العمل السياسي في سوريا مجرد صورة

 علي الشهابي

 

أطلقت خمس قوىً ومجموعات سياسية في سوريا، مع مجموعة أفراد، دعوة للحوار بهدف تشكيل تياّر وطني ديموقراطي اجتماعي بين كافة أطياف العمل الوطني في سوريا (يرجى العودة لهذه الدعوة في البديل، وغيرها من المواقع الأليكترونية). وهذه الدعوة بحد ذاتها عادية، أما الشكل الذي صدرت فيه فليس غريباً لأنه يعكس جانباً من طرائق العمل السياسي في سوريا.

 

في الشكل

أتفهم أن يستشعر الحاجة إلى ضرورة وجود هذا التيار فرد أو قوة سياسية أو مجموعة قوىً، ليتم إطلاق دعوة عامة للحوار حوله. بهذه الحال يطرح المهتمون آراءهم المتعددة، اتفاقاً أو اختلافاً، على أمل التوصل إلى اتفاق على الأسس التي سيتشكل عليها هذا التيار. وبديهي أن يتشكل التيار لاحقاً، إن قدّر له أن يتشكل، من القوى والمجموعات والأفراد التي اتفقت على أسس تشكيله. أما أن يتفق ناشطو مناهضة العولمة ومجموعة الحوار الوطني في حماة وهيئة الشيوعيين السوريين وحزب العمل الشيوعي ولجان إحياء المجتمع المدني مع مجموعة أفراد مستقلين عن هذه القوى، ولا رابط تنظيمي بينهم، أن يتفق كل هؤلاء على:

1.      الشكل المحدد للنظام الديموقراطي الذي يعملون على إقامته في سوريا، وهو باختصار دولة المواطنة الديموقراطية العلمانية.

2.      مواجهة المشروع السياسي الأمريكي في المنطقة ككل، وبالتالي ضرورة مقاومته. ليس هذا فحسب، بل والعمل على تأسيس مقاومة عربية شاملة تنطلق من وحدة مصير العرب.

3.      الوقوف ضد العولمة الأمريكية، عولمة الليبرالية الجديدة، وضد العولمة الرأسمالية الأوروبية، بشكلها الأورومتوسطي، لبناء عالم الشعوب الذي يقوم على التكافؤ والمساواة والتعاون المشترك والحوار السلمي.

4.      أن الحامل الاجتماعي لهذا المشروع هو مجمل الطبقات الشعبية، وبالتالي لابد من الدفاع عن مطالبها في العيش الكريم من خلال:

·        تحسين الأجور وإعادة التوازن بين الأجور والأسعار.

·        ضمان حق العمل ومعالجة مشكلة البطالة، والضمان الاجتماعي والصحي والتعليم المجاني ورفع كفاءته.

·        الدفاع عن حق الفلاحين بأرضهم، وتحسين شروط الإنتاج الزراعي بحمايته وتوفير الأسواق والصناعات الزراعية له.

·        محاسبة المسؤولين عن نهب قطاع الدولة، وإعادة بنائه بما يعيده قوة اقتصادية منتجة باعتباره أساس عملية التطور الاقتصادي، ولأنه أيضاً رافعة التطور وأساس استيعاب العمالة التي تدخل سوق العمل.

 

أن تتفق هذه القوى والأفراد على كل هذه الأمور، وحتى على أمور المرأة والشباب، وعلى دور القطاع الخاص وعلى المنحى العام لحل المشكلة القومية في سوريا، وخصوصاً المشكلة الكردية، وكذلك على المهمة

الراهنة الواجب التركيز عليها، مهمة تفعيل الصراع ضد الهجمة الامبريالية الأمريكية، وأدوات تفعيلها عندنا الذي تحدده الدعوة بالتركيز على المطالب الديموقراطية.

أن تتفق هذه القوى والشخصيات على كل هذه الأمور بتفاصيلها المذكورة، وعلى أخرى غيرها لم أذكرها، باعتبارها أسس تشكيل هذا التيار، لتقول من ثم "تعالوا نتحاور على تشكيله"، فهذه ليست ديموقراطية بل ادعاء بها لأنها لم تترك لغيرها من المهتمين بتشكيله شيئا يحاورونها فيه. لقد كان الأولى بهذه القوى والشخصيات أن تقول:

 

       "لقد التقت هذه القوى والشخصيات، وتناقشت فيما بينها وتوصلت إلى تشكيل هذا التيار، وإليكم مسودة بيانه التأسيسي الذي نتمنى من كل المهتمين الاطلاع عليه ومناقشته سلباً أو إيجاباً. كما  ندعو كل القوى والشخصيات الأخرى التي تختلف معه ببعض الجزئيات إلى الانضمـام إليـه للمساهمة في إعادة صياغته، لأننا نحن أنفسنا، الموقعين عليه، لم نكن في البداية متفقين علـى كل هذه الأمور، بل إن هذه الصياغة كانت ثمرة نقاشات وحوارات مضنية على مدى كذا".

 

ليس هذا فحسب، بل هناك ما هو أهم: إذا كانت هذه الأمور الأساسية محل اتفاق بين هذه القوى والشخصيات، فعلام هي مختلفة إذن؟ أعتقد أنها لا تختلف إلا على ستالين وتروتسكي، وربما على طبيعة الدور الذي لعبه غورباتشوف في البيروسترويكا، وليس على البيروسترويكا نفسها طالما أن كلها كانت ترى ضرورتها. صحيح أن هذه الأمور من الصعب الاتفاق عليها، ولكن لتعلم هذه القوى أنه ليس مستحيلاً. فلو تمت مناقشتها بمنهجية دياليكتيكية حقيقية لأمكن الاتفاق عليها، الأمر الذي يفتح الطريق واسعاً أمام وحدة هذه القوى لأنها الآن متفقة على الأهم: إنها متفقة على كل ما هو أساسي ورئيسي، ليس في سوريا فحسب بل وفي العالم.

من هنا، ولأهمية الشكل للمضمون، أقترح تأجيل الدعوة لتشكيل هذا التيار ليصار إلى فتح نقاش داخلي بين هذه القوى والشخصيات حول الأمور المختلف عليها، فهذه فرصة ممتازة للوحدة السياسية والتنظيمية، لتتم من ثم الدعوة لتشكيل التيار المزمع من موقع أقوى.

                                                                                        يتبع "في المضمون"

                                                                                  

                                                                                        علي الشهابي

دمشق 8 شباط 2006

 

سبق وبينت رأيي في موضوع هذا التيار من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فلا أرى فيه إلا نقطتين إيجابيتين. وهما الدعوة للعمل على بناء دولة المواطنة في سوريا، والدعوة إلى مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة. لكن هاتين النقطتين تتناقضان مع الأساس الشمولي الذي يقوم عليه التيار، ليصير كل وجود التيار مؤقتاً، أو محدود الفاعلية، لأنه يحاول التوليف بين أشياء لا تتولف. وسأبدأ بالمنطق الصارم للاقتصاد، الذي لا يأبه بالرسم الهندسي للعلاقة بين الاقتصاد والمجتمع.  

 

في المستوى الاقتصادي

انطلاقاً من أن الرجعي هو من يحن إلى مرحلة بائدة، يدفعه عجزه عن مواكبة التطور إلى الحنين إليها، ليقوم بعد مثلنتها في مخيلته برسم المستقبل على صورتها، فإن المسعى الاقتصادي لهذا التيار رجعي لأنه يطمح إلى بناء سوريا على نمط الستينات، على أمل أن يدفع بها باتجاه مختلف عن الوجهة التي سيّرها بها البعث. هذا الاتجاه المقترح، لو قيّض له النجاح، من منطقه أن يفضي إلى إقامة دولة اقتصادها من النمط السوفييتي في مرحلة باتت فيها الحياة تلفظ هذا النمط.

فالاتحاد السوفييتي قام بناؤه الاقتصادي على أساس المواجهة مع الرأسمالية العالمية، ليقوم عبر سيطرته على ثرواته وسوقه الداخلية بتأسيس رأسمالية الدولة التي أخذت تفسح في المجال، بعد انتهاء مهمتها، أمام الانتقال إلى اقتصاد السوق. أما باقي البلدان السوفييتية، فإما أنها اختارت هذا النهج أو فرضته عليها محصلة صراع القوى في الحرب العالمية الثانية، لتكون النتيجة أن الدول المتخلفة التي سارت بهذا النهج ما كان يمكنها النجاح فيه لولا مساعدة الاتحاد السوفييتي.

  

فالاتحاد السوفييتي 1917، الأقل تخلفاً من سوريا بما لا يقاس، بمقارنة كليهما مع الرأسماليات المتطورة، وذو المساحة الجغرافية الهائلة، والثروات الأكثر هولاً من ذهب ونفط ومعادن وأخشاب، وبعدد سكانه الهائل، الضروري لاستهلاك المنتجات الذي يتطلبه التصنيع حتى تكتمل دورة رأس المال، هذا الاتحاد يريد دعاة تشكيل التيار تكرار تجربته الاقتصادية في سوريا التي ليس فيها مثقال ذرة من مزاياه. هذا ما يريدونه لأنهم "يخططون" لتطوير سوريا على أساس المواجهة مع نفس الرأسمالية بعد تسعين عاماً من اضطراد تطورها الذي أدخلها مرحلة أكثر تطوراً، مرحلة العولمة المباشرة. ليس هذا فحسب، بل هذا ما يريدونه حتى بدون وجود الاتحاد السوفييتي الداعم لمثل هذا المخطط. وهذه هي الرجعية عينها لأن سوريا اجتازت هذه المرحلة بطريقتها السورية، التي نتجت عنها إقامة رأسمالية الدولة، وأفضت إلى ما باتت عليه الآن.

 

فالأساس الذي قامت عليه الشمولية السوفييتية، ومازالت تقوم عليه السورية، هو سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج والثروات العامة. ومثل هذه الدولة، جرّاء تخلف المجتمع، لا تنشئها إلا سلطة لأن السلطات لا تقوم عموماً إلا في المجتمعات المتخلفة، أي في المجتمعات التي ليس فيها دولة حديثة بمقاييس عصرها.

والسلطة التي تقيم دولة لا تقيمها محايدة، بل بمواصفات أوصفها أنها تؤمن استمراريتها كسلطة. ومن طبيعة هذه الدولة أن السلطة تقيم فيها مؤسسات لها تسميها "مؤسسات دولة"، وهذا "حقها" طالما أنها رب هذه المؤسسات الذي خلقها وسوّاها، وعلاوة على ذلك يموّلها.

 

 وبالتالي، كل من يسيطر على وسائل الإنتاج يسيطر على الإنتاج. ومن يسيطر على الإنتاج يسيّر العلاقات الإنتاجية، أي الاجتماعية، بطريقة تظل آليتها تخدمه. وتظل تخدمه، دون أن يشعر المجتمع بذلك، طالما ظل المجتمع يستفيد من التطور الأفقي في بناء هذه الدولة (هنا مصدر ترحم البعض على أيام زمان، الشيوعية أو البعثية). أما مع انتهاء هذه المرحلة، ودوماً تنتهي، فيبدأ المجتمع يشعر بوطأة الشمولية ليأخذ بالتململ. وآخر من يتململ، هذا إن تململ، الطبقة العاملة وموظفو الدولة لأنهم يشعرون بتفاهة دورهم في عملية الإنتاج، أي في تقديم فضل القيمة للسلطة، فيصيرون بحاجة إليها دون أن تحتاجهم لأنها تعيلهم ولا يعيلونها.

صحيح أنه لا تحتاجهم اقتصادياً، لكنها بأمس الحاجة إليهم سياسياً، ولهذا تظل تنفق عليهم ليظلوا .

 

هذه هي العلاقة المتبادلة بين المجتمع و"الدولة" التي تسيطر على وسائل الإنتاج فيه، وبالتالي يستحيل تركيب علاقات اجتماعية ديموقراطية على أساس اقتصادي شمولي، إلا إذا كانت هذه رغبة دعاة التيار. فقد نجد من يرغب بتناول فتة بيتزا بقهوة إكسبرس، هذه حريته الشخصية التي لا يحق لأحد أن يماري فيها، لكن المشكلة تبدأ عندما يشرع بتسويقها في المجتمع، وهنا تبدأ مشكلة دعاة التيار.

 

إذا كانت هذه هي مشكلتهم، وهي هذه، فهذا لا يعني قط عدم وجود أي مشكلة اجتماعية حقيقية في انتقال سوريا من سيطرة "الدولة" على وسائل الإنتاج إلى سيطرة رأس المال الفردي. وإنما هناك مشكلة حقيقية ستكلف شريحة واسعة من المجتمع ثمناً باهظاً، وخصوصاً عمال الدولة وموظفيها العاملين في مواقع لا تسمح بالرشوة، إن تم هذا الانتقال بشكل مفاجئ، كما في بلدان أوروبا الشرقية. وهذه التكلفة لا تستدعي التفكير بالعودة إلى الستينات، بل التخطيط والعمل الدؤوب لتسليس هذا الانتقال، عسى أن يتم تدريجياً قبل سقوط السلطة. وبغير هذا ستستفحل الأمور لتتشقق السلطة، ويهب المجتمع ليسقطها. بهذه الحال ستحدث كارثة هؤلاء، لأنهم سيعيشون ردحاً من الزمن في مجتمع لا دولة فيه تدفع لهم مرتباتهم.

 

 

 

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهو ما يتجلى بإصرار القوى الداعية لتشكيل التيار على ضرورة مواجهة العولمة ككل، هذه المواجهة التي من شأنها أن تفضي، وقد أفضت فعلاً في المسودة، إلى ضرورة اعتبار قطاع الدولة أساس التطور الاقتصادي في سوريا.

 

 

 

من هنا، على القوى الداعية إلى تشكيل هذا التيار أن تعلم أن سوريا المرتبطة بروابط سيطرة ـ تبعية مع منظومة الرأسمالية المتطورة، هذه الروابط التي من شأنها استمرار تخليف سوريا وتطوير تلك المنظومة، لا يمكنها حل مشكلة تخلفها بمناهضة تلك المنظومة، بل بالعمل على اختراقها. وقد سبق وأشرت إلى إمكانية هذا الاختراق وكيفيته في القسم الأول من كتاب "سوريا إلى أين؟" لذا لن أكرر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي هذا السياق، برغم إصرار مشكلي التيار على مناهضة العولمة، لابد من التوقف قليلاً مع المسودة المطروحة للنقاش لأن فيها ما قد يشير إلى أنهم ليسوا ضد كل أشكال العولمة، بل فقط ضد الشكل الأمريكي منها، والأدق ضد الأمركة.