستقلة , في حين قامت دولة إسرائيل بدعم خارجي وأصبحت واقعا بين دول المنطقة .

أما مفهوم السيادة الوطنية للدول . فقد تبلور بعد حصول حربين عالميتين واتفاق الدول فيما بينها على تعريف تلك السيادة , وهي التي تعني استقلال كل دولة ضمن حدود معترف بها تمثلها سلطة سياسية نابعة من داخل تلك الدولة , تقوم بحماية الحدود وفرض ما يلزم من قوانين وجمارك بما يتلاءم مع مصلحة البلاد . وقد ناضلت البلدان المحتلة من اجل استقلالها وطرد المحتل , ونالت اغلب الدول ذلك , ولم يبقى ما يذكرنا بالاحتلال المباشر تقريبا سوى الجولان والقدس المحتلة .

علاقة الداخل بالخارج حاضرا:

 

تحولت الحرب الساخنة إلى حرب باردة بين معسكرين متنافسين ضمن نظام عالمي جديد تمخض نتيجة حربين عالميتين :

-    المعسكر الاشتراكي الذي كان يقوده الاتحاد السوفيتي , ويعتبر أن سمة العصر هي الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية , وان النصر حليفه لامحالة في النضال ضد الامبريالية , وقد حقق نتائج بارزة على الأرض , كان أبرزها انتصار حركات تحررية في أكثر من قارة بدعمه , وفرض وجوده على صعيد الأسلحة النووية الاسترتيجية , وسبق المعسكر الآخر في وصوله الى القمر , ولكن مرحلة الهبوط بدأت بعد سبعينات هذا القرن بسبب نهب قادته السياسية للدولة وتحولهم الى رموز فئة جديدة من البرجوازية , وغياب مجتمع مدني وحريات عامة تكون قادرة على مراقبة تلك القيادة , أو بكلام أدق , عدم نضج الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفياتي للاشتراكية , وكانت النتيجة انقلاب سمة العصر في ذلك المعسكر لتصبح من الاشتراكية الى الرأسمالية , ولنكتشف ان تلك الدول عمقت الرأسمالية في بلدانها تحت يافطة شيوعية

-    المعسكر الثاني , اعتمد في تطوره على طريق كلاسيكي رأسمالي , جوهره نهب البلدان الضعيفة التطور , ورشوة طبقاته الشعبية المنتجة داخل بلدانها الأصلية , واعتماد الديمقراطية في داخل تلك البلدان التي تنطلق من مكونات مجتمعها على الأرض ,

تمخضت الحرب الباردة بالنهاية عن نظام عالمي جديد تعم فيه الرأسمالية كل بلدان الكوكب الأرضي يعرف اختصارا ب (العولمة ) تسيطر عليه الشركات فوق القومية متعددة الجنسيات , يسهل عملها تطور العلم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة وثورة المعلومات التي حولت العالم الى قرية صغيرة .

ان النظام العالي الجديد ( , على عكس مايتوهم دعاة التقدم في كل مكان الذين لا يزالون يفكرون بعقلية الحرب الباردة والذين يعتبرونه درجة جديدة من الاستغلال الامبريالي الذكي المتوحش , والذين يطرحون بديلا عنه وعلى أنقاضه , وهم بغبائهم هذا يخدمون اشد الفئات رجعية في هذا النظام ) متقدم عن النظام السابق بكل المقاييس ولمصلحة البشرية والإنسانية جمعاء

-    ففي هذا النظام حضور أكبر للإنسان وحقوقه بالمعنيين الاقتصادي والسياسي , يعبر عن ذلك منظمات حقوق الانسان التي يتنامى دورها في كل البلدان

-    وفي هذا النظام لم يعد من معنى للسيادة الوطنية القائمة على الديكتاتورية في الداخل وعلى تسييج الحدود بالعسكر في مواجهة الخارج , أصبحت السيادة الوطنية تتطلب نظاما ديمقراطيا ينطلق من مكونات شعبه ووزن بلاده وقوتها الاقتصادية وقدرتها على المنافسة داخل السوق العالمية .

-    وأمريكا التي تقود هذا النظام سياسيا هي نتاج حضارة البشرية كلها والتي تفرض عليها قيما لاستطيع تجاوزها , وحتى عتاة اليمين المحافظ فيها مثل بوش وحليفه شارون ( الذي هو الآن على فراش الموت ) لم يصلا الى السلطة الا نتيجة تنافس ديمقراطي على الأرض بين قوى عديدة , وتعبيرا عن توازن قوى , عندما يختل يمكن ان يأتي بغيرهما . في حين يبقى أمثال صدام حسين الى الأبد , وقراره الشخصي لايستطيع ان يؤثر فيه احد غيره , والنسخة العربية المعدلة عنه , هو حسني مبارك الذي اختلف مع زوجته حول ابنهما جمال , فهي تريده ان يحل محل أبيه , وهو يرى ان امرأته حمقاء لأنها لاتترك لأبيه فرصة تهيييء الحكم لولده , عبرا لتمديد له بولاية جديدة أصبح آهلا لها بعد معالجته وشفائه التام من مرضه .

-           

علاقة الداخل بالخارج مستقبلا

 

هناك معطيات جديدة قدمها التطور الاجتماعي لابد من أخذها بعين الاعتبار. تحديدا من قوى اليسار المعنية بغد أفضل للبشرية ومنها

1-  ان اختراق الرأسمالية على هذا الكوكب يحتاج الى بلد متطور اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا استنفدت فيه الرأسمالية كل أغراضها , والوصول له لايمكن أن يكون عبر النفخ في شرارات الصراع الطبقي لنجعل منها حريقا هائلا كما يطرح الماركسيون , ان سمة عصرنا وخصوصيته هو الوعي كمولد للجديد وقابلة للتاريخ , وتغليب الانساني على الطبقي بدلا من الدعوة للعنف الثوري .

2-  أما البلدان ضعيفة التطور مثل البلدان الاسلامية الشرقية فهي تحتاج الى تنمية عريضة شعبية وبأفق رأسمالي , يقف حجر عثرة أمام تحديثها بنيتها الشرقية الاستبدادية الراكدة وكل القوى التي تعاكس المشروع الحضاري الكوني سواء كان ذلك بسبب غباء أصولي هو بقية من تفكير الماضي ,أو بسبب وعيها لمصالحها التي ستتضرر من هذا التحديث , تجب الإشارة هنا الى أن الإسلام كدين سماوي وارضي هو ضد الاستبداد ,وقد جاء لمحاربته ,وكان عنوانه , إعلاء قيمة الانسان في كل زمان ومكان , وقد أمره الآ يركع لأحد من بني جنسه , فالركوع في الاسلام لايجوز الا لله تعالى , والإسلام أطلق صيحته المشهورة للإمبراطوريين المستبدين في زمانه أن - أسلموا تسلموا - واجعلوا الحكم شورى فيما بينكم . فهل يجوز ان نصفه بدين الاستبداد ونحمله فظائع الإرهاب الحالية , على العكس , لقد تم تكييف الإسلام بالنهاية من قبل المستبدين بما يخدمهم وهو ضحية للاستبداد وليس سببا له

3-  المعركة حقيقة الآن هي بين قوى الاستبداد والجهل والتخلف وما يفرز من إرهاب , وبين قوى الديمقراطية والتقدم الذي أصبح الاستبداد عبئا على تطورها العالمي

4-    فرصة بلداننا الشرقية كون مصالح شعوبها لأول مرة في التاريخ تلتقي مع المشروع الكوني

5-  الخط الثالث وهم , لكن التمييز بين قوى الديمقراطية وحاملها الأمريكي والغربي الشعبي والرسمي ضروري , وفهمنا لذلك يساعدنا على أن ندفع بالديمقراطية - القادمة لامحالة الى منطقتنا - لأن تكون لمصلحة شعوبنا أكثر مما هي لمصلحة الغرب ,

.................................................................

الخلاصة:

علاقة الداخل بالخارج تغيرت بتغير الظروف , والمطلوب من أي معارضة للاستبداد الاستقواء بالخارج , لابل يكاد يكون له الدور الأساسي في تجاوز الاستبداد , وهذا جديد عصرنا , ويجب الايخيفنا الاتهام بالعمالة للغرب , فالغرب هو نتاج الحضارة الانسانية . على العكس , مطلوب تشديد التدخل الدولي بهيئاته المستقلة ضد الاستبداديين , الذين يتشدقون بالسيادة الوطنية , وهم المسؤولن عن محنة شعوبهم الحالية .

ملاحظة. كتب هذا المقال بطلب شخصي من مركز الدراسات النظرية والحقوق المدنية ,من اجل الإسهام في الحوار الدائر حول المحور المطروح من قبلهم تحت عنوان

علاقة الداخل بالخارج الراهن والآفاق

كامل عباس اللاذقية