مشكلات وآفاق التنمية العربية

السيد يسين - الاتحاد

 

لم يعد هناك خلاف اليوم على أن للتنمية وجوهاً متعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإذا كان التركيز قد تم في العقود الماضية على الجوانب الاقتصادية من التنمية، إلا أن الإجماع اليوم بين العلماء والباحثين هو أن ذلك كان يمثل قصوراً شديداً في الرؤية، مما أدى إلى سلبيات متعددة في مجال الممارسة، كشف عنها عدم فعالية السياسات الاقتصادية، وتعثر عملية الارتقاء بأحوال البشر
ومن هنا ارتفع في الآونة الأخيرة شعار ''الحكم الرشيد'' باعتباره سنداً رئيسياً للتنمية الشاملة بعبارة أخرى بدون ديمقراطية حقيقية بكل مكوناتها، وبدون مشاركة سياسية فعالة في مجال تشخيص الأوضاع الراهنة، وبدون إسهام فعلي مجتمعي في عمليات صنع القرار التنموي، لن يقدر لجهود التنمية أن تؤتي ثمارها
ومن ناحية أخرى تنال قضية عدالة التوزيع اهتماماً بالغاً، على أساس أنه ليست هناك تنمية حقيقية بدون عدالة اجتماعية وذلك لأن عمليات الاستقطاب الاجتماعي وتركز الثروة في أيدي قلة من أعضاء الطبقات العليا، وانتشار دوائر الفقر بين الطبقات الدنيا والوسطى، من شأنه أن يعوق مسار التنمية
ومن ناحية أخرى بدون دفع الوعي الاجتماعي للناس من خلال الارتقاء الثقافي بهم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لن يجعل التنمية تؤتي ثمارها
تبني مفهوم متكامل للتنمية إذن ضرورة أولى، غير أن صياغة سياسات فعالة لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أصبحت الآن هي التحدي الأساسي للدول وخصوصاً ونحن نعيش في عصر العولمة العالم العربي الذي يحاول جاهداً تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي، يجد نفسه في نفس الموقف الذي توجد فيه مختلف دول العالم، ونعني محاولات النخب السياسية والثقافية إلقاء نظرة نقدية على ما تم إنجازه في مجالات التنمية البشرية، ومحاولة رسم خطوط استراتيجية جديدة، وضعاً في الاعتبار المتغيرات الدولية والسياسية والاقتصادية الجديدة والواقع أن القرن العشرين والذي انتهت سنواته أمام أبصارنا، يرحل بعد أحداث تاريخية تكاد تكون أبرز أحداث القرن، ونعني على وجه التحديد سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية، ونهاية عصر الحرب الباردة، وزوال النظام ثنائي القطبية، وبداية عهد القطبية الأحادية، حيث تسيطر الولايات المتحدة الأميركية على مجمل المسرح العالمي، بحكم قوتها الاقتصادية، وتفوقها التكنولوجي، وتميزها العسكري ولو تأملنا هذا الحدث التاريخي الكبير، لأدركنا أن له انعكاسات ضخمة على اتجاهات التنمية في العالم ذلك أن سقوط التجربة السوفيتية على وجه الخصوص، يعد إعلاناً مدوياً بفشل استراتيجيات التنمية التي قامت على أساس التخطيط المركزي الجامد، وتأييداً مباشراً للتنمية التي تقوم على أساس الاقتصاد الحر وحرية السوق
وكان من نتائج هذا الحدث أن أصبحت النظرية الاقتصادية الرأسمالية هي النظرية السائدة في العالم، مما دعا عديداً من دول العالم الثالث عموماً، والدول العربية خصوصاً، إلى أن تعيد النظر في توجهات التنمية، وأن تخفف من سلبيات التخطيط المركزي الجامد، وأن تفتح الباب واسعاً وعريضاً أمام القطاع الخاص لكي يسهم بإيجابياته في مجال التنمية، وفي كل الميادين وبلا استثناء
ويمكن القول إن هذه التحولات الكبرى التي أثرت في توجهات التنمية في مختلف بلاد العالم، قد ضاعف من آثارها تعمق موجات العولمة الاقتصادية، التي تريد فتح الأسواق بلا حدود، وتدفق الأموال والسلع والخدمات والمعلومات والأفكار والبشر بغير قيود وربما كان إنشاء منظمة التجارة العالمية أبلغ رمز لهذا الاتجاه، والذي سيؤثر تأثيراً عميقاً على التنمية: اتجاهاتها ومردودها وآثارها الاجتماعية على كل الطبقات، وذلك في مختلف أنحاء العالم في ضوء كل هذه التغيرات العالمية، تحاول دول عربية شتى صياغة استراتيجية شاملة للتنمية وهي على أبواب الانطلاق، بعد أن أنجزت بشكل أو بآخر مرحلة الإصلاح الاقتصادي وهي في هذه المحاولة تستفيد من الخبرة التاريخية العربية في مجال التنمية التي استمرت نصف قرن على الأقل، بالإضافة إلى استفادتها من الخبرة العالمية في ضوء كل هذه الاعتبارات بادرت ميرفت تلاوي المدير التنفيذي لـ''الإسكوا'' (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا) إلى الدعوة لاجتماع رفيع المستوى لمجموعة مختارة من المفكرين والباحثين لمناقشة قضايا التنمية العربية ومشكلاتها، وذلك في بيروت في الفترة بين 24 و25 يناير المنصرم، وكنت من بين أعضاء اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر، وقد لفت نظري حرص التلاوي على أن تكون أبحاث المؤتمر بمثابة تحليل نقدي لأوضاع التنمية الراهنة في مصر، والكشف عن أسبابها وسلبياتها، ووضع سياسات اجتماعية جديدة تركز على بعدي الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية
ولم يقدر للمؤتمر أن ينعقد وفق هذه الفلسفة النقدية، وها هي ميرفت التلاوي تحاول تطبيق رؤيتها النقدية للتنمية العربية، وتكشف عن ذلك في كلمة افتتاحها لاجتماع الخبراء في بيروت والذي أشرنا إليه وهذه الكلمة تثير التساؤلات الرئيسية التي تتعلق بالوضع الراهن للتنمية العربية، وتحاول من خلال مناقشات الندوة التماس الإجابات لها، في ضوء مهام ووظائف لجنة ''الإسكوا'' التي تغطي نشاطاتها الدول العربية وهي تنطلق من توجه الأمم المتحدة الذي يتمثل في نتائج القمة العالمية التي انعقدت عام ،2005 والتي كان موضوعها ''الأمن، التنمية، وحقوق الإنسان''
والأسئلة الأساسية التي طرحتها تتمثل فيما يلي:
- إلى أين تتجه المنطقة العربية على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟
- ما هي أسباب عجز المنطقة العربية عن مواجهة التحديات التي تواجهها وقصورها عن الرد أو اتخاذ القرار المناسب لمواجهة التحديات وهل هو قصور مؤسسي أم تشريعي؟
- ما هو سبب عدم القدرة على العمل الجماعي في مواجهة التحديات وما المطلوب لمواجهة هذا الموقف؟
- كيف تستطيع لجنة ''الإسكوا'' أن تموضع نفسها بشكل يسمح لها بمعالجة الصعوبات المستقبلية التي تنتظرها المنطقة، وهل يتطلب ذلك تغيير أولوياتها؟
ولم تقنع ميرفت تلاوي بإثارة هذه التساؤلات ولكنها أشارت بدقة إلى مجموعة من الظواهر السلبية الراهنة، وأهمها تهديد الإرهاب وتصاعد الانقسامات الدينية والعرقية في المنطقة، وازدياد التطرف وانتشار النزعات الأصولية السلبية، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى الدول، وداخل كل دولة على حدة، وأهم من ذلك كله عدم جهوزية المنطقة العربية للتحديات الاقتصادية المترتبة على العولمة، وعدم تناغمها مع التطور التكنولوجي في العالم
وفي مجال التعليق على تلك التساؤلات المهمة قدمت مجموعة من الإجابات المبدئية والتي تحتاج كل واحدة منها إلى دراسة معمقة وكانت إجابتي على السؤال الأول إلى أين تتجه المنطقة العربية، وهو أنه لا يمكن تحديد الاتجاه بغير التحليل المتعمق لنمط التعبيرات الأساسية التي لحقت ببنية المجتمع العالمي
وقد ركزت على خمسة تغييرات جوهرية سبق لي أن أشرت إليها بقدر من التفصيل في بحوثي ودراساتي المنشورة
أول هذه التغيرات هو أن الإنسانية تنتقل نقلة نوعية من نموذج المجتمع الصناعي الذي قام على أساس مشروع الحداثة الغربي إلى نموذج مجتمع المعلومات الكوني الذي يقوم حالياً على أساس العولمة والتغير الثاني هو الانتقال من النظام ثنائي القطبية إلى النظام أحادي القطبية الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة الأميركية على العالم بحكم قوتها العسكرية ونظامها الاقتصادي القوي
ونحن في مجال تغير المجتمع العالمي ننتقل من مجتمع الأمن النسبي إلى مجتمع المخاطر، ومصادر هذه المخاطر متعددة
وأخيراً نشهد في الوقت الراهن انهيار نظرية الأمن القومي التقليدية التي كانت تقوم على حراسة الحدود من مصادر التهديد المعروفة، بعد بروز موجات الإرهاب الجديد، الذي يستعين بوسائل الثورة الاتصالية الكبرى لكي يعبر الحدود ويقفز فوق الحواجز التقليدية ويضرب ضرباته في قلب عواصم العالم
ونحتاج لمتابعة المناقشة في مقال قادم