المعارضة في خطر ( 1 / 2 )

  شاهر أحمد نصر

 

تطرقنا إلى مسألة المعارضة في أكثر من مقال. وبينا وجود من لا يتوانى عن التبجح بضعف المعارضة وعن العمل على المزيد من إضعافها.. وبينا أنّه لاكتساب أية سلطة صفة الشرعية في الدولة القانونية العصرية، ولتستطيع البقاء لا بد من توفر مجموعة من الشروط، من أهمها: رضا وقبول أبناء المجتمع بهذه السلطة، والتداول السلمي لها، والمساواة القانونية والحرية في ظلها... ويتطلب التداول السلمي للسلطة بالضرورة وجود معارضة سياسية وطنية تعمل بشكل قانوني شرعي سليم.. مع التنويه إلى بؤس حال الأمة التي لا تسمح بنمو المعارضة الداخلية فيها بشكل سليم..
وأكدنا على أنّه من الطبيعي أن تحصل أخطاء في عمل ونشاط المعارضة، خاصة إذا لم يسمح لها بالعمل القانوني السليم، فتظهر الآراء المتطرفة، والصبيانية، بل تعلو أصوات هؤلاء، ويستغل المتضررون من وجود معارضة بناءة هذه الأجواء ليشوهوا سمعة المعارضة، ويألبوا السلطات للانقضاض عليها، بسبب خوفهم منها لأنّها ستعريهم أمام الشعب والتاريخ، فيجري الانقضاض على المعارضة قبل أن تنضج بشكل صحيح، وتقول كلمتها..
وفي ظل أجواء قوانين الطوارئ، التي يحرم فيها العمل السياسي السليم، ينكفئ أبناء المجتمع بشكل عام عن العمل السياسي، ويزداد انكفاؤهم، مع استمرار الظروف السابقة، ومع تسعير الحملة المضادة للمعارضة، وزج رموزها في السجن... وبالتالي فسبب انكفاء الشارع عن المعارضة لا يكمن في المعارضة نفسها، بل سببه الأساسي آلية التعامل مع العمل السياسي في البلاد، والخوف من وجود المعارضة بشكل عام. وهنا يتبادر إلى الذهب سؤال: من يخاف من المعارضة، ولماذا؟!
مع الإقرار بحتمية وجود خلل وضعف في عمل المعارضة، لا بدّ من الاعتراف بأن طبيعة بعض أنظمة الحكم، وغياب قوانين العمل السياسي الديموقراطي مسئولة أيضاً عن الثغرات في عمل المعارضة.. ولمعالجة هذه المسألة، يجب العمل على إصدار القوانين اللازمة التي تحكم عمل المعارضة والحكومة، وليس التشفي وإلغاء المعارضة وزج رموزها في السجون..
أجل إنّ أنظمة الحكم تتحمل قسطاً أساسياً من المسئولة عن الشكل البائس الذي تظهر فيه المعارضة. وتتحمل مسئولية دفع بعضها للارتماء في أحضان الأعداء والخارج.. وعند ذكر الخارج من المفيد التذكير بأنّ فرض الحرية من الخارج هو نقيض الحرية، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية من الضروري أخذ التناقضات التي تعاني منها السياسة الخارجية لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية في عين الاعتبار، خاصة عند زعمها بأنّها تريد نشر الديموقراطية... فهذه الإدارة تمثل مصالح الاحتكارات الرأسمالية، والديموقراطية التي تدعو إليها لا بدّ أن تخدم مصالح تلك الاحتكارات المتحالفة مع الصهيونية العالمية، فضلاً عن أن نشر الديموقراطية في بلداننا وبناءها على أسس حضارية سيؤدي إلى بناء دول ومجتمعات قوية ومتينة، وهذا في غير صالح المشروع الصهيوني المدعوم من الإدارة الأمريكية... من هنا يتبين الوجل الذي يعتري السياسة الخارجية الأمريكية في المساعدة على نشر الديموقراطية... من الضروري أن تستفيد شعوبنا من جميع الإمكانيات الداخلية والخارجية لتحررها وتقدمها، والولايات المتحدة الأمريكية هي مركز أساسي من المراكز التقنية والاقتصادية المؤثرة في العالم، والذي من الخطأ تجاهله، لكن علينا رؤية مصالحها الحقيقية، وعدم بناء أوهام على مزاعمها في نشر الديموقراطية... فالديموقراطية هي فعل داخلي بامتياز، ويجب أن نرتقي ذاتياً لممارسة هذا الفعل... مع الاستفادة من كل الظروف الملائمة التي يتيحها الخارج...
ضرورة المراجعة النقدية لنشاط المعارضة:
مع التأكيد على الدور السلبي الذي تلعبه البنية السياسية الجامدة، بنية قيادة الدولة والمجتمع من قبل حزب سياسي محدد، في ظل حالة الطوارئ وغياب قوانين الأحزاب والانتخابات العصرية، مع التأكيد على هذا الدور السلبي في إضعاف العمل السياسي في المجتمع، بشكل عام، وإضعاف المعارضة التي هي عنوان الوطن؛ من الضروري التمعن في النشاط الذاتي للمعارضة، والقيام بمراجعة دورية نقدية لنشاطها كيلا تقع في حالة التكلس، والعنجهية، والغرور، والتعالي عن الواقع والانفصال عنه، وبناء سياستها على أسس إرادوية وعلى أوهام لا تنسجم مع الواقع، وهنا يكمن مقتلها...
قد نكون تحاشينا التطرق إلى الكثير من أخطاء المعارضة لأسباب مختلفة، منها تخوفنا من أن يفسر موقفنا بشكل خاطئ وغير موضوعي، وكيلا يستغل ذلك للهجوم على المعارضة... لكن التستر على الأخطاء يضر أكثر مما يفيد.
في أخطاء المعارضة:
كنا قد بينا رأينا في "إعلان دمشق للتغير الوطني الديموقراطي" الذي صدر بتاريخ 16/10/2005 منوهين إلى أنّه نقلة نوعية متقدمة تحتاج إلى نظرة نقدية وممارسة موضوعية لتحقيقها، ومع تقدير الجهد الذي بذل لإنجازه وللتوافق عليه، تحدثنا في بعض النقاط التي كنا نود لو تلافها الإعلان، منها الرؤية الشاملة للأخطار التي تحيق بالوطن الناتجة عن أسباب كثيرة، والتي من غير المفيد حصرها بسبب واحد... لأنّ عدم رؤية باقي الأسباب قد يقود إلى أخطاء في تحديد المهام البعيدة... وبيناً أنّ أسلوب طرح الإعلان، والدعوة للتوقيع عليه، تحمل شيئاً من التناقض والطوباوية التي قد يجر الاستسلام لها إلى نزعة من الإرادوية والعاطفة والخيال… مشددين على ضرورة أن تكون الأهداف، والأفق، والمستقبل، وسبل تحقيقها واضحة المعالم والأسس بعيداً عن العواطف والمحاباة لهذا التيار الديني والسياسي أو ذاك... وغيرها من الأفكار التي وردت في مقالنا بتاريخ 5/11/2005 والذي نشرته جميع المواقع الإلكترونية المهتمة بإعلان دمشق، باستثناء موقع (الرأي) حسب علمنا...
من لا يتبعنا ولا ينفذ أوامرنا فهو ضدنا!
من أهم الأخطاء التي وقع فيها معدو إعلان دمشق، التحليل الإرادوي الطوباوي غير الدقيق للواقع، عندما توهموا أنّهم يمثلون كافة "قوى المجتمع التي أجمعت على التغيير"... انطلاقاً من هذا الخطأ في التحليل ـ أرجو ألا يفهم نقدنا للخطأ في التحليل عدم رغبتنا في حصول التغيير الوطني الديموقراطي السليم، إنما من الضروري عدم الخلط بين الرغبة والحلم والوهم والواقع ـ بنى القيمون على الإعلان سياسة ومواقف غير موضوعية، وغير دقيقة، ملخصها أن من لا يقف معهم، هو ليس ضدهم فحسب، بل وهو ضد التغيير.. وذهب بعضهم أبعد من ذلك، باعتبار كل من لا يتبعهم ولا ينفذ أوامرهم، فهو عميل ومرتبط يقف ضدهم وضد التغيير، وأية دعوة من قبله للإصلاح أو التغيير تصب في خدمة الآخر!
صكوك في الوطنية:
حصلت تطورات هامة وجد بعض المهتمين بالشأن العام ضرورة تبني مواقف تجاهها، ومنها، على سبيل المثال، الموقف من تقرير لجنة التحقيق الدولية المقدم إلى مجلس الأمن.. ورأى هؤلاء المهتمون، والذي لم يوافقوا على البصم على إعلان دمشق، ضرورة تبيان موقفهم كي لا تحصل أية مواجهة بين الوطن والمجتمع الدولي، فأصدروا إعلانات أو نداءات، كإعلان حمص ونداء طرطوس، ودعا آخرون إلى تشكيل جبهة للمواجهة... ولما كانت هذه النداءات قد صدرت دون العودة إلى اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق، على الرغم من دعوتهم للتوقيع عليها دون جدوى... رأى بعض أعضاء هذه اللجنة ومؤيديها، أن هذه النداءات والبيانات والإعلانات أتت للتخريب على إعلان دمشق، وأتت بغطاء من الآخر لشق المعارضة ونسف وحدتها... ويجري البرهان على (صحة) هذه النظرية العرجاء، على النحو التالي: لقد تم تنظيم وإصدار تلك البيانات والنداءات دون أن تحصل اعتقالات لمنظميها، في الوقت الذي تتم فيه محاصرة أغلب اجتماعات مؤيدي إعلان دمشق... وعادت نظرية المؤامرة والتخوين التي كان يستخدمها الآباء الشرعيون للبعض، في تخوين كل ما لا ينسجم مع طروحاتهم أو لا يأتمر بأمرهم، عندما كانوا يصنفون هذا عميلاً تيتوياً أو ماوياً أو تروتسكياً تحريفياً، وذاك عميل للسفارة الأمريكية، وثالث للبريطانية...إلخ، وها هي اللوحة تتكرر.. أي نشاط لا ينسجم مع إرادة بعضهم، فهو موجه ومرتبط وعميل... وكفى المؤمنون شرّ القتال!
وهكذا أصبح كل مهتم بالشأن العام يحتاج إلى براءة تثبت وطنيته، وعدم ارتباطه وعدم وضعه في صفوف الخونة الأعداء يحصل عليها من وكلاء "جميع قوى المجتمع".
لست أدري من نصب هؤلاء الوكلاء (الديموقراطيين) الجدد باباوات يحتاج أبناء المجتمع إلى بركاتهم في أية خطوة يعتزمون القيام بها... وهل أسلوبهم ينسجم مع قيم الديموقراطية فعلاً؟!
إن دلت هذه الظاهرة على شيء، فهي تدل على ضيق الأفق الفظيع الذي يعاني منه هؤلاء، فضلاً عن ضحالة معرفية وعملية كبيرة، تنذر بكثير من المخاوف على مصير الوطن في حال وصولهم إلى مفاصل ما في بنيانه، قبل إجرائهم مراجعة نقدية لفكرهم، ووعيهم وآليات عملهم. كما تثير هذه الظاهرة سؤالاً جدياً مفاده: هل ولد إعلان دمشق ميتاً؟
إذا راقبنا نشاط كثيرين من هؤلاء في المرحلة التي سبقت إعلان دمشق لوجدنا أنّ جزءاً غير قليل منها كان ينصب على المهاترات الشخصية، وها هو بعضهم يريد متابعة السلوك ذاته، وكأنّ الهم الأساسي للمعارضة أن "تشتغل ببعضها"... إن العمل السياسي السليم يتطلب البحث عن نقاط الاتفاق، والعمل على أن تنصب كافة الجهود لتحقيق الهدف الأساسي... يتطلب ألف باء العمل السياسي البحث عن مصادر القوة في جميع القوى الديموقراطية، وجعلها قوة مساندة لنا، لا أن نختلق الخلافات معها... من الضروري البحث عن السبل التي تسمح للفكر الديموقراطي بالانتشار في صفوف المجتمع. كيف يتم ذلك؟ هل يتم من خلال الأوامر. هل تستطيع قوة بمفردها القيام بذلك؟ لكنّ ضيقي الأفق لا يستطيعون نهج سياسة بعيدة المدى..