الدين / الماركسية

من اجل منظور جديد للعلاقة نحو افق بلا ارهاب

الجزء الثامن

محمد الحنفي

 

 

 

التوفيق بين الدين و الرؤيا المادية للواقع (2):

و ما قلناه عن العلوم الدقيقة و الاقتصاد نقوله عن الثقافة باعتبارها قيما ثقافية، و باعتبارها أدوات منتجة للقيم الثقافية. فالرؤيا المادية للثقافة هي مجموعة من القيم التي تختلف من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى، و من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أخرى، و من زمن إلى زمن آخر، و من مكان إلى مكان آخر ، و تتدخل مجموعة من الشروط الموضوعية و الذاتية المادية و الروحية للجماعات و الأفراد لانتاج قيم معينة عامة و خاصة بكل مجتمع ثم خاصة بكل طبقة، و بكل فرد في تلك الطبقة و في إطار التشكيلة الاجتماعية السائدة، و حسب ما يقتضيه الزمن و المكان.

و يعتبر الدين كمكون من مكونات الواقع مصدرا أساسيا للقيم الثقافية الموجهة للمسلكية الفردية و الجماعية، و العاملة على جعل الإنسان يغذي روحه من تلك القيم استعدادا لليوم الآخر.

و إلى جانب الثقافة نجد أن السياسة باعتبارها تعبيرا إيديولوجيا فإننا نجد أنها تتشكل بحسب الطبقات المسيطرة على المجتمع و التي تفرض توجهاتها السياسية العامة، و بالقوة على جميع أفراد المجتمع، أو بحسب الطبقات التي تصارع من اجل الوصول إلى السلطة. فلكل طبقة اجتماعية توجهها السياسي، و بالتالي فعدد التوجهات السياسية القائمة في المجتمع بعدد الطبقات الاجتماعية، و الطبقات الاجتماعية لا يمكن التعبير عنها إلا بواسطة المواقف السياسية. فتبرز مواقفها على أساس تحديد تصور للدستور، و لأسلوب الحكم، و للممارسة الديمقراطية في المجتمع على المستوى العام، و على المستوى الخاص ...الخ.

و الرؤيا الدينية عندما تصطدم بالرؤيا المادية، لابد أن تقف على نتائج تعاطي الرؤيا المادية مع الواقع لتحدد موقفها منها، و بالتالي فهناك نوعان من النتائج :

النتائج التي تهدف إلى تطوير الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية بما فيه مصلحة الإنسان دون المس بجوهر العقيدة. فإن الرؤيا الدينية تتجنب الدخول في سجال مع مختلف النتائج، و تعتبرها عطاء من القوة الغيبية التي تختلف حسب الأديان.

و النتائج التي تستهدف الجانب الروحي، و تعمل على تطويره، فإن الرؤيا الدينية لا تدخل معها في صراع ما لم يتأدلج الدين. فإذا تأدلج فإن كل ما يعمل على المس بالجانب الروحي الذي لا علاقة له بالعقائد فإنه يعتبر مرفوضا. و بالتالي فإن ادلجة الدين تهدف إلى النفي المطلق للرؤيا المادية للواقع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. حتى تبقى الرؤيا المؤدلجة للدين هي السائدة في الواقع و هي المتحكمة فيه، و هي الموجهة للمسلكية الجماعية و الفردية سواء تعلق الأمر بالطبقات الحاكمة، أو بالطبقات المساندة لها، أو بالطبقات التي تريد الوصول إلى الحكم على أساس ادلجة الدين.

و إذا كانت الرؤيا الدينية لنتائج الرؤيا المادية للواقع تتخذ مستوى الرؤيا الدينية الصرفة التي تتعامل مع نتائج الرؤيا المادية تعاملا غير مثير للجدل، و كانت الرؤيا الدينية المؤدلجة تدخل في صراع مع تلك النتائج التي تمس الجوهر الروحي للمجتمع. فكيف ترى الرؤيا المادية لنتائج الرؤيا الدينية ؟

و إذا كانت الرؤيا المادية للواقع، بعد تبلورها لا تكون إلا علمية سواء على مستوى المنطلقات، أو على مستوى الأسلوب، أو على مستوى النتائج، فإن الرؤيا الدينية لا تكون كذلك. فمنطلقاتها مثالية و نتائجها مثالية، و أسلوبها مثالي. لأن الرؤيا الدينية عندما تتعامل مع واقع معين، فهي لا تنطلق من معطياته العينية الملموسة لتتعامل معها بأسلوب علمي ملموس، وصولا إلى نتائج علمية ملموسة كما هو الشأن بالنسبة للرؤيا المادية. بل إن الرؤيا الدينية تنطلق من منطلق أن الواقع بمعطياته القائمة مخلوق من قبل قوة معينة، و تلك القوة هي التي تتحكم فيه و تسيره بناء على قوانين كونية معينة لا يعلمها إلا الخالق. و ما يصيره الكون ما هو إلا نتيجة للتفاعلات المقدرة على الواقع، و التي يجد كل مخلوق نفسه مجبرا على السير فيها. و هذه التناقضات المختلفة المادية و الروحية، الطبيعية و الاجتماعية هي متناقضات بثها الخالق في الكون لاختبار كائناته وقدرة تلك الكائنات على الاستجابة لارادة الله أو عدم الاستجابة لها سعيا إلى إقرار الجزاء و العقاب في الحياة الأخرى كنتيجة  للمنهج الديني. و بذلك نصل إلى أن المنطلقات في المنهج الديني لا تكون إلا غيبية، و الأسلوب لا يكون إلا غيبيا، و النتائج لا تكون إلا غيبية. و بناء على ذلك فإن الرؤيا المادية بقدر ما تحترم الدين و تعتبره مكونا من مكونات الواقع، و مصدرا للقيم الدينية، فإنها تعتبر أن نتائج الرؤيا الدينية هي نتائج غير علمية، لأنه لا يمكن التأكد من صحتها، و علميتها، لا على مستوى المنطلقات، و لا على مستوى الأسلوب، و لا على مستوى النتائج نفسها.

و عندما تتحول الرؤيا الدينية إلى رؤيا مؤدلجة للدين، فإن هذه الرؤيا تختلف باختلاف الطبقات المؤدلجة للدين .

فالطبقات الإقطاعية تنطلق من أن الدين جاء لخدمة مصالحها، و أنها وجدت لخدمة الدين، و أنها هي الأمينة عليه، و أن سيطرتها على الأراضي و استغلالها للأقنان إنما هو من إرادة الله، و كل من خالف ذلك التصور فقد أنكر إرادة الله. و لذلك فبالإضافة إلى المنطلقات الغيبية التي يعتمدها الإقطاعيون هناك منطلقات ذات بعد واقعي لتأكيد الأسلوب الغيبي، و نتائج ذات بعد واقعي لتأكيد النتائج الغيبية و الرؤيا المادية لا يمكنها أن ترفض نتائج ادلجة الإقطاع للدين. و تبعا لذلك، فهي ترفض منطلقات الإقطاعيين و أساليبهم الإيديولوجية نظرا لعدم علميتها.

و الطبقة البورجوازية التابعة التي تكون إيديولوجيتها البورجوازية مدعومة بأدلجة الدين للزيادة في تضليل الكادحين. فهي تحاول أن تكسب منطلقاتها و أسلوبها و نتائجها بعدا غيبيا، و لكنها في نفس الوقت تسعى إلى معرفة كل ما هو جديد و حديث على المستوى الفكري لاغناء إيديولوجيتها حتى يزداد الناس انبهارا بها، و حتى يتأتى انسياقهم وراءها بسبب التضليل القائم على ادلجة الدين و بسبب الانبهار بالحداثة التي تقود إلى الانسياق وراءها، و من خلالها وراء النظام الرأسمالي العالمي. و معلوم أن نتائج الرؤيا الدينية المؤدلجة من قبل البورجوازية هي نتائج غير علمية، و نظرا لطابعها الإيديولوجي، فإن الرؤيا المادية تعمل على نفيها.

و عندما يتعلق الأمر بالبورجوازية التي تحمل الإيديولوجية الليبرالية ، فإن هذه البورجوازية ، و في مرحلة معينة من الصراع تلجأ إلى ادلجة الدين في حدود معينة من اجل جعل الكادحين المضللين ينساقون وراء قبول  الاستغلال باعتباره قدرا كما حصل في أوربا في القرن التاسع عشر. حيث كانت البورجوازية الليبرالية ضد الكنيسة ثم استعانت بها لتضليل العمال بعد ذلك. و لذلك، فالرؤيا الدينية المؤدلجة من قبل البورجوازية تقود إلى نتائج غير علمية تكون مرفوضة من قبل الرؤيا المادية التي تعمل على نفيها كما تعمل على نفي النظام الرأسمالي الذي أنشأته البورجوازية.

أما البورجوازية الصغرى فتعتمد على إيديولوجيتها التوليفية التي تأخذ فيها من كل إيديولوجية طرف لتؤلف من كل ذلك إيديولوجيتها الخاصة بها. و من تلك التوليفة  نجد لجوء البورجوازية الصغرى إلى ادلجة الدين الإسلامي لدعم تضليل إيديولوجيتها للكادحين حتى يتقبلوا قيادة البورجوازية الصغرى لهم، و حتى تصير قيادتها للكادحين ذات بعد ديني. و بالتالي فإن توظيف ادلجة الدين الإسلامي يقتضي منطلقات غيبية، و أسلوب غيبي، و نتائج غيبية. و لذلك فكما تعمل على نفي إيديولوجية البورجوازية الصغرى. فإنها تعمل كذلك على لجوءها إلى ادلجة الدين و ما يترتب عن ذلك من نتائج. و بالنسبة لمؤدلجي الدين، فإن اعتمادهم على معطيات غيبية، و أساليب غيبية، يؤدي إلى نتائج غيبية. و لذلك فمؤدلجو الدين يعملون على ادلجة الدين التي تعمل الرؤيا المادية على نفيه.

و بذلك نصل إلى أن موقف الرؤيا المادية من نتائج الرؤيا الدينية يمكن تلخيصه في أن :

1) الرؤيا الدينية غير المؤدلجة التي تتوصل إلى نتائج غيبية بهدف بث القيم الدينية بين الناس من اجل تقويم المسلكية العامة، و المسلكية الخاصة الجماعية و الفردية، يكون موقف الرؤيا المادية منها – رغم عدم علميتها- على أنها نتاج للواقع الذي يعتبر الدين من مكوناته.

2) الرؤيا الدينية القائمة على ادلجة الطبقات الحاكمة للدين التي تؤدي إلى نتائج غيبية تعمل الرؤيا المادية على نفيها.

3) الرؤيا الدينية القائمة على ادلجة الطبقات الداعمة للطبقة الحاكمة للدين، و التي تعمل الرؤيا المادية على نفيها.

4) الرؤيا الدينية القائمة على ادلجة الدين من قبل المؤدلجين العاملين على تجييش المجتمع، فيتوصلون بأدلجتهم إلى نتائج غيبية، تعمل الرؤيا المادية كذلك على نفيها.

فالماركسية إذن تعمل على نفي نتائج التحليل الديني القائم على ادلجة الدين. و تحترم التحليل الديني غير المؤدلج للدين و الهادف إلى تطوير القيم الجماعية و الفردية.

و بعد وقوفنا على طبيعة الرؤيا المادية لنتائج الرؤيا الدينية يطرح علينا سؤال  : هل يمكن أن يوقف الدين الرؤيا المادية للواقع ؟

إن الدين الذي يقرر انه قام بصياغة الواقع، و يتحكم في قوانينه و يوجه  حركته بأمر من قوة غيبية لابد أن يترك هامش الحرية لجزء من الواقع أو من الواقع ككل، كما يدل على ذلك ما ورد في القرءان " و أمرهم شورى بينهم" بالنسبة للبشر الذين صار من حقهم التقرير و التنفيذ في الأمور التي تخصهم و التي لا تمس جوهر الدين و لا تعمل على نفيه. و لا تسعى إلى تحريض الناس ضد الدين، نظرا لعلاقة الدين بالجانب الروحي للإنسان، و لدوره في إنتاج القيم المختلفة التي توجه مسلكيات الأفراد و الجماعات في اتجاه التوحد و التضامن و التعاضد و غير ذلك من القيم الإنسانية النبيلة. فالدين معتقد روحي لا يمكن تجسيده إلا من خلال المسلكية العامة. و الواقع مجموعة من المكونات المادية و الروحية المترابطة فيما بينها، و التي تكمل بعضها. و انطلاقا من أن الدين له علاقة بالإنسان، و أن الإنسان هو المعني بالدين فإن هذا الإنسان ليس إلا قوة مادية قائمة في الواقع، و هو –في نفس الوقت – الذي يحول الدين باعتباره قوة روحية إلى قوة مادية تساهم بشكل كبير في صياغة الواقع المادي و هو الذي يلجأ – انطلاقا من مصلحته الطبقية – إلى ادلجة الدين عن طريق استغلاله في الأمور الإيديولوجية و السياسية، و هو الذي يحول الدين إلى سيف فوق رقاب البشر، و يعمل على إنشاء الدولة الدينية التي تقحم تلك القوة الغيبية مصدر الدين في الصراع بين البشر، فكأن تلك القوة قائمة في الواقع و ذات مصلحة طبقية تصنفها إلى جانب طبقة معينة توظف الدين لخدمة مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية مع العلم أن ادلجة الدين ليست إلا تصورا إيديولوجيا لطبقة معينة لا تملك إيديولوجية معينة و ليست مؤهلة لامتلاك إيديولوجية معينة. و هذا التصور الإيديولوجي هو الذي يقود إلى توظيف الدين لحشر الناس المتدينين وراء مؤدلجي الدين لخدمة مصالحهم الطبقية، ليتحول الدين بذلك إلى قوة إيديولوجية بدل أن يبقى مجرد قوة روحية.

و انطلاقا من هذا التحليل يمكن أن نسجل أن كل ما يقوم به الإنسان يتحول إلى قوة مادية قائمة في الواقع، حتى الطقوس الدينية التي يمارسها المتدينون في معابدهم المختلفة و المتنوعة يمكن اعتبارها قوة مادية تحتاج إلى تخطيط و تنفيذ و ممارسة يومية لعامة المتدينين من اجل إظهار أن الدين قائم في الواقع، و انه بذلك يتحكم في المسلكيات الفردية و الجماعية و يوجهها، و يقرر مصيرها، و هو ما يجعله فعلا مكونا من مكونات الواقع القائم.

و الإنسان هو نفسه الذي يملك الرؤيا الدينية، و أن هذه الرؤيا الدينية لا توجد خارج الإنسان. و هي لذلك رؤيا مادية يعتمدها الإنسان لتفسير تحولات الواقع تفسيرا غيبيا. كما انه هو نفسه الذي ينتج رؤيا مادية معينة للواقع حتى و إن كان يحمل رؤيا دينية تعتبر هي نفسها رؤيا مادية بسبب استهدافها للواقع. فهل يمكن أن يقوم الدين – كرؤيا- بنفي الرؤيا المادية للواقع ؟

إن الرؤيا المادية للواقع باعتبارها رؤيا علمية تهدف إلى معرفة الواقع معرفة علمية دقيقة تمكن من اكتشاف ما يجب عمله من اجل التحكم فيه، و توجيه حركته وفق ما يقتضيه العمل على تطور و تطوير الواقع في الاتجاه الصحيح سواء تعلق الأمر بالجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو العلمي أو الفلسفي. أو توجيهه لخدمة مصالح طبقية معينة، و هذه الرؤيا المادية هي من إنتاج الإنسان في صراعه ضد الطبيعة و ضد الاستغلال الطبقي و ضد الاستبداد في جميع تمظهراته، و من اجل الحرية و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية كقيم كبرى لا تتحقق إلا بالرؤيا المادية المعتمدة في تحليل الواقع، من اجل رسم ما يجب عمله لتغييره إلي الأحسن.

و إذا كان الإنسان الحامل للرؤيا الدينية كواقع مادي قائم في الواقع، هو نفسه الذي يفرض عليه إنتاج الرؤيا المادية ذات الطابع العلمي و الإيديولوجي في نفس الوقت. فهل يعقل أن يقوم الإنسان بنفي نفسه؟

إن كل ما تفعله الرؤيا الدينية غير المؤدلجة هو أنها تؤكد قيامها في الواقع كقوة مادية، و ترفض أن تتعرض للنفي و أن تعمل على مقاومة كل ما يمكن أن يعمل على نفيها مهما كان مصدره. و انطلاقا من هذا التحديد يمكن القول بأن الدين لا يعمل على نفي الرؤيا المادية إلا إذا تحولت إلى قوة تعمل على نفي الدين، و هي بذلك تفقد علميتها، و تصير قابلة للنفي. و لكن عندما تصير الرؤيا الدينية مؤدلجة، فإنها تدخل مباشرة في صراع إيديولوجي مع الرؤيا المادية باعتبارها أيضا إيديولوجية، فيتحول الصراع بين الدين و الرؤيا المادية إلى صراع طبقي في مظهره الإيديولوجي. ليصير الدين قابلا للنفي كما تصير الرؤيا المادية قابلة للنفي أيضا.

و لذلك فالدين غير المؤدلج بكون مستوعبا للرؤيا المادية باعتبارها رؤيا بشرية و شأنا بشريا لا  علاقة له بالدين، أما الدين المؤدلج فيدخل في صراع إيديولوجي مع الرؤيا المادية كإيديولوجية، فيكون قابلا للنفي، أو يعمل على نفيها.

و بهذه الخلاصة التي توصلنا إليها ننتقل إلى طرح السؤال : هل يمكن أن توقف الرؤيا المادية الرؤيا الدينية للواقع ؟

إن كل ما تفعله الرؤيا المادية للواقع باعتبارها رؤيا علمية هو أنها تدرسه انطلاقا من معطيات الواقع نفسه، و من  الأسلوب المعتمد في الرؤيا المادية، و معطيات الواقع التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار تتجسد في مختلف مكوناته المادية، و الروحية التي نجد من بينها الناس كواقع مادي و المعتقدات كواقع روحي. و الدين بطبيعة الحال ينتمي إلى الواقع الروحي للناس كواحد من المعتقدات الشائعة في المجتمع. و معلوم ما يلعبه الدين من أدوار في إعداد الناس للعب دور معين عن طريق التحلي بالقيم التي يبثها في المجتمع سواء تعلق الأمر بترويج النصوص الدينية الحاملة في مضامينها لتلك القيم، أو تعلق الأمر بالطقوس المعتمدة، و التي ترسخ قيما أخرى ذات جانب إنساني و اجتماعي و فكري و نفسي.

و الرؤيا المادية ذات الطابع العلمي، و التي تسعى إلى جعل الناس يعون بالواقع عن طريق معرفته معرفة علمية دقيقة حتى يساعدهم ذلك على امتلاك وعيهم الطبقي الحقيقي. لا يمكن أبدا أن تعمل على نفي الرؤيا الدينية و لا تسعى إلى جعل تلك الرؤيا قابلة للدخول في صراع مع الرؤيا المادية، بقدر ما تقر بوجودها كواقع معبر عن وجود المعتقد الديني الذي يفرض وجود الرؤيا الدينية و يسعى إلى قيام وجدان جماعي في المجتمع. و إقرار الرؤيا المادية بوجود الرؤيا الدينية لا يعني أبدا أن الرؤيا الدينية هي رؤيا علمية، لأنها ليست كذلك. و لأن الرؤيا العلمية تحتاج إلى منطلقات علمية، و أسلوب علمي للوصول إلى نتائج علمية، و الرؤيا الدينية – كما أشرنا إلى ذلك- تعتمد منطلقات غيبية، و أسلوب غيبي للتوصل إلى نتائج ذات بعد غيبي. و لذلك فالرؤيا المادية تعمل على نفي علميتها، و تسعى إلى فرض التعامل معها على أنها ليست علمية حتى تتميز عن الرؤيا المادية التي تعتمد كرؤيا علمية، تقود إلى معرفة الواقع معرفة علمية دقيقة تمكن من التعامل معه تعاملا علميا.

لكن عندما تتحول الرؤيا الدينية إلى رؤيا إيديولوجية فإن على الرؤيا المادية كرؤيا علمية أن تعمل على نفي كونها رؤيا دينية. و أن هذه الرؤيا الدينية/الإيديولوجية هي تحريف للدين و خروج به عن مقاصده المتمثلة في إنتاج القيم مهما كان مصدرها. و أن هذه القيم تسعى إلى أن يبقى الدين بعيدا عن أن يتحول إلى إيديولوجية، أي إلى تعبير عن مصالح طبقية معينة تجعل الطبقة صاحبة تلك المصالح تدعي أنها وصية على الدين، و توظفه لصالحها، و تعمل على تجييش المتدينين على أساس ذلك التوظيف. و لذلك كان من الواجب أن تعمل الرؤيا المادية على نفي الرؤيا/الدينية الإيديولوجية مهما كانت الطبقة التي تلجأ إلى عملية ادلجة الدين، و مهما كان مستوى الادلجة، و حدود تلك الادلجة.

أما إذا صارت الرؤيا المادية رؤيا إيديولوجية، فإن الرؤيا الدينية الإيديولوجية تصير نقيضة لها. و بالتالي فإن ما يجمع بين الإيديولوجيتين المتناقضتين هو الصراع باعتباره يدخل في إطار مستوى معين من الصراع الطبقي. و في هذا الصراع فإن كلا من الإيديولوجيتين تكون قابلة للنفي. كما تكون قابلة لان تنفى. و نظرا للتخلف الذي لازال يسود في المجتمع و على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فإن أدلجة الدين تبقى محتضنة من قبل الجماهير الشعبية الكادحة و كنتيجة لذلك فإن الرؤيا الدينية/الإيديولوجية هي التي تبقى سائدة، و أن هذه الرؤيا تحتاج إلى دراسة عميقة من اجل استيعاب الرؤيا المادية للشروط التي أفرزتها أو ساعدت على إفرازها، و تساعد باستمرار على انتشارها و تغلغلها في صفوف الكادحين. و مهما كانت النتيجة التي يتوصل إليها أولئك الكادحون بتقبلهم لاحتضان الرؤيا الدينية/الإيديولوجية حتى تستطيع الرؤيا المادية كإيديولوجية أن تواجه الرؤيا الدينية/الإيديولوجية مواجهة علمية دقيقة وفق مراحل معينة تستهدف فيها الشروط، ثم المنطلقات ثم الأساليب المعتمدة من قبل كل طبقة مؤدلجة للدين ثم الأهداف التي تروم تحقيقها، حتى تعمل على النفي المرحلي لادلجة الدين من قبل الإقطاعيين، و من قبل البورجوازية التابعة، و من قبل البورجوازية، و من قبل البورجوازية الصغرى بما فيها تلك المختصة في ادلجة الدين، وصولا إلى دين  بلا ادلجة، و إلى طبقات اجتماعية تتجنب ادلجة الدين و تعتمد على نفسها في إنتاج إيديولوجيتها الخاصة بها، و التي تكون مؤهلة لامتلاك القدرة على المواجهة الإيديولوجية الفعلية بعيدا عن الدين الذي يعتبر من مقومات الشعوب، و حتى لا تجد الرؤيا المادية نفسها في إحراج بمواجهتها للرؤيا الدينية/الإيديولوجية التي قد ينساق وراءها من يعتبر نفسه صاحب الرؤيا المادية كإيديولوجية .

فما العمل من اجل احترام متبادل بين الرؤيا الدينية و الرؤيا المادية للواقع ؟

إننا في تناولنا لموضوع الاحترام المتبادل بين الرؤيا الدينية و الرؤيا المادية  للواقع لا نهدف إلى قيام توافق بين الرؤيا الدينية و الرؤيا المادية، و لا نسعى إلى أن تتنازل الرؤيا المادية عن علميتها لصالح سيادة الرؤيا الدينية، أو تتخلى الرؤيا الدينية عن إنتاج قيمها لصالح الرؤيا المادية، بل إن غايتنا هي أن نصل إلى الإجابة على السؤال : ما العمل من اجل أن تسود الرؤيا المادية في الواقع دون أن تصطدم بالرؤيا الدينية؟ و كيف تحافظ الرؤيا الدينية على إنتاج القيم دون تصطدم بالرؤيا المادية، أي دون أن يقوم صراع مشروع، و غير منتج بين الرؤيا المادية من جهة و الرؤيا الدينية من جهة أخرى. لأن صراعا من هذا النوع هو صراع بين الدين و العلم. و الدين لم يسبق له في تاريخ البشرية أن كان ضد العلم، أو صراع بين الأرض و السماء. و لم يسبق للسماء أن كانت ضد الأرض، كما لم يسبق للأرض أن كانت ضد السماء. فالسماء و الأرض معا هما نتاج لمصدر واحد. و إذا كان هناك صراع بين المتناقضات، فإن الدين لم يكن نقيضا للعلم، و العلم لم يكن نقيضا للدين. لذلك فالتوفيق بين الرؤيا المادية و الرؤيا الدينية غير وارد، إلا في مخيلة دهاقنة البورجوازية الصغرى الذين يتوهمون انهم بقيامهم بالتوفيق بين الرؤيا المادية و الرؤيا الدينية إنما يعملون على إيجاد أحلولة لمشاكل هذا الكون. و الواقع أن الرؤيا المادية بتميزها المنهجي العلمي، يجب أن تبقى رؤيا مادية، و أن الرؤيا الدينية بتميزها القيمي، يجب أن تبقى رؤيا دينية. و أن العلاقة بينهما يجب أن تقوم على أساس أن الدين ليس موضوعا للرؤية الماديةإلا باعتباره مكونا من مكونات الواقع، و أن الرؤيا المادية ليست موضوعا للدين إلا باعتبارها مستهدفة بالقيم الدينية. و لفرض هذا النوع من العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل بينهما نرى ضرورة :

1) تجريم ادلجة الدين، كيفما كان هذا الدين من طرف الأفراد و الجماعات، و من طرف التيارات و الأحزاب السياسية أنى كانت هويتها، بما في ذلك أحزاب الطبقات الحاكمة، حتى لا يصير الدين وسيلة للاستغلال الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و تقديم كل من عمل على ادلجة الدين إلى المحاكمة، لأن الدين كالهواء هو للناس جميعا، و لا يحق لأحد أن يصادره لصالحه، لأن الادلجة ليست إلا مصادرة للدين الذي يتحول إلى تعبير عن مصالح الطبقة المؤلجة له.

2) تجريم قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، لأن ذلك قد يؤدي إلى تكوين طوائف دينية متناقضة، و أن تلك الطوائف قد تدخل في صراع تناحري ديني- ديني مما قد يؤدي إلى خراب المجتمع, فيتحول الدين على يد المؤدلجين من مساهم في تماسك أفراد المجتمع إلى مخرب للمجتمع. لأن الصراع الديني-الديني يأكل الأخضر و اليابس. و يخلق حزازات بين الفرق المؤدلجة للدين لا تندمل بسرعة.

3) اعتبار الدين من مقومات شعب معين، لا يمكن المس بها أو السعي إلى تحقيق مكتسبات معينة باستغلالها، سعيا إلى المحافظة على وحدة الشعب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لأنه لا يمكن المحافظة على وحدة شعب معين بدون المحافظة على مقوماته الجغرافية و التاريخية، و العقائدية و الثقافية التي تقف وراء نضوج شعب معين و استعداده لبلورة اختياراته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية التي تتناسب مع طبيعة تلك المقومات التي قد لا تتعارض مع السعي إلى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

4) اعتبار التحليل العلمي للواقع منطلقا يمكن اعتماده لمعرفة الواقع معرفة علمية تمكننا من الوقوف على العوامل التي تؤثر في تطوره، أو العوامل التي تؤدي إلى إنتاج ادلجة الدين. لأن ادلجة الدين قد تزول من الواقع إذا عملنا على أن تزول شروط قيامها، و من ذلك غياب الديمقراطية، و انتشار الأمية، و انتشار البطالة و غير ذلك مما له علاقة بالعمل على إنشاء مجتمع مختلف قابلا لاحتضان ادلجة الدين، و للتحول إلى مجتمع مستنسخ استنساخا مشوها من الماضي السخيف في وقت صار فيه الاستنساخ مرفوضا من الإنسانية حتى تبقى إمكانية التطور واردة.

5) اعتماد نتائج التحليل العلمي منطلقا لصياغة أي برنامج يهدف إلى تحرير الإنسان، و تحرير طاقاته الكامنة، حتى يبدع في إثراء الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأن ذلك الإثراء رهين بتحرير الإنسان الذي يحمل طاقات هائلة في حاجة إلى الانطلاق حتى يتحقق العطاء الذي لا يمكن أن يحصل على ارض الواقع في ظل سيادة ادلجة الدين التي تقمع كل الطاقات و تجعلها غير قادرة على العطاء إلا في الاتجاه الذي تقتضيه ادلجة الدين، و هو اتجاه يعمل على الاستنساخ المشوه للماضي المؤدي إلى التخلف السريع للمجتمع.

6) العمل على نشر الفكر العلمي بشكل مكثف بالموازاة مع نشر الفكر الديني، و دون الدخول في صدام معه، و جعل الاهتمام القائم في الو&#