رسالة إلى اللقاء الأول للقوى الوطنية السورية في أمريكا الشمالية

المحامي هيثم المالح

الأخوة والأخوات أبنائي الأعزاء في اللقاء الأول للقوى الوطنية السورية في أمريكا الشمالية سلام من الله عليكم ورحمة منه وبركات وبعد
لقد
دعيت لأكون بينكم إلا أن حالة منعي من السفر لا زالت قائمة مستمرة، دون أن أرى أي ‏تقدم باتجاه رفعها برغم المحاولات المتكررة.
 تعلمون أيها الأخوة أنه في ظل قيادة دولة الولايات المتحدة - القوة المتفردة الآن- في اتخاذ ‏القرار وتنفيذه بعيداً عن احترام الأمم المتحدة أو القانون الدولي أو شرعة حقوق الإنسان، نقف ‏اليوم مشدوهين إزاء ما يعانيه العالم من انتكاسة وردة، ذهبت بكل ما أحرزه الإنسان من ‏مكتسبات، وبكل قيمه ومبادئه ومصداقيته، وما يواجهه هذا العالم من زيفٍ قلب المفاهيم وأفسد ‏الموازين واقتلع الثقة وهيج العداوات والبغضاء بين الشعوب، وأعاد الناس إلى شريعة الغاب ‏ليحتكموا إليها فيما ينشب بينهم من نزاعات، بعد أن كانوا تجاوزوا هذه الشريعة، وأيقنوا أن ‏استخدام القوة وإشعال نار الحروب والفتن لا يحل المشكلات بقدر ما يعقدها، وأن المشكلات ‏إنما تحل على طاولة المفاوضات مهما طال أمد التفاوض. وكان الاتحاد الأوربي ثمرة هذا ‏التحول، وشكل منعطفاً حاداً أو شوطاً متقدماً في مسيرة التقدم البشري.
لقد سئمت الإدارة الأمريكية على ما يبدو من تكاليف الحضارة، وناءت بأعبائها ومسؤولياتها، ‏وتنكبت للمثل التي قامت عليها دولتها بدءً من جورج واشنطن، وآثرت المصالح على القيم، ‏ونظرت إلى الظواهر وأغفلت المسببات وامتلكت القوة فتعسفت في استعمالها ورفعت شعار ‏حقوق الإنسان ثم كانت أول من يضحي بها، ونادت بالعدالة والمساواة ثم ارتكبت باسمهما ‏وتحت غطائهما أبشع أنواع المظالم والتمييز العنصري، واستعملت إرهاب الدولة في ‏هيروشيما وناغازاكي والفيتنام وانقضت على نورييغا في باناما لتعتقله في سجونها، ودمرت أفغانستان وهبطت بجيوشها خارج إطار الأمم المتحدة في العراق وخالفت سائر شعوب العالم ‏حتى الشعب الأمريكي نفسه والستمائة مدينة في العالم التي ناهضت الحرب.
أي احترام للحقوق يمكن أن يطالب به في زمن التردي الأخلاقي الذي تتولى أمريكا أمره، ‏فتهدم بيديها كل ما شيَده الإنسان من قيم الحق والعدل والمساواة والديمقراطية وسائر حقوق ‏الإنسان، وكل ما حققه من تقدم!!.
بغض النظر عن موقع كل منا جغرافياً. فإن المكان الذي نتواجد فيه هو ثغر من ثغور الوطن ‏والأمة، علينا وبكل ما وهبنا الله من ملكات أن نقتحم العقبات ونسعى لتذليلها، وأن نسعى ‏جاهدين لأن نثبت لمن حولنا أننا جديرون بالرسالة التي نحمل ونؤمن، علينا أن نكسب احترام ‏ومودة من معنا في العمل، ومن يجاورنا السكن، محتذين بقول الله تعالى وبسيرة نبيه الكريم.
إنني أتمنى عليكم أن تتعمقوا في فهم المجتمع الذي تعيشون فيه، وأن تحاولوا فهم اقتصاده ‏والإطلاع على آدابه وفنونه فإلاطلالات على السياسة وحدها لاتكفي. إن تآزركم في البحث عن ‏آليات جديدة لتعزيز نضالنا سيضع كلاً منكم في موقع أفضل وكل ما تمكن أحدنا أو كلنا في ‏التمسك بمشاعره وسلوكه سنجد أنفسنا أقرب إلى الآخرين، وسنجد بينهم أصدقاء جدداً وربما ‏ظنناهم وللوهلة الأولى أنهم أعداء، وإن البحث عن مصادر القوة من أجل إعدادها للتغيير نحو ‏الأفضل هو واجب علينا القيام به.
علمتني تجربتي في العمل داخل وطننا سوريا أن كل خدمة وكل جهد مهما كان بسيطاً حتى ‏السماع لمشاكل الآخرين ومشاركتهم همومهم، هو أفضل من السكون والركون، بانتظار فعل ‏كبير أستطيع القيام به.
منذ سنوات طويلة وأنا أملأ يومي بالعمل؟، أعطي الإنسان العادي البسيط من اهتمامي ما ‏أعطيه للمهم منهم، وقد غير هذا السلوك مع الزمن الكثير من داخل نفسي، طور طاقتي ‏وموهبتي، وعوضتني محبة الناس واحترامهم لما أقوم به، عن الكثير من متاع الدنيا.
إن السعادة التي أعيشها خلال عملي الدائم لمساعدة الناس لهي سعادة عظيمة لم يكن لمال أو جاه ‏أن يهبني مثيلاً لها.
أستطيع القول أن العمل في سوريا قد خطى خطوات جيدة نحو الأمام، فنحن اليوم نستقبل أناساً ‏عديدين بسطاء يسألون مساعدتهم في حل مشاكلهم، لقد تم كسر حاجز الخوف أو بعضاً منه، ‏وأن أحسنّا العمل سينكسر المزيد.‏
نحن في عملنا هنا نلتقي بأناس من مختلف أنحاء المعمورة، ونتحاور معهم باستمرار ورغم ‏حاجتنا الملحة للدعم فإننا لا نساوم أبداً على هويتنا أو قناعتنا بل نقدم أنفسنا ورؤانا بطريقة ‏لطيفة ومهذبة كما هي، وندافع بكل حزم بهداية العقل عن أسس هويتنا، متسلحين بالحلم ‏والحجة والأناة والمعرفة.
لقد تمكنت عبر زمن مضى مع بعض صحبي الكرام أن نكسب جولات وجولات وأن نغير من ‏رؤية كثيرين زارونا لمشاكل وقضايا المنطقة التي نعيش فيها، وتعلمنا منهم الكثير في الوقت ‏نفسه.
لقد اكتشفت لدى الكثير من زواري من الغرب حساً والتزاما جد عميقين بما هو إنساني، بل ‏أقول لكم وبصدق أنني فخور بصداقات أضفتها إلى كنزي الروحي، مع رجال ونساء من كافة ‏أنحاء العالم فالخير ليس محصوراً في بقعة أو مجموعة بل هو عميم.
نهدف في عالمنا إلى بناء ديمقراطية في سوريا أسلوباً للحكم ولن نحيد عنه، فهي المخرج من ‏معظم مشاكلنا وعبرها وبواسطتها وخلال سيرورتها سنتمكن من مواجهة التخلف بأشكاله ‏المتعددة الحاكمة لنا اليوم.
لن نقبل وسنقاوم كل محاولة لحرف مسارنا الديمقراطي تحت أية مقولة، ونحن في هذا على ‏عجلة من أمرنا في أن نقوم بالمهام اليومية المطلوبة منا، ولسنا على عجل بحيث نستبدل ‏وتحت ضغط الواقع والرغبة ما هو حقيقي بما هو افتراضي.
العمل المنتج يتطلب حسن التخطيط وحسن الأداء، والبحث الدائم عن مصادر جديدة للطاقة، ‏لكننا في مسعانا نرفض وسنرفض أن يكون الخارج هو حامل التغيير الديمقراطي، على الأقل ‏أننا ندرك أن الخارج لن يهبنا الديمقراطية، بل سيسعى لتحقيق مصالحه وطالما نحن في حالة ‏الضعف، فسنكون عاجزين عن إجراء حوار ندِي مع الخارج. إننا نمد وسنمد أيدينا لتلك القوى ‏الخارجية المتمثلة في هيئات حقوق الإنسان والمجتمع المدني المناهضة للعولمة المتوحشة ‏وللظلم بكافة أشكاله.
في الختام أرجو لمؤتمركم كل التوفيق، وأسأل الله أن يأخذ بيدكم لما فيه الخير والرشاد.
والسلام عليكم