قراءة في الانتخابات
الفلسطينية
حسن الحسن
لقد
كان لافتاً
للنظر إصرار
السلطة
الفلسطينية
على إجراء
الانتخابات
الأخيرة في
موعدها اليوم
2006-01-25، على رغم
دراية حزب
السلطة "فتح"،
أنها ليست في
الوضع الأمثل
لخوض مثل هذه
الانتخابات،
بعد أن أزكمت
الأنوفَ
روائحُ فساد
المتسلطين
منها على
المؤسسات
والدوائر
التي وُلِدت
مع ظهور
السلطة
الفلسطينية
عقب توقيع
اتفاقية
أوسلو في
واشنطن عام 1995. وللتأكيد
على ذلك فقد نعتَ
عددٌ من
دهاقنة فتح
والسلطة موعد
الانتخابات بالموعد
المقدس! وأنه
لا ينبغي
المساس به
البتة، وإلا
فإنَّ
العواقب
ستكون وخيمة.
وهكذا
بعد أربعين
سنة (1965-2005) من استئثار
حركة فتح بالقرار
الفلسطيني وبهيمنتها
شبه المطلقة
على منظمة
التحرير وعلى
مؤسسات السلطة،
باتت فتح تجهد
في تحفيز شرائح
فاعلة من
الشعب
الفلسطيني لإشراكها
في عملية
الانتخابات التشريعية
وما يبنى
عليها. هذا
على الرغم من
أنَّ حركة فتح
على وعي تام
مسبق بأن حركة
حماس متأهبة
تماماً لخوض
هذه
الانتخابات،
وأنها ستحظى
بنصيب كبير من
المقاعد فيها،
وأن فتح ستكون
مضطرة
لإشراكها في
بعض أمرها. إذن
ما هو سرُّ ما
يجري على
الأرض، وما هي
أبعاد هذا
الحدث
الانتخابي
الساخن؟
ولمحاولة إجراء
تحليلٍ
موضوعي لهذا
الحدث،
بعيداً عن
ضوضاء
الإعلام،
وصخب الحملات
الانتخابية
والشعارات
الفضفاضة،
فإنه لا بد من
فهم
الملابسات التي
رافقت هذه
الانتخابات، إلى
جانب ضرورة ملاحظة
السياق الذي تجري
فيه والتنبه
إلى الخلفية
التي تستند إليها.
أما
من حيث الملابسات،
فقد صرحت
الإدارة
الأميركية
بأنها ضد
مشاركة حماس
في هذه
الانتخابات،
وأتبعت ذلك
بتهديدات من
قبيل قطع
المساعدات
التي تمد بها
السلطة
الفلسطينية
إن سمحت بذلك،
كما أعقب ذلك
تصريحات
مماثلة
للاتحاد الأوروبي،
وكذلك أعربت
"إسرائيل" عن استيائها
من مشاركة
حماس، معتبرةً
أن ذلك سيميت
العملية
السلمية. كما
أعلنت أنها لن
تسمح لفلسطينيي
القدس
بالمشاركة في
هذه
الانتخابات.
وانسجاماً
مع موقف
السلطة آنف
الذكر -
الإصرار على إجراء
انتخابات
واسعة
المشاركة -
فقد أعلنت
أنها لا تعبأ
بالتهديدات
الأميركية،
وأنه لا دخل
للاتحاد
الأوروبي
بالشأن
الداخلي
الفلسطيني،
وأنَّ الديمقراطية
لا تتجزأ،
وأنَّ لحماس
كامل الحق بالمشاركة
في العملية
الجارية،
وأنه لا يحق
لأحد أن يفرض
على الشعب
الفلسطيني
خياراته،
وأنه لا
انتخابات
بدون تلك التي
تجري في القدس.
في
هذا السياق،
ظهرت
الانتخابات
التشريعية
الفلسطينية
وكأنها تحدٍ
للغرب و"لإسرائيل"
على سواء، وظهر
الأمر وكأن
الشعب
الفلسطيني هو
من يقرر مصيره
بنفسه حقا. فأضفت
تلك المواقف
من السلطة
عليها ثوباً
مزخرفاً من "الديمقراطية"
لإصرارها على
مشاركة حركة
حماس، وهيبة
غير معتادة
جراء الموقف
المتحدي
للاتحاد
الأوروبي
وللتهديدات
الأميركية
ول"إسرائيل".
ما منح السلطة
ما ينقصها من
مصداقية بقدر
ما تحتاجه للاستمرار،
بعد أن نجحت بجرّ
قدم الشعب
الفلسطيني والقوى
السياسية فيه من
خلال العملية
الانتخابية
إلى دخول أتون
السلطة التي
كادت أن
تتهاوى، وذلك
بغية إتمام
مهامها
المنوطة بها
دولياً.
وهذا ما
يفسر تلك
الجرأة التي
هبطت فجأة على
هذه السلطة،
وكأنها دولة
سيدة حرة ومستقلة
فعلاً! إلا أن
حقيقة الأمر لا
يتعدى كونه مجرد
خدعة أميركية-
أوروبية كبرى لإيهام
أهل فلسطين
أنهم
بمشاركتهم في
هذه الانتخابات
بكل قواهم
السياسية
إنما يتحدون أميركا
والاتحاد
الأوروبي
و"إسرائيل"
مما يضفي
الشرعية على
هذه
الانتخابات
ويجمل ويمتن
وضع السلطة
الفلسطينية. ولو
كانت تلك
الجرأة
حقيقية فلم لا
تتحدى السلطة اتفاقياتها
مع "إسرائيل" فتفتح
سفاراتها
ومقاراتها في
الخارج كي يشارك
فلسطينيو الشتات،
بعيداً عن
حراب اليهود، لتحديد
مصير قضية
فلسطين، أليست
وطناً لهم، أ لا
تمثلهم
تلك السلطة؟
أوليس هذا ما
رعته أميركا
في الشأن
العراقي مثلا
عندما أجرت
الانتخابات
العراقية. أم
أن مقاس جرأة
السلطة تنحصر
بمدى بساط الديمقراطية
الأميركية
التي تريد أن
تفترشه لأهل
فلسطين.
وأما
خلفية الانتخابات
التي تجري
الآن فإنها ترجع
إلى كونها أول
خطوة في خطة
رسمتها
أميركا على
طريق تصفية قضية
فلسطين نهائياً
أسمتها خطة "خارطة
الطريق"، حيث
نصت الخطة على
أن "يجري
الفلسطينيون
انتخابات
للمجلس التشريعي
... يبدأ إثرها
تطبيق
المرحلة
الثانية". وهذا
ما يؤكد أن
تصريحات
أميركا
وأوروبا إنما
هي مجرد تكتيكات
مقصودة بغية استفزاز
الشعب
الفلسطيني وتوريطه
في المشروع
الأميركي
الذي تبنته
أوروبا بشأن
فلسطين، لضمان
سلامة سير ذلك
المشروع، ولقطع
الطريق على
المشككين فيه.
ذلك المشروع
الذي يقضي بأن
تصنع أميركا دويلة
فلسطينية
علمانية على
جزءٍ من ال 20% من
أرض فلسطين –منزوعة
السيادة
الحقيقية-
لقاء استمرار
الشراكة الاستراتيجية
بين الولايات
المتحدة
و"إسرائيل"
بعد حيازة
الأخيرة على
أكثر من 80% من
أرض فلسطين. وتنتزع الولايات
المتحدة بموجب
ذلك صكاً
نهائياً وبشكلٍ
شبه إجماعي
بالاعتراف
بدولة
"إسرائيل" من خلال
ممثلي الشعب
الفلسطيني
المنتخبون
"ديمقراطياً"،
ذلك المجلس
الذي لا يحق
له سوى التفكير
بكيفية تنفيذ
ما تم الاتفاق
عليه من
مقررات دولية
بشأن قضية
فلسطين.
ولن
يفيد آنذاك
القول بأنَّ
البعض سينتقد
أو لن يقبل
سوى ما يتوافق
مع ثوابته، إذ
أن اللعبة
السياسة هي
عملية لا تحصل
في فراغ، فالديمقراطية
تأخذ بحكم
الأغلبية،
ومن ارتضى
بالمقدمات
عليه أن يخضع
للنتائج، وما
يصدر من
قرارات عن
المجلس
التشريعي هي قوانينٌ
ملزمة لسكان
فلسطين تحت
هيمنة السلطة
وضمن
اتفاقياتها
المبرمة، وأعضاء
المجلس التشريعي
المنتخبون
يخضعون للعبة
السياسية التي
يجري مفعولها
ضمن قوانين تحكمها
ومواثيق
ملزمة لها
دولياً
وإقليماً
ومحلياً، ولا
مناص منها.
وهي كما ذكر
محمود عباس
رئيس السلطة:"
قد يحلو للبعض
أن يتخيل ما
يوافق هواه،
ويقول أن
اتفاقية
اوسلو قد
ماتت، ولكن
الحقيقة أن هذه
الانتخابات
تجري وفق
اتفاقية
اوسلو، وأنا
رئيس منتخب
للسلطة بموجب
اتفاقية
اوسلو"،
وتأكيداً
لهذا نرى أن
"الديمقراطية"
الفلسطينية
شملت جزءاً
بسيطاً من أهل
فلسطين، وألقت
بأهل الشتات
إلى المجهول
إو إلى صفقات
قد تؤهلهم سكن
سيبيريا أو
الأقاليم
المتجمدة في
كندا، فهؤلاء
لا يحق لهم
المشاركة
بالانتخابات
ولا بالسلطة
ولا حتى نيل بطاقة
الهوية إلا
بإذن السلطة
الفعلية "إسرائيل".
فالمؤسسات
التي قامت على
أساسها السلطة
إذن، وحازت
بموجبها
اعترافاً
رسمياً من
الأمم
المتحدة ودعماً
وتمويلاً مما
يسمى
بالمجتمع
الدولي، إنما
كان مستنداً
لاتفاقيات
محددة لا يمكن
التعامي عنها
ولا يصح إيهام
الناس بأنها
ماتت، بينما
هي أساس
مشروعية
مؤسسة المجلس
التشريعي
الفلسطيني،
بل هي من يحدد
مواصفاته
وصلاحياته. ولذلك رأينا
أن عماد دستور
السلطة
الفلسطينية كان
قائماً على
هذا الأساس.
وهكذا
يتم العبث بأهل
فلسطين
مجدداً، فبعد
أن نالت منظمة
التحرير، بعد
سلسلة بطولات
مزعومة، الحق
الحصري لتمثيل
الشعب
الفلسطيني من
الجامعة
العربية التي
أسسها
الإنكليز، جاء
قرار هذه
المنظمة
بالاعتراف
بدولة إسرائيل
كخنجر مسموم
في ظهر هذا
الشعب، وبعدما
استُنفدت
المهام
المنوطة بالمنظمة
حُوِّلت إلى مجرد
مومياء متصلبة
لا حراك فيها،
وتم مسخها
وتقزيمها
بالسلطة التي
جعلت البند
الأول من
دستورها:"فلسطين
دولة مستقلة
ذات
سيادة...بحدودها
عشية الرابع
من
حزيران/يونيو
1967". وكانت المادة
الثالثة من
الدستور تنص
على "وجوب
احترام
قرارات الأمم
المتحدة
وضرورة
الالتزام
بها" ما يجعل
أي عمل مقاوم
ضد دولة "إسرائيل"
إرهاباً موجباً
للعقوبة
والإدانة،
وهو بالفعل ما
عكفت السلطة
الفلسطينية
على استنكار
القيام به على
الدوام.
وخلاصة
القول هي أنه
بعد أن كانت
السلطة
الفلسطينية
آيلة للسقوط،
وأعلن رموزها ذلك
مراراً على
الملأ، وظهر
إفلاسها
للقاصي
والداني، وباتت
تفتقد الحدَّ
الأدنى من
الشرعية
المفترضة
للاستمرار
بعد أن نخر
الفساد فيها
حتى أصاب
النخاع م نها،
وبعد أن كانت
لا تمثل إلا
المنتفعين
منها والموظفين
فيها، بعد كل
ذلك أصبحت
مؤهلة من جديد،
بدافع
حساباتٍ
خاطئةٍ من قبل
البعض،
لإتمام
المهمة
النضالية لهذه
السلطة بتصفية
قضية فلسطين
نهائياً،
وستثبت
الأيام
القادمة بأنه
لا يمكن من
خلال السلطة
القائمة
ومؤسساتها
فرض معادلات
جديدة تغير من
قوانين
اللعبة
السياسية، إذ
هي مجرد إحد
أدوات تلك
اللعبة الدولية
الخطرة لا
أكثر، ولن
تلبث التحديات
القادمة
طويلاً قبل أن
تكشف زيف ما يسمى
بالعرس
الانتخابي
الفلسطيني
الذي يشكل
طلقة في الرأس
على قضية
فلسطين. ولذا فإنه
قد يُسَرُّ
البعض لأول
وهلة إن فاز
بكذا مقعد وقد
يتحسر آخرون
على فقدانهم
كذا مقعد في
المجلس
التشريعي،
إلا إنه بغض
النظر عن هذه
الشكليات،
فإنَّ المشروع
الأميركي الذي
يحكم اللعبة هو
الذي فاز حقاً
في هذه
الانتخابات
لا أحد سواه.