كيف نعرف الهوية العربية ؟

 صادق جواد سليمان

 

ندوة بحث حول الهوية العربية

جامعة جورجتاون، واشنطن، الولايات المتحدة

يناير 17  2006

 

بما أن تقديمي هو بمثابة مدخل للبحث، وأننا جميعا سنتوسع في البحث بعد ذلك، فسأعرض رؤيتي بخط عريض.

سأتناول تعريفا بالأمة العربية، فتعريفا بالثقافة العربية، فتعريفا بالهوية العربية كمنظومة متواصلة -as a continuum

 

هناك على ظهر هذا الكوكب المعتمر بالحياة من بين أمم البشر أمة مشهودة في التاريخ: أمة نهضت حضاريا،  ثم إذ تحضرت غذت الخبرة البشرية حضاريا على امتداد قرون.  الانتماء لهذه الأمة، قديما ولا يزال، أعم من انتماءٍ لدين أو عرق أو بلد، وأعم أيضا من تشخصٍ بموقف سياسي أو منظور إيديولوجي.

 

ثم إن لهذه الأمة العربية ثقافة متميزة بين ثقافات الإنسان، هي أيضا ثقافة المصدر والمستودع والمرجع للثقافات المنتظمة ضمن حضارة الإسلام.  تلك هي الثقافة العربية.

 

للثقافة العربية مضمون حضاري تكون من تواصلٍ بوحي السماء، فاستقرارٍ في حكمة الأرض.  بهما معا تولد  التزام بمكارم الأخلاق، واستبصار بالفكر الإنساني المستنير.  منهما أيضا نمت في الخبرة العربية معارفُ وآداب وأعراف وفنون ومهارات ذاتية ارتسمت بها مستلزمات حياة طيبة منتجة على الصعيد الفردي، وتوضحت بها معالم مجتمع صالح متطور، متكافل في ذاته ومتعاون  مع الآخرين.

 

ولهذه الثقافة لغة جميلة، رصينة، بليغة.  تلك هي اللغة العربية.

 

ثم إن لهذه الثقافة خبرة معرفية بما استوعبت من معارف الإنسان، وبما طورت فيها، مستفيدة منها ومفيدة بها أمما أخرى في الشرق والغرب.  تعشقت المعرفة فتفتحت لها، ضامة إليها خير نتاج مختلف الحضارات.  بذلك ما لبثت معارف عصر سبق أن عبرت عالميا بالعربية، بأقلام علماء عديد منهم عرب مستعربون.  بذلك احتوت العربية معارف الأولين، فحفظتها، ثم ساقتها مصانة، مرتبة، ومشروحة لعصر التنوير الذي مهد للعصر الحديث.

 

ولهذه الثقافة وطن عريق وسيع، متعدد الأقطار، متواصل المساحة، متكامل الموارد والطاقات.  وهو وطن رحب ومضياف: طالما آوى ألوفا من مهاجرين إليه ولاجئين.  وهو في العهد الحديث وفر فرص عمل لألوف من وافدين إليه من شتى البلاد.

 

ثم إن الثقافة العربية ثقافة جامعة، حاضنة، قويمة:

 

هي ثقافة جامعة: من حيث أنها تجمع ولا تفرق، تضم ولا تصد، تدني ولا تبعد. على مد الزمن دخلتها أقوام من أعراق شتى فاستأنست بفنائها، وانصهرت فيها.  بذلك غدا معظم أهل الثقافة العربية اليوم عربا مستعربين.

 

وهي ثقافة حاضنة: من حيث أنها تحضن تعددية الأديان والأعراق، دون إجحاف.  نبيها العربي ذكر أن الناس جميعهم من آدم، وآدم من تراب.  كذلك، علم أن  لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، إلا بالتقوى.  قرآنها العربي عد أكرم الناس عند الله أتقاهم: أي أرسخهم في الخلق الكريم.  وأعلام هذه الثقافة أكدوا أن شرعية الحكم برضى العوام، أن الناس سواسية، أنهم يولدون أحرارا، وأنهم إما اخوة في الدين أو نظراء في الخلق، لذا وجب أن يعاملوا بسواء

 

والثقافة العربية ثقافة قويمة: بمعنى أنها مقومة بمبادئ العدل والمساواة، وكرامة الإنسان والشورى في الحكم والحياة – وهذه مبادئ مؤصلة وحياً، تتجذر فيها وتستمد منها عموم حقوق الإنسان، قديما وفي هذا العصر.

 

خلاصة، إذن، الشخص العربي هو الإنسان المنتمي للأمة العربية.  وهو عربي بالثقافة، لا بعرق أو دين، ولا  بموقف سياسي يتخذه أو منظور إيديولوجي يتبناه.  فإذا سئل: من أنت ؟  كان حريا أن يجيب: أنا عربي.  وإذا سئل: ما العروبة ؟  كان حريا أن يرد:  إنها ثقافة جامعة، حاضنة، قويمة، تؤمن بمادئ وقيم، حيثما تستوعب وتفعل، تصلح وتنمي حال الإنسان فردا ومجتمعا. 

 

بذلك، على ما أرى،  يكون – أو ينبغي أن يكون – تعريفُ الأمة العربية، تعريفُ الثقافة العربية، تعريفُ الهوية

العربية ... سواء اقتضى التعريف تذكيرا ضمن حوار عربي- عربي، أو تأكيدا في سياق تحاور مع الآخرين.