العلاقة بين الداخل والخارج : الراهن والآفاق

فايز ساره

 

أثرت التطورات على مفهومي "الداخل والخارج" فرضت تداخلا ًسياسياً واقتصادياً وإعلامياً , مما جعل كثيراً من الباحثين والسياسيين أمام إشكالية كبيرة في تحديد ماهية ومكونات هذين المفهومين .

في الورقة المقدمة إلى سيادتكم ومن خلالكم محاولين سبرهما على المستوى الفكري من خلال ما تحملونه من قدرة فكرية لها تأثيرها على القوة السياسية وأصحاب القرار. من هنا طرحنا هذين المفهومين على بساط البحث علها من خلال الأسئلة المطروحة أن تحل جزء من هذه لإشكالية.

 

تعريف أولي : مفهوم الداخل .

: مفهوم الخارج .

 

مفهوم الداخل ومفهوم الخارج، مفهومان مشكلان، تحيط بهما الالتباسات من كل جانب وخاصة لجهة علاقتهما بالسياسة. ففي بلد مثل سوريا، هناك أغلبية مقيمة في سوريا، هي خارج السياسة، وهو اتجاه طالما اشتغلت عليه وشجعته السلطات التي حكمت سوريا منذ العام 1958، وتابعته بكل إصرار سلطة البعث، التي اقامت نظاماً امنياً لاسياسياً، وجعلت السوريين فيه خارج السياسة. فيما قلة من سوريي الداخل هم داخل السياسة، وقد عملوا في السنوات الأخيرة إلى توسيع حيز الداخل السوري في علاقته بالسياسة، إلا أن نتائج هذا الجهد مازالت محدودة، الأمر الذي يعني في النهاية، أن الداخل السوري في علاقتها بالسياسة مازال قليل الصلة.

أما المقيمين من السوريين في الخارج، فقد سجلوا في السنوات الأخيرة تغييراً في علاقتهم بالسياسة، فانتقلوا من حيز كانوا يتوافقون فيه مع مواطنيهم في الداخل، إلى اهتمام أكبر بشؤون السياسة السورية وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وكان بين مؤشرات هذا التغيير ظهور العديد من الأحزاب والحركات السياسية السورية، وإطلاق كثير من الوسائل الإعلامية ولاسيما مواقع الانترنت على الشبكة الدولية، إضافة إلى إقامة كثير من الفعاليات السياسية بينها مؤتمرات وندوات واعتصامات، وبهذا المعنى، فان الخارج السياسي السوري صار في الداخل.

أن الظروف المحيطة بـ"الداخل" و"الخارج" لعبت دورها في أحداث التبدلات من حيث اتصال كل منهما بالسياسة، فقد أتاحت حركة المثقفين ومبادرات الناشطين في الداخل للسوريين في الخارج القدرة على تلمس القضايا الأكثر أهمية وسخونة في الواقع، وأتاحت الحريات في الخارج للمهتمين والناشطين فرصة القول والحركة والفعل في اكثر من جانب.

 

ما هي الملامح الأساسية للمجتمع السوري ؟ وهل هناك إمكانيات لدخول عناصر جديدة فاعلة ؟ وما مدى تأثيرها على تطور المجتمع أو تحسين شروطه؟

إن الفاعلين الأساسيين في المجتمع السوري الحالي، ينتظمون في ثلاث فئات رئيسية، الفئة الأولى، ويمثلها الملتفون حول السلطة، وهم فئة واسعة، تتكون وجماعات مختلفة، لايجمعها سوى اقترابها من السلطة لسبب أو لأخر، وهو اقتراب مرشح للتبدل بين لحظة وأخرى، وخاصة في ضوء تزايد التحديات التي تواجهها السلطة، وهي تحديات داخلية خارجية آخذة بالتزايد والاتساع، ليس فقط بسبب اتساع جبهة المعادين للسلطة في الداخل والخارج، وإنما أيضا نتيجة ارتباكات السياسة التي تتابعها السلطات على كل الأصعدة.

الفئة الثانية في سوريا، هي المعارضة، وهي تضم طيفاً واسعاً في حدوده، ما بين معارضة جزئية لبعض سياسات السلطة الى معارضة كلية تطرح فكرة تغيير النظام عبر وسائل سلمية وعلنية، غير إن هذه المعارضة محدودة العدد، وهي محدودة الفاعلية من حيث تأثيراتها على المحيط الثقافي والاجتماعي، وهو وضع يجد له تفسيرات واقعية في الإرث الموروث للحياة العامة في سوريا ولاسيما في جانبها السياسي.

وتشكل الفئة الثالثة أغلبية الجمهور في سوريا، وان كان من الملموس حضور الاعتراضات والملاحظات على الحياة العامة في صفوفها، فان حضورها وفعلها في الحياة السورية يكاد يكون محدوداً، لكن ثمة تململات جزئية تظهر بين وقت وآخر في بعض مفاصل تلك الفئة على نحو ما حصل في المحافظات الشمالية الشرقية والشمالية في آذار 2004 في خلال وبعد أحداث القامشلي، او في خلال ما حدث في مناطق مصياف العام 2005، وقبلها في محافظة السويداء، ومؤخراً في التحركات ضد السفارات الأجنبية في إطار الرد على الرسوم المسيئة للرسول. وبصفة عامة، فان تداخلات متعددة ومتنوعة أدت إلى هذه التململات بينها تداخلات ذات طبيعة قومية أو طائفية.

ولايحتاج الى تأكيد قول، إن هذه اللوحة يمكن أن تتغير، بمعنى دخول فئات جديدة في ساحة الفعل والمساهمة في تغيير لوحة الواقع السوري وظروفه الراهنة. ولعل الأهم في الفئات المرشحة للقيام بدور هم الشباب ورجال المال والأعمال، وكلاهما شديد التأثر بالواقع الراهن وخاصة لجهة التحديات التي تواجه سوريا والسوريين، وهي تحديات تترافق مع انسدادات في معالجة ماهو قائم من مشكلات ولاسيما الاقتصادية والاجتماعية في بلد يعاني من نظام الاحتكارات، تتمركز فيها الثروات في أيد قلة مدعومة من صناع القرار والذين يتابعون سياسات متخبطة وغير مدروسة في وقت تتصاعد فيه مشاكل أكثرية السكان، حيث يتزايد معدل الفقر البالغ حالياً نحو واحد من كل ثلاثة سوريين، وتتوسع البطالة التي تصل حسب الرقم الرسمي نحو اثني عشر بالمائة، وغالبا، فان الفقراء والعاطلين عن العمل اغلبهم من الشباب. ولاشك، إن تحرك فعاليات وفئات جديدة في المجتمع السوري سيكون له نتائج ايجابية في حراك المجتمع وفي سيره نحو إحداث تبدلات سياسية واقتصادية واجتماعية ملموسة.

 

هل محدد " السيادة الوطنية ، الوطنية " مازال له نفس المكونات السابقة ؟ وإذا طرأ شيء جديد ما هو هذا الجيد ؟.

 

إن مفهوم السيادة الوطنية، خضع لتبدلات كبيرة في محتواه التقليدي في العقود الأخيرة ولاسيما بعد ثورة الاتصالات، التي لاشك إنها أزالت الحدود بين الدول، وفتحت أبواب الشعوب على بعضها بعضاً، ولم يعد بإمكان أي نظام في العالم، إن يقيم "ستاراً حديدياً"، وان يمنع دخول وخروج المعلومات، وان يضبط حدوده السيادية بمعناها التقليدي.

وإذا كان من معنى لهذه التحولات، فإنها في بعض محتوياتها جعلت من السيادة الوطنية قضية تتعلق بالأشخاص "المواطنين" بعد أن كان الأمر كله بيد الدولة وبعض مؤسساتها وأجهزتها، بمعنى إن الحفاظ على السيادة صارت بعض مهام "المواطن"، لكن الأمر بالنسبة للأخير محكوم بوعيه ومعرفته، التي غالباً ما تتأثر ليس فقط بالإرث الموروث، وإنما أيضا بالواقع السياسي، ورغم كل ما جرى، فان من الصعب على السوريين أن لاينظروا إلى السيادة الوطنية بصورة منفصلة عن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وسياسة إسرائيل الحالية ومنها احتلال الجولان.

 

هل هناك تغير بدأ يتبلور في السياسة الأميركية بعد جملة الأحداث الأخيرة (العراق, فلسطين، لبنان) ؟ وما مدى الاستفادة من جملة المتغيرات الجديدة على صعيد الداخل .

 

نعم هناك تغييرات في السياسة الأمريكية في المنطقة، جوهر هذه التغييرات عدم قبولها باستمرار الإطار السابق للدول والعلاقات الإقليمية في المنطقة، وهذا يعني ضرورة تغيير النظم السياسية من جهة والعلاقات الإقليمية من جهة أخرى، وهو ما عبر عنه مشروع الشرق الأوسط الكبير بوصفه حالة أمريكية مطلوبة في مستقبل المنطقة.

لقد جرت تغييرات في المنطقة استندت الى محتوى مشروع الشرق الأوسط الكبير، وكان العراق النقطة المركزية في التغيرات، حيث فقط من حيث إسقاط نظام صدام حسين الدكتاتوري في العام 2003، وإنما في المراهنة على إقامة نظام ديمقراطي هناك، باعتبارها مثالاً لما يمكن أن يكون عليه حال الأنظمة السائدة في المنطقة، وبالاستناد الى هذه الرؤيا توبع الاشتغال الأمريكي على إحداث تغييرات في أكثر من بلد منها فلسطين ولبنان إضافة إلى مايجري الاشتغال عليه إزاء إيران وسوريا وغيرها.

إن الاشتغال الأمريكي على التغيير مستمر رغم العثرات والمشاكل التي واجهت وتواجه واشنطن في العراق، والتي من الواضح، إن محاولات جدية تجري للتغلب عليها أو تجاوزها، لكن ذلك لايمنع من قول أن مشاكل العراق ليست الوحيدة التي تقف عثرة أمام تقدم مشروع الشرق الأوسط الكبير في المنطقة، بل إن سياسة واشنطن وبعض مشاكل عراق اليوم من نتائجها- هي التي تمنع تقدم مشروع الشرق الأوسط خاصة في ثلاث نقاط رئيسية، الأولى عدم حدوث أي تغيير جوهري في سياسة واشنطن في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي والفلسطيني الإسرائيلي بشكل خاص، والثاني فشل الولايات المتحدة في تقديم نموذج مقبول للديمقراطية في المنطقة وميلها الى تفاهم مع بعض الأنظمة بما يحفظ لها الأنظمة وجودها، والنقطة الثالثة، ارتباك سياسة واشنطن في تعاطيها مع قوى التغيير في المنطقة وغالب هذه القوى قامت على تعارض سياساتها مع سياسات واشنطن سواء كانت قوى إسلامية كما في مثال حماس الفلسطينية أو قوى قومية ويسارية في وقت مازالت القوى الليبرالية في المنطقة قوى ضعيف وهامشية.

إن استفادة قوى التغيير في المنطقة من الحركة الأمريكية مازال محدوداً بفعل التضادات السياسية بين الطرفين، وبفعل عدم وضوح السياسة الأمريكية في رفعها الغطاء عن الأنظمة المقربة أو القريبة منها، وعدم تقديمها دعماً سياسياً مناسباً لقوى التغيير، أو في مايحمله القول بتخصيص مبلغ خمسة ملايين دولار لـ"المعارضة السورية" من ازدراء، ردت عليه المعارضة بالرفض.

 

هل تشكل المعارضة السورية في الخارج قوة فاعلة على المدى المنظور داخليا ؟ وهل تستطيع تنفيذ برنامجها من خلال الداخل أم بأجندة خارجية؟.

 

نعم تشكل المعارضة السورية في الخارج قوة فاعلة ولاسيما في المجال الإعلامي، ونجاحها في هذا المجال، يمكن أن ينمي لها حضوراً داخلياً، لكنها لن تكون فاعلة في هذا المستوى إلا من خلال حضور مباشر وحيوي، يشارك معارضة الداخل في المهمات المطروحة، وهذا سوف يجعلها قادرة على المشاركة في عملية التغيير الوطني الديمقراطي المنشود.

لقد أبدت المعارضة السورية في الخارج قدراً كبيراً من الحذر إزاء أجندات التغيير الخارجية، والأمر في هذا يتصل بأمرين، أولهما عدم إعلان أجندات خارجية للتغيير في سوريا، وما تم إعلانه في هذا المجال تصورات من بعض الجماعات أو الشخصيات في الخارج لم تجد لها تجاوباً، والأمر الثاني وجود معارضة داخلية قوية وخاصة مجموعة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في مواجهة أجندات الخارج، وقد امتدت هذه المعارضة الى عدد من الجماعات في الخارج مثل جماعة الإخوان المسلمين، لكن هذا الوضع يمكن أن يتغير في ضوء إطلاق أجندة أمريكية أوربية للتغيير في سوريا، فتنتقل بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج للعمل تحت محتوى تلك الأجندة كما حصل مع عدد من جماعات المعارضة العراقية وبعض شخصياتها.

 

إلى أي حد يمكن للخارج التأثير على مسار التطورات من خلال الاستعانة بالداخل،

وبالعكس ؟ .

نعم الخارج والداخل ومن خلال التواصل فيما بينهما، يمكن أن يكون لهما ولو بنسب غير مستقرة ومتبدلة- تأثيرات على مجريات الإحداث في بلد ما. في الوقت الحالي ضاقت المسافة بين الداخل والخارج، وما يحدث في داخل ما، تكاد فصوله تكون متابعة في ذات اللحظة في الخارج، ويمكن للأخير، أن يقوم بتدخلات فاعله في تطوير الإحداث.

غير إن تناغم أداء الداخل والخارج ليس امرأ بسيطاً في الحالة السورية وبالتحديد في موضوع صناعة حدث سياسي هام للأسباب بينها ضعف التجربة في كلا الوضعين وخاصة بالنسبة للخارج الذي ولدت معظم تعبيراته مؤخراً، وغياب مركز مؤثر في صنع الحدث، وضعف التواصل بين الجانبين، وارتباك السياسات سواء بفعل تناقض الأيدلوجيات والسياسات واختلاف طبيعة العلاقات سواء في مستوياتها الداخلية أو الخارجية.

إن هذه الأسباب حصيلة طبيعية لسياسات السلطات السورية، التي أبعدت السوريين عن الحياة العامة، ودمرت الحياة السياسية وتنظيماتها ونخبتها، وأقامت بدلاً من النظام السياسي نظاماً امنياً سيطر على الدولة والمجتمع وحولهما بنيات ضعيفة وهشة.