عن تأثير الأنموذج الإسلامي التركي في العالم العربي....

.الدكتور عبدالله تركماني

في محاولة اجتماعية - سياسية لتفسير السلوك الانتخابي لدى قطاعات عريضة من الرأي العام العربي والإسلامي، ثمة ثلاث فرضيات لتفسير تزايد الإقبال على الأحزاب الإسلامية في الظرف الراهن، والمتميز بحدة الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعرفها هذه الرقعة الحضارية من العالم اليوم، وهذه الفرضيات هي:

1 ـ التصويت العقابي: حيث تتجه الفئات غير المستفيدة من الأوضاع القائمة إلى معاقبة نقيض الحكومة بالتصويت للمعارضة الإسلامية، حتى وإن كانت هذه الفئات لا تتفق كليا أو جزئيا مع برنامج هذه المعارضة، فقط تفعل ذلك عقابا وانتقاما ديمقراطيا من الحكومة.

2 ـ الخوف على الهوية في زمن العولمة: إذ بات من الواضح أنّ أغلبية العرب والمسلمين تعيش " فوبيا " الهوية، أي ذلك الخوف الكبير وحتى المرضي على هوية وانتماء ما، وجزء من هذا الخوف مفهوم بالنظر إلى التحولات العالمية التي حملتها موجة التغيّرات العالمية التي جاءت مع العولمة، معززة بالتطور الهائل في وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال. أما الحقيقة الأهم في موضوع الخوف على الهوية، فهي تجيء من توظيف سياسي وحزبي لواقع الأزمة من قبل الحركات والتيارات الإسلامية التي تلجأ إلى توظيف مصادر الانتماء الأولى، وعلى رأسها الدين الأشد تجذرا في الشارع العربي والإسلامي.

3 ـ اتساع رقعة المحافظة في المجتمع: إذ تعاني المجتمعات العربية والإسلامية من وجود تيار محافظ واسع يتبنى أطروحات تيارات الإسلام السياسي ويدافع عن تصورها للدين والحياة. ويعزز من هذه المكانة للإسلام السياسي قدرة أعضائه ومناصريه على التجذر عميقا في قاع المجتمع، من خلال شبكة واسعة من الجمعيات والمنظمات والروابط المهتمة بقطاعات اجتماعية حساسة مثل محاربة الفقر والصحة والسكن والتعليم ... الخ

ومن ثم فالواضح أنّ تيار الإسلام السياسي، على المستوى العربي، يتمتع بثقل سياسي واضح مقارنة بالقوى السياسية الأخرى في دول المنطقة، مهما اختلفت درجات التسامح والتضييق على هذا التيار، وهو ما يستحق قدر من التأمل والدراسة المعمقة للتعامل مع هذه الظاهرة، خاصة وأنها تعبر عن إرادة الشعوب في هذه المنطقة من العالم.

وإزاء ذلك، يجب أن تكون تجربة وصول إسلاميين ديمقراطيين إلي الحكم في تركيا بمثابة تجربة مفيدة ومثمرة بالنسبة لبعض الدول العربية، بل يتوجب على قادة التيارات الإسلامية في الدول العربية متابعة هذه التجربة التركية. إذ أنّ التيار الإسلامي الذي يطرح مقترحات واقعية وعملية تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه، ويتكلم لغته ولا يقفز فوق واقعه، ولا يختفي وراء الشعارات الواسعة والطنانة كأسلمة المجتمع وطرح صيغة الدولة الإسلامية، وفرض الحجاب على النساء والمطالبة بالرجوع إلي دولة الخلافة سيكون نصيبه النجاح.

فمنذ أن تسلم حزب العدالة والتنمية إدارة شؤون تركيا في العام 2002, سلك سياسة توفيقية بين نهضتها في بداية القرن الفائت وتراثها التاريخي الذي يمتد عبر قرون عدة, في محاولة لتحقيق التوازن بين أسباب هذه النهضة وعواملها التي تجلت باعتماد قوانين حديثة واعتماد نظام يفصل بين الشؤون العامة للدولة والشؤون الخاصة للمواطنين, وبين ما يعكسه تاريخها من ثقافة إسلامية وروابط دينية.

والواقع علينا أن نرى مشروعا تركيا يحاول فيه نظام علماني أن يستوعب المكون الديني في المجتمع ويدخله في معادلة النظام السياسي، كما علينا أن نلاحظ أن قادة حزب " العدالة والتنمية " قدموا صيغة للعمل السياسي استخلصوها من خصوصية الواقع التركي‏,‏ بشروطه وسقفه‏,‏ تعاملت مع الحد الممكن وليس الحد الأقصى‏,‏ ومع الحقائق وليس مع الأمنيات‏.‏

إنّ إسلاميي تركيا يبعثون برسالة بليغة إلى كل حركات الإسلام السياسي مفادها أنه يمكن تقديم الإسلام بصورة مختلفة عما يعرضه الأصوليون المتزمتون الذين يقدمون للعالم صورة متخلفة ومرعبة للدين الإسلامي، إنهم يتحدثون بلغة عصرية مفهومة ويعبرون عن أفكار متمدنة: فصل الدين عن الدولة، الديمقراطية وحرية العمل السياسي للجميع، كفالة حقوق الإنسان، مساواة النساء بالرجال.

والسؤال كم يلزم الإسلام السياسي العربي من تحولات وهزات ثقافية واجتماعية وزلازل سياسية حتى يفهم أنّ عليه أن ينقلب على أفكاره وتصوراته ومفاهيمه المحنطة عن الماضي والحاضر والمستقبل، وعن الدولة والمجتمع والفرد، وعن المرأة والطفل والحريات الشخصية، وعن الفلسفة والفكر والفن والأدب، والحريات العامة ؟

 

تونس في 15/2/2006                       الدكتور عبدالله تركماني

                                       كاتب وباحث سوري مقيم في تونس