الديمقراطية
نقطة الخلاف الأخرى
بين
العرب والغرب
منصف
المرزوقي
لا شكّ أن
أكثر مآخذ
العرب على
الغربيين غير جدية ,
فمحاسبتهم
لهم
على غزو
العالم تتناسى
أننا بنينا إمبراطوريتنا في
القرن السابع
والثامن على
إحدى أكبر
عمليات الغزو
والتوسع التي
عرفها
التاريخ ومنها
احتلال أجزاء
هامة من جنوب
أوروبا لقرون
طويلة . أما الشكوى
من كون الغرب يريد
فرض ثقافته
بكل الوسائل فتنمّ
عن كثير من سوء النية لأننا
صدّرنا
الإسلام
والعربية بالسيف
أين أمكن
وبالتجارة
والدعوة أين
استحال الغزو
. أما القول
بفظاعة استعماره
لبلداننا
فينسى أن قوى
الاحتلال
الداخلية
التي مثلتها
ولا تزال دكتاتوريات
عنيفة وفاسدة ،جعلتنا
نترحم على عهد
الاستعمار.
الثابت
أن كل هذه
المآخذ لا
تعبر إلا عن
حفيظة
المهزوم في
حرب التفوق
السيطرة
التي
دارت رحاها
على امتداد
عشرات القرون
حول البحر
الأبيض
المتوسط وخسرناها
نهائيا ببداية
العصور
الحديثة.
هي تنمّ أيضا عن
غيرة متواصلة
من نجاح الغرب
في
الميادين
التي كان لنا
في وقت ما السبق
فيها مثل
العلوم
والملاحة
والتجارة
العابرة
للقارات .
ووراء كل هذه
المشاعر
السلبية التي
تراكمت
بتراكم
نجاحات الغرب
وتعمق التبعية
والتخلف نجد
في أعمق أعماق
النفسية العربية حلم خفي بالثأر.
وفي
المقابل يمكن
القول أن مأخذ
الغرب على العرب
لا تقلّ ظلما
وسوء نية .
فالمخيال
الغربي
حافل بالصور
الشيطانية
للعربي الذي يصوره
إعلامه في
ثلاث نماذج
قارّة : الشيخ
النفطي
الفاحش
الثراء
الفاسد
المفسد والعامل
المسكين
والإرهابي
الخطير. وهذه
النماذج للعربي
القبيح مقدّمة
على أنها
التعبير
الصادق عن
نتاج الثقافة العربية
الإسلامية
والحال أنها
نتاج نظام سياسي
تسهر الأنظمة
الغربية على
تعهده ويحاربه
العرب بكل قواهم .
هكذا
أصبح الرأي
العام الغربي
يجعل من المسلم
إسلاميا ومن
الإسلامي
إرهابيا وهو
خلط بذكاء
القول في
السبعينات أن
كل روسي شيوعي
و كل شيوعي من
أتباع الخمير
الحمر.
وإذا كان
التنافس القديم
والمتواصل
المحرّك
الأساسي لسوء
التفاهم
والتباغض ، فإنه
لم يكن لحسن
الحظ ، العلاقة
الوحيدة التي
بنيت على مرّ
القرون بين
المجموعتين
البشريتين
المتصارعتين وذلك
لعمق وتعقيد
وقدم
العلاقات
التي ربطت ولا
تزال بينها .
فنحن نتقاسم
الإرث
التوحيدي الذي
أخذناه جميعا عن أخناتون والارث
العلمي
والفلسفي الإغريقي
والثوابت
المشتركة لثقافات
شعوب البحر
الأبيض
المتوسط . هذا
ما يجعلني أقول
أننا
ننتمي لنفس
الحضارة
المتوسطية التي
تشكل أوروبا
جزئها
الشمالي
والعرب جزئها
الجنوبي أما
حدود هذه
الحضارة فلا
تمرّ وسط
المتوسط وإنما
على حدود
الهند حيث
تبدأ حضارات
الشرق
الحقيقي....أي
أننا ننتمي
كلنا في الواقع
لنفس
الحضارة .....الغربية.
وعلى
مرّ التاريخ
كانت هناك قوى
تدفع نحو
التنافر
والتباغض
وتعمّق سوء
الفهم وتدعو
للقطيعة
وأخرى تدفع
للتقارب
والتعارف والتبادل
.
لذلك
كان من
الطبيعي أن
تتخلل
العواصف
العسكرية
والمواجهات الدامية حالات تواصل
خلقت
ولا تزال
عمليات إخصاب ثقافي
متبادل كان
لها تأثير
هائل في تطوّر
الفريقين
المتنازعين .
هذه العمليات
البالغة
البطء
والتعقيد
كانت تمرّ عبر
قنوات متعددة
منها التجارة على
الصعيد
العملي
والتبادل
الثقافي على
الصعيد
النظري . وفي
هذا المجال لا
بد من
الاعتراف بفضل
الرجال –
الجسور مثل ابن
رشد وماسينيون
في التقريب
بين مجموعتين
بشريتين تفرّق
بينها المصالح
والأطماع وتقرب
بينها روابط
تضرب في عمق
التاريخ .
ولا
زالت هذه
التشكيلة
المزدوجة في
التفريق-
التقريب متواصلة إلى
اليوم
ومن المشكوك
اختفائها
يوما لصالح
انتصار نهائي
وحتمي لهذا التيار على نقيضه .
وإذا
حللنا طبيعة
قوى التفريق
اليوم داخل
الغرب لوجدنا
أنها كل
الحركات
اليمينية المتطرفة
وفي العالم
العربي هي تتشكل
أساسا من
التوجهات
المتشددة داخل التيار
الإسلامي
والقومي . أما
قوى التقريب
فهي في الغرب
قوى من داخل
المجتمع
المدني .
وفي العالم العربي هي منذ
انطلاق النهضة
في القرن
التاسع عشر كل
القوى السياسية
والاجتماعية
التي قبلت بأن
العالم
العربي مطالب
إن أراد
التجدّد
بالأخذ من
الغرب
والتعاون معه
دون أن يعني
هذا القبول
بالتبعية و
التخلّي عن
بالهوية. وما
من شكّ أن
أشخاص مثل طه
حسين على
الصعيد
الثقافي وبورقيبة
على الصعيد
السياسي
مثلوا هذا
التيار أحسن تمثيل.
إلا أن القاسم
المشترك
بينهم جميعا كان حدة
اهتمامهم
بالعامل
الثقافي
وخاصة العلمي و قلة
انتباههم
لأهمية
النظام
السياسي. فقد
بقي تحليلهم
هم أيضا
''للهزيمة
الحضارية '' مرتبطا
بتفسير ثقافي تقني (
تخلف العلوم التكنولوجيا
العربية ) أو بتفسير
جيو- ستراتيجي
( تحول صرة
العالم من
المتوسط إلى
الأطلسي) أو
بأسهل
التبريرات (
الاستنزاف
الاستعماري).
لكن جيلي من
الديمقراطيين
والحقوقيين العرب
الذي يشكل
على الصعيد
الثقافي امتدادا لأجيال
محمد عبده وطه
حسين
والطاهر الحدّاد وعلى
الصعيد
السياسي لكل
قوى التحديث
والتقدّم ، انتبه
لأهمية
العامل
السياسي في التفوق
الغربي وذلك
بحكم عمق
الخراب الذي
تسببت فيه الأنظمة
الوطنية أيا
كانت
مرجعيتها الأيدولوجية
.
لقد
اكتشفت النخب
العربية مع
كل العرب،
خاصة بعد
هزيمة 1967 أن
الأنظمة التي
أفرزتها
معارك
الاستقلال
الأول، سواء
نادت
بالقومية أو
بالاشتراكية
أو بالإسلام
السياسي، فشلت في
تحقيق
التنمية في
الداخل وكسر
التبعية تجاه
الغرب.
والأهمّ من
هذا أن كل العرب
اكتشفوا أن
هذه الأنظمة على
تباينها
الظاهري هي
مجرّد أشكال مختلفة
لنموذج واحد :
النظام
الاستبدادي.
وفي هذه
الفترة
المحورية من
تاريخ الأمّة
اتضحت
كل موبقات هذا
النظام
من فساد
وتضليل وقلة
كفاءة في
إدارة الشأن
العام ناهيك
عن ثمنه الباهظ
من قمع داخلي
رهيب
وحروب أهلية
كتلك التي
تسبب فيها
أشرس دكتاتور
عرفه النظام
العربي
المعاصر سيء
الذكر صدام حسين
.
ونتيجة
لهذا الوعي
المتصاعد بأن
أي تحديث جدي
يبدأ بتحديث
النظام
السياسي العربي
نشأت
في نهاية
السبعينات وطيلة الثمانيات
للقرن
الماضي
حركة فكرية
سياسية
وحقوقية قوية
تطالب بتعريب
الديمقراطية
باعتبارها
حجر الزاوية
في نهضة عربية
حقيقية لا
تصادرها نخب
فاسدة
ومتسلطة كما
حدث عند
انتصاب الدول
'' المستقلّة''
هكذا
ظهرت في تونس
سنة 1977 أول
رابطة عربية
قوية لحقوق
الإنسان
وطيلة
الثمانيات
خمسة أحزاب ديمقراطية
واعدة ناهيك
عن العديد من
تنظيمات
المجتمع
المدني مثل
جمعية النساء
الديمقراطيات
أو المجلس
الوطني للحريات
.
وبنفس
الطريقة عرفت
الساحة
العربية نفس
الظاهرة بزخم
متباين.
فتكونت من
المحيط إلى
الخليج
العديد من
المنظمات
الحقوقية
والديمقراطية
. حتى السعودية
نفسها لم تبقى
طويلا بعيدا
عن الموجة العامة
حيث ظهرت في
بداية
التسعينات
حركة حقوقية
محلية تحاول
المزج بين قيم
الإسلام وقيم
الإعلان
العالمي
لحقوق
الإنسان . كما ظهرت
فيها حركة
إصلاحية في
السنوات
الأولى
للألفية
الجديدة
تنخرط في
التيار
الديمقراطي
العربي العامّ
.
وفي
بداية
الثمانيات
تأسست أوّل
جمعية حقوقية قومية
هي المنظمة
العربية
لحقوق
الإنسان
تبعتها في
منتصف التسعينات
اللجنة
العربية
لحقوق
الإنسان .
لم
تنته
التسعينات
إلا الخطاب
الديمقراطي
هو الخطاب
الثاني بعد
الخطاب الإسلامي
تبثه
في كل الأنحاء
القنوات
الفضائية
التي ظهرت في
تلك الحقبة
وخاصة قناة
الجزيرة
ابتداء من 1996 ، في
حين أن الخطاب
الرسمي انهار
انهيارا مخزيا
وأصبحت
الأنظمة التي
حاولت مصادرة
الأصوات هي
التي لا صوت
لها.
وقد
تزامنت هذه
الحركة مع
المدّ
الديمقراطي الذي
عرفه العالم
في تلك الحقبة
وجرف كل الأنظمة
الاستبدادية
في أمريكا الاتينية
وأوروبا
الشرقية .
لكن
الموجة
العربية كانت
أضعف من القدرة
على جرف
الأنظمة
الاستبدادية
بفضل تضافر
عاملين
تواجدا معا لسوء
حظّ المشروع
الديمقراطي العربي :
تجدّد زخم
التيار
الإسلامي
والدعم
الغربي للاستبداد
العربي.
*
لا شكّ أن من
أغرب الوضعيات
التي عاشها
جيلي من
الحقوقيين
والديمقراطيين
العرب في بداية
الثمانيات هو
موقف الشكّ
والازدراء
المبطن
واللامبالاة
المؤدبة التي
كنا نواجه بها
في الغرب حتى من
أقرب الناس
إلينا مثل
الأحزاب الاشتراكية
.
وفي البداية
كنا نواجه
بالحجة
الثقافية التي
تعتبر أن
الديمقراطية
هي جزء من كل
والكل هو
الثقافة
الغربية وبالتالي
فإن الديمقراطية لا تصدّر
لأنها مثل
موسيقى
القداس خاصية
ملتحمة
بتاريخ الغرب
. وبالطبع
فإنه لا أسخف
من هذه الحجة
لأن من يعرف
تاريخ
الديمقراطية
والغرب يعرف جيّدا
أن
هذه
'' الخاصية
الحضارية
الطبيعية ''
حوربت في
داخله بنفس
الضراوة التي
حوربت خارجه
وأن أن أكبر
دكتاتوريات
العصر الحديث
كانت
الدكتاتورية
النازية في
ألمانيا
والفاشية في
إيطاليا واسبانيا وأن
مهد
الديمقراطية
اليونان عرف
آخر انتفاضة
للدكتاتورية في
أواخر الستينات.
في
صائفة 1989
دعيت لحضور
مؤتمر حقوقي في
إيطاليا وكان
مرافقي نائب
إيطالي مخضرم
أبلى البلاء
الحسن في
مقاومة
الفاشية .
وكان
الحديث اغلب
الوقت عن
مشاكل
المشروع الديمقراطي
وتعثره في
تونس واغلب
البلدان العربية
. وانتهى بنا الكلام إلى
التبرير
العنصري الذي
نسمعه من بعض
غلاة التفوق
الغربي
والقائل بأن
شعوب العالم
الثالث وبالأساس
الشعوب
العربية ، غير
جديرة بالديمقراطية
وأحيانا عند
تلطيف اللهجة
وافتعال
التأدّب
بأنها لم ''تنضج
بعد
للديمقراطية''
.
وضحك
يومها النائب
الإيطالي مطوّلا وروى
لي كيف
أنه كان يسمع نفس
الخطاب في
الثلاثينيات
من بعض
المنظرين
السياسيين الإنجليز
حول ''استحالة ''
زرع
الديمقراطية
في بلدان مثل
إيطاليا
وأسبانيا والبرتغال
لأسباب
ثقافية ناجمة
بالأساس عن كونها بلدان
كاثوليكية .
وكان
الرجل يقلّد
الخطاب الوقور لهؤلاء
الجهابذة وهم
يتحسّرون على
كون الديمقراطية
لا تستطيع
الانتشار
خارج محيطها
الطبيعي أي
العالم الانجلو
ساكسوني
الذي أوكل له
التاريخ وحده
بالحفاظ على
تاريخ الإغريق.
و نجد
الموقف واضحا
جليا في بعض
المدارس
السياسية المعاصرة
التي لا تخشى
من النطق
بالمهموس وبالمحظور.
إن أحسن
ممثل لهذه
المدرسة هو
المفكر
السياسي
الأمريكي Huntington الذي
طلع علينا في
الثمانينات
بنظرية الحضارات
الثمانية
التي تتقاسم
البشرية
واستحالة التلاقح
بينها لوجود
اختلافات
جوهرية في
طبائع الشعوب
.ومن هذا
المنطلق فإن
الديمقراطية
خاصية حضارية
غربية لا يمكن
زرعها خارج
التربة التي
نشأت فيها لأسباب
تتجاوز إرادة
البشر
وتتعلّق
بإرادة
التاريخ
والصيرورة
التي اتخذها .
وهنا
يتبيّن لنا السبب
الخفي الذي يسند
موقف هنتجتون
وأمثاله أي
الاستعلاء
الأرستقراطي الذي قد
يصل حدّ
الاستعلاء
داخل نفس
العائلة الثقافية
في إطار
التمايز داخل
التمايز داخل التمايز
لننتهي إلى
فوز شعب الله
المختار بالكأس
العالمية
للتفوق
الوهمي .
والحق
أن هنتحتون
ليس ظاهرة
شاذة تمتاز
بها الثقافة
الغربية في
جزئها
العنصري المظلم
، ففي كل
ثقافة تجد هذا
النوع من
المنظرّين
لأن الحرب
سجال بين
إغراء
التقوقع على
الخصوصية وبين
الانسياق إلى
عالمية
يحمّلها اللاوعي
بكل
العيوب
والأخطار.
ويخطئ من يظن
أن موقف
التعالي القابل بتمتيع
العالم بهذه
الميزة
الغربية تغير
طوال العشرين
سنة الأخيرة
التي شهدت
عولمة
الديمقراطية.
ففي مقال له بحريدة لوموند
الفرنسية (24-12-2003)
كتب وزير
خارجية فرنسا
السابق Hubert Vedrine:
''إنهم (
الأوروبيون)
يعتقدون مثل
الأمريكيين أن
واجبهم ،
دون التوقف
عند المشاعر،
ترويج
الديمقراطية
الغربية
والاقتصاد
الحر ( رغم
محاولا الاشتراكيين
الديمقراطيين
تلطيف الآثار
الجانبية للنقطة
الثانية )
لأنهم ليسوا
أقل اقتناعا
من
الأمريكيين
بتفوق قيمهم
حتى ولو أحرجهم
الكلام
الصريح لسلفيو
برلسكوني
الذي يتحدث عن
تفوق القيم
الغربية وليس
القيم
العالمية .''
لا بدّ من
البحث عن سبب
أعمق
لقلة حماس
الغربيين
لرؤية
الديمقراطية
تستتب في
العالم
العربي .
ربما نجد
بداية
التفسير في ما
كتبه المحلل السياسي الفرنسي
Pascal
Bruckner.''إن تبشير
الغرب
بالديمقراطية
غير واضح المعالم .ففي
الوقت الذي
تراه ينادي بعالميتها
يتصرف كما لو
كان يريد
الاحتفاظ بها
لنفسه كما لو
كانت كنزا
ثمينا يجب أن
يغار عليه من
طمع الأمم الفقيرة ''
*
إننا
لا نريد أن
نقتصر على هذا
التفسير كما لا
نريد لا
الانخراط في
نظرية
المؤامرة
التي تقول أن
الغرب لا يريد
الديمقراطية
للعرب حتى لا
يتمكنوا من
السلاح
الأكبر الذي
أطلق داخل
الغرب كل قوى
الخلق
والإبداع
التي يكبلها
النظام
الاستبدادي العربي
. لكننا لا
نستطيع أن
نقبل دون
تفسير مقنع
الدعم
المتواصل
للاستبداد
العربي الذي تقدمه
كل الحكومات
الغربية بحجة
محاربة الأصولية
. فهذه
الحكومات أول
من يعلم أن
الدكتاتورية
هي التي ربت
في حجرها
التشدد
الإسلامي لمحاربة
اليسار في
السبعينات
وأنها تتغذى
بوجوده ولا
مصلحة لها في اختفائه .
لا شيء
يدلّ على
ازدواجية
الحكومات
الغربية وخاصة
حكومات فرنسا
وإيطاليا
وأسبانيا قدر
قلة اهتمامها
بتطبيق
معاهدة برشلونة
. فهذه
المعاهدة تنص
في فقرتها
الثانية،
التي دخلت على
مستوى
التطبيق في
بلد كتونس في
غرة مارس سنة 1998،
على أن
الديمقراطية
وحقوق الإنسان
جزء لا يتجزّأ
من عقد
الشراكة مع أوروبا . ومع
هذا فإن أوروبا
لا زالت أول قوة
تدعم
النظام
التونسي الذي
يعلم الجميع
سجله الحافل
بالقمع
والفساد. كذلك
رأينا هذه
الحكومات تغض
الطرف عما
يحصل في
الجزائر
وسوريا من انتهاكات
فاضحة
للديمقراطية
وتبادر لربط
أجود العلاقات
مع النظام
الليبي بعد
إعلان توبته عن
الإرهاب الخارجي
. صحيح أن
الحكومات
الغربية تلفت نظر
الدكتاتوريات
لبعض
''التجاوزات ''
التي تتعلق
بأفراد
معروفين لكن
آليات الحكم
الاستبدادية
وممارساته المنافية
لأبسط القيم
التي تؤمن بها
هذه الحكومات
أمر لا يشغل
بالها كثيرا.
إن
الدوافع لمثل
هذه السياسة
متعددة منها
الحسابات القصيرة
المدى حول
قدرة هذه
الأنظمة على
إخماد حرائق
الإرهاب التي
أشعلها قمعها
وفسادها. ثمة
أيضا
الصداقات
المشبوهة
والعلاقات الشخصية ،
ثمة الأعذار
بأن الحكومات
الغربية
مضطرة
للحفاظ على
مصالحها
الاقتصادية
في إطار تنافس
شرس حتى داخل
العائلة
الغربية. لكن كل
هذه الحجج لا
تزيد إلا من
مرارة
الديمقراطيين
العرب وتعمق
حفيظتهم تجاه
أنظمة يعلمون
أنها تساهم
بمثل هذه
السياسة في
كسر الجسور
الذين يريدون
هم رميها فوق
هوة سوء الظن
وسوء النية وباقي
الأحكام
المسبقة التي
تلعب عليها
قوى التفريق
في الجانبين
.
لكن الأخطر
من الدعم الأوروبي هو
السياسة
الأمريكية
التي انقلبت
من الدعم غير
المشروط
للاستبداد إلى فرض
الديمقراطية بالترغيب
والترهيب .
فمن
المعروف أن السياسة الأمريكية
لعبت طوال
العقود التي
تبعت استقلال
معظم الدول
العربية بعد
الحرب
العالمية
الثانية ورقة
دعم أكثر
الأنظمة تخلفا
واستبدادا
مثل النظام
السعودي . كما
كانت دوما في
مواجهة كل
المشاريع
التحررية التي
مثلها في
الخمسينات
والستينات
نظام الرئيس
جمال عبد
الناصر. ومن
المعروف أيضا
أن انتهاكات
حقوق الإنسان
وقمع كل
الحريات
الفردية
والجماعية في
العراق لم يكن
أبدا
هاجس
الإدارة الأمريكية
التي تعاملت
مع صدام حسين
قبل وبعد
جريمة حلبجة
البشعة بنفس المكيافيلية
.
وبعد
أحداث 11
سبتمبر رأينا الرئيس
بوش ينخرط
فجأة في
تحليل
الأزمة الذي طالما
ردّدناه على
مسامع
الأمريكيين
من كون الإرهاب
ابن القمع
والفساد
للاستبداد
العربي و
كانوا
يستمعون إلينا بكثير
من
اللامبالاة
المؤدية . ما
أروع أن نرى
فجأة الإدارة
الأمريكية
تقرّر أنه لا
علاج لجذور
الإرهاب إلا
بالديمقراطية.....للأسف
بأسلوب ''الكاوبوي
''.
لقد تابع عشرات
الملايين من العرب الانتخابات
العراقية
التي فرضها
الاحتلال
وذلك عبر
الفضائيات التي
غطت الحدث
بالدقيقة
والساعة ، كل
هذا ليكتشف الرأي
العام العربي
أبشع الصور عن
الديمقراطية
كما يفهمها
ويفرضها
الغرب
المنتصر . ومن
هذه الأفكار
المسمومة التي
غذّتها
الصور
المشحونة
بالمعاني :
-أن
الانتخابات
تجري في ظل
الاحتلال الأجنبي
ولمصلحته
ويا لهذه
الديمقراطية
التي تغزونا
على ظهر
الدبّابات !
- أن هذه
الانتخابات
لا تتعلق
بالخيار بين
برامج معروفة
ومتباينة
وبين مرشحين ولكن
بين قوائم
عرقية قبلية
طائفية، فالمطلوب
من الأكراد أن
يجندوا الأكراد
للوقوف خلف
القائمة
العرقية ومن
الشيعة الوقوف
وراء القائمة
الطائفية ألخ
، أي أن
الانتخابات
عوض أن تشكل
خطوة إلى الأمام
في صرح بناء
الدولة
الوطنية على
أساس مشاريع
سياسية
مختلفة أصبحت
خطوة إلى
الوراء تنظم
سلطة القبائل
والطوائف
والحال أن
الإيجابية
الوحيدة
لدولة ما بعد
الاستقلال
الأول كانت إلغاء
مثل هذه
السلطة وصهر
الناس في بوتقة
شعب واحد.
- أنه إذا
وجب الخيار
بين شرين فإن
أهون شرّ نظام
يفرض الوحدة
الوطنية ولو
بالقوّة على
نظام يفجّر
الوطن لقبائل
وطوائف ونحل
وملل تسيل باسم
الحرية
أنهارا من
الدم .
- أن ضحايا
هذه
الديمقراطية
الانتقائية والمسلحة هم عرب
السنّة
فتحرّكي في
كل مكان من
الأرض
العربية يا
أحقاد
الماضي
البغيض
وتراجع بنا يا
زمن أمريكا إلى
حروب السنّة و
الشيعة.
وقد يكون
أخطر ما في
التسمّم البطيء
بهذه
الأفكار
المعادية
للديمقراطية الذي
ستتعرّض له الأمّة
قناعة عبث الديمقراطية
كنظام سياسي
يحمل في طياته
الأمل في غد
أفضل . إن الديمقراطية عبر
صراع
الأفكار التي
تضمنها
وتنظمها حرية
الرأي،
وعبر صراع
الأحزاب التي
تضمنها
وتنظمها حرية
التنظيم ، وعبر الصراع
النزيه الذي تضمنه
وتنظمه حرية
الاقتراع ، هي
حرب استبدلت
فيها
الكلمة
بالرصاصة
والأحزاب
المدنية بجيوش
التحرير
وصندوق
الانتخاب
بساحة
المعركة . إنها النظام
الذي يروض
العنف بنقله
من الفعل
الدموي المباشر
إلى الفعل
الرمزي
مصرّفا
العدوانية
كما تصرّف
المجاري
العصرية المياه
الوسخة حتى لا
تفيض على
الناس قذارة
وأوبئة .ما
أقبح صورة
الديمقراطية
التي قدمتها
الانتخابات العراقية الدامية وهي
بداهة
جزء من العنف
لا بديلا له .
ومما يزيد
في الطين بلّة
أن الإدارة
الأمريكية
تحاول تمرير
ديمقراطيتها
هذه عبر أسوأ
القنوات أي
العملاء
الممولين. هي لا تثق
في
الديمقراطيين
المستقلين
الذين لا
يثقون فيها
بدورهم .وكيف
يثقون بها وهي
تنادي بالإصلاح
من جهة وتلغي
كل الديون
السياسية
المتعلقة
بمعمر القذافي لمجرّد
أنه أعلن
التوبة عن
الإرهاب في
الخارج
وتتركه على
راحته في
ممارسة
الإرهاب في
الداخل ضدّ
شعب أعزل
ومنتهك
الحقوق منذ أكثر
من ثلاثين
سنة.
هكذا يواجه
الديمقراطيون
العرب اليوم
بتحديات
متعددة المصادر
.
هم مطالبون
بمواجهة
استبداد
متزايد
الشراسة لأنه
شاعر بتصاعد
المخاطر
وتراكم
الأزمات ومهدد
من كثير من
الجهات
الداخلية
ومواجه بالضغط
الخارجي للإصلاح
.
هم
مطالبون
بمواجهة
المدّ
الإسلامي
المتشدّد
بخطابه
العنيف الذي
هو صدى خطاب هنتنجتون
وأمثاله .
لكنهم
بالأساس
مواجهون
بمهمة لم تخطر
لهم على بال
وهي فكّ الارتباط
في عقول وقلوب
العرب بين
الديمقراطية
والغرب وذلك
عبر اتخاذ
جملة من
المواقف من أهمها
تأكيد
استقلالية
الحركة
الديمقراطية
العربية عن
مفاهيم
وأجندة
الإدارة الأمريكية
وممارسة هذه
الاستقلالية عبر
رفض كل تمويل
وكل استخدام
واعتبار
الإصلاحات
شأنا داخليا
بحتا
من مشمولات
الحركة
الديمقراطية
وحدها.
ما
أغرب أن تضع سياسة
غير مسئولة
في نفس
الصفّ
المناوئ
للغرب
المتشددون
من القوميين
والإسلاميين
من جهة والديمقراطيين
من جهة أخرى.....
ولكل طرف
أسبابه.
وتجاه
هذه المفارقة
يجد
الديمقراطيون
العرب أنفسهم
مطالبين بوضع
النقط على
الأحرف
لأنفسهم قبل وضعها
للآخرين من
العرب وغير
العرب
وذلك على مستوى
المرجعية
الفكرية
والممارسة
السياسية.
فبخصوص النقطة الأولى إذا أصرّ الغربيون على تجاهل مقاطع التاريخ الأكثر دموية في تاريخ البشرية والتي حارب جزء منهم الديمقراطية بشراسة منقطعة النظير فهنيئا لهم طري