لماذا يبقى عارف دليلة سجينا ؟

فايز سارة : النهار 27/1/2006

في آخر عملية لاطلاق سراح سجناء سياسيين، طاولت خمسة من معتقلي "ربيع دمشق"، جرى استثناء عالم الاقتصاد عارف دليلة، وهو الاخير من سجناء "ربيع دمشق". ورغم ان كل المعتقلين يستحقون ان يطلق سراحهم، لكن عارف دليلة قد يكون الاكثر حاجة لفضاء الحرية وخاصة لوضعه الصحي المتردي. اذ خضع الرجل لعملية قسطرة قلبية العام الماضي بعد ان ترددت انباء انه يواجه الموت نتيجة تفاقم حالته الصحية، وهو الذي يعاني مرض نقص التروية، واضطراب نظم القلب، اضافة الى مرض السكري، وثلاثتها امراض خطرة وقاتلة في ظروف عارف دليلة. وقد دخل عامه الخامس في الاعتقال بعد ان حكمت عليه محكمة امن الدولة العليا بالسجن لعشر سنوات بتهم قيل انها تندرج في اطار الدعوة الى تغيير الدستور بطرق غير شرعية، واثارة النعرات الطائفية، والدعوة الى عصيان مسلح، ومنع السلطات من ممارسة مهماتها. وهي تهم يجزم كل من عرفوا عارف دليلة، انها لاتنسجم مع سياق تفكيره ونظرته الى الحياة والمجتمع.
ففي مسيرة حياة استاذ الاقتصاد الشخصية، كما سيرته الاجتماعية والسياسية، لم يكن الرجل متصلاً بواحدة من تلك التهم، كما لم يكن على صلة او كان عضواً في جماعات، جعلت من تلك الاتهامات اهدافاً لها، او انها وضعت برامج تقود في اتجاه كهذا.
والمعروف عن عارف دليلة سلميته وعلاقاته الحوارية مع الآخرين اصدقاء كانوا ام خصوم، وهو الرجل الذي قضى معظم حياته في رحاب المؤسسات التعليمية، فكان طالباً، واستاذاً ارتبط بعلاقات صداقة ومودة ميزت حياته، وجعلت له صداقات واسعة في صفوف الاساتذة والطلبة، وقد تنقل استاذاً للاقتصاد بين جامعتي حلب ودمشق، وعميداً لكلية الاقتصاد في الاخيرة قبل ان يبعد من منصبه، ويذهب مدرساً في احدى الجامعات الاردنية.
ان احد تعبيرات علاقات عارف دليلة الصداقية مع الوسط الجامعي، لا تبدو فحسب في الود الذي يكنه له زملاء كثيرون في الاسرة التعليمية ومن طلابه السابقين، بل في المؤازرة الواسعة التي قدمت له عندما رشح نفسه لعضوية مجلس الشعب في دورة العام 1998، وقد شملت تلك المؤازرة إلى جانب التعاطف الانساني، وقوفاً مع برنامجه السياسي الذي اتخذ جانب الفئات الضعيفة في المجتمع ومن اجل العدالة وحماية الاستقلال الوطني، وزاد بعض هؤلاء إلى ماتقدم وضع انفسهم تحت تصرفه خلال الحملة الانتخابية، التي لم تكتمل لانسحابه من الانتخابات، وهو ما لم يمنع حصوله على آلاف من اصوات الناخبين ممن لم يعرفوا خبر انسحابه، وكان ذلك بمثابة رأي شعبي في مواقف الرجل ورؤيته.
وعارف دليلة في رؤيته للحياة، كان طموحاًً إلى الافضل في الجانب الاجتماعي، ولعل ذلك كان السبب الرئيس في اشتغاله على نقد الاقتصاد الذي هو اساس الحياة، وقد مارس النقد من موقع العارف والمختص كأستاذ جامعي وعميد لكلية الاقتصاد، وعضو في جمعية العلوم الاقتصادية، التي لعبت دوراً في اثارة المعرفة والوعي الاقتصاديين في عقدي الثمانينات والتسعينات، وكان عارف دليلة احد ابرز المحاضرين والمداخلين في ندواتها.
ولأن دليلة على هذا النحو من الاحساس والمسؤولية الاجتماعية والوطنية، فقد كان من الطبيعي، ان يكون في جملة المبادرين مع بداية الحراك الثقافي والاجتماعي في سوريا عام 2000، فكان بين الموقعين على البيانات الشهيرة المطالبة بالاصلاح ومنها بيان الـ"99" وشقيقه بيان الالف، وذهب عملياً في مطالب الاصلاح بمشاركته في انشاء "لجان احياء المجتمع المدني"، وهي هيئة سورية مستقلة وغير حزبية، هدفها اعادة احياء المجتمع، وتصحيح العلاقة المختلة بينه وبين الدولة عبر نشاطات سلمية وعلنية، تعتمد الحوار وسيلة للتوافق وللوصول إلى حلول للمشكلات القائمة في الميادين السياسية والحقوقية وفي الاقتصاد والثقافة وغيرها في دولة حق وقانون لكل مواطنيها المتساوين. وقد اثبتت اللجان في مسيرة السنوات الاربع الماضية ثباتها على اهدافها، رغم الهجمات الامنية والسياسية التي تعرضت لها وكان بينها اعتقال بعض نشطاء اللجان وبينهم الدكتور دليلة، وسوق اتهامات سياسية واجتماعية ضد اللجان وافكارها من قبل مسؤولين كبار ومن جانب اجهزة امنية وسياسية تديرها السلطة الحاكمة.
لقد دفع عارف دليلة ثمن حكم مسبق على تجربة اللجان، التي اعتبرت "جماعة هدامة" وفق ما اشارت اليه قائمة الاتهامات التي وجهت إلى دليلة من جانب محكمة امن الدولة العليا، وجرى استغلال هذه الاتهامات الى ابعد الحدود من جانب المحكمة الاستثنائية لايقاع عقوبة السجن لمدة عشر سنوات، وهو حكم سياسي لا قانوني، حسبما يتفق المحامون الذين دافعوا عن دليلة.
غير ان الحيف الذي لحق بعالم الاقتصاد والمطالب بالاصلاح تجاوز موضوع الحكم إلى نوعية المعاملة التي عومل بها موقوفاً اثناء التحقيق، وسجيناً بعد صدور الحكم عليه، مما كرس في حالته ليس خرق حقوق الانسان، بل حقوق السجناء ايضاً، مما بدا وكأنه استمرار لسياسة هدفها تحطيم الرجل إلى اقصى الحدود، وهو امر يتنافى مع التوجهات الهادفة إلى اعادة النظر في اساليب التعامل الامني مع المعتقلين والسجناء.
والحق، فان مناسبة اطلاق سراح معتقلي الرأي الخمسة التي تمت اخيراً فرصة مثلى لمعالجة موضوع دليلة واطلاق سراحه في اطار مطالب تكررت على مدار السنوات الماضية لاغلاق ملف الاعتقال السياسي، واطلاق كل السجناء والمعتقلين وفي مقدمهم عارف دليلة الاقتصادي وداعية الاصلاح.