الصعب والأصعب في تحديات <<حماس>>

فهمي هويدي - السفير

 

أما وقد اختارت <<حماس>> أن تخوض تجربة المشاركة في السلطة، في حين أرادت لها الجماهير والمقادير قبلها أن تمتحن بتولي زمام السلطة، فإن ذلك بات يفرض عليها أن تحارب على جبهتي التحرير والتغيير، والأولى هي الأصعب، لان صعوبات الثانية مقدور عليها في كل الأحوال.
ثمة بعد آخر في المسألة يضاعف من اهتمامنا بتجربة <<حماس>>، يتمثل في أنها المرة الأولى في التاريخ العربي المعاصر، التي تتولى فيها حركة إسلامية مقاليد السلطة بالانتخاب الحر المباشر، ومن خلال إعمال قواعد اللعبة الديموقراطية. وهو ما لم تمكن منه جبهة الإنقاذ في الجزائر، حين أجهض الجيش التجربة وانقلب عليها، بمجرد ظهور بوادر فوزها في الانتخابات التشريعية. وهو أيضاً يختلف عما جرى في إيران والسودان وأفغانستان، حيث وصلت القوى الإسلامية إلى السلطة عن طريق الانقلاب أو العمل العسكري.
لم يكن الأمر مفاجئاً لنا خارج فلسطين فحسب، وإنما كان مفاجئاً أيضاً لحركة <<حماس>> ذاتها، ومتجاوزاً بمراحل لما انتهت إليه استطلاعات الرأي، التي لم تعط <<حماس>> في أحسن الفروض أكثر من نصف مقاعد المجلس التشريعي، في حين أجمعت على ترجيح كفة حركة فتح. وفي حدود علمي فإن قادة <<حماس>> توقعوا في البداية مشاركة محدودة في الوزارة، وتحدثت دوائرهم عن تولي حقائب التربية والتعليم والعدل والشؤون الاجتماعية والأوقاف، حيث حرصوا على أن ينأوا بأنفسهم عن الوزارات التي تقتضي التفاوض أو التواصل مع الإسرائيليين. لكن الرياح أتت بغير ما اشتهوا، ووضعتهم في موقف مثير لا يحسدون عليه. إذ في حين اعتادوا على الوقوف خارج النظام، وإدانة كل ممارساته وتجريح شرعيته، فإنهم في الآونة الأخيرة طوروا موقفهم ووجدوا أن ثمة مصلحة ما في أن يدخلوا إلى الحلبة ويصبحوا شركاء في النظام. لكن المقادير والجماهير دفعت بهم إلى أبعد ما تمنوا أو توقعوا، بحيث أصبحوا فجأة على رأس النظام الذي جرحوه وأدانوه، وربما وجدوا أنفسهم على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات مع العدو الذي خاصموه وقاتلوه.
منذ حدث الزلزال ووقعت الواقعة، انفتحت الأبواب على مصارعها لتتدفق منها مئات الأسئلة، التي استدعت كل الملفات العالقة، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي. وإذا كان سيل الأسئلة قد انهال على الإخوان المسلمين حين فازوا بخمس مقاعد البرلمان فقط في مصر، حتى طلب منهم أن يقدموا حلهم <<الإسلامي>> لأنفلونزا الطيور والسحابة السوداء ومشكلة العجز التجاري، فلك أن تتصور كم ونوع الأسئلة التي ألقيت على نظرائهم في فلسطين منذ أعلن عن فوزهم بأغلبية مقاعد البرلمان وصاروا مرشحين لتولي السلطة؟
كما حدث في مصر، فإن الخصوم والمنافسين استخدموا سلاح التخويف لفض الجماهير من حول <<حماس>>، حتى قيل انهم يسعون إلى إقامة دولة <<حماسسستان>>، في استدعاء غير مباشر لتجربة طالبان وأفغانستان. وسربت صحيفة <<الحياة>> اللندنية على صفحتها الأولى (عدد 22/1) عنواناً ذكر أن <<حماس>> فتحت الملف الاجتماعي في حملتها الانتخابية، في حين أن مضمون التقرير خلا مما يدل على ذلك، لكنه تحدث عن <<مخاوف>> بعض أهالي الضفة الغربية من أن تفرض عليهم <<حماس>> مواقفها الاجتماعية. في هذا الصدد نقلت الصحيفة قلق البعض من أن تتدخل <<حماس>> في حياتهم الخاصة، فتجعل كل شيء ممنوعاً باسم الدين. كما نقلت عن إحدى الإعلاميات قولها انها ستهاجر إلى البرازيل إذا وصلت <<حماس>> إلى السلطة. على غرار قول أحدهم في مصر بأنه سيهاجر من البلاد إذا فعلها الإخوان.
هذا الموقف التخويفي استمر بعد ظهور النتائج، حيث خرجت علينا صحيفة <<الحياة>> يوم 27/1 بعنوان من العينة ذاتها على أربعة أعمدة يقول: النموذج الجزائري أصبح حاضراً في المشهد السياسي!
الصورة النمطية التي رسمها الإعلام المضاد، جعلت من نموذج <<طالبان>> الممثل الشرعي الوحيد للتطبيق الإسلامي. وقد استقرت تلك الصورة في الأذهان بحيث محت منها ما تضمنه الموروث الثقافي من مناهج وتوجيهات في الإصلاح، والتعامل مع الواقع تطويراً أو تغييراً. وهو مسلك من الصعب افتراض البراءة فيه، ليس فقط لأنه يسقط من الذاكرة كل ما أفرزته الحضارة الإسلامية من عطاء وثراء على مدار تاريخها المديد، ويوحي بأن تاريخ الإسلام والمسلمين بدأ في تسعينيات القرن المنصرم، ولكن أيضاً لأنه يعتبر نموذج طالبان هو الأصل، وما سبقه من تعاليم أو اجتهادات أو خبرات استثناء غير معترف به، في حين أن طالبان ونظائرها هي الشذوذ والاستثناء الذي لا ينبغي الالتفات إليه، ناهيك عن القياس عليه.
يرفع من وتيرة الدهشة أن يستدعي الملف الاجتماعي، ويحاول البعض إثارة الجدل حول الحريات الخاصة، في بلد واقع تحت الاحتلال وفاقد لحريته أصلاً. الأمر الذي يعبر عن خلل فادح في ترتيب الأولويات، ولا يفسر إلا بكونه نوعاً من السفه والحمق، الذي قد يرفع التكليف عن صاحبه. وهو ما إذا فهم بالنسبة لآحاد الناس، فإنه يصبح وصمة في سجل أي جماعة مشتغلة بالعمل العام.
قبل ثمانية عشر عاماً، انتقدت حركة <<حماس>> حين أعلنت في بيان تأسيسها عن مشروعها لإقامة الدولة الإسلامية في فلسطين، وعبرت عن رأيي في مقالة نشرها <<الأهرام>> في 1/11/1988 كان عنوانها <<فلسطين المحررة قبل فلسطين الإسلامية>>. وفيها دعوت إلى إغلاق باب الجدل حول هوية الدولة التي لا يعرف أحد متى ستقوم، حتى لا يثير ذلك خلافاً في الصف الوطني، الذي ينبغي أن تحتل قضية التحرير رأس اهتماماته. ورغم أن الآخرين في فتح وغيرها كانوا يتحدثون عن دولة علمانية في فلسطين، إلا أنني تمنيت أن يبادر الإسلاميون إلى السكوت عن هذه القضية، حتى لا يدخلوا في تراشق وخلاف مع غيرهم لا مبرر له ولا جدوى منه.
وقد سرني أن قادة <<حماس>> طوروا رؤاهم وأنضجوا خبراتهم بعدما عركتهم الممارسة خلال فترة الثمانية عشر عاماً، حتى أصبح خطاب الحركة أكثر حرصاً على تجميع القوى وطمأنة المتخوفين. وهو ما تجلى مثلاً في رد أحدهم على سؤال حول موقفهم من الحريات الخاصة، أثناء ندوة بثتها قناة <<الجزيرة>> في رام الله مساء الخميس الماضي (26/1)، فقال ان الإسلام علّمنا احترام حريات الناس وخياراتهم. وإذا كان القرآن قد قدر انه لا إكراه في الدين، فأولى بذلك وأجدر ألا يكون هناك إكراه في أي شيء يتعلق بالدنيا.
أدري أن ثمة أسئلة كبيرة ومهمة مطروحة على <<حماس>> في الملف السياسي، الذي يتمحور حول قضية التحرير. وأتصور أن الإجابة عن تلك الأسئلة محل دراسة الآن، سواء داخل صفوف الحركة، أو خلال المناقشات الجارية مع رئاسة السلطة ومختلف القوى الوطنية. بالتالي فكلامنا في هذا الشق ينبغي أن يؤجل حتى يتحقق التوافق حول تشكيل الحكومة وسياستها. وما يهمني في اللحظة الراهنة هو لفت الانتباه إلى الكيفية التي تعامل بها العقل الإسلامي مع قضية التغيير التي يفترض أن تشكل المرجعية التي تهتدي بها <<حماس>> في تعاطيها لهذا الجانب.
وقبل أن أتطرق إلى هذا الجانب أشدد على أن أكثر مشكلات الواقع الفلسطيني في الوقت الراهن لا تتطلب بالضرورة عقلاً إسلامياً، وإنما يكفيها وينهض بها أي عقل رشيد وضمير وطني مستقيم. وهو ما ينسحب على أهم قضايا الساعة المتمثلة في تحرير السلطة من الفساد وتحرير البلد من الاحتلال وما سمي بترتيب البيت الفلسطيني.
وإذا ما احتاج أي تغيير أياً كانت وجهته إلى مرجعية إسلامية، فثمة قواعد ومبادئ استقرت في الموروث الثقافي والفقهي، هي على النقيض تماماً من الصورة <<الطالبانية>> الشائعة، التي تقدم مسعى التغيير بحسبانه مغامرة انقلابية، لا تبقي على شيء إلا وتصبغه بصبغتها بين يوم وليلة.
كنت قد كتبت في الموضوع منذ عقدين من الزمان تقريباً، مقالة نشرها <<الأهرام>> تحت عنوان <<فقه الأفكار والتغيير>>، نشرت لاحقاً في كتاب <<التدين المنقوص>>، أصدر لي في عام 1987، واستعنت في ما كتبت بدراسة للدكتور يوسف القرضاوي، أبرز الفقهاء المعاصرين، نشرتها مجلة <<الدوحة القطرية>> في عدد أول يناير 86. وقدم فيها قراءته لموقف الفقه الإسلامي من قضية التغيير، التي استخلص منها ثلاثة مبادئ هي:
› أولاً: مبدأ الضرورات التي اعترف بها الشارع، وهو ما عبرت عنه بعض القواعد الفقهية، التي قررت مثلاً أن: الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرورة تقدر بقدرها، والحاجة قد تنزل منزلة الضرورة. ولهذا المبدأ أدلته الشرعية العديدة، ولم يعد هناك خلاف حوله. وللعلم فإن الضرورات الشرعية ليست كلها فردية، كما قد يتوهم البعض. فللمجتمع ضروراته، كما للفرد ضروراته. إذ ان هناك ضرورات اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية، لها أحكامها الاستثنائية التي توجبها الشريعة، مراعاة لمصالح البشر، التي هي أساس التشريع الإسلامي كله.
ثانياً: مبدأ السكوت على المنكر، إذا ترتب على تغييره منكر أكبر منه. دفعاً لأعظم المفسدتين، وارتكاباً لأخف الضررين. وبناء على هذا المبدأ قرر الفقهاء طاعة الإمام الفاسق إذا لم يمكن خلعه إلا بفتنة وفساد أكبر من فسقه.
وفي صدد تأييده لهذا المبدأ العام يذكر ابن القيم في أعلام الموقعين <<ج 2>> أن النبي شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله. فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره. وان كان الله يبغضه ويمقت أهله.
وهو ينقل عن شيخه ابن تيمية انه مر مع بعض أصحابه في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر صاحبه عليهم ذلك، لكن ابن تيمية عارضه في ذلك قائلاً: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم.
وبهذا المنطق يقول ابن القيم انه إذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو أو لعب، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم منه. وإذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى.
ذلك كله يعني أن التغيير لا يكفي فيه مجرد حدوث المنكر، بل لا يكفي فيه أيضاً أن يكون الفرد أو الدولة قادراً على تغييره. وإنما الأهم من هذا كله هو الاطمئنان إلى أن التغيير يقود إلى الأفضل، وتجنب حدوث ما هو أسوأ. وإذا لم يتحقق ذلك، فإن منطق الشريعة وحكمتها يدعواننا إلى القبول بالمنكر كما هو حتى تتوفر شروط التغيير المنشود، وتصبح المصلحة راجحة على المفسدة.
› ثالثاً: مراعاة سنة التدرج: وهو مبدأ نهجه الإسلام وهو يبني مجتمعه الأول. إذ تدرج بهم في الفرائض، كالصلاة والصيام والجهاد. كما تدرج بهم في تحريم المحرمات كالخمر ونحوها. وكما انه حدث تدرج في التشريع، فإننا نستطيع أن نمضي على السنّة ذاتها ويكون هناك تدرج مماثل في التنفيذ.
ومن الشواهد التي تذكر هنا، ما رواه المؤرخون عن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. إذ قال له ابنه عبد الملك يوماً: ما لك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. فقد كان ابنه الشاب يدعوه لان يقضي على المظالم، وآثار الفساد الأموي دفعة واحدة، دون تريث أو أناة، وليكن ما يكون. ولكن عمر بن عبد العزيز رد عليه قائلاً: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.
إن كتابات كثيرة في عالمنا العربي تحدثت عن انتصار <<حماس>> وهزيمة فتح، وكأن القضية الفلسطينية اختزلت في المنافسة أو الصراع بين الطرفين. لكن قلة أدركت حقيقة أن المنتصر الأول في المشهد هو الشعب الفلسطيني، الذي جسد بموقفه انتفاضة ثالثة انحازت إلى خيار المقاومة والصمود، وحققت إنجازاً ديموقراطياً رائعاً عجزت عنه العديد من الدول العربية التي أفرغت الديموقراطية من مضمونها، وحولتها إلى قناع يسوغ استمرار احتكار السلطة. ولا ينسى في أي حديث عن الإنجاز الذي تم انه ما كان له أن يتحقق إلا في ظل الموقف النزيه الذي انحازت إليه قيادة السلطة، حين أصرت على إجراء الانتخابات في موعدها وفي حرية كاملة، الأمر الذي فاجأ الكثيرين، بمن فيهم قيادات <<حماس>> ذاتها.
لقد تحدثت إلى بعض قيادة <<حماس>> بعد إعلان النتائج، فوجدتهم مدركين لجسامة المسؤولية التي حملها إياهم الشعب الفلسطيني، وبحاجة إلى عون الجميع ونصحهم، وإذ استغرب أحدهم التعليقات البائسة التي ظهرت في بعض الصحف العربية، واصفاً إياها بأنها <<نيران صديقة>>، فإنه ردد على الهاتف الدعاء الشهير: <<اللهم احمني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم>>.
(
) كاتب مصري