أليست دولة المؤسسات كذبة كبرى؟

د. فيصل القاسم: ( كلنا شركاء )


لقد صدّع المفكر العربي-الأمريكي الراحل إيدوارد سعيد رؤوسنا وهو يتحدث عن الحكم المؤسساتي في الولايات المتحدة وعجز العرب عن فهم عملية صنع القرار في بلاد العم سام. وقد كان سعيد يسخر من المسؤولين العرب الذين كانوا يقصدون الرئيس الأمريكي مباشرة من أجل التدخل أو حل هذه المشكلة أو تلك بينما هو لا حول ولا قوة له، لا يحل ولا يربط وذلك على عكس الوضع في العالم العربي حيث الزعيم هو الكل في الكل. بطبيعة الحال كان سعيد يقول للعرب الذين، برأيه، يجهلون المؤسساتية الأمريكية إنه لا دور للأشخاص في اتخاذ القرارات المصيرية أو تمرير هذا المشروع أو ذاك على اعتبار أن أمريكا دولة تقوم على المؤسسات ولا دور كبيراً للمسؤولين مهما علا شأنهم في حسم الأمور في الاتجاه الذي يريدونه. وبرأي سعيد الذي ضحك على ذقوننا كثيراً وكنا نصدقه دائماً أن كل الفعاليات ومنظمات المجتمع المدني تشارك في عملية صنع القرار في بلاد العسل والحليب. فللكنائس دور وكذلك للجامعات والهيئات الشعبية والنقابات والاتحادات. وكدنا نصدق أن الإدارة الأمريكية كسلطة تنفيذية مغلوبة على أمرها وأن السلطة التشريعية ممثلة بالكونغرس ومجلس الشيوخ والمجتمع المدني ممثلاً بالشارع الأمريكي هم أصحاب الرأي الأول والأخير في الحل والربط وتقرير مصير البلاد وأن البرلمان في بريطانيا هو صوت الشعب الذي لا يرد له طلب وأن الهيئات الشعبية والنقابات هي جزء أساسي في آلية تسيير البلاد وتوجيهها. هل هي كذلك حقاً؟
هل يستطيع إيدوارد سعيد أن يخبرنا من استشار الرئيس الأمريكي عندما قرر إلقاء القنبلة الذرية لأول مرة في التاريخ فوق هيروشيما وناغازاكي؟ لقد كان القرار فردياً بامتياز دون العودة حتى إلى المؤسسة العسكرية القريبة حسب الوثائق التاريخية. هل استشارت وكالة الاستخبارات الأمريكية الشعب الأمريكي ومؤسساته الدستورية عندما قررت ذبح حوالي مليون شيوعي في إندونيسيا بالتواطؤ مع الرئيس سوهارتو في منتصف القرن الماضي حسب وصف الكاتب الاسترالي الشهير جون بلجر؟ هل استشارت وكالة الاستخبارات الأمريكية سكان الولايات وممثليهم في الهيئات الشعبية والنقابية عندما دبرت عشرات الانقلابات في أنحاء متفرقة من العالم وذبحت الألوف لفرض عملائها وأزلامها على هذا البلد أو ذاك؟ وكيلا نذهب بعيداً فإن قرار غزو العراق الذي يدفع ثمنه الشعب الأمريكي الآن من دمه وأمواله اتخذه الرئيس بالتشاور مع حفنة من المسؤولين المحسوبين على تيار المحافظين الجدد الذين يمثلون أنفسهم فقط وبالطبع بعض رعاتهم أصحاب الشركات والمجمعات الصناعية الكبرى، ثم تركوا مهمة الضحك على الشعب الأمريكي وإقناعه بمشروع الغزو لوسائل الإعلام المملوكة لبضع عائلات وشركات.
لاحظوا نوعية الأشخاص الذين اتخذوا القرار، فهم لا يمثلون مؤسسات بل يمثلون تياراً ايديولوجياً له مصالحه الخاصة. إنهم من طينة معينة. بعبارة أخرى فلو لم يكن المحافظون الجدد بتوجهاتهم العدوانية في الحكم ربما لم يتم غزو العراق. باختصار فإن الأمر متعلق بالطبيعة الشخصية والعقدية والمصلحية لهؤلاء المسؤولين وليس بقرار مؤسساتي ناهيك أن يكون شعبياً. وقد قال المفكر العربي-الأمريكي الراحل هشام شرابي قبيل وفاته:"إن أمريكا لم تكن لتتصرف بهذا الشكل الفظيع مع العالم عموماً والعرب خصوصاً لولا وجود هذه الثلة من المسؤولين الذي يقودون الإدارة الأمريكية. بعبارة أخرى فإن العامل الشخصي والأيديولوجي لعب دوراً مهماً في توجهات الإدارة الحالية بعيداً عن المؤسساتية الحقيقية. وقد توقع شرابي أن تتغير السياسة الأمريكية برحيل بوش وأزلامه في البيت الأبيض والوزارات الحيوية والمعاهد التابعة لها مما يعني أن المسألة لا علاقة لها بالمؤسساتية أبداً فضلاً عن المجتمع المدني لا من قريب ولا من بعيد بل بطبيعة ومصالح الأشخاص الذين يديرون دفة القيادة.
ولا أدري إذا كان إيدوارد سعيد يدرك أن الكثير من القضايا كان يحلها بعض المسؤولين العرب مباشرة مع الرئيس الأمريكي على الطريقة العربية بشكل شخصي دون المرور عبر النواب أو الشيوخ. فلعبة الصفقات لا تميز بين ديمقراطية وديكتاتورية، فطالما حضرت المصالح بطلت المؤسساتية. ولا داعي للتذكير بأن مكالمة هاتفية من مسؤول أمريكي نافذ كانت تحل الكثير من المشاكل وتفتح الطرق المغلقة. ولا داعي أيضاً لذكر أسماء بعض السياسيين العرب الذين كانوا على علاقات وثيقة مع المسؤولين الأمريكيين وكانوا يستطيعون التأثير في مسار الأمور أكثر من دوائر انتخابية مجتمعة. وقد عرف أحد السفراء العرب بنية ورغبة الرئيس الأمريكي غزو العراق ربما قبل معظم نواب الكونغرس أو مجلس الشيوخ. ومن المعلوم أيضاً أن لعبة اللوبيينغ(جماعات الضغط) السائدة في بلاد اليانكي تقوم على العوامل والعلاقات والمصالح الشخصية بالدرجة الأولى والشاطر يربح. فاللوبي الإسرائيلي مثلاً الذي لا يمثل واحداً بالمائة من الأمريكيين يستطيع أن يمرر أخطر القرارات في الكونغرس بفعل تحكمه بالسلطة التشريعية وأعضائها. وكانت الإدارة الأمريكية قد عبرت عن موقفها الحقيقي من المجتمع المدني عندما انسحبت من مؤتمر ديربان ضاربة عرض الحائط برأي أكثر من ثلاثة آلاف جمعية أمريكية وعالمية طالبت بإدانة الصهيونية.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي يشتكي أعضاء البرلمان البريطاني بمرارة شديدة من اضمحلال شأن السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس العموم وانحسار تأثير المجتمع المدني الذي شلته الحقبة الثاتشرية واستفحال السلطة التنفيذية. وقد قال أحد أعضاء البرلمان بعد رحيل النائب المشاكس روبن كوك إن البرلمان خسر مدافعاً شرساً ومطالباً ملحاحاً بإعادة الهيبة للسلطة التشريعية. لقد ناضل كوك كثيراً في أيامه الأخيرة من أجل إعادة الحياة للبرلمان البريطاني بعدما بدأ يخسر الكثير من قوته وسيطرته لصالح السلطة التنفيذية التي تزداد تغولاً واستبداداً يوماً بعد يوم. والأمثلة كثيرة.
لقد اتخذ رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قرار المشاركة في غزو العراق دون العودة حتى إلى وزارة الخارجية البريطانية العريقة بمعرفتها بالمنطقة العربية مما جعلها تشعر بامتعاض شديد. ربما يقول البعض إنه استشار البرلمان. وأنا أسأل: كيف توافق المؤسسة التشريعية على الغزو بينما كان أربعة وثمانون بالمائة من الشعب البريطاني يرفضونه، ما هذه المؤسساتية؟ لا بل قد وصل الأمر ببلير إلى حد الاستعانة بتقارير مفبركة لتبرير غزوه للعراق. فاستعان في البداية بتقرير سخيف صادر عن أحد معاهد البحوث المشهورة بالفبركة حيث زودت بلير بتقرير مضحك يقول إن العراق قادر على تطوير رؤوس كيماوية خلال خمس وأربعين دقيقة تستطيع الوصول إلى لندن. والمضحك أن الأمر مر على الكثيرين. وعندما بدأت تنكشف حيل بلير قام بتزوير بحث دراسي لطالب عراقي فيه معلومات أكاديمية عن امتلاك نظام صدام حسين لقدرات نووية. هل يختلف قرار بوش وبلير بغزو العراق عن قرار صدام بغزو الكويت إلا في الشكليات؟ هل كانت مثل هذه الأمور الرهيبة لتتم لو كان هناك مؤسسات حقيقية تدير العملية السياسية؟ بالطبع لا. فقد كان الأمر بمجمله لعبة شللية تديرها ثلة محدودة من الأشخاص ذات توجهات معينة بعيداً عن رأي الشعب وممثليه ناهيك عن المؤسسات الدستورية.
وكم صدّع بعض الديمقراطيجيين العرب رؤوسنا بديمقراطية إسرائيل ونظامها المؤسساتي العظيم. لكن مع سقوط ارييل شارون طريح الفراش تبين أن الشخصانية السياسية تلعب دوراً قوياً للغاية حتى في الديمقراطيات المزعومة. فقد صُبغت السنوات الماضية في حياة السياسة الإسرائيلية بشخصية شارون العدوانية إلى حد أن الرجل المريض اختزل إسرائيل كلها في شخصه الرهيب. ولا شك أن رحيل شارون أو غيابه عن الساحة السياسية الإسرائيلية سيكون له أثر على العديد من القضايا السياسية الداخلية والخارجية. فليس صحيحاً أن الشعوب هي التي تصنع القائد للقيام بمهمة معينة في فترة تاريخية محددة كما كان يزعم كارل ماركس، بل إن الأشخاص هم الذين يضفون لمستهم الخاصة على الأحداث والتاريخ حتى في الدول المؤسساتية المفترضة.
إن فكرة المؤسساتية المزعومة التي ينسبونها عمـّال على بطـّال للنظام الديمقراطي الغربي تتناقض في جوهرها مع النظرة الرأسمالية الليبرالية ذاتها، فالفكر الديمقراطي الغربي يضفي على الفرد قدسية كبرى على اعتبار أنه أساس المجتمع إن لم يتقدم في أهميته على المجتمع نفسه. وبالتالي فإنه يحمل صفات المخلــّص العظيم كما صوره المفكر البريطاني الشهير توماس كارلايل. بعبارة أخرى فإن الشخصانية تلعب دوراً محورياً في السياسة الغربية، وقد امتزجت بعض الحقب السياسية في الغرب بشخصيات زعمائها إلى حد أنه بالإمكان الحديث عن الحقبة الريغانية في أمريكا والثاتشرية في بريطانيا والديغولية في فرنسا. وقد يقول قائل إن الرئيس في أمريكا تحديداً ليس أكثر من لعبة في أيدي الشركات الكبرى التي توجه السياسات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإعلامية حسب مصالحها. وهذا صحيح إلى حد كبير لكنه لا ينفي البعد الشخصي اللامؤسساتي في الحياة السياسية الأمريكية بل يؤكده. وللتذكير فإن هناك الآن محاولات لتجريم الرئيس بوش ومن ثم عزله بهدف محاكمته على سياساته الانفرادية بشأن العراق.
فمتى يصحو الديمقراطجيون العرب من غفوتهم ويتوقفون عن تعييرنا ليل نهار بالنظام المؤسساتي في الغرب الذي يتآكل يوماً بعد يوم بشهادة المفكرين الغربيين أنفسهم هذا إذا لم يكن أكذوبة من أساسه؟ كيف تقوم الديمقراطية الغربية على المؤسساتية إذا كان أصحاب المصالح الكبرى هم الحاكمون الفعليون؟ وكيلا يظن البعض أنني أبرر الحكم الفردي في العالم العربي أقول: معاذ الله، فعلى الأقل إذا انفرد بوش في القرار في أمريكا هناك من يطالب بمعاقبته وتنحيته. أما عندنا فيضاعف المستبدون من قراراتهم الانفرادية الجهنمية. لكن المؤسساتية المزعومة في الحالتين هي الضحية.