مبدأ الشرع !

ميشيل كيلو

أعلن فاروق الشرع ، وزير الخارجية السوري ، من القاهرة ، مبدأ سياسيا جديدا بالنسبة إلى الديبلوماسية العربية الحديثة ، يمكن تسميته " مبدأ الشرع "، يعين حدود سيادة لبنان ويربطها بالنظام السوري ، ويرى أن لبنان الحر والمستقل سيكون بالضرورة ممرا ومقرا للمؤامرات على سوريا ، وأن هذا ممنوع .
يشبه "مبدأ الشرع " مبدأ بريجنييف في حينه ، الذي أعلن أن للدول الاشتراكية سيادة محدودة تجاه الاتحاد السوفييتي ، وأنها لا تستطيع التصرف على هواها ، وأن عليها إعطاء أولوية لمصالحة وأمنه في أي تدبير أو إجراء تتخذه . قال المبدأ كذلك بحق السوفييت في وضع يدهم على أوضاع الدول الاشتراكية الداخلية ، وشرعن تدخلهم العسكري ضدها بعد أحداث عام 1968 ، التي قمع الجيش الأحمر خلالها حركة شعبية ديموقراطية أرادت تجديد – أي تغيير - النظام الستاليني .
قلت إن " مبدأ الشرع " يشبه مبدأ بريجنييف . أما السبب ، فيكمن في أنه يرى ، مثله ، أن على لبنان رسم سياساته في ضوء مصالح وأمن سوريا ، ويلزمه بالتنسيق معها في كل كبيرة وصغيرة ، لأن الوضع اللبناني يدول بمجرد أن تستقل بيروت عن دمشق ، ولأن تدويل أوضاعه يعطيها حق التدخل لرد الأمور إلى نصابها ومنعه من أن يتحول إلى ممر ومقر للتآمر عليها ، كما قال الشرع خلال مؤتمر صحفي في القاهرة ، ألقى خلاله أضواء على خلفيات الأحداث التي يعيشها البلد الشقيق ، وفسر جوانب من سلوك النظام السوري هناك ، وبرر ما يبدو غير قابل للفهم إلا بمعايير سورية ، كالتصعيد السوري المستمر تجاه لبنان ، وإصرار دمشق على اتهامه بالتآمر عليها ، رغم أن حكومته لم تفعل ما يشير إلى قيامها بدور كهذا ، ورغم أنها قبلت توسيع الوجود الفلسطيني المسلح في أراضيها ، وسمحت بامتداده إلى جنوب بيروت ، وتعهدت أن لا تستعمل القوة ضده ، وتعاونت مع حزب الله وأعلنت التزامها بأمنه باعتباره "المقاومة" ، ورفضت نزع سلاحه وقالت بتنظيم وجوده وطنيا بالتوافق بين اللبنانيين ودون تدخل خارجي ، وأخيرا ، رغم أن رئيس حكومته نال مديح الصحف والسلطات السورية على دوره القومي ، قبل أن يحوله بشار الأسد في حركة مفاجئة إلى " عبد مأمور لعبد مأمور" .
ماذا يعني " مبدأ الشرع " وإلى أين يمكن أن يقود تطبيقه البلدين ؟.
1- يكمن أول معاني المبدأ في أمرين يخصان سوريا هما : رغبة نظامها في التعامل مع لبنان انطلاقا من رؤية تجعله هو مركزا وتجعل لبنان هامشا أو طرفا ، على أن يقرر المركز وينصاع الطرف لقراراته ، وإلا ... . وتصميم نظامها على التمسك بنمط سوفييتي في التعامل الدولي مع دول الجوار ، تمسكا بحال سابقة جعلت منه محور المنطقة المشرقية الرئيس ، الذي أخرج العراق من السياسات العربية طيلة فترة ليست بالقصيرة – عبر دعم إيران في حربها ضده أو حربه ضدها لا فرق- ، ووضع يده عسكريا وسياسيا على لبنان ، وعمل بدأب لانتزاع قرار فلسطين من يد منظمة التحرير، التي أراد ضبطها ضمن سياقاته ومصالحه السياسية الخاصة ، وأجبر الأردن على مراعاة هيمنته وسيطرته على المشرق العربي ، والسعودية على قبول تقاسم وظيفي معه دورها فيه تقديم التمويل والموارد ، ودوره ممارسة السيطرة وتهدئة البلدان المجاورة وتخويفها ، فضلا عن ضبط داخله بعد سلسلة مأساوية من عمليات السحق الموسع طالت فئات واسعة جدا من المجتمع السوري . لبنان هامش وطرف وعليه أن يحترم موقعه هذا ويلتزم به حتى بعد خروج جيشه من أراضيه ، فإن نسي هذا كان هناك ألف وسيلة لتذكيره به ، بعضها كلامي وبعضها الآخر عملياتي / ميداني .
2- أنه يحق للنظام السوري وحده تقرير ما إذا كان لبنان مستقلا أم تابعا لدول أجنبية . وبما أن النظام قرر أن لبنان لا يستطيع أن يكون مستقلا ، فإن قراره يعنى أنه لا يستطيع أن يكون غير مقر أو ممر للمؤامرات على دمشق ، التي لا يجوز أن يلومها أحد على قيامها ب"واجبها القومي " تجاهه ، ولا يحق لها الوقوف مكتوفة اليدين وهي تراه ينزلق إلى ما دون الوضع الذي أقامته فيه خلال وجود جيشها على أراضيه ، وعليها العمل لتحريره من التبعية للخارج ، الخطيرة جدا عليها والموجهة أصلا ضدها ، التي تستهدف دورها ووجودها باعتبارها آخر معاقل الصمود في وجه أميركا وإسرائيل . في دعاية السورية ، لبنان ساحة الصراع ، لكنه ليس هدفه ، ما دام هدف النظام إنقاذ أشقائه والدفاع عن نفسه. وإذا نزل بهم ضررا ما خلال العمليات ، فذلك راجع حتما إلى حقيقة أن بلدهم صار قاعدة أجنبية يجب القضاء عليها ، وللحرية كما يعلم الجميع ثمن ، قد يكون بعض من يدفعونه أبرياء ، لكن هؤلاء يسقطون في جميع الأحوال بصفتهم ضحايا الخارج ، حتى إن قضوا على يد الشقيق . إذا كان صحيحا أن لبنان صار بعد خروج النظام السوري منه بلدا غير مستقل ، مقرا للمؤامرات وممرا لها ، فهذا يعني أن حكامه لا يستطيعون أن يكونوا غير عملاء للأجنبي ، لسوريا الحق في حماية نفسها منهم بمختلف السبل والوسائل !.
3- يترك مبدأ الشرع أمام اللبنانيين أحد بديلين : عودة سوريا إلى بلدهم ، أو التعرض لتصعيد متنوع ومتواصل ، يجوز فيه استخدام كل شيء من أجل تحقيق الهدف : حماية سوريا منه ، وهذا يتم إما بعودة قواتها إليه ، أو بإيصاله إلى وضع يقبل فيه أن تكون سيادته محدودة تجاهها ، ويعترف بحقها في رسم سياساته وتحديد مصالحة والإشراف عليه .
هذا هو " مبدأ الشرع ". لا تتوقعوا انفراجا أو تحسنا في علاقات سوريا بلبنان ، إذا لم يبذل العرب جهودا خارقة تقوم بها السعودية ومصر والجزائر والمغرب واليمن ... الخ ، تستهدف تغيير "مبدأ الشرع " والعقلية التي يرى لبنان بواسطتها . بغير ذلك ، لن يكون هذا المبدأ الشرع آخر التصعيد ، ولن تكون الأحداث المتفرقة والمؤلمة ، التي يعيشها اللبنانيون ، آخر أحداث يعيشونها .