تضامن ونقد لاعلان دمشق

معقل زهور عدي

 

 

أعترف في البدء أن مبادرة الاعلان تحمل جانبا ايجابيا مهما يتمثل في نقل المعارضة الوطنية الديمقراطية من موقع المطالب الخجول بالإصلاحات من النظام الذي أظهر مايكفي من ازدراءه لتلك المطالب ، الى موقع التأسيس لمعارضة جادة في نهج التغيير الديمقراطي المتوجه أساسا للشعب وبصورة أقل للوطنيين ضمن النظام ( بالمعنى الأوسع لتعبير النظام ).

كما أعترف أنه فتح المجال لأول مرة لاشراك كافة القوى السياسية الوطنية على اختلاف برامجها وأيديولوجياتها للعمل بصورة متناسقة من أجل هدف مرحلي يتمثل في انجاز الحريات العامة ، والقطع مع الاستبداد بكل وسائله ، وبناء دولة المواطنة والقانون ، واقرار التعددية وتداول السلطة ، كمدخل نحو ديمقراطية حقيقية واسعة، وان ذلك كان بمثابة وضع الأساس لبرنامج سياسي مرحلي لايتطابق بالضرورة مع برنامج التجمع الوطني الديمقراطي.

لكن نقدنا لاعلان دمشق يتمثل في أنه تجاوز الضرورات التي يمليها البرنامج المرحلي الى شكل من أشكال وضع الأساس لرؤية فكرية-سياسية اشكالية لاضرورة لها أوقعت البيان في عدة سقطات لايمكن غض النظر عنها .

اذن فجوهر نقدنا للاعلان أنه أدخل نفسه فيما ليس له فيه ، وحول في مقاربته البرنامج المرحلي التكتيكي الى برنامج فكري سياسي ، لقد كان كافيا من وجهة نظر سياسية التأسيس لبرنامج مرحلي مكون من خمسة نقاط :

 

1-                      اقرار مبدأ التعددية السياسية وعدم الاقصاء والتداول للسلطة ودولة المواطنة والقانون .

2-                      الحريات العامة وحقوق الانسان .

3-                      حق الأكراد في المساواة التامة في المواطنة، وحقهم في التمتع بلغتهم وثقافتهم.

4-                      استبعاد العنف واعتماد التغيير السلمي الديمقراطي.

5-                      عدم الاستقواء بالخارج

 

 

أما بقية المسائل فيمكن ان تبقى موضع تجاذب وفقا للأجندة الفكرية- السياسية لكل طرف من الأطراف .

وبصورة خاصة ليس من المفهوم أن يقوم التجمع بتقديم تنازلات فكرية سياسية مجانية تحت ذريعة اسمها ضرورة التوافقات .

من تلك النقطة نأتي مباشرة لنقد تلك التنازلات الفكرية السياسية واحدة بعد الأخرى :

أولا اسقاط حقيقة جوهرية في التحليل السياسي للمرحلة الراهنة تتمثل في مشروع الهيمنة الأمريكي على المنطقة والذي تحول الى مشروع هيمنة اقتصادي-سياسي عسكري بدأ بالعراق وهو يتجه الآن نحو سورية بكل ما يحمله من تهديدات للدولة والمجتمع .

ثانيا الانسحاب نسبيا من الانتماء العربي ( ولوجاء مترافقا مع ترضية لفظية هنا وهناك ) ويتجسد ذلك الانسحاب بأوضح صورة في عدم اعطاء مسألة الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق والاحتلال الصهيوني لفلسطين أهمية تتناسب ومركزية تلك المسألتين لكل من يقر بالانتماء العربي، وكذلك ادخال مصطلحات مثل المنظومة العربية بدلا عن الامة.

ثالثا هناك بعض الجمل والتعبيرات الاشكالية كما ورد في الحديث عن دين الأكثرية ( كأن البرنامج السياسي بحاجة لتحديد الهوية الدينية للأكثرية) بل ان تحديد مفهوم الأكثرية واستخدامه سياسيا يمكن ان يوظف موضوعيا في الأفخاخ الطائفية ( تقسيم المجتمع عموديا ) ، وكذلك الحديث عن الآخر ! ( هل في دولة المواطنة الأنا والآخر؟)، وكذا عبارة ( ضمان حق العمل السياسي لجميع مكونات الشعب السوري على اختلاف الانتماءات الدينية والقومية ) أي كما لاحظت بحق لجان احياء المجتمع المدني في نقدها للاعلان ( العودة الى ترسيخ البنى المغلقة ماقبل الوطنية ) .

وحتى لانتهم بأننا نسوق كلامنا بدوافع ايديولوجية نذكر بأن أهم بند في الحملة الأمريكية الحالية على النظام ليس الاحتجاج على الاستبداد ، ولكن بسبب التدخل في العراق والمسألة الفلسطينية، وفي لبنان .

نعم نحن نعلم كما يعلم الجميع أن هذا التدخل ( خاصة في لبنان ) ترافق مع أخطاء فادحة مرتبطة ببنية النظام وطبيعته ، لكن الولايات المتحدة تقول صراحة انها تريد أن ترى سورية وقد أدارت ظهرها تماما لمسألة احتلال العراق والمسألة الفلسطينية ، كما يقول واقع حالها انها تريد هيمنة ( وحدها أو مع شريكتها فرنسا ) على لبنان دون منازع. أي ان المسائل السابقة مرتبطة مباشرة بمتطلبات مشروع الهيمنة الأمريكي الذي فهمه وتكيف معه التيار الليبرالي .

أما مسألة الانسحاب من الانتماء العربي فواضحة في أدبيات التيار الليبرالي في سورية والذي يكاد يجمع على النظر للعروبة كمرادفة للشوفينية واعتبار الدعوة القومية سببا للتخلف والاستبداد ، واعتماد الانتماء السوري كحاضن وحيد لدولة المواطنة.

أما ماورد في الفقرة ( ثالثا ) وهوالأكثر حساسية فيمكن ان يصبح تمهيدا لمنطق الديمقراطية الطائفية التي حملها معه مشروع الهيمنة الأمريكي على العراق والمنطقة العربية .

لقد تم اقرارالاعلان من خلال آلية لصناعة القرار داخل التجمع لاتتمتع بالقدر الكافي من الديمقراطية والشفافية ، والقسم الأوسع من التجمع لم يكن على علم بمسودة الاعلان ، بل ان لجان احياء المجتمع المدني التي وقعت على الاعلان لم تستشر به كهيئات ( يمكن مراجعة بيان اللجان في 22/10/2005)، وكذا منتدى الاتاسي ( يمكن مراجعة مقال السيد مسوتي بتاريخ 22/10/2005) أما حزب العمل الشيوعي ومناهضة العولمة ولجان حقوق الانسان فقد بقيت تماما خارج الموضوع كهيئات وأفراد عدا السيد هيثم المالح.

ورغم تثمين الجهود التي بذلت فتفرد كهذا باتخاذ القرارات الاستراتيجية لايمس مصير التجمع بل مصير الحركة الوطنية الديمقراطية وسورية ذاتها.

من هنا تنبع المطالبة بايجاد هيئات مرجعية لاتخاذ القرارات الهامة بطريقة ديمقراطية وشفافة وبمشاركة حقيقية لأوسع القواعد والنشطاء.

وعلى أية حال فلا يمنع النقد السابق- الذي فضلت ان يكون صريحا من التضامن مع اعلان دمشق والدعوة لترسيخ مضامينه الايجابية ، لكنه تضامن مع النقد ، ومع الكفاح المستمر من اجل اشاعة الديمقراطية ضمن التجمع والحركة الوطنية بمجملها ، ومعارضة الميل للمساومات الفكرية ، فالوحدة تقتضي تحديد التخوم مثلما تقتضي تحديد القواسم المشتركة والعمل باخلاص لتجسيدها في الواقع كرافعة للنهوض الشعبي .

معقل زهور عدي