فلسطين
مدرسة العرب
د.منصف
المرزوقي
ما
أغرب أن يحقّق
شعب استقلاله
الثاني قبل أن
يحقق
استقلاله الأوّل.
فالفلسطينيون
الذين لم
تمكنهم ظروف قاهرة
وظالمة من
بناء دولتهم
المستقلة هم
العرب
الوحيدين
الذين ارسوا، حتى
قبل
الانتخابات
التشريعية
الأخيرة، وفي
ظل الاحتلال،
ممارسات
الديمقراطية.
أما الشعوب
العربية التي
حققت استقلال
الدولة
(النسبي جدا ) فهي لا
زالوا ترزح تحت
وطأة أنظمة
الفساد
والقمع
والتزييف تنتظر
أن تحررها الديمقراطية
من استبداد الدولة
"الوطنية"،
مثلما حررها
الكفاح
الوطني من
استبداد
الدولة
الأجنبية.
لقد شبّ
جيلي على
قناعة فرضتها
الأوهام هي أن العرب
سيحررون
فلسطين. ها هو
الآن يشيب على
قناعة تفرضها
الوقائع أن
فلسطين هي
التي ستحرّر
العرب. ففلسطين
مدرسة لقنتنا طيلة
العقود
الأخيرة كيف
تكون
المقاومة وأن
عليها أن تكون
مستميتة،
متواصلة، عابرة
للأجيال، بكل
المتوفر من
الإمكانيات
ولو كانت أحجار
الطريق... لا
ترضخ أمام أي
قوة مهما بلغت
من الهيلمان والجبروت.
ها
هي تلقننا
اليوم، عبر
الانتخابات
التشريعية
الخيرة
درسا في
إرساء الديمقراطية.
وفي
البداية
لنلاحظ أن هذه
الانتخابات
ألقمت حجرا كل
المتحذلقين
في الشرق
والغرب ....
أولئك الذين
نظّروا
لاستحالة غرس
الديمقراطية
في أرض عربية
لتنافر ثقافي
بينها وبين
قيم العروبة
والإسلام .....
أولئك الذين
نظّروا لاستحالة
قيام نظام
ديمقراطي قبل تحقيق
النمو
الاقتصادي،
فأتى التكذيب
من
فلسطين
المحاصرة المجوعة
المفقّرة لا
من دول الخليج.....أولئك
الذين راهنوا
على الدعم
الخارجي لغرس
الديمقراطية
فأتت أروع
أشكالها من زخم
الداخل
وأفظعها من
التدخل
الخارجي.
وبغض
النظر عن
تداعيات
الانتخابات
التشريعية
الأخيرة على
الوضع
الداخلي
الفلسطيني ومسار
التحرر
الوطني
والعلاقات مع
الأطراف الخارجية، فإن ما
يهم
الديمقراطيين
العرب اليوم
هو النصر
الساحق التي
حققته هذه
الانتخابات
للمشروع
الديمقراطي
العربي ككل،
وبالتالي
الهزيمة النكراء
التي
ألحقتها
بالنظام العربي
الفاسد
كمنظومة
فكرية
وكمدرسة
سياسية
وكواقع مفروض.
إنّ
أهم ما في هذه
الانتخابات
ليس انتصار
حماس على فتح
أو فتح على
حماس وإنما
انتصار الشعب
الفلسطيني
على شياطينه
الداخلية
باعتماده
نظاما سياسيا
متطورا
قطع نهائيا
مع ذلك الذي
قاد الأمة
وشعوبها إلى
المستنقع
الذي تتخبط
فيه إلى اليوم.
لقد قدم
الفلسطينيون
في هذه
الانتخابات
صورة رائعة لشعب طلّق
إلى غير رجعة
المألوف
والمعهود في
البلدان العربية
من انتخابات
تهريجية
وشكلية هي
مجرد غطاء
للتشريع
لاستبداد شخص
وعصابته. وهم
أعطوا للعرب
والعالم صورة
رائعة عن حس
المواطنة و
الانضباط
والترفع عن
ابتذال الغش.
هم
أظهروا خاصة
فهمهم العميق
للعبة
الديمقراطية
بما هي حرب
سلمية بين
أطراف سياسية
تحتكم للقانون
ولإرادة
الأغلبية لا
للسلاح لفظ خلافاتها.
قد لا يوجد
مكان في الأرض
العربية مثل
فلسطين
فيها نفس
الكثافة من
السلاح، لكن
هذا السلاح
بقي بفضل نضج
الجميع في
مخازنه ليكون
الفيصل صندوق
الاقتراع.
وخلافا
للانتخابات
التي فرضها وأفسدها التدخل
الأجنبي في
العراق لم نرى
تشريعا
للقبلية
وتقنينا
للعرقية
وتغطية على عودة
شياطين
الفرقة حسب
تقسيمات
بدائية وإنما
صراعا سياسيا
بين فصائل
سياسية
تجاوزت هذه
التقسيمات.
هذه
الدروس
البليغة، التي تشبع
بها المواطن
العربي من
الخليج إلى
المحيط بمتابعته
اليقظة
والمتحمسة
لكل تفاصيلها
ومراحلها عبر
كل
وسائل
الاتصال،
مسامير جديدة
في نعش النظام
السياسي
العربي الفاسد.
قد
يثبت
المؤرخون
العرب يوما أن
الانتخابات التشريعية
الفلسطينية
سنة 2006 كانت
المنعطف في
المشروع
الديمقراطي
العربي. فقد
عرف هذا
المشروع كل
العراقيل وتآمرت
عليه قوى
رهيبة
في الداخل
والخارج حيث تعرض
للتزييف
والتفويض
وأوقف مجراه
بالسلاح أو فرض
بالقوة
فكانت
الطامة الكبرى.
لكنه ثبت في
كل مكان تعرض
فيه للنكسة
يلعق جروحه ويعود
كل مرة
لمنازلة نظام
ممرض مريض فهم الجميع
أنه لا شفاء
للأمة دون
الخلاص منه.
ثم
أتت
الانتخابات
التشريعية
الفلسطينية الثانية
لتثبت
حيويته ونضجه
المتصاعد في
العقول
والقلوب. هل
من تشجيع أكبر
لكل
الديمقراطيين
العرب لمواصلة
المعركة
ضد عدو
مستقبله في
ماضيه وهو
اليوم مثل
ديناصور حكم
عليه التاريخ
بالإعدام
وتنفيذ الحكم
مسألة وقت لا
أكثر؟
لقائل
أن يقول أن
الديمقراطية
ليست أول
انتخابات
ناجحة وإنما
مسار معقد طويل
فيه
عشرات
الانتخابات
الناجحة واستتباب
دولة القانون
والمؤسسات
واستشراء الممارسة
الديمقراطية
في كل
الميادين
وليس فقط في
الميدان
السياسي. هناك
أيضا
فوز
الإسلاميين
المتهمين دوما
باستعمال
الديمقراطية
للوصول للحكم
ثم الانقضاض
عليها.
كل هذا
صحيح ومن ثمة
المسؤولية
الكبرى
الملقاة
اليوم على
عاتق
الفلسطينيين.
إن كان من باب
المبالغة
القول بأن
مصير المشروع
الديمقراطي
بأيديهم فإنه
من باب عدم
الشعور بالمسؤولية
ألا يتفطنوا
لدورهم في
دفعه قدما إلى
الأمام أو في
تأخيره مدة يصعب
تحديدها.
فالتعايش
السلمي بين
إسلاميين
وعلمانيين وعدم
الاحتكام
للسلاح في
حالة الخلاف
والعودة
دوريا
لصناديق
الاقتراع
والتداول
على
المسؤولية،
هي المؤشرات
التي سيقيم
بها ثلاثمائة
مليون عربي نجاح
النموذج
الفلسطيني .
وبقدر ما يلتزم
الفلسطينيون
بهذه
الممارسات
بقدر ما سيسهل
على بقية
الشعوب
العربية
الانتقال
للديمقراطية
وهي تكتشف أن
قدرها ليس أن
تبقى مثل كرة
المضرب تصطدم
مرة باستبداد
العصابات ومرة
أخرى
باستبداد
الجماعات.
***