عندما يدفع رياض الدرار ثمن وعيه!

فايز سارة

 

كثيرون لم يكونوا يعرفون من هو رياض حمود الدرار. وهو امر طبيعي لرجل مثله، لم يكن يسعى نحو دائرة الضوء، وكان في هذا مثل كثير من المثقفين والنشطاء السوريين الذين دفعتهم الحياة للخروج من دائرة الحصار، ومغادرة تراخيهم بحثاً عن دور في استعادة مجتمعهم ونهوضه نحو المستقبل، وتغيير صورة سوريا والسوريين، التي كادت تصبح نموذجاً للتردي والتدهور في الواقع العربي من خلال مايقال عنها وما تعانيه من مشاكل وهموم لاحصر لها.
ووسط الحراك الثقافي والاجتماعي السوري الناشط منذ سنوات، كان رياض الدرار في جملة نشطاء ظهروا في مدينة دير الزور عاصمة الشرق السوري، التي طالما كانت مدينة مهملة ومنسية على حواف الصحراء، ثم مالبث استاذ اللغة العربية في ثانويات دير الزور القادم من خلفية فكرية، دمجت بين العروبة السمحة والاسلام المتنور، ان أخذ يتميز بنشاطاته وعلاقاته في اشاعة اجواء جديدة في روح العمل العام في المدينة، وامتداداً الى محيطها، وهو الرجل الذي مارس الى جانب التدريس في التعليم الرسمي الخطابة في مساجد دير الزور مساهماً في الترويج للتسامح والتنوير والمسؤولية في الحياة العامة، وفي التصدي للمنهج التكفيري، وللدعوات الصوفية التي تدفع المسلمين إلى السلبية في التعاطي مع قضايا عصرهم, ناهيك عن الدور الذي لعبه كمحكم في دعاوى الاحوال الشخصية التي انتدبته اليه المحكمة الشرعية ديرالزور ووقوفه إلى جانب الاسرة في المقام الاول والى جانب حق المرأة الكامل، اذا فشلت محاولة التوفيق بين الطرفين. وهذا يسقط تلقائيا تلك التهمة المجانية، التي الصقها به جهاز الأمن الذي اعتقله: الاصولية والطائفية والتعصب.
وكان ذلك في سياق سيرة رجل مثقف وصاحب اجتهاد في الفكر الإسلامي يجمع بين العروبة والإسلام في تفاعل وتكامل بناء، يؤمن بالديمقراطية، ويؤكد عدم تناقض العلمانية مع الإسلام، وواقفاً بصلابة ضد دعوات التكفير والخرافة التي تستبطنها بعض الجماعات الصوفية، اضافة الى اهتمامه بقضايا وطنه وأمته، مما جعله داعية تغيير عام على قاعدة التغيير السلمي الوطني والديمقراطي.
وقد اهلته تلك المزايا المترافقه مع تواضعه واخلاصه، لان يلعب دوراً بارزاً في اطار نشاطات المجتمع المدني في مستوى دير الزور وفي المستوى السوري، فكان المنظم الرئيس للاجتماع الوطني الذي انعقد في دير الزور في 20ايار 2005، وضم مئتين من نشطاء الطيف الوطني الديمقراطي، اجتمعوا لمناقشة مستقبل بلدهم والتفكير في المخارج الممكنة من المأزق الذي أوقعه النظام فيه، وكان احد النشطاء الاساسيين في لجان احياء المجتمع المدني، واحد المؤثرين في تنظيم نشاطاتها.
وبطبيعة الحال، فان نشاطات رياض الدرار، جعلته في قائمة الذين تستهدفهم الاجهزة الامنية بانتظار الفرصة السانحة، وقد جاءت الفرصة مع مشاركته في التعزية باغتيال الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي عالم الدين المتنور والشخصية السورية الكردية المعروفة، ولان رياض احب ان يكسر محاولة تجديد المعازل بين العرب والاكراد، التي جاءت في اعقاب احداث القامشلي في العام 2004، فقد القى كلمة لجان احياء المجتمع المدني بدير الزور في العزاء مضمنها الدعوة الى التآخي بين السوريين من عرب واكراد وآشوريين وارمن وغيرهم في اطار وحدة ترسم مستقبل سوريا الديمقراطي القائم على الحريات والتعددية ومشاركة الجميع في بناء حياتهم ووطنهم، وكان ثمن تلك الدعوة قيام الاجهزة الامنية باعتقاله في اليوم التالي لكلمته، واحالته امام محكمة امن الدولة العليا بتهم ملفقة.
ان "التهمة" الصحيحة، التي يمكن ان يحاكم عليها رياض الدرار من جانب محكمة امن الدولة العليا، هي وعيه ومعرفته، وهي نشاطه وهمته ومشاركته في النشاط العام من اجل اخراج سوريا والسوريين من الترديات، التي صاروا اليها في ظل حكم شمولي، طابعه القمع، وينخره الفساد والافساد من كل جانب ومستوى.
لقد شدت قضية رياض الدرار ومحاكمته الكثير من السوريين الى معرفة الحقيقية في قضية تتجاوز البعد الشخصي للرجل الى دوره في اجمالي الحراك السوري نحو التغيير الوطني الديمقراطي الذي عبر عنه اعلان دمشق، وهو ما دفع الى تجديد حملة التضامن في مواجهة استمرار اعتقال رياض الدرار ومحاكمته، والتي تقدم عشرات من المثقفين والكتاب ورجال السياسة والفعاليات الاجتماعية للمشاركة فيها من اجل وقف محاكمة رياض واطلاق سراحه مع غيره من معتقلي الرأي، ومن اجل ان لايحاسب ويحاكم رياض الدرار على وعيه!