المعارضة السورية
وقضية فلسطين
ميشيل
كيلو
تساءل
حنين نمر،
النائب في
“مجلس الشعب”
السوري عن
الحزب الشيوعي
السوري، الذي
يقوده يوسف
فيصل، عن “ماهية
البرامج
السياسية
لأحزاب
المعارضة السورية،
وعن سياسات
تلك الأحزاب،
وعن غياب موقف
واضح في
خطابها من
القضية
الفلسطينية
واحتلال
العراق”، وأكد
أنك “لا تعرف
سياستهم تجاه
العولمة
والطبقية
والنظام
الاقتصادي
والاجتماعي”،
وأخذ على “بعض
أحزاب
المعارضة
وغيرها من التجمعات
إغفال البعد
الوطني
والقومي وحتى
الاجتماعي”،
وقال: “يريدون
ديمقراطية
معلقة في الفراغ
من دون أي
مضامين،
بالإضافة إلى
أنهم لا
يحددون بوضوح
موقفهم من
مشروع
السيطرة الامريكية
الزاحف إلى
العالم
والمنطقة
بشكل خاص، بعد
انهيار
الاتحاد
السوفييتي،
ومن ثم أحداث 11
سبتمبر/ أيلول
وتداعياتها”.
قبل أن يختم: “لا
شك في أن
الديمقراطية
حاجة موضوعية
لشعوبنا، لكن
يجب ألا تكون
جزءا من
المشروع الامريكي
ولا إحدى
أدواته،
لأنها في
الواقع نقيض
له”.
ثمة
ملاحظتان على
تصريحات حنين
نمر تفرضان
نفسيهما:
يتحدث عن
المعارضة
وكأنها جسم
واحد ورأي واحد،
بينما
المعارضة
تيارات
واتجاهات
وأحزاب وقوى،
وكذلك
قراءاتها واجتهاداتها،
التي تختلف
باختلاف
فصائلها
وأحزابها وأهدافها
ووسائلها،
واختلاف
معارضة
الداخل عن بعض
جماعات
الخارج، التي
ربما كان
النائب يقصدها
بالقسم
الأكبر من
حديثه، لكنه
لم يخصص ولم
يحصر كلامه
بها، ليرضي
أوساطا في
السلطة تتحدث
مثله عن
المعارضة
بإطلاق،
وتكره، مثله،
أية معارضة،
خاصة
الديمقراطية
منها.
انها
تتضمن
مغالطات
كثيرة كقول
النائب: “إن
أحزاب المعارضة
ليس لها موقف
واضح من
القضية الفلسطينية
واحتلال
العراق... وانها
تغفل البعد
الوطني
والقومي وحتى
الاجتماعي للديمقراطية”.
يعرف المواطن
السوري
العادي ما
يبدو أن
النائب
يجهله، وهو
أن المعارضة
الداخلية
كانت قد
اختلفت مع
النظام عام 1973
بسبب القرار
،242 وقالت إن
قبوله لن يعيد
بحد ذاته
الأرض المحتلة،
التي يرتبط
تحريرها
بميزان قوى
ملائم يجب إعطاء
الأولوية
لبنائه وطنيا
وقوميا في مواجهة
امريكا
و”إسرائيل”، القوتان
اللتان لن
تعيدا الأرض
السورية
والعربية حبا
بالسلام، بل
خوفا من
انتزاعها منهما
بوسائل أخرى
أهمها القوة.
ويعرف
المواطن وكان
من المفترض أن
يعرف النائب
أن موقف قوى
إعلان دمشق
يتسم بدرجة قصوى من
الوضوح
والتحديد
تجاه مشروع
الهيمنة الزاحف
على العالم
وليس إلى
العالم، كما
يقول تصريح
النائب
الفصيح، وان موقفهما
ليس جديدا، بل
يرجع في حالة
“التجمع
الوطني الديمقراطي”
إلى نيف
وثلاثين عاما.
لذلك، ليس من
الضروري أن
تتحدث
المعارضة عن
موقفها من امريكا
بمناسبة وبلا
مناسبة،
إرضاء لسعادة
النائب أو
لغيره، وأن
تضع نفسها تحت
اختبار وطني،
كلما خطر لأحد
من الذين
ضيعوا
الجولان
وتعايشوا مع
احتلاله طيلة
نيف وأربعين
عاما إخضاعها لفحص
وطني، علما
بأن هؤلاء لم
يتركوا خلال
هذه الفترة
الطويلة جدا
طريقة من طرق
التعامل والتعاون
مع امريكا
و”إسرائيل”
إلا جربوها
والتزموا
بها، ولم يخصوا
القضية
الوطنية
باهتمام
يعادل واحدا
من ألف من
اهتمامهم
بكراسيهم،
التي عملوا
للحفاظ عليها
بأي ثمن
وبمعونة أية
جهة، مهما كانت
أجنبية
ومعادية!
سأقفز عما في تصريح
النائب من
تهافت، كقوله:
“إن الديمقراطية
يجب ألا تكون
جزءا من
المشروع الامريكي
ولا إحدى
أدواته،
لأنها في
الواقع نقيض
له”، وهو قول
يبطل قسمه
الثاني ما في
قسمه الأول: إذا
كانت
الديمقراطية
نقيض المشروع الامريكي،
كما يقرر
سعادته، فكيف
تكون جزءا منه
أو أداة من
أدواته، كما
يقول سعادته
أيضا؟ سأقفز
كذلك عن
الحديث عن
موقف
المعارضة من
“الطبقية”،
لأن أحدا لا
يعرف معنى هذا
المصطلح، بما
في ذلك
سعادته. لكنني
سأتوقف عند
حديثه حول
فلسطين، التي
لم تعد لها
وظيفة أخرى
بالنسبة
لنظامه
وأمثاله غير
أن تكون أداة
للابتزاز
السياسي
الرخيص.
كلما قال
مواطن سوري:
“أريد أن أكون
حرا وأن أجد
عملا يحفظ
كرامتي
ويقيني غائلة
الجوع”، يصرخ
لسان الرسمية
السائدة: ألا
تخجل من
المطالبة
بهذه الأشياء
التافهة
بينما فلسطين
محتلة! وإذا
طالب السوري
بحق ما، بما
في ذلك الحق
في الحياة،
شهر أهل
السلطة سيف
فلسطين في
وجهه. وإذا
استمع المرء
إلى خطاب أي
رسمي سوري،
فسيجد أنه
يبدأ بفلسطين
وينتهي بها،
حتى ليعتقد
المستمع أن
الجماعة
يكرسون
أنفسهم
لفلسطين في
الليل والنهار،
وان جيشهم لم
يتوقف خلال
السنوات الخمسين
الماضية عن
القتال من أجل
تحريرها، وأنه
بلغ مشارف تل
أبيب، إن لم
يكن قد دخلها
بالفعل.
يفعل هؤلاء
هذا، رغم أن
الواقع يكذب
ما يقولونه
جملة
وتفصيلا، كما
تكذبه
اتفاقية فصل القوات
لعام ،1974 التي
خفضت عدد
وعديد الجيش
السوري في الجولان
إلى درجة تجعل
مجرد التفكير
باستعادة شبر
واحد منه
بالقوة ضربا
من
الاستحالة، والدفاع
عن دمشق أمرا
فوق طاقة
نظامها. وتكذبه
أخيرا مواقف
التحريريين
من منظمة
التحرير، التي
لم تكن مختلفة
في أي يوم عن
مواقف الدول العربية
الأخرى، بل
كانت أشد سوءا
منها، بما أنها
قامت على
منازعة
الفلسطينيين
حقهم في تقرير
شؤونهم، باسم
تحرير فلسطين.
بالمناسبة،
لن أسأل
النائب عما
فعله النظام
في سبيل
فلسطين خلال
قرابة نصف قرن
لم يتوقف
خلاله عن
الحديث عنها،
أو يقلع عن
استخدامها في صراعاته
من أجل
السلطة، وصراعاته
العربية
الكثيرة،
لكنه نسي
تحريرها هدفه
المعلن قبل
أخذ السلطة
منذ نزلت به
هزيمة يونيو/
حزيران وسقط
الجولان السوري
بيد العدو،
قبل نيف
وثمانية
وثلاثين عاما
فقط بالتمام
والكمال.
يتحدث النائب
عن فلسطين كمن
لا يهمه شيء
غيرها، ويوجه
حديثه إلى
المعارضة،
متناسيا أن
سجل النظام
فيها هو المشكلة،
وأن سياساته
تجاه منظمة
التحرير، ممثل
فلسطين
الشرعي،
أرهقتها
وأضعفتها،
لأن هدفه
الاستراتيجي
لم يكن
مساعدتها بل
انتزاع أوراقها
منها
واستخدامها
لأغراض تتصل
بمصالحه
الخاصة،
المغايرة
تماما
لمصالحها. هل
من الضروري
التذكير في
هذا الصدد بأن
حدود سوريا الفلسطينية
أغلقت بإحكام
منذ عام 1967 وحتى
اللحظة، وأن
المعونات
التي قدمها
النظام
لفلسطين لم
تقارب يوما
معونات
السعودية أو
الكويت، وأن
دوره في
نضالها كان
دوما أقل من
أي دور عربي
آخر، بينما
كان دور
المنظمات
الفلسطينية التابعة
له الدور
الأكثر
هامشية في
النضال الوطني
الفلسطيني،
بالمقارنة مع
أدوار المنظمات
الأخرى،
وخاصة منها
“فتح”؟
كلما عطس
مواطن يسأله
أهل الكلام:
وقضية
فلسطين،
لماذا نسيت
قضية فلسطين؟
كأن هؤلاء
كرسوا أنفسهم
لها، وأحجموا
عن استخدامها
حتى ضد من
قاتلوا وضحوا
في سبيل
حريتها من
أبناء شعبها،
الذي خضعوا
دوما
لمزايدات تحريرية
لا حصر لها،
واتهموا
بخيانتها،
مثلما اتهم
عبد الناصر
ذات يوم على لسان
فاروق الشرع ، دون أن
يؤرق “الكلامانجية”
يوما أن
حدودهم مع
العدو كانت
دوما الأكثر هدوءا
بين الحدود
العربية،
بفضل مزايدات
“حرب التحرير
الشعبية” أول
الأمر، ثم
“التوازن الاستراتيجي”
بعد فشل حرب
عام 1973 و”السلام
كخيار استراتيجي”
منذ ذلك الوقت
وحتى اليوم!
يأخذ النائب
على المعارضة
أنها لم تتحدث
في برنامج
موجه أصلا إلى
الداخل
السوري عن
فلسطين
والعولمة
والطبقية
والعراق، فهل
هناك شيء أشد
سوءا، من
الناحية
الوطنية
والقومية، من جعل
فلسطين ورقة
ضد الداخل
السوري
والعربي، تستعمل
في قمع الأول،
والمزايدة
على الثاني بحجة
أنها قضية
مركزية، مع
أنها لم تكن
يوما مركزية
بالنسبة إلى
هؤلاء، الذين
استعملوها دوما
لغايات لا صلة
لها بفلسطين
وبالنضال من
أجلها.
أود أن أروي،
في النهاية،
قصة للسيد
النائب، عله
يتعلم شيئا:
عندما احتل
الفرنسيون
منطقتي الألزاس
واللورين
الألمانيتين،
جمع رئيس
أركان
بروسيا،
الجنرال فون
مولتكة،
ضباطه وكلفهم
بوضع خطة
لتحريرها، ثم
قال لهم:
سنفكر فيها
دائما،
وسنفعل كل ما
ضروري من أجل
استعادتها،
لكننا لن
نتحدث عنها
أبدا. يتبع
المزايدون
كسعادته
قاعدة معاكسة.
إنهم
يحجمون عن فعل
أي شيء من أجل
فلسطين،
ويمنعون أي
نوع من أنواع
النضال في
سبيلها من
الأرض
السورية،
لكنهم لا
يتوقفون لحظة
واحدة عن
الكلام عنها،
وابتزاز
الآخرين
باسمها. ثم
إنهم لا
يستحون.
أيها
المزايدون المفضوحون:
أما شبعتم
تجارة
بفلسطين؟