سمير أمين: الأميركيون يريدون لنا ديموقراطية بلا تقدم ووطنيّونا تقدماً بلا ديموقراطية

ابراهيم العريس     الحياة     - 23/01/06//

هو واحد من أبرز دارسي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم. برز على ساحة الفكر التنموي والاقتصادي منذ ما يقرب الآن من نصف قرن، حين بارح مصر في خضم نضاله الفكري والسياسي، ليقيم في الخارج، في فرنسا خصوصاً، ولكن بعد ذلك في انحاء عدة من العالم. ولا يزال حتى اليوم بكتبه الكثيرة (التي يكتب معظمها في الفرنسية) وبدراساته وتقاريره، ومسؤولياته في الندوات والمؤتمرات العالمية، واحداً من أبرز المدافعين عن حق المجتمعات في التطور. حين التقيناه في باريس قبل اسابيع كان منهمكاً في صوغ الدراسات والاطر التمهيدية للدورة الجديدة من مؤتمر دافوس، وهي دورة تتوزع على غير مدينة هذا العام كما نعرف.

د. سمير أمين، الذي تعرف اليه الفكر العربي من خلال بدء ترجمة كتبه الى العربية اواسط سبعينات القرن العشرين، كان في ذلك الحين من أبرز منتقدي المدارس الاقتصادية والفكرية الماركسية الرسمية. ومن أبرز المنادين بسلوك الدول النامية دروب تطور متكافئة، تحول بينها وبين الامعان في التخلف في السباق الاقتصادي والتنموي على الصعيد العالمي. يومها كان محل هجوم الماركسيات الرسمية وعدم ترحيب الفكر المدرسي، سواء أكان يسارياً أو يمينياً، لأنه اعتاد ان يقول ما يفكر فيه من دون تزويق. وما يفكر فيه نجده في هذه الصفحات، من خلال الحوار الذي أجرته الحياة معه، أو من خلال بعض نماذج فكره، القديم و الجديد. و الحياة اذ تبدأ بهذا المشروع الحواري الطويل والمتنوع الذي همه التساؤل حول الفكر العربي بصورة عامة، وموقف المفكرين العرب مما يحدث، ونظرتهم الى الآفاق التي تبدو مسدودة بعض الشيء او الى حد كبير بحسب نظرة الشخص ارتأت بدء المشروع بعرض تاريخي، ولو موجز، للظروف التي ادت الى انسداد تلك الآفاق، وبالتالي الى ايصال الفكر العربي، والمجتمع العربي من قبل، الى ما هما فيه.

ولما كانت، رؤية صاحب التطور اللامتكافئ رؤية من الداخل ومن الخارج في آن معاً، ولما كان صاحب هذه الرؤية مستمراً في مساره الفكري، البنّاء والنقدي في آن معاً، من دون فترات صمت طويلة، كان من المنطقي ان يكون من اوائل الذين سعت الحياة تبحث عندهم عن اجابات عن اسئلة مطروحة اليوم على الفكر العربي، او حتى عن مزيد من الاسئلة، كحلقة أولى في سلسلة حوارات مع أبرز المفكرين العرب تنشر على حلقات أسبوعية.

ود. سمير أمين، الذي ولد في مصر العام 1931، اجتذبته الحركة الطالبية التقدمية في مصر باكراً، منذ اندلاعها بعيد الحرب العالمية الثانية، واجتذبته اخبار نضالات شعوب الشرق الآسيوي في نهاية الاربعينات، وفاجأته، وهو شاب متحمس، حركة الضباط الاحرار في مصر في العام 1952... وهو حمل ذلك كله معه الى فرنسا حيث توجه في العام 1954 لدراسة الاقتصاد السياسي. لكنه بعد ان عاد الى مصر حاملاً الدكتوراه في العام 1957 وعمل في المؤسسة الاقتصادية الحكومية، وجد نفسه يبارح وطنه بعد اقل من ثلاث سنوات، ليتحول في باريس كاتباً بالفرنسية لدراسات اقتصادية، ثم خبيراً ومسؤولاً لبرامج تنموية قادته الى الكثير من البلدان الافريقية وغير الافريقية، في نشاط عملي، تحت ظل مؤسسات الامم المتحدة لا يزال متواصلاً حتى اليوم. اما بالنسبة الى الكتابة، فإنه اعتبرها دائماً جزءاً من النضال وبالتالي اداة لحوار متواصل. وقد اصدر د. سمير أمين خلال نصف قرن تقريباً كتباً عدة، ألف بعضها في العربية مباشرة، وبعضها في الفرنسية او الانكليزية وترجم الى العربية. ومن ابرز كتبه: التراكم على الصعيد العالمي و التطور اللامتكافئ و الطبقة والامة في التاريخ.

> سمير أمين، قلت في خاتمة واحد من اهم كتبك القديمة (التطور اللامتكافئ) ان الثورة التقنية الراهنة ستستبدل العمل المجزأ العديم الاختصاص وهو الشكل الاساسي للعمل منذ بداية نشوء الآلة بالعمل الآلي (الأتمتة). وسيسمح ذلك معاً بتوفير الوقت الممكن من دون عمل، وسيعطي للعمل اشكالاً عالية الاختصاص جديدة. ما هو رد فعل النظام الراهن تجاه هذا المنظور؟ انه لا يرى فيه فجر تحرر الانسانية، ولكن التهديد ببطالة اجتماعية، وبتهميش متزايد لجزء من الانسانية بالضبط: العالم الثالث في نظام لا يستوعب إلا الاقلية. وهذا هو المنحدر الطبيعي لحساب الريعية القائم على غاية وحيدة هي الربح، وللضياع الاقتصادي الذي لا يرى في البشر الا يداً عاملة. لكن الانسانية بتحريرها المجتمع من الايديولوجية التي يفرضها عليه نمط الانتاج الرأسمالي، تحرر ايضاً قواها المنتجة... ألا يبدو هذا الكلام اليوم وكأنه آت من كوكب آخر؟ أين نحن الآن من هذا كله، من قوى الانتاج من قضايا المجتمع؟ من بحثك القديم في العلاقة الكأداء وغير المتوازنة بين المركز والاطراف؟

- في اعتقادي ان هذا كله لا يزال صحيحاً وإن تبدلت الاسماء والاشكال، خصوصاً مسألة العلاقة بين المركز والاطراف، والتي اوليتها اهتمامي الخاص في معظم دراساتي الاولى، ولا ازال وإن بأشكال مختلفة. فهذا المفهوم لا يزال ساري المفعول كما كان شأنه في الماضي. والسبب بسيط وهو ان الاستقطاب الذي كان موجوداً، ولا يزال موجوداً على الصعيد العالمي، مرتبط بمنطق التراكم الرأسمالي نفسه وبجوهر كينونته. لقد كان هناك مركز وأطراف (أو ومحيط، سمها كما تشاء) خلال المرحلة الاولى من ظهور الرأسمالية قبل خمسة قرون من الآن، وسيظل هذا موجوداً في المستقبل طالما ان هناك رأسمالية وتراكماً رأسمالياً. لكن هذا ليس معناه ان شكل النظام ومضمون المركز ومحتوى الاحتكارات التي تقوم عليها امتيازات المراكز في ما يتعلق بعلاقاتها مع المحيط، وكذلك سمات المركز، لم تتغير ولا تتبدل على طول التاريخ. كل هذا في تبدل وتغير لأن الرأسمالية نفسها نظام دائم التغير... في تطور مستمر. والمهم بالنسبة الينا هو ان نلفت النظر الى ما هو جديد في سمات الرأسمالية... اذ لم تعد هي هي سمات الاستغلال البسيط القديم. طبيعة هذا كله تغيرت بتغيّر شكل الاستقطاب على الصعيد العالمي...

ما الجديد؟

> في أي مستوى من مستويات هذا التبدل ترانا نعيش الآن...

- اننا، ومنذ ما بين 20 و25 سنة، ندخل مرحلة جديدة... مرحلة لا أسميها مرحلة ما بعد الاستعمار، او ما بعد الرأسمالية. هي جديدة في اطار الرأسمالية وفي اطار الاستعمار... سمة محايثة للرأسمالية نفسها في توسعها على نطاق عالمي شديد الاتساع. السؤال هنا: ضمن هذا الاطار نفسه، ما هو الجديد؟ الجديد هو ما يمكن استخلاصه من الواقع الذي يقول لنا ان التناقض الاساس بين المركز المتقدم والاطراف المتخلفة، ظل ما بين ازدهار الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، ونهاية الحرب العالمية الثانية، متفاقماً قليل التبدل. ولكن منذ انتهت هذه الحرب قامت حركات تحرر وطني ونظم جديدة في مناطق عدة من الاطراف، ولا سيما في بعض اجزاء آسيا وأفريقيا. بالنسبة الى السمة الاساسية للنظام القديم، كانت المراكز تحتكر الصناعة... اما الاطراف فبالكاد كانت تعرف الصناعة... فقط الطبقات القائدة فيها، سياسياً واقتصادياً، وهي من فئات الملاّك العقاريين والزراعيين، كانت ترتبط بالمنظومة الرأسمالية الصناعية العالمية، وسط استشراء نظم كولونيالية في كل مكان. وتلك المرحلة انتهت بـ انتصار حركات التحرر الوطني، الذي كان من نتيجته ان دخلت بلدان اطراف عدة، مرحلة التصنيع، كاستمرار لدور الدولة ودور الطبقات القائدة الجديدة، من دون ان يعني هذا نشوء طبقة بورجوازية وطنية، مثلاً، تملك وسائل الانتاج وتسيطر عليها. هي طبقة سلطوية غالباً سيطرت على الوضع الاقتصادي من خلال سيطرتها على الدولة... وكانت غالباً ذات سمات عسكرية، او ترتبط بحزب وحيد حاكم كان هو الذي، في شكل او في آخر، انجز التحرر الوطني وصار انعكاساً لتاريخه فيه...

> ... يبدو لي ان هذه المرحلة التي تتحدث عنها لم تدم طويلاً... بمعنى انها تكاد اليوم تبدو منسية تماماً، وفي معظم مناطق الاطراف...

- بالضبط... هي مرحلة ابتدأت اواسط سنوات الخمسين من القرن العشرين، لتنتهي مع ازمة سنوات الثمانين. لكنها خلال ذلك حققت اموراً لا بأس بها، من البدء في دخول مرحلة التصنيع، في بلدان عدة، الى تعميم التعليم، وتشجيع الهجرة من الارياف الى المدن، وتحديث الادارة والدولة. ومن خلال هذا كله اتسم النظام بما يمكن ان نسميه تعبئة اجتماعية، انتقلت احياناً الى مستوى الفرز الطبقي. غير ان هذا كله سرعان ما تراجع، باختصار، اذ انتقلنا، على الصعيد العالمي الى مرحلة جديدة وأساليب متقدمة من سيطرة المركز على الاطراف. فالمركز لم يعد يمتلك، كلياً، احتكار الصناعة. اذ لو نظرنا الآن الى الصين او الهند، الى جنوب افريقيا او البرازيل، بل حتى الى مصر والجزائر، بين بلدان اخرى، سنجد انها بلدان دخلت، وإن بنسب متفاوتة عصر التصنيع. غير ان هذا لا يعني ان كل هذه البلدان في سبيلها الى اللحاق بالدول الكبيرة المتقدمة. بل انها لن تلحق بها ابداً، ذلك ان المراكز تمارس الآن احتكارات من نوع جديد: انها تسيطر على التكنولوجيا، ووسائل الاتصال والمعلوماتية، من ناحية، ثم تسيطر على توزيع الاموال على صعيد عالمي... وفي المقام الثالث نجدها تسيطر على الوصول الى الموارد والثروات الطبيعية على كوكب الارض، بما في ذلك البترول العربي، الذي هو بترول عربي فقط في باطن الارض، اما حين يستخرج فبترول غربي رأسمالي، مشترى سلفاً، في مقابل اموال يعاد توظيف معظمها في المصارف الغربية. وهناك اخيراً، وأهم من هذا كله، السيطرة على أدوات وأسلحة التدمير الشامل، سواء أكانت نووية او جرثومية او كيماوية. وفي يقيني ان الخطر الاكبر يكمن ها هنا، وليس في مصنع ايراني او قنبلة باكستانية! اذاً، من خلال التفرد بهذه الاحتكارات الخمسة، يمكننا ان نستنتج أن شكل العلاقة، بل جوهرها حتى، لا يزال غير متساوٍ. لقد اختلف عن الشكل السابق الذي كان يقوم على احتكار المراكز للصناعة... لكن الجوهر واحد. وهذا التبدل مهم جداً، اذ تصاحب هذا التغيير تغيرات اخرى في المجال الاجتماعي، والتنظيم السياسي وبالتالي في المجال الايديولوجي. وهناك، على سبيل المثال، تغلغل عميق لأنماط الاستهلاك والحياة الغربية، داخل البلدان الفقيرة. وفي هذا الاطار يبدو لي التبدل جوهرياً. ومن هنا اقول انني، في تحليلي السابق لمسألة العلاقة غير المتكافئة بين المركز والاطراف كنت انظر الى الامور في شكلها السابق، والآن انظر اليها في شكلها الجديد. وأحاول، طبعاً ان اجدد داخل هذا الاطار.

ماذا عن العالم العربي

> ... حسناً، اذا حاولنا ان ننتقل من هذه الصورة العامة والشاملة، الى الوضع العربي حيث نلاحظ مثلاً، انفصالاً تاماً بين المال والاقتصاد، وبين الواقع الاجتماعي والتطلعات التقدمية القديمة، وبين الانتاج والاستهلاك، نشعر أن الجمود لئلا نقول التراجع المريع الذي تعيشه المجتمعات العربية يتفاقم... فهلا تقول لنا أين تموضع المنطقة العربية ضمن اطار هذه الرؤية؟

- المنطقة العربية، في هذا الاطار، ليست سوى جزء من هذه الصورة عبر انتمائها الى الاطراف... تاريخ المنطقة العربية لا يختلف كثيراً عن تاريخ بقية المناطق مثل الهند او افريقيا، بالنسبة على الاقل الى مسألة العلاقة بالتطور الرأسمالي العام. ومع هذا لا بد من القول انه بما ان لكل منطقة سمات خاصة، من المؤكد ان للعالم العربي ايضاً سمات خاصة، مع العلم ان هذا العالم العربي، الذي كان بعض اجزائه شهد نهضة ما، بعيد الحرب العالمية الثانية، توقف تطوره ونموه الحقيقي خلال مرحلة تطور سابقة، من دون ان يصل الى أي مستوى عالٍ من التصنيع، وأسباب هذا مختلفة، من الضروري الاشارة دائماً الى الاساسي منها لأنها هي التي انتجت وضع الجمود والتخلف الراهن... ومنها بالطبع اسباب سياسية. فالحال اننا حين نقارن، مثلاً، بين بعض البلدان العربية التي كان يمكن اعتبارها الاكثر تصنيعاً، وربما ايضاً تقدماً على صعيد المسألة الاجتماعية (مصر عبدالناصر، الجزائر في عهد بومدين، العراق وسورية تحت حكم البعث) وهي بلدان كانت وبعضها لا يزال تحكم حكماً وطنياً شعبوياً ولكن من دون ان يكون الشعب فاعلاً حقاً -، حين نقارن بين هذه البلدان وبين تركيا او البرازيل او الهند، نجد ان البلدان العربية لم تصل ابداً الى مستوى هذه البلدان في مجال السيطرة على وسائل الانتاج والتصنيع... فما السبب؟ ان بعض القوميين العرب، يعزون هذا الى التفتت العربي، حيث ان البلدان العربية صغيرة الحجم بلداً بلداً، نسبياً، مقارنة بالهند او البرازيل... وهذا الكلام يبدو شكلياً صحيحاً الى حد ما. ولكن هنا، أفلا يحق لنا ان نتساءل: لماذا، اذاً، تفوقت قوى التفتيت القطرية على الآمال والقوى الوحدوية؟ حسناً... لن اجيب إلا بمثال واحد يقول لنا ان قوى التوحيد نفسها كانت دائماً قطرية... والمثال هو الوحدة التي قامت بين سورية ومصر في الخمسينات... ففي ذلك الحين، كانت القوى المسيطرة ناصرية من ناحية وقومية عربية (بعثية على الاغلب) من ناحية ثانية... ومع هذا شهدت الوحدة تناحراً منذ اليوم الاول. ان هناك من يقول دائماً (ولا سيما في اوساط الباحثين الغربيين) ان السبب في هذا كله انما هو الموروث الثقافي... وربما الديني. فهل هذا صحيح؟ صحيح اذا ادركنا فقط ان ما نسميه الموروث الديني، ليس في حرفيته الدين الاصلي، بل ما نعيشه هو دين تركي نما في القرون السابع والثامن وحتى العاشر. ومن هنا لا بد من القول ان معظم القوى الايديولوجية التي تزعم اليوم العودة الى اصول الدين لا تعود في الحقيقة الى هذه الاصول، بل الى الموروث المرتبط بمرحلة الانحطاط، خصوصاً ان هذا الشكل من الايديولوجيا، بعيد عن النظرة الصحيحة لوضعية المرأة والعائلة وما الى ذلك... بل هو يرتبط بما اسميه نظام المماليك. باختصار، اصحاب هذه الايديولوجيات وغيرهم لم يفهموا وهذا بالنسبة الي أمر جوهري ان التقدم لا يمكن ان يكون حقيقياً من دون ديموقراطية. معهم، سواء أكانوا في الحكم او في المعارضة، عجز نمط التحديث عن استيعاب ما هو ضروري وحديث حقاً. كذلك عجز عن ادراك ماهية التاريخ الحقيقي الاصلي للدين. علماً أن النخب الشعبوية لم تكن اصلاً دينية، بل نصف علمانية (لأن اياً منها لم يكن علمانياً حقاً). وأي منها لم يدرك ان الديموقراطية حاجة اساسية للتحديث. وكذلك لم يدركوا ان الديموقراطية ليست مسألة سياسة فقط، بل هي اساسية في العلاقات الاجتماعية، داخل مراكز السكن، واطارات العمل والمدارس والجامعات والعائلة والأسرة... ومن هنا، لهذه الاسباب سرعان ما تبخرت تجربة التحديث او هي دخلت في ازمة بعد مرحلة ازدهار وانجازات وطنية (لم تدم سوى عشر سنوات احياناً، او 15 سنة في احيان اخرى). فاذا قارنا بين فترة تحديث دامت بين 40 و50 سنة في تركيا او الصين، او حتى ايران التي عاشت تجربة مماثلة ولكن اكثر غنى قبل ان تدخل هي الاخرى ازمتها الخانقة... امام هيمنة العولمة، نفهم لماذا يعاني العالم العربي ما يعاني اليوم. ونفهم كيف استطاعت مجتمعاتنا ان تبتلع وتدمر، بسرعة وإن جزئياً مفاهيم التحديث بما في ذلك العلمانية الجزئية والديموقراطية والتعددية الفكرية وشتى اشكال الرؤى الاجتماعية ذات السمات التقدمية. وهنا اذ أتحدث عن العلمانية، لا بد من الاشارة، ازالة لكل التباس، الى ان العلمانية تعني بالنسبة الي، وحتى بالنسبة الى الانظمة الشعبوية التي ادعتها، وضع المفاهيم الدينية في قالب ايماني... وفصل الدين عن الالعاب السياسية، من دون ادنى حديث عن الغائه من حياة الفرد او الجماعة. المهم ان التقدم الصناعي ثم السياسي، جاء من دون تطوير اجتماعي، ليعبر سريعاً، ما ادى الى الاوضاع التي نحن فيها الآن... وهي اوضاع تسيطر عليها سلطات فقدت حتى الطابع الوطني الشعبوي الذي كان لها. اما البديل المطروح فأيديولوجيا اسلاموية سلطوية، لا تتصور أي امكان جدي ومنطقي للانفصال عن العولمة الرأسمالية السائدة، بل اقول ان هذه العولمة ترحب بهذا البديل...

العولمة والمتطرفون

> لماذا...؟

- لأن العولمة لن يضيرها من يحمل زجاجة الكوكاكولا بيد، وبيرق الدين وشعاراته بيد اخرى... وهذه هي في رأيي حدود البديل المطروح الآن محل نظم سلطوية لم تعد لا وطنية ولا شعبوية... بل انها هي نفسها لا تفتأ تقترب من التيارات الاصولية المتطرفة وتتحالف معها. وفي المقابل، اذا دنونا من مسألة اقتصاديات البترول الشائكة، نلاحظ ان هذا البترول كله يذهب الى الغرب والى العالم الصناعي، في مقابل كميات ضخمة من اموال ليس لها أي اثر حقيقي في قرارات النظام الرأسمالي العالمي... انه الفصل التام بين الكتلة النقدية والاقتصاد، والسياسة بالتالي... انه مال من دون تحديث... واستهلاك من دون ديموقراطية...

> في هذه الصورة الاجمالية التي ترسمها بهذا الاختصار، وفي ظل غياب الاحزاب الجماهيرية الحقيقية الفاعلة، وتخلف دور الجامعة وتخبط اجهزة الاعلام والاستقطاب والفرز المتزايدين... هل هناك دور يمكن المثقف او المفكر ان يلعبه؟

- المصيبة الكبرى، هي انه في وجه هذا المأزق الكبير الذي يعيشه العالم العربي، وربما ايضاً نتيجة لهذا المأزق... يبدو الجسم الثقافي العربي ساكتاً تماماً، ان لم يكن متواطئاً. خلال المرحلة السابقة ارتبط المثقفون، في شكل عام، بالمشروع الوطني الشعبوي... سواء أكانوا متعاونين معه، او حتى خصوماً له. فهم، سواء أكانوا يساريين او ليبيراليين او قوميين، حددوا افكارهم واختياراتهم، انطلاقاً من موقفهم تجاهه. بعضهم حقق ما يشاء من مكاسب، وبعضهم تلقى ما سُدد له من ضربات... لكن في الحالين لم يسكتوا. اليوم نلاحظ ان المثقفين، في مواجهة الازمة، اما انهم صامتون تماماً، وإما انهم انتهازيون موزعون بين محققين للمكاسب المالية نزلاء فنادق النجوم الخمسة المشاركين في الندوات والاحتفالات، وبين مختارين لمهادنة او معاونة النظم القائمة... خوفاً من البديل المقلق (في العراق مثلاً يتحالف الشيوعيون مع الاميركيين، وفي سورية يتحالفون مع البعث الحاكم... وفي لبنان ينتقلون الى صفوف ليبيرالية متأمركة). وهناك الذين يرون الحل في الالتحاق بالحركات الاصولية...

> تحاورت امس مع قومي عربي قال لي انه الآن متحالف مع الاصوليين، على رغم عدائه لأفكارهم... أملاً كما قال في ان يحققوا انتصاراً على الامبريالية، ومن ثم نضربهم ونتخلص منهم...

- (يضحك)... حسناً... شيء مثل هذا كان يقوله لي مناضلون يساريون ايرانيون قبل اطاحة الشاه، واستيلاء الإمام الخميني على السلطة... كانت تكتيكاتهم تقوم على التحالف مع الثورة الاسلامية ثم التخلص منها. ونعرف انهم كانوا اول ضحايا ذلك التحالف. هم لم يفهموا ولا يريدون ان يفهموا ان اميركا هي الحليف الطبيعي وعلى رغم كل المظاهر لهؤلاء. لينظروا مثلاً صوب فلسطين، حيث نجحت اسرائيل في أمر غاية في الاهمية: ضربت المقاومة الوطنية ذات النزعات العلمانية، مشجعة بدايات الحركات الدينية الاصولية هناك. بالنسبة الى السلطة الاسرائيلية كان يجب ضرب المقاومة الوطنية لمصلحة تطرف ديني يبرر وجود الصهيونية.

عمل طويل الأمد

> حسناً... ازاء هذا التشخيص كله، أعود الى سؤالي: ما الذي يمكن المثقف الواعي ان يفعله في خضم هذا الوضع كله؟

- عليه مسؤولية تاريخية بالتأكيد... وحتى لو كانت الظروف لا تسمح له بأن يكون ذا تأثير فوري في الاحداث، او قدرة على تبديل مجراها... او على التأثير في الحركات السياسية او الجماهيرية. مسؤوليته هي ان يهيئ للتغييرات المقبلة من خلال اشتغاله على الافكار ونقدها. فنحن الآن في حاجة ماسة الى ان نركز على المرحلة المقبلة... المرحلة التي قد يمكن خلالها الاشتغال على مفاهيم التحرر، وليس بالضرورة بالمعنى السياسي وحده... فهناك ايضاً، وخصوصاً، التحرر من الاضطهاد في اشكاله كافة، سياسياً كان او اجتماعياً ولا سيما بالنسبة الى المثقف داخل اطار العلاقات العائلية والاجتماعية. ففي المستقبل، لن يعود ثمة وجود لأي نمط لسلطة شعبوية وطنية... لأن الوعي وصل الآن الى ضرورة ان يكون ثمة تقدم اجتماعي يسير بالتوازي مع التقدم السياسي. اليوم، مع الهجمة الاعلامية وعولمة الافكار، لم يعد ممكناً وجود تقدم اجتماعي يسير ويتحقق من دون ديموقراطية. كذلك، فإن الديموقراطية من دون تقدم اجتماعي مرفوضة. وأقول هذا وأنا افكر بالديموقراطية التي يسعى الاميركيون الى فرضها علينا: ديموقراطية شكلية من دون أي خلفيات اجتماعية. ديموقراطية تقوم فقط على حرية قبول قواعد الرأسمالية الغربية. وفي يقيني ان اتباع هذه الطريق لن يؤدي الا الى انهيار اجتماعي شامل، خصوصاً ان الشعوب العربية تتساءل: ما نفع هذا النوع من الديموقراطية اصلاً... والحال ان ما تسعى اليه اميركا هو ديموقراطية سياسية من دون تقدم اجتماعي. اما ما كان ينجزه النوع الذي تحدثنا عنه من النظم الوطنية الشعبوية فتقدم اجتماعي من دون ديموقراطية. الترياق الحقيقي يكمن في الربط بين النزعتين: نزعة الديموقراطية ونزعة التقدم الاجتماعي...

 

> ولكن... من هو الطرف الذي يقوم بمثل هذا الربط؟ هل انت متفائل في هذا الصدد؟ هل لديك مشروع؟

- اجل... لدي مشروع لكنه طويل الامد... ذلك أنني اعتقد ان الشغل الاساس هو شغل على مستوى الافكار... فالأفكار الموجودة حالياً غير مقبولة. سكوت المثقفين كارثة، والتحالف مع المتطرفين مرفوض... والتعاون مع السلطات القمعية لن يؤدي الى مكان. اما الحل الوحيد فهو الصراع من اجل ديموقراطية مستقلة عن النمط الاميركي... ديموقراطية مرتبطة بالمصالح الحيوية للطبقات الاجتماعية، كما يمثلها مجتمع مدني حقيقي، في اطار علماني غير ملحد يلغي استغلال الدين وأي ايديولوجية.