ما هذا الذي يسميه البعض تراجعا لصالح التنظيمات "الإسلامية" ؟

.محمد الحنفي

 

هناك تساؤلات مشروعة قائمة في الواقع الذي يعرف ترديا اقتصاديا، و اجتماعيا، و ثقافيا، و سياسيا. و سبب تلك التساؤلات، القائمة، اختلاط الأوراق، و انزياح كل الذين كان ينتظر منهم الإخلاص، في النضال الديمقراطي، إلى جانب الشعب المغربي، و من أجله، و إلى جانبه، في محنته التي تقتضي النضال من أجل القضاء على مختلف الأمراض الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و في أفق تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 هل حصلت فعلا تراجعات في  الشارع المغربي ؟

        و هل كانت تلك التراجعات في صالح من يسميهم البعض ب"التنظيمات الإسلامية" ؟

        و هل يصح أن تقوم في الواقع تنظيمات من هذا النوع ؟  و بهذا الاسم ؟

           أم أن طبيعة المتراجعين المتنكرين للشعب المغربي ليست تراجعا ما دام التخلي عن كادحي الشعب المغربي من سمات الأحزاب ذات الطبيعة البورجوازية الصغرى ؟

       و هل نعتبر ازدهار من يسميهم البعض ب"التنظيمات الإسلامية" شيئا جديدا في تاريخ المغاربة ؟

      ألا نعتبر أن الحاكمين عبر تاريخ المغرب كانوا ينتمون إلى "تنظيمات إسلامية" ؟

    ألانعتبر أن كل حاكم كان يحكم باسم "الدين الإسلامي" ؟

       ألا نعتبر أن من يحملون اسم "التنظيمات الإسلامية" ليسوا إلا مؤدلجي الدين الإسلامي، عن طريق التأويلات المحرفة، حتى يصير مصدر ما يسميه هؤلاء بالدولة الإسلامية المستبدة ؟

    أليست "الدولة الإسلامية"، التي يدعون قيامها، أو إمكانية قيامها، هي مجرد دولة دنيوية مستبدة، و لا علاقة لها بالدين الإسلامي، لا من قريب، و لا من بعيد ؟

 أليس الدين الإسلامي الحنيف مصدرا للقيم النبيلة التي ترقى بالبشر إلى ما فوق الشبهات ؟

         إننا بمناقشتنا لموضوع:

 "ما هذا الذي يسميه البعض تراجعا لصالح التنظيمات "الإسلامية" ؟"

 سنتناول الحركة السياسية المغربية و مراوحة المكان، و عوامل انحسار الحركة السياسية المغربية، و نهوض الحركة السياسية المغربية، و تراجعها حسب المقاس، و الحركة المؤدلجة للدين الإسلامي، و عوامل قيامها، و ازدهارها، و دوافع التفاف الجماهير الشعبية الكادحة حول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، و هل يمكن القول بتراجع سياسي لصالح "التنظيمات الإسلامية" ؟ و ما دور البورجوازية في حركة المد و الجزر التي عرفتها الحركة السياسية المغربية ؟ و ما دورها في سيادة أدلجة الدين الإسلامي ؟ و هل يمكن القول بعودة حركة سياسية رائدة ؟ حتى نتبين: هل هناك "تنظيمات إسلامية"؟ أم أن ما هو موجود، منها، ما هو إلا تنظيمات مؤدلجة للدين الإسلامي؟ وذلك كامتداد لقيام الحكام بأدلجته لخدمة مصالحهم، و لإعطاء الشرعية الدينية لحكمهم، و أن ما يسمى بالتراجع، ليس إلا إخلاصا للسياسة الرأسمالية التبعية القائمة، و لانخراط أحزاب البورجوازية الصغرى، في تلك السياسية، سعيا إلى تحقيق التطلعات الطبقية للبورجوازية الصغرى.

         2) فلماذا تراوح الحركة السياسية المغربية مكانها ؟

     

       و لماذا تكون مرشحة باستمرار لخيانة الجماهير الشعبية  الكادحة ؟

      و ما هي الأسباب التي تقود إلى الخيانة ؟

        و لماذا تتعرض البورجوازية الصغرى إلى الانقسامات الحادة ؟

            و لماذا تبقى فصائلها مرشحة إلى الانقسامات التي تزيد من إضعافها، و من إبعادها عن الجماهير الشعبية الكادحة، في نفس الوقت ؟

         فكون الحركة السياسية المغربية تراوح مكانها، يرجع إلى كون هذه الحركة المتكونة، في غالبيتها، من أحزاب ذات طبيعة بورجوازية صغرى، لم تحسم مع الممارسات البورجوازية الصغرى، و لم تعمل على تبني المطالب الجماهيرية الشعبية بإخلاص، و لم تتبن إيديولوجية الكادحين، و لم تعمل على صياغة برامج سياسية، تستجيب لحاجيات الجماهير الشعبية، و لطموحاتها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و لم تتخذ مواقف سياسية، في مستوى متطلبات كل مرحلة على حدة، حتى تنسج علاقات عضوية مع الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، بل إن تلك الحركة، التي عولت عليها الجماهير الشعبية في مراحل تاريخية معينة، كانت تقوم بممارسات تجعل الجماهير الشعبية تفقد القدرة على إدراك ما يجري في الواقع، مما يستهدف استغلالها، و ضرب مصالحها، في نفس الوقت، و مما له علاقة بالتضليل المقصود  الذي تقوم به الحركة السياسية، التي كانت الجماهير الشعبية الكادحة تراهن على قيادتها، في أفق تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

       و تضليل الجماهير الشعبية  الكادحة، طيلة الستينيات، و السبعينيات، والثمانينيات، و معظم التسعينيات من القرن العشرين، كان مجرد ترتيبات تهدف إلى الوصول إلى تحقيق الارتماء اللامشروط بين أحضان الطبقة الحاكمة، و التخلص، و بصفة نهائية، من الارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، أو حتى من ادعاء الارتباط بها. لأن الارتباط العضوي بالطبقة الحاكمة، يمكن من تحقيق التطلعات الطبقية، عن طريق التسلق الطبقي، و التموقع، و أمام أنظار العالم، إلى جانب الطبقة الحاكمة، و القيام بممارسات، في حق الشعب المغربي، لم تتجرأ الطبقة الحاكمة، نفسها، على القيام بها في مراحل تاريخية، من تاريخ المغرب الحديث، و المعاصر.

         و هذه الحركة المتكونة، في غالبيتها، من أحزاب البورجوازية الصغرى، مرشحة، باستمرار، لخيانة الجماهير الشعبية الكادحة، التي راهنت عليها، للاعتبارات الآتية :

         أ- عدم تبنيها لإيديولوجية الكادحين، التي ليست إلا الاشتراكية العلمية، حتى لا تتورط، في الانسلاخ، عن جلد البورجوازية الصغرى، الذي تلبسه تلك الأحزاب، و الذي يدفعها إلى الممارسة البورجوازية الصغرى المتمثلة في الانتهازية المتفشية في صفوف هذه الشريحة الاجتماعية.

         ب- عدم بناء تنظيماتها على أساس ديمقراطي، حتى لا تكون القيادات الحزبية، معبرة فعلا عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة المنضوية في تلك الأحزاب، و من أجل أن تكون تلك القيادات في خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة.

      و نظرا لغياب الديمقراطية، فإن القيادات الحزبية، تكون مفروضة، و بطرق ملتوية، و انتهازية، حتى تتمكن من توظيف العمل الحزبي، لتحقيق تطلعاتها الطبقية البورجوازية الصغرى.

 

         ج- عدم بناء البرامج، و المواقف الحزبية، على أساس التحليل الملموس للواقع الملموس، لأن تحليلا من هذا النوع، و انطلاقا من توظيف القوانين العلمية للمنهج الاشتراكي العلمي، لا يمكن أن يوصل إلا إلى ضرورة أن تكون البرامج في مصلحة الجماهير الشعبية الكادحة، و لأن الشرائح البورجوازية المتحكمة في قيادة التنظيمات الحزبية، تعلم ذلك جيدا، فإنها تلجأ إلى محاربة المنهج الاشتراكي العلمي، و اعتماد مناهج توفيقية، و تلفيقية، و مضللة للجماهير الشعبية الكادحة، حتى تكون البرامج المعتمدة، و المواقف المتخذة، مضللة للجماهير الشعبية الكادحة، و لكنها مساعدة على تحقيق التطلعات الطبقية للبورجوازية الصغرى.

         د- لجوءها إلى تحريف الممارسة الجماهيرية، النقابية، و الحقوقية، و الثقافية، عن طريق تسلطها على قيادات المنظمات الجماهيرية، و جعلها غير مبدئية، بصيرورتها بيروقراطية، أو تابعة لحزب معين، أو مجرد منظمات حزبية موازية، أو مجالات للإعداد، و الاستعداد، لتأسيس حزب معين، حتى تخدم تلك المنظمات مصالح البورجوازية، و مصالح أحزابها، في علاقتها بالطبقة الحاكمة، بصيرورتها في خدمتها، بدل النضال من أجل تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كما هو مفترض في الأحزاب التي تدعي اليسارية، و التقدمية، و النضال من اجل الديمقراطية.

         ه- رفع وثيرة تعبئة الكادحين، لا من أجل  فرض تحسين أوضاعها المادية، و المعنوية، و لا من أجل تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كما  هو مفترض، بل من أجل إثبات: أن أحزاب البورجوازية الصغرى، بقيادة المنتمين إليها، للمنظمات الجماهيرية، تتحكم في العمل الجماهيري، و في الجماهير الشعبية الكادحة، حتى يكون لذلك وزن في العلاقة مع أجهزة الدولة، و مع الطبقة الحاكمة، و بعد ذلك فلتذهب الجماهير الشعبية الكادحة إلى الجحيم.

         أما الأسباب التي تقود الحركة السياسية إلى خيانة الجماهير الشعبية الكادحة، فيمكن إجمالها في :

         أ- كون الجماهير الشعبية الكادحة لا تجد ذاتها  في برامج تلك الحركة التي تمارس التضليل، و التضبيب، على الكادحين من أجل جعلهم مطية لتحقيق التطلعات الطبقية.

         ب- أن تلك الأحزاب السياسية، لا تخدم إلا مصالح، و تطلعات البورجوازية الصغرى، الساعية دوما، إلى التموقع الطبقي، إلى جانب البورجوازية الكبرى.

         ج- التنكر جملة، و تفصيلا، لأيديولوجية الكادحين، و الانخراط في محاربتها، والعمل على استئصالها من صفوفهم، حتى ينصاع الكادحون لعملية التضليل تلك.

         د- السعي الدؤوب، من أجل إعلان الوفاء، و الإخلاص للطبقة الحاكمة، كما تدل على ذلك الإشارات المرموزة، و الواضحة، التي نجدها في أدبيات كل حزب بورجوازي صغير على حدة.

         ه- العمل على تهميش العناصر المناضلة، و المخلصة للكادحين، في المنظمات الجماهيرية، النقابية، و الحقوقية، و الثقافية، حتى لا يصيروا مصدر وعي للكادحين.

         و- الحاجة البورجوازية الصغرى، إلى انخراط أحزابها، في النهج السياسي للطبقة الحاكمة، حتى يكون ذلك وسيلة ناجعة لتحقيق التطلعات الطبقية.

         و البورجوازية الصغرى تتعرض باستمرار إلى الانقسامات، بسبب تعدد مشاربها الإيديولوجية، مما يجعلها تنزع إلى التشرذم، و الانزلاق نحو التقسيم المتواصل، بسبب الخيانات المتتالية للقيادات البورجوازية الصغرى، التي ترى نفسها، أولا، وقبل غيرها، من المنتمين إلى طبقتها، حتى تحتكر الاستفادة، و تحاول التموقع، قبل غيرها، إلى جانب البورجوازية التابعة.

         و كنتيجة لذلك، فإن فصائلها، التي تتعدد بتعدد مشاربها الإيديولوجية المختلفة، تبقى بدورها مرشحة إلى الانقسام. و هو ما يجعلها عاجزة عن الارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة، بسبب الضعف التنظيمي، و الإيديولوجي، و السياسي، الذي أصاب الأحزاب السياسية، و المنظمات الجماهيرية، و الجماهير الشعبية الكادحة، و هو وضع لم يفد إلا الطبقة الحاكمة في المغرب التي تعد المنتصر الأول و الأخير.

لكن الحركة السياسية المغربية، تعرف استثناء، يتمثل في الحركة الاشتراكية العلمية، التي بقيت وفية للجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة. لكن هذه الحركة تعاني بدورها من الحصار المضروب عليها، من قبل أحزاب البورجوازية الصغرى، و من قبل الاحزابوسلامية، و من قبل الطبقة الحاكمة، مما يجعلها تراوح مكانها، بسبب ذلك الحصار.

و بذلك نصل إلى أن العوامل الذاتية، و الموضوعية، القائمة في المغرب، و بسبب طبيعة الطبقة الحاكمة، الاستبدادية، و نظرا لغياب ديمقراطية حقيقية، و شرعنة ديمقراطية الواجهة، لا يمكن أن تفرز إلا ضعف الحركة السياسية، التي صارت عاجزة عن الارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة، التي صارت يائسة من العمل السياسي، و مرتبطة بالفكر المتخلف، الذي يسوقها إلى المجهول، بسبب انسياقها وراء الاحزابوسلامية، على أنها هي التي ستنقدها في الدنيا، و الآخرة، في نفس الوقت، معتقدة  أنها هي الوجه الحقيقي ل"الإسلام"، مع أنها لا تتجاوز تحريف الدين الإسلامي، حتى يصير مجرد إيديولوجية بورجوازية صغرى.

3) فما الذي يجعل الحركة السياسية المغربية تعاني من الحصار ؟

إننا عندما نتكلم عن الحصار، لا نتكلم عن فراغ، بقدر ما نتكلم عن شيء قائم في الواقع، و يفرض نفسه على المتتبع، بسبب حرص الطبقة الحاكمة، و عن طريق أجهزتها المخزنية، على ذلك الحصار الإعلامي، و الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي، على الحركة السياسية بصفة عامة، و على الحركة السياسية الاشتراكية العلمية بصفة خاصة.

و من أشكال الحصار الممارسة نجد :

أ- أن الحصار الإعلامي المضروب على الحركة السياسية يهدف إلى إذلال الأحزاب، التي تخرج عن طوق الطبقة الحاكمة، حتى تصير قابلة بشروطها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و عندها  يرفع عنها الحصار الإعلامي الجزئي، فتتمكن، في لحظات معينة، من استغلال الوسائل السمعية البصرية، و بطريقة مشروطة، من تصريف خطاب لا يتناقض مع خطاب الطبقة الحاكمة، بالإضافة إلى تقديم الدعم المالي للوسائل الإعلامية الحزبية، بنفس الشروط، مما يحول تلك الوسائل إلى مجرد امتداد لتصريف خطاب الطبقة الحاكمة، المستفيد الأول، من التنازلات، إلى درجة الانبطاح، التي تقوم بها أحزاب معينة.

أما الأحزاب التي تقتنع بأيديولوجية الاشتراكية العلمية، التي تحرم و بصفة نهائية، من الوسائل السمعية البصرية، كما هو الشأن بالنسبة لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، و حزب النهج الديمقراطي، اللذين لم  يمكنا، مطلقا، من تلك الوسائل، و لم يتلق إعلامهما أي دعم من الأموال المرصودة لدعم الإعلام الحزبي، لتمكنهما معا من التمسك  بالمبادئ، و لرفضهما تقديم التنازلات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، للطبقة الحاكمة: اللاديمقراطية، و اللاشعبية، لأن القبول بتقديم تنازلات قائمة على أساس التنكر للمبادئ النضالية، يعني فقدان القدرة على الاستمرار في ادعاء تبني الاشتراكية العلمية، و توظيف قوانينها العلمية، لإيجاد تحليل ملموس للواقع الملموس.

ب- العمل على تشويه سمعة الأحزاب السياسية، التي ترفض الانخراط في تنفيذ، و أجرأة، الاختيارات الرأسمالية التبعية، اللاديمقراطية، و اللاشعبية، و تقديمها على أنها أحزاب تختار أن تكون ضد التيار، و بعيدة عن مشاكل الجماهير، و ترفض المساهمة في "الانتخابات" التي تقوم بإجرائها الطبقة الحاكمة، لاعادة صياغة المجالس المحلية، و الإقليمية، و الجهوية، و الوطنية، وفق ما تقتضيه مصلحة الطبقة الحاكمة، و حتى تساهم تلك المجالس، في إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و التشويه الذي يستهدف الأحزاب المبدئية، و المناضلة، إيديولوجيا، و سياسيا،  و تنظيميا.

فعلى المستوى الإيديولوجي: تقوم الطبقة الحاكمة بتوظيف جيش من منظريها الإيديولوجيين من أجل تشويه إيديولوجية الاشتراكية العلمية، التي تصير في نظر الرأي العام، كفرا، و إلحادا، حتى يتجنب الناس الارتباط بالمقتنعين بها، و من أجل أن يعادوا  كل التحاليل الملموسة، للواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، باعتبارها تحاليل للكفار، و الملحدين، و بواسطة "منهج الإلحاد"، حتى لا يبقى أمام الجماهير الشعبية الكادحة، إلا القبول بما تدبره لها الطبقة الحاكمة، على أنه قدر من عند الله.

و على المستوى التنظيمي: تقوم الطبقة الحاكمة بالعمل على محاصرة التنظيم، بملاحقة الأعضاء الذين تتعرف عليهم، و من أجل أن تسعى إلى القضاء على وجود التنظيم، و بصفة نهائية. لأن توسع التنظيمات الاشتراكية العلمية، لا يمكن أن يكون إلا نتيجة لتغلغل الوعي الطبقي، في صفوف الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، و لا يمكن أن يكون إلا ممارسة تهدف إلى بناء الأداة التي تقود نضالات الكادحين، في أفق تحقيق الاشتراكية، و هو ما لا ترغب فيه الطبقة الحاكمة.

و على المستوى السياسي: نجد أن الطبقة الحاكمة تغلق كافة الأبواب، من  أجل أن تنفذ الرؤى السياسية، التي تبلورها الحركة السياسية الاشتراكية العلمية، إلى الأجرأة، بالعمل على عدم الانصياع  لمطالب تلك الحركة السياسية، المتمثلة في إيجاد دستور ديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة، و نزيهة، و العمل على أن تكون الحكومة مفرزة عن صناديق الاقتراع، حتى تعمل تلك الحكومة على إيجاد برنامج حكومي منبثق عن البرنامج الانتخابي، الذي ينال ثقة الجماهير الشعبية الكادحة، حتى يكون ذلك البرنامج في خدمة الجماهير الشعبية الكادحة، و ضد أعلى مصالح الطبقة الحاكمة، التي تعمل كل ما في وسعها، حتى لا يتم العمل بمطالب الحركة السياسية، الاشتراكية العلمية، مادام الأخذ بتلك المطالب، يلحق الضرر بمصالحها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

ج- الدفع في اتجاه تحريف عمل المنظمات الجماهيرية، التي لا تقبل الطبقة الحاكمة بصيرورتها مبدئية، ديمقراطية، و تقدمية، و مستقلة، ووحدوية لأن مبدئيتها تقودها إلى الإخلاص إلى الكادحين، و الاستجابة لمطالبهم الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و النضال من أجل تحقيق تتلك المطالب.

و لذلك نجد أنها تدعم العناصر التحريفية، التي تتسلط على قيادات المنظمات الجماهيرية: البيروقراطية أو التابعة لحزب معين، أو مجرد منظمة حزبية، أو مجالا للإعداد و الاستعداد لتأسيس حزب معين، حتى تفقد بذلك مبدئيتها، و تفقد ثقة الجماهير الشعبية الكادحة بها.

د- دفع قيادات المنظمات الجماهيرية إلى القيام بتقديم تنازلات  إلى الطبقة الحاكمة، مقابل التمتع بمجموعة من الامتيازات، التي لا تكون معروفة في صفوف الجماهير المعنية بالعمل الجماهيري.

فتقديم التنازلات إلى الطبقة الحاكمة، صار السمية الأساسية المميزة للقيادات الجماهيرية، و خاصة منها القيادات النقابية، التي تتسابق،  و تهرول في اتجاه تقديم المزيد من التنازلات، بدعوى الحفاظ على عدم تسريح العمال، الذين عليهم أن يقبلوا بالواقع، الذي تفرضه الطبقة الحاكمة، حتى يحافظوا على تواجدهم في العمل.

 

و هذه الأشكال من الحصار، لا يمكن أن تنتج إلا أحد أمرين:

الأمر الأول : ممارسة الانبطاح أمام أعتاب الطبقة الحاكمة، و القبول بكل شروطها، و الانخراط في تنفيذ اختياراتها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى ينال رضا الطبقة الحاكمة، و حتى تتلقى دعمها، و تفك الحصار عنها، كما فعلت أحزاب البورجوازية الصغرى المغربية، خلال التسعينيات من القرن العشرين، و التي تتحمل كامل المسؤولية، في تعميق تردي الأوضاع المادية، و المعنوية، للجماهير الشعبية الكادحة.

و الأمر الثاني : هو قبول التحدي المفروض على الحركة السياسية، و رفض تقديم التنازلات، و التمسك بالوقوف إلى جانب الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، إخلاصا لها، و سعيا إلى قيادتها، في نضالاتها المطلبية: الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، في أفق تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كما هو الشأن بالنسبة لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، و النهج الديمقراطي، و باقي مكونات تجمع اليسار الديمقراطي المغربي.

و هذا الحصار سيؤدي دوره مرحليا، إلا أن الذي نتأكد منه: أن الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، عندما تمتلك وعيها الطبقي، لابد أن تعمل على فك الحصار على الحركة السياسية المرتبطة بها.

4) فلماذا تتأرجح الحركة السياسية المغربية بين النهضة، و التراجع حسب مقاس الطبقة الحاكمة ؟

إن الطبقة الحاكمة، و مهما بلغت من الجبروت، لا يمكن أن تلغي  إفرازات الشعوب، و بصفة نهائية، لأن من طبيعة الشعوب أن تسعى إلى تحقيق طموحاتها الكبرى في الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و الشعب المغربي لا يمكن أن يشذ عن هذه القاعدة. فهو، كباقي الشعوب، يسعى، باستمرار،  إلى تحقيق طموحاته التي  لا حدود لها، و التي تعمل الطبقة الحاكمة، بتحريك آلياتها المتعددة، و العميقة، من أجل كبح تلك الطموحات ، و قمع جميع الحركات المساهمة في العمل على تحقيقها. لكن هذه الطبقة الحاكمة، و بسبب ارتباطاتها الدولية، و نظرا لاتساع دائرة سيادة حقوق الإنسان على المستوى العالمي، فإنها صارت تحاول أن تظهر بأنها تمارس الديمقراطية، و تسمح بتكريس الممارسة السياسية، من قبل جميع مكونات الحركة السياسية، بيمينها، و وسطها، و يسارها.

لكن هذا السماح الذي يظهر و كأنه نهضة سياسية، لا يحصل إلا بالشروط التي ترسمها الطبقة الحاكمة، و تفرضها على الحركة السياسية، التي ينخرط معظمها، فيما سماه بعض السياسيين ب"اللعبة السياسية"، التي يسميها المناضلون المخلصون ب"ديمقراطية الواجهة". و كل من ينخرط فيها، يظهر و كأنه يساهم في النهضة السياسية المغربية، مقابل تلقي أموال الدعم الحزبي، و الإعلامي، الذي  يصير بمثابة رشوة تقدم لكل من ينخرط في الحركة السياسية القائمة، كما تخطط لها الطبقة الحاكمة، التي تعمل في نفس الوقت على قمع كل من يرفض ذلك الانخراط، و من يعمل على الارتباط العضوي بالشعب المغربي، و طليعته الطبقة العاملة، حتى لا يمتلك القدرة على الحركة، و على القيام بالمبادرة المؤدية إلى استنهاض الجماهير الشعبية الكادحة، و العمل على استنهاضها و جعلها تمتلك وعيها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي.

و لذلك نرى أن ما تقوم به الطبقة الحاكمة، من تمييز بين من ينخرط في تكريس الاختيارات القائمة،  على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي ترسمها الطبقة الحاكمة، و بين من يرفض ذلك الانخراط، فيحرم من كل أشكال الدعم المادي، و المعنوي، فيعجز عن تفعيل برامجه، و يبقى منحصرا على جميع المستويات، فلا يقوى على تجاوز الصعاب.

 

و هذا معناه أن الطبقة الحاكمة هي طبقة غير ديمقراطية، و هو ما يعني أن نهضة سياسية حقيقية، لا تقوم إلا بفعل الضغط الجماهيري ، بقيادة الأحزاب السياسية، التي فضلت الارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة، و بطليعتها الطبقة العاملة، و بفعل الضغط الدولي. لأن النهضة السياسية الحقيقية، التي لم يعرفها المغرب منذ حصوله على الاستقلال السياسي، تتمثل في:

ا- إيجاد دستور ديمقراطي حقيقي، تكون فيه السيادة للشعب، الذي يعتمده في تقرير مصيره الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، حتى يتمكن من تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

ب- إجراء انتخابات حرة، و نزيهة، يتمكن فيها الشعب من أجل اختيار ممثليه في المؤسسات المحلية، و الوطنية،  حتى يعمل أولئك الممثلون، على خدمة مصالح الشعب، انطلاقا من البرامج التي نالت اختياره.

ج- إيجاد حكومة معبرة عن إرادة الشعب المغربي، انطلاقا من الأغلبية البرلمانية، حتى تكون مسؤولة أمام البرلمان من جهة، و أمام الشعب المغربي الذي اختار، و بكامل الحرية، ممثليه في البرلمان.

د- العمل على إيجاد حلول جذرية، و على أساس التحليل الملموس للواقع الملموس، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، للمشاكل المستعصية، التي يعاني منها الشعب المغربي طيلة عقود الاستقلال السياسي. لأن إيجاد الحلول الجذرية للمشاكل القائمة، هو المعبر الفعلي، و الملموس، عن قيام نهضة سياسية حقيقية.

ه- العمل على ملاءمة القوانين المحلية، مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى تصير القوانين المحلية، من آليات حقوق الإنسان المختلفة، و حتى يتمكن الشعب المغربي، من تقرير مصيره بكامل حريته، بناء على تلك الحماية القانونية.

و- تقديم الدعم لجميع الأحزاب السياسية، و على أساس المساواة فيما بينها، و نظرا للدور الذي تقوم به في تأطير الجماهير الشعبية الكادحة إيديولوجيا، و تنظيميا، و سياسيا، و مراقبة صرف ذلك الدعم حتى يكون في خدمة ذلك التأطير.

ز- العمل على جعل الجماهير الشعبية الكادحة، تمتلك وعيها الحقيقي، عن طريق إعادة النظر في البرامج الدراسية المحتضنة للفكر الغيبي، و الظلامي المضلل للجماهير الشعبية الكادحة، حتى يزداد افتراسها من قبل الطبقات المستفيدة من الاستغلال، و إيجاد إعلام تنويري، و هادف، و تجريم استغلال الدين في الأمور السياسية، و الإيديولوجية، حتى تجد الجماهير الشعبية الكادحة نفسها، مالكة لوعيها الطبقي الحقيقي، في مستوياته المختلفة، و اعتبار ذلك الوعي شرطا للممارسة  الديمقراطية الحقيقية، التي تتمكن من خلالها الجماهير من تقرير مصيرها.

ح- تجريم قيام تنظيمات حزبية، و سياسية، وجماهيرية، على أساس ديني، أو عقائدي، عن طريق أدلجة الدين بصفة عامة، و أدلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة. لأن  دور مؤدلجي الدين في تضليل الجماهير الشعبية الكادحة، و في أفق تكريس الاستبداد القائم، أو السعي إلى إقامة استبداد بديل، يعتير من العوامل المساهمة في تخلف المجتمعات البشرية، و التعامل مع الدين، أي دين، و مهما كان، على أنه متاح للناس جميعا، على أساس المساواة فيما بينهم، و لا يحق لأحد   أدلجته أو تسييسه، حتى  لا يصير وسيلة للاستبداد، أو لشرعنة ذلك الاستبداد.

و ما سوى هذه المداخل، التي يمكن اعتمادها، لإحداث نهضة سياسية حقيقية، نجد أن ما تقوم به الطبقة الحاكمة، و ما تعتبره طريقا إلى نهضة سياسية، ما هو إلا وسيلة لمنع قيام أي نهضة سياسية حقيقية.

5) فهل يمكن اعتبار ازدهار الحركة المؤدلجة للدين الإسلامي نهضة سياسية ؟

 و ما هي العوامل التي تحاول أن تجعلها كذلك ؟

إن الذي نعرفه، أن اعتماد أدلجة الدين في حركة سياسية معينة، هو دليل تخلف تلك الحركة، لأن تحريف الدين عن طريق الأدلجة، يهدف إلى تكريس الظلامية، التي لا تعني، في عمقها، إلا ممارسة التضليل، و السطو على الدين، و احتكار الكلام باسمه، و فرض الوساطة بين الله، و بين البشر، و إعطاء الشرعية للاستبداد القائم، أو السعي إلى فرض استبداد بديل.

و انطلاقا من هذا الاستنتاج الأولي، فإن ازدهار الحركة السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي، لا يمكن اعتبارها نهضة سياسية أبدا. لأن تلك الحركة ليست ديمقراطية، و لا يمكن أن تكون كذلك. لأنها تعتمد، في ممارستها الإيديولوجية،  أدلجة الدين الإسلامي، الذي يقودها إلى القول بأن الديمقراطية مستوردة، و اعتمادها في الممارسة السياسية كفر، و إلحاد، و أن على المسلمين أن يخضعوا لإرادة الله، و أن يعملوا على قيام الدولة الإسلامية، التي تعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تعبر، فعلا، عن حكم "الله" الذي ينفذه مؤدلجو الدين الإسلامي، الذين يقودون الدولة الإسلامية، و يتحكمون فيها، و يحكمون بواسطتها. و الدولة الدنيوية، التي يمكن أن تتحقق بواسطة الممارسة الديمقراطية، هي دولة علمانية، و ملحدة، و كافرة، و الناس الذين يقبلون بها، كفار، و ملحدون، و يسعون إلى قيام دولة دنيوية علمانية، غير شرعية، تطبق قوانين لا علاقة لها بالقانون الإلهي، الذي يعتبر  دستوره هو القرءان.

و لذلك نجد أن الحركة السياسية القائمة على أدلجة الدين الإسلامي، هي حركة استبدادية، و كونها كذلك، لا يمكن أن يقود إلى القول: بأن ازدهار الحركة السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي، لا يمكن أن يعتبر نهضة سياسية، بقدر ما يعتبر تراجعا إلى الوراء، و نكوصا إلى الخلف. و هو ما يفرض القول: بأن وجود هذه الحركة المؤدلجة للدين الإسلامي، هو  عنوان التخلف، لأنها شكلت، و تشكل، عرقلة منقطعة النظير، لأي نهضة، محتملة، في  المجال  السياسي، و الإيديولوجي، نظرا لوجود التربة الخصبة المناسبة لها، و المتمثلة في انتشار الأمية،  و الفقر، في صفوف المغاربة، بالإضافة إلى  انتشار الأمراض الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي يمكن إجمالها في كلمة: الفساد، الذي تمكن من المجتمع المغربي فأرداه غير قادر على النهوض، بسبب فيروس الفساد الذي يتغدى من فيروس أدلجة الدين الإسلامي.

و العوامل التي تجعل الحركة السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي، بمثابة نهضة سياسية رائدة، تتمثل في :

ا- إقبال الناس، الواسع، على الاشتغال بأدلجة الدين الإسلامي، على أنها هي الدين الإسلامي، في نفس الوقت، كما هو شائع في معظم البلاد  العربية، و في باقي بلدان المسلمين، و هو ما يعني: قيام الحركة المؤدلجة للدين الإسلامي بتجييش المسلمين المنخدعين  بأدلجة الدين الإسلامي.

و لعل المحللين، و المتتبعين، يعتبرون أن مجرد قيام مؤدلجي الدين الإسلامي بتجييش الأميين، و الفقراء، و المعدمين، (عن طريق توزيع العطاءات، التي لاحدود لها، وفي مقدمتها: توزيع أضاحي عيد الأضحى، وأشياء أخرى، لاندري من أين لهم بالأموال الطائلة التي تمكنهم منها، و على المستوى الوطني، وأمام أنظار الطبقة الحاكمة، وأجهزتها المخزنية)، نهضة سياسية غير مدركين لما لعملية التجييش، تلك، من أثر سلبي على مستقبل الإنسان المغربي، الذي ينسحب من التفكير في الواقع، في تجلياته المختلفة، ليفقد بذلك إمكانية الوعي به، مما يجعله غير راغب في تغييره، معتبرا أن كل ما يستهدف الناس، في الواقع المغربي، قدرا من عند الله، مخالفين بذلك قوله تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، و قوله " ما أصابك منن حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك"

ب- الإمكانيات المادية، و الإعلامية، التي يملكها هؤلاء بسبب الدعم الذي يتلقونه من الدول، و من جهات داخلية، و خارجية، غير معروفة، و إغماض العين عن ما يقومون به من أعمال مختلفة لجمع الأموال، أو استثمارها، أو الاتجار في الأشياء الممنوعة، حتى تتوفر لديهم سلطة المال، إلى جانب السلطة الأيديولوجية، التي لها علاقة، وطيدة، بالعمل على سيادة الموقف السياسي للحركة الإسلامية، و هو ما يعتبر  من المقدمات الضرورية للوصول إلى امتلاك سلطة الدولة.

و لذلك نجد أن هؤلاء، و بسبب القدرة المادية، التي توفرت عندهم، يستطيعون تحقيق سيطرة إعلامية مباشرة، و غير مباشرة، إذاعية، و تلفزيونية، و صحفية، و مواقع إلكترونية بدون حدود، و بمختلف اللغات، حتى يكون كل ذلك وسيلة لاقناع المتلقي، بقبول التجييش، الذي تلعب المساجد، التي تتحول إلى مقرات حزبية، دورا كبيرا في إقناع الناس به، و بأساليب ملتوية، و باسم الدين، و باسم المؤسسة الدينية، و باسم الله، في نفس الوقت.

ج- القدرة على تأويل النصوص الدينية، و خاصة القرءان الكريم، و الحديث الشريف، بما يتناسب مع الأهداف التي يرسمها مؤدلجو الدين الإسلامي، حتى يؤدي ذلك التأويل دوره في الاتجاه المرسوم. و كل ما يجري في الحياة يصير له وجود في النص الديني، سواء تعلق الأمر بالزمن الذي وردت فيه النصوص الدينية، أو بمختلف العصور المتوالية بعد ذلك، أو بما ظهر في العصر الحديث، و بالحياة المعاصرة،  أو بما يمكن أن يظهر في المستقبل.

و لذلك، فالوعي بالواقع غير وارد. لأن ذلك الوعي معناه التنكر للعقيدة، في نظر هؤلاء، التي شملت نصوصها كل شيء، و التنكر قد يقود إلى الإنكار، و الكفر. و الكفر يستحق غضب الله، و التأويلات، التي يقوم بها المؤدلجون، تمتلك درجة القداسة، لأنهم يجعلونها مطابقة للنص الديني. و لذلك نجد  أن المجيشين يرددونها، و على جهلهم بالقراءة، و الكتابة، كما يردد حفظة القرءان نص القرءان.

د- اعتماد ذلك التأويل، لصياغة الشعارات، التي يعملون على تحقيقها. فتصير بمثابة برنامج يعيش المجتمع برمته لتحقيقه، و يمكن أن يصنف ذلك البرنامج في مستويين :

المستوى المرحلي: المتمثل في توظيف الشعائر الدينية، لحشد أكبر قدر من البشر، وراء مؤدلجي الدين الإسلامي، بعد ممارسة التضليل الإيديولوجي عليه، حتى يعتقد أن الدين هو ما يدعو إليه المؤدلجون، و أن الدين الحقيقي الذي لا إكراه فيه يتراجع إلى الوراء.

المستوى الإستراتيجي: هو الذي يجيش فيه  التبع في  أفق "الجهاد"، من أجل تحقيق الشعارات المحددة ،و القابلة للتحقيق، مثل "الإسلام دين و دولة"، و "بناء الدولة الإسلامية"، و "تطبيق الشريعة الإسلامية"، و غيرها من الشعارات، التي يقود مؤدلجو الدين الإسلامي "عملية الجهاد" في أفق تحقيقها، حتى يتمكنوا من أجهزة الدولة، التي تتحول، على يدهم، إلى دولة  "دينية"، تحكم باسم الدين، و باسم الله، ليصيروا بذلك أوصياء على الدين، و وكلاء الله في الأرض، و ولاة على المغاربة.

و هذه العوامل المعتمدة للقول: بأن ازدهار الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، يمكن اعتبارها نهضة سياسية، هي نفسها التي يمكن توظيفها  للقول: بالتراجع و التردي الذي تعرفه الحركة السياسية، على جميع المستويات الإيديولوجية، و السياسية، و التنظيمية، و البرنامجية، و المواقفية.

و ازدهار الحركة المؤدلجة للدين الإسلامي، ليس إلا عنوانا لذلك التردي، الذي لا حدود له، في ظل ازدهار الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، التي تغلق جميع الأبواب، أمام كل أشكال الوعي الحقيقي، حتى يبقى الوعي الزائف، هو المتمكن من كل شيء.

6) فما هي دوافع التفاف الجماهير الشعبية الكادحة حول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي ؟

إن الجماهير الشعبية الكادحة، الفاقدة لوعيها الطبقي، و العاجزة عن إدراك الفرق الدقيق، المميز للدين الإسلامي، عن أدلجة الدين الإسلامي، و القائم بين المسلم المؤمن بحقيقة الدين، و المسلم المنساق وراء أدلجته، لا يمكن أن يكون منساقا وراء مؤدلجي الدين، و معتقدا بأدلجة الدين الإسلامي، و بتشجيع من الطبقة الحاكمة، و من الرجعية المحلية، و من النظام الرأسمالي العالمي، حتى يكون كل ذلك سدا منيعا، دون امتلاك الوعي  الطبقي، الذي هو المدخل للوعي بجسامة الاستغلال، الممارس على الكادحين ، و بخطورة أدلجة الدين الإسلامي، على مستقبل  الكادحين، في نفس الوقت.

و الدوافع التي تجعل الجماهير الشعبية الكادحة تنساق وراء مؤدلجي الدين الإسلامي تتمثل في :

ا- فقدان الثقة في الأحزاب السياسية، التي راهنت عليها الجماهير الشعبية الكادحة المغربية، خلال الستينيات؟، و السبعينيات، و الثمانينيات، من القرن العشرين، لتتأكد خيانتها للجماهير الشعبية الكادحة، و بالتدريج، خلال التسعينيات من القرن العشرين، نظرا لانحيازها، السافر، إلى جانب الطبقة الحاكمة، ضد الطبقات الشعبية الكادحة، و المساهمة في تعميق معاناتها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

ب- تفاقم المشاكل التي تعاني منها الجماهير الشعبية الكادحة، بسبب عمق الاستغلال الطبقي، الناتج عن الاستغلال المزدوج للطبقة العاملة، وسائر الطبقات الشعبية الكادحة، من قبل البورجوازية التابعة، و من قبل الرأسمالية العالمية، التي تلزم الأنظمة التابعة، بخدمة الدين الخارجي، و بفسح المجال أمام الشركات العابرة للقارات، و بالانخراط اللامشروط في منظمة التجارة العالمية، و المساهمة في عولمة اقتصاد السوق، مما يجعل أوضاع الجماهير الشعبية الكادحة تزداد ترديا، إلى درجة الانسحاق، و العجز الكامل عن مواجهة متطلبات الحياة.

ج- الاستبداد المسلط على الجماهير الشعبية الكادحة، و تغييب الممارسة الديمقراطية، بمفهومها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و العمل على الظهور بالتزام بالديمقراطية، في  إطار ما يسميه المناضلون المخلصون للشعب المغربي، بديمقراطية الواجهة.

فالدستور المغربي غير ديمقراطي، و غير متلائم، في بنوده المختلفة، مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و غير ضامن لسيادة الشعب على نفسه. و الانتخابات لا تكون إلا مزورة. و المؤسسات المنتخبة لا تملك استقلاليتها التامة عن السلطة التنفيذية. و لا تخدم إلا مصالح الطبقة الحاكمة، المخزنية، و تعمل على إثقال كاهل الشعب بالمزيد من الضرائب، و تقر قوانين تزيد من إفقار الكادحين، و من غنى الأغنياء، بالإضافة إلى تحويلها إلى وسيلة لتحقيق تطلعات أعضائها  الطبقية.

د- تمكن الأمية، و الجهل، و الفقر، و المرض، من عامة الكادحين، مما يجعلهم عاجزين عن الحصول على حاجياتهم الضرورية في المعرفة، و العيش، و العلاج، و السكن، و غيرها مما يحتاجه أي إنسان، لضمان استمراره في الحياة، مما يجعلهم يلتمسون الخلاص من الغيب، و ينساقون وراء كل من يوهمهم  بتحقيق الحرية، و الديمقراطية،  و العدالة الاجتماعية. لأن الناس الذين يؤدلجون الدين الإسلامي، لا يحققون ذلك أبدا.

 

ه- سيادة الفكر الخرافي، و تمكنه من عقول الناس، و من وجدانهم، و من ممارستهم اليومية، مما يجعل الكادحين منهم عاجزين عن امتلاك الوعي الطبقي الحقيقي، و يعتبرون أن كل وعي زائف يمكن أن يحتدى.

و بالتالي فإن إمكانية انسياقهم وراء مؤدلجي الدين الإسلامي، يعتبر مسألة ورادة، لكون الفكر الذي يروجه هؤلاء، هو فكر ذو طابع غيبي، خرافي، حتى لا نقول هو فكر ديني، لأن الفكر الديني الحقيقي تم تحريفه، بأدلجته،  لتضليل الكادحين، و لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي، التي من مصلحتها سيادة الفكر الخرافي،  حتى لا يتحول الناس إلى الوعي بالواقع، وعيا حقيقيا، لتبقى السيادة للفكر الخرافي، من جهة، و للمستفيد من ذلك الفكر، من جهة أخرى.

و- البرامج الدراسية، التي تمتلئ بالفكر الخرافي، و الغيبي، بالإضافة إلى الفكر الديني، على حساب الفكر التنويري، و العقلاني، و العلمي، الذي يقتضي استنهاض طرح أسئلة حول مختلف المشاكل، التي يزخر بها الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، من أجل الخروج بأجوبة تساعد على تطوير الواقع، و تطوره.

وواضعوا مختلف البرامج الدراسية المتبعة في مختلف المستويات التعليمية، لا يهتمون بالعقل، بقدر ما يهتمون بشيء آخر، لا علاقة له بالواقع، يهدف إلى جعل الأجيال الصاعدة عاجزة عن امتلاك الوعي بالواقع، و غير قادرة على فهمه، أو استيعاب التحولات التي تحصل فيه، حتى تنساق وراء الاملاءات الآتية إليها من قبل الطبقة الحاكمة، التي لم تعد الجماهير الشعبية الكادحة تثق فيها، و تفضل الانسياق وراء مؤدلجي الدين الإسلامي.

و بذلك نتبين أن دوافع التفاف الجماهير الشعبية الكادحة وراء مؤدلجي الدين الإسلامي في المغرب قائمة في الواقع، و متجذرة فيه، و هو ما يقتضي ضرورة العمل على تغيير الواقع تغييرا جذريا صحيحا، حتى تزول تلك الدوافع، و حتى تتحرر الأجيال، و يتحرر الناس منها، و يمتلكوا القدرة على التعامل مع الواقع تعاملا عقلانيا، و علميا، يغير مجرى الجماهير الشعبية الكادحة.

7) فهل يمكن القول بتراجع سياسي لصالح التنظيمات الإسلامية في المغرب ؟

و انطلاقا من هذا السؤال، الذي اقتضاه السياق العام للنص، يمكن أن نطرح سؤالا آخر، يساعدنا على مقاربة الجواب، مقاربة علمية نسبيا. و هذا السؤال هو :

هل كان في تاريخ المغرب تقدم سياسي ؟

إننا عندما نحاول الإجابة على هذا السؤال، لابد أن نراجع تاريخنا الحديث، و المعاصر، لنجد أن المغرب لم يعرف أبدا تقدما سياسيا، بقدر ما عرف صياغة استعمارية على المقاس، فالاحتلال الأجنبي استطاع صناعة الطبقات الاجتماعية، التي تناسبه، و تخدم مصالحه الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و الرأسمالية العالمية في علاقتها بالرأسمالية التابعة، استطاعت صياغة مغرب ما بعد الاستقلال صياغة تناسبها، و تخدم جميع مصالحها.

و إذا تبين لنا: أن ما عليه الشعب المغربي، هو صناعة بورجوازية تبعية رأسمالية استعمارية، و بقرار رأسمالي تبعي استعماري، بدليل أن كل إفراز جماهيري، في الاتجاه الصحيح، لا  يمكن أن يكون إلا مرفوضا من قبل الطبقة الحاكمة، كما كان مرفوضا من قبل الاحتلال الأجنبي، كما حصل إبان الاحتلال الأجنبي  للمغرب، و كما حصل خلال سنوات الاستقلال السياسي، خلال الستينيات، و السبعينيات، و الثمانينيات، و التسعينيات من القرن العشرين. و هو ما يجعلنا نستنتج أن تاريخ المغرب الحديث، و المعاصر، لم يعرف أي نهضة سياسية، بالمعنى  الصحيح الذي يعني إطلاق الحريات السياسية، و النقابية، و وضع دستور ديمقراطي، تكون فيه السيادة للشعب، و وضع قوانين انتخابية، بضمانات كافية، لإجراء انتخابات حرة، و نزيهة، و إيجاد مؤسسات تمثيلية، حقيقية، تعكس احترام إرادة الشعب المغربي، و إيجاد حكومة من الأغلبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، حتى تعمل على إيجاد حلول للمشاكل المختلفة، التي تعاني منها الجماهير الشعبية الكادحة بالخصوص، و حتى تكون مسؤولة أما  البرلمان، باعتباره ممثلا للشعب المغربي.

و ما دام المغرب لم يعرف في تاريخه أية نهضة سياسية، فإن ذلك معناه: أن هذا الذي يسميه البعض تراجعا لصالح التنظيمات الإسلامية، ما هو إلا تضليل للجماهير الشعبية الكادحة، لأن الطبقة الحاكمة و منذ بداية الاستقلال، و هي تسعى إلى إعداد الأجيال المختلفة، على أساس أدلجة الدين الإسلامي، انطلاقا من مذهب ديني معين، حتى يصير الناس جميعا منساقين وراء الطبقة الحاكمة، على أنها تحكم باسم الدين الإسلامي، و تمثله، و أنها هي الوصية عليه، و المتكلمة باسمه. الأمر الذي يعطيها شرعية الاستبداد الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، لتصير الجماهير الشعبية الكادحة  تحت رحمتها، و باسم الدين الإسلامي، الذي صار مؤدلجا على يدها.

و بما أن الإيديولوجية الدينية هي عين ممارسة التخلف، و فرض ذلك التخلف، على أنه هو الدين الإسلامي، فإن إفراز التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، تصير تعميقا للتخلف، و لا يمكن، أبدا، أن تعتبر نهضة سياسية، بالمعنى الذي أشرنا إليه.

و الحركة السياسية المغربية الحقيقية، لم تتراجع، بقدر ما تقع تحت الحصار، الذي تقوم به الطبقة الحاكمة، و معها التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، حتى لا تنهض، و تعمل على اجتياح الجماهير الشعبية الكادحة، و العمل على تعبئتها من أجل العمل على تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

8) و ما دور البورجوازية في حركة المد، و الجزر، التي يظهر أن الحركة السياسية المغربية عرفتها؟

و هذا السؤال بدوره يقتضي منا طرح سؤال / أسئلة  أخرى هي :

هل توجد لدينا بورجوازية حقيقية ؟

و ما سبب وجودها ؟

 و ما طبيعة إيديولوجيتها ؟

إننا عندما نرتبط بالحالة المغربية، التي لا تختلف كثيرا عن حالات جميع البلدان المحتلة سابقا، و التابعة حاليا، سنجد أن بورجوازيتنا تختلف، كثيرا،  عن البورجوازية الأوربية.

فالبورجوازية الأوربية،  جاءت نتيجة لتطور التشكيلة الاقتصادية، الاجتماعية الإقطاعية، إلى االتشكيلة الاقتصادية،الاجتماعية الرأسمالية، و كإفراز لأشكال الصراع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و العسكري، قبل الحسم مع التشكيلة السابقة، من أجل الانتقال إلى التشكيلة اللاحقة.

أما البورجوازية المغربية، فإننا نجد أنها لم تأت نتيجة لأشكال الصراع التي عرفتها أوربا قبل قيام الثورة الفرنسية، و ما صاحبها من ثورات،  في مختلف البلدان الأوربية، بل جاءت نتيجة ل :

أ- الاحتلال الأجنبي، الذي تدخل لإعادة صياغة التشكيلة الاقتصادية، الاجتماعية المتخلفة، بالعمل على خلق تشكيلة إقطاعية، تم الشروع في تحويلها إلى تشكيلة رأسمالية، قبل الاستقلال السياسي الشكلي، عن طريق تقديم الكثير من الامتيازات إلى الإقطاعيين، الذين صنعهم الاستعمار، من أجل أن يتحولوا إلى بورجوازيين.

ب- استمرار سلطة الاستقلال، في تقديم نفس الامتيازات، لنفس الطبقات، التي عمل الاستعمار على إيجادها، و ضدا على إرادة الشعب المغربي، و على  جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

ج- استغلال النفوذ، في ممارسة الابتزاز على المواطنين، مما أدى إلى انتشار الفساد الإداري، الذي كان من بين مظاهره سيادة الإرشاء،  و الارتشاء، مما أدى إلى تحول مسؤولين كبار إلى بورجوازيين كبار. و مسؤولين متوسطين، إلى بورجوازية متوسطة، و مسؤولين صغار، إلى بورجوازية صغرى، مع الاختلاف في كون هذه المستويات من البورجوازية، لا توظف ثرواتها في القطاعات المنتجة، بقدر ما توظفها في المشاريع المتغيرة باستمرار، و السريعة الربح.

د- الاتجار في المخدرات، الذي عم مجموع النسيج المغربي، في المدن، و في القرى، و في السهول، و في الجبال، مما يساعد على وجود بورجوازية قائمة على أساس تبييض الأموال، على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و العقائدية، و البنكية، حتى تظهر بورجوازية المخدرات، و كأنها  بورجوازية حقيقية،  لدرجة أنها تصير، بفعل شراء الضمائر في مختلف الانتخابات، مسؤولة عن الجماعات المحلية، و في البرلمان، لتعمل على سن قوانين تحمي مصالح هذا النمط من البورجوازية، الذي يقف وراء ازدهار زراعة المخدرات، و تهريبها، إلى مختلف القارات، و خاصة أوربا.

 و هذا النوع من البورجوازية لم يثن من عزم الطبقة الحاكمة محاكمة تجار المخدرات، الكبار جدا، في عدد من المحاكم المغربية، بعد أن انفضح أمرهم، وذاع صيتهم، بل إن تلك المحاكمات، أبانت عن لوبيات، لحماية الاتجار في المخدرات، باعتباره مصدر ملايين الدولارات، التي تتجمع في جيوب كبار تجار المخدرات، في العديد من المدن المغربية، و في مقدمتها: مدن الشمال، و الرباط، و الدار البيضاء، و مراكش، و أكادير، و كل مواطن الكثافة السكانية.

ه- تهريب السلع، من الخارج، إلى الداخل، و من الداخل، إلى الخارج، بعيدا عن أعين الجمارك، و تهريب السلع الاستهلاكية من الصحراء المغربية، إلى الشمال، وتهريب السلع المهربة من الشمال، إلى جميع أنحاء المغرب، و أمام أعين السلطات المحلية، والوطنية، التي تستفيد هي بدورها من ذلك التهريب، خلال السبعينيات، و الثمانينيات، و التسعينيات، من القرن العشرين.

و هذا النوع من التهريب أدى إلى بروز بورجوازية مستفحلة، تتحكم  في الاقتصاد المغربي، و توجهه لخدمة مصالح الرأسمالية العالمية، صاحبة الفضل في وجود البضائع المهربة، إلى  الداخل، و استهلاك البضائع المهربة إلى الخارج.

و بذلك نصل إلى أن الصناعة الاستعمارية، و الرأسمالية التبعية، عملت على صناعة تشكيلة اقتصادية، اجتماعية هجينة، و بورجوازية صغرى هجينة أيضا، و طبقة عاملة هجينة.

و هجانة أي طبقة تتمثل في كونها تحمل فكرا يتناقض مع موقعها المادي / الطبقي.

و انطلاقا من واقع البورجوازية المغربية، الذي رأيناه، فإن دور هذه البورجوازية،  في قيام حركة مد، و جزر، في الحركة السياسية المغربية، غير وارد للاعتبارات الآتية :

الاعتبار الأول : هو أن هذه البورجوازية، هي صنيعة الاحتلال الأجنبي، و الرأسمالية العالمية، و المؤسسة المخزنية، و الرأسمالية التابعة.

و بورجوازية كهذه، لا يمكن أن تكون بورجوازية فعلية، قائمة، في الواقع، على أسس إيديولوجية، و سياسية، و تنظيمية، بقدر ما هي لعبة في يد من عمل على صناعتها، و من وقف على فبركة أحزابها، و من عمل على وصولها إلى المؤسسة البرلمانية. و  هي  لذلك إنما تنفذ ما يملى عليها، حتى تستمر في الوجود الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و إلا فإنها سوف تتعرض للاندثار، إذا ما قامت هناك ديمقراطية حقيقية.

و الاعتبار الثاني : أن ثروات هذه البورجوازية، متوقفة على الامتيازات، التي تتلقاها من الجهات التي قامت بصناعتها.

و بالتالي فإن هذه البورجوازية، تبقى سجينة تلك الامتيازات، التي لا حدود لها، من قبل المؤسسة المخزنية، و من قبل الشركات العابرة للقارات، و كنتيجة لاملاءات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية الأخرى، و بمساهمة منها. فهي لا تستطيع أن تكون ديمقراطية، و لا أن تطالب بها، و لا تعمل على تحقيقها على أرض الواقع، لأنها تتناقض مع الامتيازات التي تتمتع بها، بل إننا  نجد أنها تحارب من يناضل من أجل الحرية، و الديمقراطية، و  العدالة الاجتماعية، كعناوين كبرى لقيام نهضة سياسية، رائدة، في المغرب، و على يد الشعب المغربي، الذي تكون له السيادة.

و الاعتبار الثالث : أن هذه البورجوازية، لا تملك إيديولوجية واضحة، و تنظيما صلبا، و لا مواقف رائدة.

فإيديولوجية هذه البورجوازية ذات مصادر إقطاعية، و مخزنية، و رأسمالية عالمية، و هي إيديولوجية توفيقية تلفيقية تهدف إلى امتلاك الشرعية التاريخية، و الدينية، و الشرعية المخزنية، و الشرعية الرأسمالية العالمية.

و تبعا لتبعية إيديولوجيتها، فإنها لا تملك تصورا تنظيميا واضحا. لأن الجهات التي قامت بصناعتها، هي نفسها التي تقوم بتنظيمها، حتى تحافظ على وجدها، و حتى تصير وسيلة  للتعبير عن وجود طبقة رأسمالية، مغربية، تستطيع أن تساهم في قيام "تنمية حقيقية"، و في "صياغة ديمقراطية رائدة"، و حتى  تضمن خدمة مصالح الشركات العابرة للقارات، و في تنفيذ توجيهات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي؟، و المؤسسات المالية الدولية الأخرى.

أما مواقفها السياسية، فشيء غير واردد، لأنها مستعدة باستمرار، للموافقة على  كل القرارات السياسية، التي تنفذها المؤسسة المخزنية، لأنها لا تملك برنامجا سياسيا واضحا. فبرنامجها السياسي، هو  نفسه برنامج المؤسسة المخزنية، على جميع  المستويات المحلية، و الإقليمية، و الجهوية، و الوطنية، و في جميع المجالات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

و الاعتبار الرابع : تفاقم المشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، الناجمة عن السياسة التي تنهجها الطبقة الحاكمة، و التي لا يمكن تجاوزها إلا  بالعمل على نهج اختيارات ديمقراطية، و شعبية. و هو ما يتناقض مع الحفاظ على وجود البورجوازية المغربية نفسها، التي لا تنتعش، و لا تنتفخ، و لا تتضاعف إمكانياتها المادية، و المعنوية، إلا من خلال سيادة تفاقم تلك المشاكل.

فهل بعد هذا يمكن القول: إن للبورجوازية المغربية بفئاتها المختلفة دور في حركة المد، و الجزر، التي عرفتها الحركة السياسية المغربية ؟

إننا في الواقع لا يمكن أن نجد للبورجوازية المغربية مساهمة سياسية محددة. لأن البرنامج السياسي الواحد الذي يحكم البورجوازية المغربية، هو برنامج الطبقة الحاكمة، و المؤسسة المخزنية، و النظام الرأسمالي العالمي. و هذه الجهات جميعا تقف وراء فرض اختيارات لا ديمقراطية، و لا شعبية، و لا إنسانية. و هذه الاختيارات لا يمكن أن تشكل إلا تراجعا، مستمرا، إلى الوراء، و ليس هناك شيء اسمه المد السياسي، لأن تلك الجهات لا ترغب فيه لتناقضه مع مصالحها.

 

 

9) و ما  دور هذه البورجوازية في سيادة أدلجة الدين الإسلامي ؟

إن البورجوازية المغربية ليست لها إيديولوجية بورجوازية محددة، و نظرا لكونها لم تخض أي  صراع، و من أي نوع كان، من أجل أن تفرض سلطتها، وعلى أسس إيديولوجية معينة تقتنع بها. و لذلك فهي تلتقط من هنا، و من هنا، و تقول: هذا لنا، و لا مانع عندها من القبول بأدلجة الدين الإسلامي. و بما أن هذه الأدلجة تلعب دورا كبيرا في تضليل الشعب المغربي، و محاربة الفكر الاشتراكي العلمي، فإن البورجوازية المغربية بجميع فئاتها تدعم هذه الأدلجة، و تمدها بالوسائل الإعلامية اللازمة، لتمكينها من التغلغل  في صفوف الكادحين، حتى  تلعب  دورها في تغييبهم عن الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، المتردي، بسبب الاستغلال الهمجي الذي تتعرض له على يد هذه البورجوازية.

و بما أن أدلجة الدين الإسلامي صارت موضة العصر، فإن البورجوازية المغربية، ستسخر كافة الإمكانيات المتوفرة لديها لجعل هذه الإيديولوجية حاضرة في الممارسة اليومية، لجميع المواطنين في المدن، و القرى، وفي السهول، و في الجبال، حتى يصير جميع أفراد الشعب المغربي فاقدين لوعيهم الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، حتى تبقى البورجوازية ممارسة لاستغلالها الهمجي بدون منازع، و  حتى يستمر المؤدلجون في تعاظمهم، و حتى  يتجيش الشعب المغربي وراء المؤدلجين، و من خلالهم، وراء البورجوازية المغربية، التي تعتبر أن قرار أدلجة الدين الإسلامي، قرار لا رجعة فيه، من أجل إعطاء الشرعية الدينية،  للطبقة الحاكمة المغربية، و التي تعتبر البورجوازية المغربية من مكوناتها.

و عندما   يخرج مؤدلجو الدين الإسلامي عن طاعة الطبقة الحاكمة، و عندما يشبون عن الطوق، فإن هذه البورجوازية تتخذ الإجراءات اللازمة لتطويع المؤدلجين، عن طريق تدجينهم، أو السماح لهم بتأسيس أحزاب دينية معينة، وبمقاسات معينة، و تمكينهم من الوصول إلى المجالس المحلية،ن و إلى البرلمان، و مغازلة من يرفض ذلك التدجين، حتى  يتأتى للطبقة الحاكمة أن تجعل هؤلاء يستمرون في تضليل الشعب المغربي، الذي هو الهدف الأساسي من أدلجة الدين الإسلامي، من قبل الطبقة الحاكمة المغربية، و من قبل جميع شرائح البورجوازية المغربية، التي التحق عدد مهم، منها، بالأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، حتى  يضمنوا لأنفسهم إمكانية  الحصول على أصوات المجيشين من البشر، خاصة، و أن البورجوازية المغربية القائمة على أساس  خليط هجين، و متخلف، من بقايا الإيديولوجيات المتخلفة، التي تعتبر مصدرا لأدلجة الدين  الإسلامي، و امتدادا لها في نفس الوقت.

و لذلك نجد أن دور هذه البورجوازية، في سيادة ادلجة الدين الإسلامي، نابع من طبيعتها، و أن هذه الطبيعة آتية من كون هذه البورجوازية لا إيديولوجية لها، و أنها تدعم سيادة أدلجة الدين الإسلامي،  لخدمة مصالحها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و هو ما يعني أن ادلجة الدين الإسلامي، تعتبر من صلب الممارسة البورجوازية المغربية، التي عصفت بمستقبل الشعب المغربي، و بمصالحه الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و بخيراته، و ممتلكاته العامة، من أجل أن تضمن لنفسها الانتفاخ المتواصل، في ارتباطها مع المؤسسات المالية الدولية، و في انصياعها لما يريده النظام الرأسمالي العالمي، و في إخلاصها في خدمة الدين الخارجي، و  في إطار ما  تدعيه من التمسك بالهوية "الإسلامية"، التي لا  يمكن تسميتها إلا بالهوية الإيديولوجية، التي تسمح بتكريس تضليل الشعب المغربي، و إلى ما لا نهاية.

10 ) و إذا كان هذا هو دور البورجوازية المغربية في دعم ادلجة الدين الإسلامي، فما هو دورها في سيادة ادلجة الدين الإسلامي ؟

إن الذي نعرفه، انطلاقا من الواقع القائم، أن البورجوازية المغربية، بجميع شرائحها، تعتبر جزءا لا يتجزأ من الطبقة الحاكمة، حتى و إن تقمصت بعض أحزابها التي فبركتها الإدارة المخزنية لباس المعارضة، لأن ما يجري في الميدان يؤكد  أنها ليست كذلك.

و هذه البورجوازية لا  يمكن أن تسير إلا على نهج البورجوازية الحاكمة، التي توظف جيشا من مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين يعملون على تحريف النصوص الدينية، حتى تصير في خدمة البورجوازية، عن طريق جعلها وسيلة لتضليل الكادحين، الذين ينفصلون فكريا، و وجدانيا، عن الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، الذي يصير حكرا على الطبقة الحاكمة، و باقي الشرائح البورجوازية العاملة على  سيادة ادلجة الدين الإسلامي عن طريق :

أ- دعم إشاعة أدلجة الدين الإسلامي، عن طريق المساجد التي تتحول من أماكن لأداء شعيرة الصلاة، و تقديم الوعظ، و الإرشاد، إلى أماكن لإشاعة الفكر الظلامي، الإرهابي، الذي لم يعد قادرا على الاستمرار، و التمكن، إلا بتوظيف المساجد التي يرتادها الناس، في إطار تجمعات تعبوية، خمس مرات في اليوم، و في إطار المهرجان الأسبوعي، الذي يعقد كل جمعة، و في جميع المساجد. تلك المجموعات، و المهرجانات، التي تعقد لا لأداء شعيرة الصلوات الخمس، او صلاة الجمعة، كما هو منتظر، و معتبر، بل لتعبئة المسلمين، المومنين، المضللين، ضد التقدم، و ضد أي تطور، في وعيهم الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و من أجل أن يصيروا، مجرد قطيع، تفعل بهم البورجوازية المغربية ما تشاء.

و في شهر رمضان الكريم، يصير الشهر كله مهرجانا مفتوحا، لا لأجل إخلاص العبادة لله، بل لأجل قيام حركة مناهضة لكل ما هو إنساني، عن طريق الإغراق في الغيبيات، التي لا يستفيد منها إلا من يمارس الاستغلال البشع على جميع الكادحين المغاربة، لتصير بذلك أدلجة الدين هي السائدة، و ليصير المؤدلجون هم المتحكمون في عقول الناس، و في وجدانهم، و في فكرهم، و في ممارستهم اليومية، في أفق، و بطريقة غير مباشرة، التحول إلى قادة للمجتمع، و بإرادة من البورجوازية المغربية، التي تمدهم بالإمكانيات المالية الضرورية.

 ب- توجيه الإعلام للاهتمام بأدلجة الدين الإسلامي، على أنها هي الدين عينه، حتى تصير أدلجة الدين الإسلامي، في نظر المغاربة جميعا، متطابقة مع الدين الحقيقي، الذي جاء كما يقول المفكرون المسلمون الحقيقيون، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا أن يخرجهم من النور، و يدخلهم في الظلمات، كما يفعل المؤدلجون.

فالإعلام السمعي البصري، و السمعي، و المقروء، يكون رهن إرادة المؤدلجين، بل إن المؤدلجين يقدمون على إنشاء وسائل إعلام مدعومة، من قبل البورجوازية المغربية، حتى يزداد دورهم تأثيرا، مما أدى إلى ظهور تيارات في صفوف المؤدلجين، و تطور تلك التيارات، في اتجاه بلورة أحزاب سياسية مؤدلجة للدين الإسلامي.

ج- السماح بإنشاء أحزاب مؤدلجة للدين الإسلامي، و على أساس ديني، و ضدا على المواثيق الدولية، التي صادق عليها المغرب، و التي تمنع قيام أحزاب على أساس ديني.

و البورجوازية المغربية عندما تفعل ذلك، فلأنها تتوخى من تلك الأحزاب، أن تلعب دورها في جعل الناس يعتقدون أن الدين و السياسة متطابقان، و أنه لا مجال لفصل الدين عن الدولة، و أن يكون ما لله لله، و ما لقيصر لقيصر، حتى لا يفكر المناضلون الحقيقيون، في المطالبة بالتعامل مع الدولة، على أنها دولة علمانية، و مع الدين على أنه يخص علاقة المؤمن  بربه.

و إذا كانت هناك بعض الأحزاب، أو التيارات القائمة على أساس ديني، التي تدعي معارضتها للبورجوازية المغربية، فلأن البورجوازية المغربية، تدفع في ذلك الاتجاه، على أنه هو المعارضة الحقيقية، من أجل التشويش على المعارضة اليسارية، و خاصة المعارضة اليسارية الاشتراكية العلمية.

د- تلغيم البرامج  الدراسية بالنصوص، و الفقرات المؤدلجة للدين الإسلامي، لتنشئة الأجيال على تلك الأدلجة، و من أجل أن تصير الأدلجة ممارسة تعليمية، تستهدف تضليل التلاميذ، و الأطر التعليمية، التي يفرض عليها،  بحكم مهنتها، الارتباط بأدلجة الدين، و تتحول إلى إطارات مؤدلجة للدين الإسلامي بالخصوص، و عاملة على إقناع الأجيال الصاعدة بتلك الأدلجة، بل إنها تفرض عليها ذلك، و بقوة العملية التربوية التعليمية، خدمة للتيارات، و الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي من جهة، و للبورجوازية المغربية من جهة أخرى، و لأجل أن تقوم بقطع الطريق أمام إمكانية تفاعل الأجيال الصاعدة مع الفكر التنويري،  و الفكر العلمي، حتى لا نقول الفكر الاشتراكي العلمي.

ه- فسح المجال أمام الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، من أجل المشاركة في الانتخابات، و ببرامج مؤدلجة للدين الإسلامي، حتى تكون الحملات الانتخابية مناسبة لتحويل الشارع إلى وسيلة لتجييش الجماهير الشعبية الكادحة المؤدلجة للدين الإسلامي بالخصوص، و عاملة على إقناع الأجيال الصاعدة بتلك الأدلجة، بل إنها تفرض عليها ذلك ، و بقوة العملية التربوية التعليمية، خدمة للتيارات، و الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، وراء المؤدلجين بطريقة مباشرة، و وراء البورجوازية بطريقة غير  مباشرة، و من أجل  وصول أولئك المؤدلجين، إلى المؤسسات المحلية، و إلى البرلمان، من أجل توجيه البرامج المحلية، و الوطنية للدولة، حتى تصير مساعدة على إشاعة أدلجة الدين الإسلامي، كما تريدها البورجوازية، المستفيد الأول من إشاعة أدلجة الدين الإسلامي..

و بذلك يتبين: أن دور البورجوازية المغربية في سيادة أدلجة الدين الإسلامي، في صفوف الشعب المغربي، يبقى حاضرا في ممارسة، و في فكر البورجوازية المغربية.

11) و بعد الوقوف على الدور الذي تقوم به البورجوازية المغربية في العمل على إشاعة أدلجة الدين الإسلامي، فهل يمكن القول بعودة حركة سياسية رائدة ؟

إن أي شيء لم يتغير في الواقع، و الطبقة الحاكمة لا تسعى أبدا إلى مراجعة الدستور القائم، رغم المطالبة المتكررة، بذلك، من قبل العديد من الجهات، و الاختيارات الرأسمالية التبعية لازالت سائدة، و عموم الشعب المغربي يعاني من الفقر، و البطالة، و مختلف الأمراض الاجتماعية، و الاقتصادية، و الثقافية، و السياسية، وتشجيع أدلجة الدين الإسلامي، لازال قائما ، وعلى جميع المستويات ، وبكل الوسائل الأييديولوجية التي تملكها الطبقة الحاكمة. والحركة المناضلة الحقيقية، السياسية، و الجماهيرية، و النقابية، و الحقوقية، تعاني من الحصار السياسي المادي، و المعنوي.

و كل ما تسعى إليه الطبقة الحاكمة، و معها فئات البورجوازية الكبرى، و المتوسطة، و الصغرى، هو تمرير قانون الأحزاب، الذي يعطي الحق لأجهزة المؤسسة المخزنية، لحشر أنفها في حياة الأحزاب، التي تتم الموافقة على قيامها، حتى لا تجرؤ تلك الأحزاب على المطالبة بدستور ديمقراطي، و بقيام مجتمع يتمتع فيه الناس بالحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و أبناء الشعب المغربي المتخرجون من المدارس، و المعاهد، و الجامعات، و مدارس التكوين، لا يجدون عملا، و الأمية لازالت متفشية بين أبناء الشعب المغربي، و مستوى المعيشة لا يعرف إلا التدني المستمر، الذي لا حدود له.

و لذلك، فبورجوازيتنا لا تهتم  أبدا بالعمل على عودة حركة سياسية رائدة، لأن تلك الحركة تعني تهديد مصالحها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و لأن الحركة السياسية الرائدة تعني :

ا- السعي إلى وضع حد لأدلجة الدين الإسلامي، و بكافة الوسائل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، لجعل المواطنين البسطاء، يدركون خطورة تلك الادلجة، و خطورة قيام أحزاب سياسية على أساسها.

ب- العمل على إيجاد دستور ديمقراطي، حقيقي، تكون فيه السيادة للشعب المغربي، الذي لم  يعد يدرك ماذا تعني السيادة بالنسبة إليه، لأن الدستور الديمقراطي، وحده، هو الذي يجعل كل مواطن يدرك أهمية حقه في ممارسة السيادة على نفسه، و أهمية حقه في المساهمة في ممارسة السيادة الشعبية.

ج- إيجاد ديمقراطية حقيقية، و بمضمونها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، حتى يستطيع الشعب المغربي إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و حتى يستطيع انتخاب مؤسسات تمثيلية، حقيقية، تكون في خدمته، و تدافع عن مصالحه، و تحارب كل ما يمكن أن يؤدي إلى الممارسات التي لا حدود لها، و التي تلحق المزيد من الأضرار بالشعب المغربي.

د- إيجاد حكومة وطنية، في خدمة الشعب المغربي، تكون مهمتها إيجاد حلول عاجلة للمشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، من أجل إعادة الاعتبار للشعب المغربي، الذي صار ذليلا بسبب السياسة الرأسمالية التبعية الاستبدادية اللاديمقراطية، و اللاشعبية.

ه- العمل على ملاءمة جميع القوانين المحلية، مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى تتم أجرأة تلك الحقوق في جميع المجالات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و في جميع مناحي الحياة، حتى يصير احترام حقوق الإنسان، ممارسة يومية، و يصير الخرق مختفيا، و بصفة نهائية، و إلى الأبد، و يصير الناس مطمئنين على حياتهم، و على مستقبل أبنائهم.

و- إعادة النظر في البرامج الدراسية، حتى تستجيب لمتطلبات الواقع من جهة، و لمتطلبات  العصر من جهة ثانية، و لمتطلبات الملاءمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة ثالثة، و حتى لا تساهم في إشاعة أدلجة الدين الإسلامي، و حتى تساهم في إنشاء أجيال نوعية، و مستعدة لإقامة مجتمع ممارس للديمقراطية الحقيقية، التي تكون من الشعب، و إلى الشعب، و حتى تناضل من أجل الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و معلوم أن البورجوازية المغربية، لا يمكن أن تسعى، أبدا، إلى قيام حركة سياسية رائدة، بالمفهوم الذي أدرجناه، لأنها لا تخدم مصالحها، بمقدر ما تخدم مصالح الكادحين. و هي لذلك ستحافظ على التدهور السياسي القائم، ما دام يخدم مصالحها المختلفة، و يؤبد سيطرتها، و يعمق استغلالها للكادحين.

12) و الخلاصة أن هذا الذي يسميه البعض تراجعا لصالح التنظيمات الإسلامية، ما هو إلا ممارسة تضليلية، تهدف إلى جعل الجماهير الشعبية الكادحة، تعتقد أن نهضة سياسية رائدة،  كانت قائمة في تاريخ المغرب، و من أجل تبرير تقديم المزيد من التنازلات إلى الطبقة الحاكمة، و الانسياق معها، في تكريس الاختيارات اللاديمقراطية، و اللاشعبية، و المساهمة، و بشكل فعال، في أجرأة تعليمات  صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية الأخرى، و فتح أبواب المغرب أمام الشركات العابرة للقارات، و الانخراط اللامشروط في منظمة التجارة العالمية، و التودد للرأسمالية العالمية، و زعيمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

و الذين يدعون بأن هناك تراجعا لصالح التنظيمات الإسلامية، ينسون أن المغرب لم يعرف في تاريخه الحديث، و المعاصر، قيام دستور ديمقراطي، تكون فيه السيادة للشعب، كما لم يعرف إلا إجراء انتخابات مزورة، و حكومات لا تعكس الإرادة الشعبية، لا من قريب، و لا من بعيد: أي أن المغرب لم  يعرف، أبدا، أي نهضة سياسية، و أن "التنظيمات الإسلامية"، التي نسميها بتسميتها الحقيقية: "التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي"، ما هي إلا صناعة رأسمالية تبعية، تنحصر مهمتها، في عرقلة أي تطور، و كيفما كان هذا التطور، و من أجل أن تكون هناك نهضة سياسية حقيقية، تتمثل في قيام دستور ديمقراطي،  تكون فيه السيادة للشعب، و إجراء انتخابات حرة، و نزيهة، تعكس إرادة الشعب المغربي.

و معلوم أن هذه الحركة، التي وظفت المساجد، و البرامج الدراسية، و مختلف وسائل الإعلام، تكون قد لعبت دورا كبير،ا و أساسيا، في هذا الاتجاه، ليبقى التخلف بمظاهره الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، وسيلة لاستمرار البورجوازية المغربية المتخلفة في تعميق الاستغلال بأشكاله المختلفة.

و لتوضيح الخلاصة التي توصلنا إليها، حاولنا مقاربة طبيعة الحركة السياسية المغربية و مراوحة المكان، و عوامل حصار الحركة السياسية المغربية، و نهوض الحركة السياسية المغربية، و تراجعها حسب المقاس، و الحركة المؤدلجة للدين الإسلامي، و هل يمكن القول بتراجع سياسي لصالح التنظيمات الإسلامية ؟ و ما دور البورجوازية في حركة المد و الجزر التي عرفتها الحركة السياسية المغربية ؟ و ما دورها في سيادة أدلجة الدين الإسلامي؟ و هل يمكن القول بعودة حركة سياسية رائدة ؟ لنصل إلى أنه لا يوجد شيء اسمه التراجع لصالح التنظيمات الإسلامية. لأن هذه التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، تم التخطيط لصناعتها لحاجة في نفس يعقوب، كما يقولون، و من أجل الحيلولة دون أن يصير الدين الإسلامي متحررا  من أسر الادلجة، و من أسر الطبقة الحاكمة، و حتى لا  يتم إفراز شروط موضوعية، تساعد على قيام نهضة سياسية حقيقية،  يتمكن فيها الشعب المغربي، من التمتع بالسيادة على نفسه، حتى يستطيع الشروع  في  بناء مستقبله بناء حقيقيا.

فهل يتم فصل الدين عن الدولة ؟

و هل تتوقف البورجوازية عن المساهمة في  دعم استئساد مؤدلجي الدين الإسلامي ؟

وهل تسعى الطبقة الحاكمة إلى  تشديد المراقبة على مختلف المساجد، التي تلعب دورا كبيرا في تجييش جميع أفراد الشعب المغربي وراء المؤدلجين ؟

هل تعيد النظر في البرامج الدراسية، حتى لا تصير مصدر أدلجة الدين الإسلامي،؟ كما  كانت ؟

هل تسمح بوضع دستور ديمقراطي، يكرس سيادة الشعب على نفسه ؟

هل تحرص على إقامة ديمقراطية حقيقية، من الشعب، و إلى الشعب ؟

و إن كل ما يمكن أن نختم به هذه المعالجة: هو أن الشعب المغربي يعاني من الحرمان الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و أن مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين تقدم الإمكانيات اللازمة، يلعبون دور المصل المخدر، حتى لا يستفيق الشعب المغربي من سباته، ليطالب بحقوقه المهضومة، حتى تصير هناك نهضة سياسية حقيقية، و حينها، سيتراجع مؤدلجو الدين الإسلامي إلى الوراء، و سيسجل التاريخ أنهم ارتكبوا جرائم لا حدود لها في حق الشعب المغربي، الذي لابد أن ينبعث كالفنيق  من تحت الرماد، ليفرض الاستجابة لحقوقه الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و في أفق تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كمدخل لصياغة واقع آخر، تكون فيه السيادة للشعب المغربي.

محمد الحنفي

 sihanafi@gmail.com

 

www.elhanafi.com