مقاومة الأنبار والحوزة الناطقة.....

فيصل جلول

يروي مثقف شارك في الحرب الأهلية الأسبانية( 1936 ـ 1939) أن هذا النوع من الحروب لا ينطبق عليه وصف القتل وإنما الإبادة الجماعية ذلك أن القتل العادي ينطبق على كائن أو أكثر في ظرف معين ولأسباب معينة في حين أن الحرب الأهلية تنزع إلى إلغاء فئة أو أتباع دين أو إيديولوجية بسبب انتمائهم وبغية التخلص منهم كلهم دون تمييز أو استثناء ويشبه هذا النوع من الالغاء بقطع أشجار غابة معمرة وليس شجرة واحدة أو عدة شجيرات.

أتردد في نسبة هذا الوصف إلى الكاتب أنطوان دو سانت إكزوبيري  أو الشاعر غارسيا لوركا وكلاهما شارك في الحرب الأهلية الأسبانية وقتل خلالها. الأول سقط بطائرته الحربية ولم يعثر على جثته حتى اليوم والثاني أعدم رميا بالرصاص في مسقط رأسه غرناطة من طرف أتباع الجنرال الطاغية فرانكو.

ليست الحرب الأسبانية أول الحروب الأهلية في أوروبا ولن تكون آخرها فقد عرفت هذه القارة المعمرة حروبا اشد هولا كحرب الثلاثين عاما ( 1618  ـ 1648  ) بين الكاتوليك والبروتستانت وانتهت  باتفاقية وستفاليا وقد عاشت أوروبا بعدها سلما داخليا تخللته حروب أهلية محصورة  شهدنا آخرها في البلقان بين الصرب والكروات والمسلمين والحق أن ثقافة السلم الأهلي التي ما فتيء الأوروبيون ينشرونها بين أجيالهم  ساهمت في  التغلب على حرب أسبانيا والبلقان وحالت دون تمدد نيرانها إلى أرجاء القارة العجوز ما يعني أن الحرب الأهلية هي تعبير عن ثقافة سائدة بأساليب عسكرية وحشية وأن تجنبها يستدعي ثقافة جامعة تربط بين أهل بلد واحد متعددي الانتماء والتاريخ.

يسمح هذا المدخل بمقاربة أفضل للفتنة الأهلية التي تدور في العراق هذه الأيام ويسقط فيها الرجال كما تجتث أشجار الغابة ولعله يسمح بفهم كيفية تدارك فتنة أخرى في لبنان أوفي فلسطين حيث تتجمع  مؤشرات خطيرة في هذا الاتجاه وسط تراجع  مقلق للكوابح والضوابط الوطنية في الحالتين.

إذا كان التاريخ حمال أوجه في أحد تفاسيره فإن وجوهه العراقية الراهنة صنعت باتقان في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقد ونصف العقد الأخير.لذا تبدو مشاهد العنف الأهلي في مدن العراق ونواحيه وكأنها تعبير صارخ عن وعد أمريكي مشؤوم أطلقه وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في العام 1991  إذ هدد قائلا: سنعيد العراق إلى القرون الوسطى.

عندما كان حديث العراق يرد على السنة وزراء خارجية واشنطن اللاحقين من أولبرايت حتى كوندي رايس مرورا بكولن باول كانت عبارات الديموقراطية والحرية والتعددية لا تفارق شفاههم وكان الأغبياء وحدهم  ينظرون إلى هذه المصطلحات بوصفها قيما سامية  تريد الجحافل الأمريكية نشرها في بلاد الرافدين وكان الأغبياء وحدهم  مهيئن للموافقة على الربط الايجابي بين مشاهد أبو غريب و بين تلك القيم.وعلى هذا القياس ما زال الأغبياء أنفسهم فضلا عن العملاء بطبيعة الحال يقولون أن العنف الأهلي في  العراق صناعة زرقاوية في حين أنه صمم أساسا في عقول أمريكية.

 لقد اعترت الدهشة وجوه الأغبياء وتملكهم فرح لا يوصف عندما اتخذ بول برايمر قراراته الشهيرة  بتدمير الدولة العراقية بوصفها دولة صدام حسين.  لكن من أين لغبي أن يفهم أن انهيار دولة بلاده يضع أهاليها بالضرورة  تحت رحمة المحتل فيفعل بهم ما يشاء وساعة يشاء.من أين له أن يدرك أن تحطيم الدولة يجعل أهل العراق تحت رحمة اللصوص وقطاع الطرق والشركات الأمنية الأمريكية. كيف يمكنه أن يعي أن سقوط الوطنية يجبر الناس على طلب الحماية من البنى والتشكيلات الأولية: قرية عائلة عشيرة طائفة عرق ....إلخ أي يعيدهم إلى حيث كانوا في القرون الوسطى يتقاتلون ويحتربون على هوياتهم وانتماءاتهم تنزع كل فئة إلى التغلب على الأخرى وليس على الأجنبي المحتل القادم من قارة أخرى بعيدة عن العراق بعد السماء عن الأرض بحسب المثال الشعبي.

من أين للغبي أن يفطن أن فتح حدود العراق على الغارب و اغتيال علمائه وتدمير متاحفه وآثاره وتغيير علمه وزرع المستشارين الأجانب في وزاراته وقتل المحتمين بالمساجد وتدنيس المقابر والضرائح المقدسة وإطلاق النار العشوائي على السيارات المدنية ورشوة الصحفيين والدوس على أعناق الرجال بأحذية المارينز على الحواجز أمام كاميرات التلفزة واغتصاب النساء في المعسكرات الأجنبية واقتحام المنازل ليلا وترويع الأطفال ... الخ من أين للغبي أن يفهم أن ذلك كله لا يضر بالزرقاوي بل بالعراق وبالعراقيين وانه ناجم عن تصميم معلن بإرجاع بلاد الرافدين إلى القرون الوسطى.

ليس في العراق قدر كاف من الأغبياء حتى يسقط في قرون جيمس بيكر الوسطى فعلى الرغم من مشاهد العنف الأهلي الدامية بعد تفجير ضريح الأمام الهادي في سامراء يمكن الرهان بقوة على تفادي الحرب الأهلية  إذا ما وقع التكامل بين المقاومة المدنية التي تقودها الحوزة الناطقة بزعامة السيد مقتدى الصدر والمقاومة المسلحة التي تضرب المحتل وترفض  توجيه سلاحها إلى صدور الشيعة العراقيين شرط أن يقرأ جناحا المقاومة ما يدور في بلادهم  بمنهجية واحدة وان يتعظ الطرفان بدروس  السنوات الماضية.

 لقد فوت المقاومون فرصة ذهبية عندما امتنعوا عن تعميم انتفاضة مسلحة في المدن التي يسيطرون عليها  لفك الحصار عن التيار الصدري المسلح في الصحن الحيدري في النجف الأشرف ويخطئون اليوم إذا ما  خذلوا  هذا التيار الذي يعمل منذ الخريف  الماضي على استدراج الدعم من دول الجوار لتحقيق التكامل بين المقاومتين المدنية والمسلحة وبالتالي الانصهار في تيار وحدوي عريض يحمي العراق من خطر مزدوج : الاحتلال والحرب الأهلية.

انتهى.