العولمة تعيد حساباتها!

د. فيصل القاسم : ( كلنا شركاء ) 29/1/2006

لم تأت عولمة العالم وجعله قرية صغيرة متفاعلة ومتواصلة لوجه الله. فالذين خططوا لإزالة الحدود وربط المعمورة من أقصاها إلى أقصاها بشبكة اتصال عنكبوتية واحدة ودمجها في كيان موحد كانوا يريدون مصلحتهم الخاصة بالدرجة الأولى اقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً. وقد أصبحت أهداف العولمة على الصعيد الاقتصادي والثقافي تحديداً واضحة للعيان، بحيث تصول الشركات العابرة للقارات وتجول على هواها مستفيدة من سقوط الحواجز التجارية والاقتصادية وتلاشي دور الدول في إدارة مواردها وثرواتها وأصولها. وإذا كانت منظمة التجارة الدولية تمثل في المفهوم الماركسي البناء التحتي للعولمة فإن البناء الفوقي تشكله ثقافة العولمة الجديدة التي تتبنى ترويجها وترسيخها وتكريسها وسائل الاتصال العابرة للحدود من أقمار اصطناعية وشبكة انترنت وهواتف متحركة وغيرها. باختصار فإن سادة العالم الجدد أرادوا أن يسودوا اقتصادياً وثقافياً، بحيث يغدو اقتصادهم الرأسمالي النمط الاقتصادي السائد والمسيطر عالمياً، بينما تقوم ثقافتهم الاستهلاكية بمهمة إلغاء وشطب الثقافات المحلية والقومية والوطنية في العالم بحجة أننا أصبحنا عالماً واحداً. لكن على ما يبدو فإن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر بالنسبة لسادة العولمة ومخططيها.
لا شك أن النظام الاقتصادي الرأسمالي استطاع خلال السنوات الماضية أن يقطع أشواطاً كبيرة على طريق تعزيز العولمة الاقتصادية ودحر الاقتصاديات المنافسة التي ما زالت تقاوم الاقتصاد العولمي. لكن حتى اقتصادياً - وهو المجال الأقوى بالنسبة للعولمة - بدأ يواجه عقبات كأداء. فليس صحيحاً أن التاريخ وصل إلى نهايته كما توقع فوكاياما، بحيث انتصر النمط الرأسمالي الليبرالي واندحرت النظم الاقتصادية المنافسة إلى غير رجعة. وحتى فوكاياما نفسه أعاد النظر في نظريته المثيرة للجدل واعتبر أن إيصال التاريخ إلى نهاية ثابتة يعتبر أمراً مناقضاً لحركة التاريخ والإنسانية إن لم يكن حلاً طغيانياً ديكتاتورياً تناقضه حركة الاقتصاد الرأسمالي نفسه. وقد جاءت نظرية الطريق الثالث لإنقاذ النظام الاقتصادي الليبرالي من وصوله إلى مرحلة العد العكسي. لكن حتى هذا الانعاش المؤقت للنظام الرأسمالي لم يفد كثيراً.
لقد قال الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز - الذي يصارع العولمة في حديقتها الخلفية - إن الاشتراكية لم تمت كما يزعم دعاة الاقتصاد العولمي. لقد مات الاتحاد السوفييتي لكن الاشتراكية عادت بقوة. والدليل على ذلك أن الاشتراكيين فازوا في الانتخابات في معظم دول أمريكا اللاتينية التي من المفترض أنها كانت الأسرع لتبني العولمة الاقتصادية والأسهل لتجرع الكأس الليبرالية بحكم قربها من واشنطن المحرك الأساسي لحركة التعولم. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن العولمة الأمريكية، فقد عاد الاشتراكيون إلى البرازيل وبوليفيا وفنزويلا والارجنتين وحتى تشيلي وقد غدا كاسترو الزعيم الاشتراكي الشهير ايقونة جديرة بالتأليه حسب وصف اللاعب الارجنتيني الشهير مارادونا بعدما كان شيطاناً في نظر أمريكا وأزلامها في أمريكا الجنوبية. وقد تفاخر تشافيز بنوع من الاعتزاز والتحدي بأن الأمريكيين اللاتينيين قد فرملوا العولمة وجعلوا بخارها ينفذ على الأقل في منطقتهم.
وإذا كانت العولمة المتوحشة أفرزت ضدها الاشتراكي في أمريكا اللاتينية على الصعيد الاقتصادي وبعثت الروح من جديد في عدوتها اللدود، فإنها جعلت الثقافة الأمريكية العولمية تترنح في العالم العربي. فبدلاً من أن ينجح الأمريكيون - من خلال وسائل العولمة الحديثة - في أمركة العرب ومحو ثقافتهم وغسل أدمغتهم وجعلهم أدوات طيعة في يد وسائل الإعلام الغربية فإن العكس قد حدث بحيث بدأت واشنطن تخشى على سمعتها في الوطن العربي وترسل المبعوث تلو الآخر لتحسن صورتها، ناهيك عن رصدها ميزانيات كبيرة لإعادة الهيبة إلى ثقافتها المترنحة في الشارع العربي.
لقد اشتكى وزير الدفاع الأمريكي مراراً من بعض وسائل الإعلام العربية المتعولمة التي حسب زعمه تشوه صورة أمريكا وتنفـّر ملايين العرب من النموذج الأمريكي. ولم يتوقف الأمر عند رامسفيلد، فقد لحق به الرئيس الأمريكي جورج بوش عندما وجه سهامه لبعض الفضائيات العربية متهماً إياها بالإساءة إلى سمعة بلاده ومكانتها في العالم. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن سلاح العولمة بدأ يطلق إلى الخلف كالأسلحة العربية الفاسدة التي استخدمتها بعض الجيوش العربية في حرب عام 1948. أو بعبارة أخرى انقلب الوحش على راكبه.
واللافت في الأمر أن شكوى الرئيس الأمريكي من الإعلام العربي تكررت أكثر من مرة مما يشير إلى قلق أمريكي متصاعد من فشل وسائل إعلامهم الموجهة للعالم العربي وإخفاق العولمة الأمريكية في تحقيق أهدافها في الهيمنة والتحكم. لقد بدأ الخوف ينتاب الأمريكيين محركي العولمة ليس فقط من فشل وسائلهم العولمية فقط بل من قدرة الآخرين على استخدام أدوات العولمة للنيل من صناعها ومخترعيها على مبدأ "من دُهنو قلــّيلو".
لقد هاجم الرئيس الأمريكي جورج بوش التليفزيونات العربية "غير المنصفة" للمرة الثالثة خلال أقل من شهرين. واتهمها ببث "دعاية غير صحيحة وغير عادلة" عن الولايات المتحدة. وخرج بوش عن نص أحد خطاباته لإطلاق مبادرة الأمن القومي لتحسين المهارات اللغوية في وزارة الخارجية ليهاجم التغطية التليفزيونية العربية عموماً، معتبراً أنها تعطي في غالبية الأحيان، انطباعاً خاطئاً عن بلاده، داعياً إلى بذل جهد أفضل لنقل أفكار الأمريكيين إلى الخارج.
وقال بوش: "لا يمكنك أن تقـّدر قيمة أمريكا عندما تشاهد بعض محطات التليفزيون تلك، لا سيما في ضوء الرسالة التي تنشرها" متهماً وسائل الاعلام العربية المرئية بأنها "لا تعطي الناس الانطباع عما نحن عليه".
وتهدف مبادرة الأمن القومي إلى تحسين المهارات اللغوية لدعم تدريس اللغات الروسية والصينية والهندية والفارسية والعربية وغيرها، في إطار خطة استراتيجية لحماية الولايات المتحدة. وقال مسؤولو الخارجية الأمريكية ان هدف المبادرة، إشراك الاطفال في تعلم اللغات الاجنبية، من الحضانة، وتمويل مزيد من البرامج للمستوى الجامعي وما بعده، الأمر الذي خـُصصت له موازنة تفوق 114 مليون دولار سنوياً.
وقال بوش الذي يجيد القليل من الاسبانية، أمام الحضور في الخارجية الأمريكية: "لا يمكنكم إقناع الناس إذا لم تستطيعوا التحدث إليهم".
إنه أمر مثير ومدهش حقاً أن تبدأ أمريكا بالتفكير بتعليم أبنائها لغات أجنبية ومنها العربية على وجه الخصوص في وقت اعتقد فيه الكثيرون أن لغة الأقوياء غدت لغة العولمة دون منازع. فقد اعتاد الأمريكيون والبريطانيون على وجه التحديد على احتقار اللغات الأخرى ولم يفكروا يوماً بتعلم لغات غير الانجليزية لغتهم الأم، لأن الجميع يتسابق على تعلم الانجليزية لغة التعولم مما يجعلهم في غنى عن تعلم لغات الآخرين. لكن الزمن الأول تحول على ما يبدو وبسبب العولمة نفسها، فلم تعد الانجليزية كافية لنشر ثقافتهم والدفاع عن مصالحهم الثقافية والاقتصادية والسياسية. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أيضاً على فشل سلاح العولمة الإعلامية والثقافية في حماية مصالح القوى العظمى وانقلاب السحر على الساحر. فبدلاً من تمكن الانجليزية من مقارعة اللغات الأخرى وإلغائها يبدو أن البث التليفزيوني باللغات الأخرى بدأ يقارع البث الانغلوساكسوني المهيمن ويجعله يفكر بأساليب وطرق جديدة لإيصال رسالته إلى العالم. كل ذلك بفضل العولمة!!!!
لقد نجح الكثير من الكتل القومية في استغلال أدوات ووسائل العولمة لتنافح بها عن ثقافتها وقيمها وهويتها كما فعل العرب والأمريكيون اللاتينيون. وقد أفلح العرب مثلاً في إطلاق وسائل إعلام فعالة نافست الوسائل الغربية وتفوقت عليها أحياناً مما جعل المخططين الأمريكيين يوصون إما بقصف الفضائيات المنافسة ومحوها عن بكرة أبيها أو بالظهور على بعض القنوات العربية للدفاع عن المصالح والثقافة الأمريكية، نظراً لشدة تأثير تلك القنوات واستحواذها على الشارع العربي فيما فشلت الأجهزة الأمريكية في التأثير على جموع العرب.
بدورهم راح مناهضو العولمة في أمريكا اللاتينية يتصدون للهيمنة الإعلامية الإمريكية، فقد تعاون الرئيس الفنزويلي مع عدد من زعماء الدول المجاورة في إطلاق قناة قومية تدعى "تليسور" لمنافسة الفضائيات الأمريكية. وقد بدأت القناة الجديدة تبلي بلاء حسناً في مقارعة النفوذ الإعلامي الأمريكي في أمريكا الجنوبية.
إن العولمة برأي مناهضيها نوع خبيث من الاستعمار الشامل الذي لا يريد السيطرة على منطقة بعينها بل يحاول تطويع المعمورة من أقصاها إلى أقصاها لتكون كدمية في يديه، وهي بالطبع مهمة عسيرة للغاية، فقد فشل المستعمرون في الماضي في الهيمنة على مناطق محدودة واضطروا إلى الهرب تحت وطأة المقاومة، فكيف لهم إذن أن يحكموا قبضتهم على العالم بأسره؟ إنها مهمة مستحيلة مهما تعددت الوسائل والحيل. لقد خلق الله عز وجل هذا الكون الرائع شعوباً وقبائل ليتعارفوا لا ليتعولموا ويذوبوا في قالب واحد وبالتالي لن تقبل القوانين الإلهية صهر الكون في قبيلة واحدة. لذا سيبقى العالم عوالم مهما حاول المستبدون والمتحكمون بالأرض إعاده تشكيله على هواهم وحسب مصالحهم.