قائمة اتهامات
جاهزة ... رد
الأجهزة الأمنية
السورية على
مطالب
الإصلاح
الطاهر إبراهيم
(
الأسباب التي
أدت إلى
اعتقال
النائبين سيف والحمصي ....بمناسبة
إطلاق سراحهما
مؤخرا)
قراءة
في سياسة حزب
البعث
السوري
الأمنية ضد
خصومه ...(نشر
المقال في عام
2001 )
هناك
مقولة قديمة
جديدة مفادها
أن الخصم ضعيف
الحجة يلجأ
إلى عضلاته
كوسيلة
للإقناع ضد
خصمه ليغطي ضعف
موقفه في
مقارعة هذا الخصم .وهذه
المقولة توجز
السياسة التي
اتبعها حزب البعث
ضد جميع
مناوئيه منذ
آذار 1963
.ولقد شهدت
سورية في
الآونة
الأخيرة
تطبيقا واضحا لهذه
المقولة في
عدة قضايا كان
حزب البعث
السوري يعيد
إنتاج مواقفه
من خصومه،
بحيث لا تكاد
تجد فرقا واضحا
بين قضية
وأخرى خلال
أربعين سنة من
حكمه لسورية.
وفي كل مرة
كان النظام في
سورية يشهر " قائمة
اتهامات
جاهزة " في وجه
الخصم
المستهدف،
لتبرير قمعه
لهذا الخصم،
دون أن يفكر ولو
لمرة واحدة في
استعمال
الأسلوب
الديموقراطي
في التعامل مع
هذا الخصم .
قضية
"محمد مأمون
الحمصي"
النائب في
مجلس الشعب
السوري، لم
تكن أول قضية
يشْهر فيها
حزب البعث
"عضلاته
الأمنية"في
وجه أحد خصومه
ولم تكن
الأخيرة (فقد
لحق به رياض
الترك وعضو
مجلس الشعب
النائب رياض
سيف ). فقد
ابتدأ النائب
المذكور
إضرابه عن
الطعام في
مكتبه يوم
الثلاثاء في 7
أغسطس 2001. وبعد
يومين ، قامت
أجهزة الأمن
باعتقال
"الحمصي" بعد
أن تم رفع
الحصانة عنه من
قبل رئيس مجلس
الشعب " عبد
القادر قدورة
" بطريقة غير دستورية،
وفي غياب مجلس
الشعب صاحب
الحق الوحيد
في ذلك .
وقد
حوى البيان
الرسمي الذي
نشرته وزارة
الداخلية
قائمة
"اتهامات
جاهزة"في حق
النائب "مأمون
الحمصي" تتضمن:محاولة
استهداف
النظام بطرق
غير
مشروعة،ومحاولة
منع السلطات
من ممارسة
وظائفها،
ومحاولة
النيل من
الوحدة
الوطنية،والتشهير
بالدولة ومقاومة
أعمال
مؤسساتها،وذم
وقدح السلطات
التشريعية
والتنفيذية،والتخابر
مع الخارج ( أي
الخيانة
العظمى ). ومن يقرأ
هذه
الاتهامات
يظن أن فرقة
مسلحة –لا نائبا
يعتصم في
مكتبه- قامت
بعصيان مسلح
مما جعل الأمن
الوطني يتعرض
للخطر. ولقد
كان اعتقال "الحمصي"
والاتهامات التي
وجهت إليه
رسالة تهديد
صريحة
وواضحة، لردع
كل من تسول له
نفسه التدخل
في الشأن
العام، الذي
يعتبره حزب
البعث حكرا
عليه وحده .
ويمكن
ببساطة تفنيد
قائمة
الاتهامات
هذه، وبيان
زيفها
وبطلانها إذا
ما تمت
مقارنتها مع البيان
الذي علقه
النائب
"الحمصي"في
مكتبه صبيحة
اليوم الذي
بدأ فيه
الإضراب عن
الطعام. فقد
تضمن هذا
البيان 11
مطلبا موجها
إلى السلطة كان
أهمها: ("قدسية
الدستور
والحد من
حالات الطوارئ
وإلغاء
الأوامر
العرفية" ،
"وسيادة القانون
وتعزيز سلطة
القضاء وضمان
استقلاليته"،
"ملاحقة
الفساد بكل
أشكاله"، "
ورفع أيدي بعض
المسؤولين
وأبنائهم عن
خيرات
الوطن"، "والحد
من تدخلات
الأجهزة
الأمنية في
الحياة اليومية"،"وتشكيل
لجنة
برلمانية
لحماية حقوق
الإنسان"، "
وتفعيل دور
مجلس الشعب
وعدم المساس
بالنشطاء فيه
وعدم قمعهم " …).
وإذا
كان اعتقال "الحمصي" قد
أخذ حيزا
واسعا من
صفحات الجرائد
ونشرات
الأخبار
للطريقة
الفجة التي تم
بها . فإنه
قد تم قبل ذلك
إحالة النائب
"رياض سيف" إلى
القضاء بعد أن
تم رفع
الحصانة عنه
وبطريقة مشابهة
من قبل "قدورة" ،ودون
العودة إلى
مجلس الشعب. ووجهت
إليه رزمة من
الاتهامات الجاهزة ،
لأنه تجرأ
وطالب بأن
يقوم مجلس
الشعب بتعديل
المادة "الثامنة"
من الدستور التي
مكنت حزب
البعث من
احتكار السلطة،ونادى
بالسماح
بحرية تشكيل
الأحزاب ،لتحقيق
التعددية
التي بشر بها
خطاب القسم الرئاسي.
ولا أدري كيف
يتهم نائب
واحد بالاعتداء
على الدستور،لأنه
طالب
بتعديله، وهو
حق كفله له
الدستور؟!
وما زال
أكثرنا يذكر
قائمة
"الاتهامات
الجاهزة"
التي أطلقها
عبد الحليم
خدام النائب السابق
لرئيس
الجمهورية
غداة الهجوم
الذي شنه
أعضاء في
القيادة
القطرية لحزب
البعث على
المثقفين
دعاة
"المجتمع
المدني" في الشهرين
الثاني
والثالث من
العام الحالي
. فقد زعم
بأن هؤلاء
المثقفين
يريدون أن
يعودوا
بسورية إلى عهد
الانتداب
الفرنسي وإلى
عهد
الانقلابات،
ولم ينس أن
يتهمهم
بالاتصال
بالسفارات
الأجنبية في
دمشق، وقبض
الأموال منها.
وبالرغم
من خطورة هذه
التهم لم يدع
أحد من ناشطي
المجتمع
المدني للقضاء،
أو تتخذ بحقه
عقوبة، مما
يعني أنها
اتهامات
كيدية أطلقت
للاستهلاك
المحلي.
ولا
يفوتنا أن
نذكر هنا كيف
أرغمت المخابرات
السورية
الأستاذ "علي فرزات"
ناشر مجلة "الدومري" الساخرة
على إلغاء
موضوعين من
العدد الذي
صدر في 18
حزيران
"يونيو" 2001، وإلا
ستوجه إليه
قائمة من
الاتهامات
الجاهزة من مثل:
"الإساءة إلى
الوطن"و "التآمر
على البلاد.."وأن
ما قام به "
ربما يسيء إلى
مشروع
الإصلاح والتحديث
الإداري
والاقتصادي"
الذي يقوده الرئيس
بشار الأسد .
والمطلع
على مجريات
اعتقال أجهزة
الأمن للنائب
"الحمصي"
(انتخب ثلاث
فترات
متتالية )
يعرف أن الاعتقال
كان لتصفية
حسابات لهذه
الأجهزة مع
النائب المذكور.
فقد بين الحمصي
في مداخلاته
تعاظم حجم
الأجهزة
الأمنية على حساب
الخدمات التي
كانت تفتقر
إليها سورية .
واقترح أن يتم
تجميع هذه
الأجهزة
المتعددة في
جهاز واحد،
تكون مهمته
السهر على
طمأنينة الموطنين
، لا
ترويعهم، وأن
يتم تحويل
الأبنية
الكثيرة الشاهقة
التي تشغلها
هذه الأجهزة
إلى معاهد،يتم
فيها تدريس
"المعلوماتية"
التي تفتقر إليها
سورية، والتي
أولاها
الرئيس بشار
الأسد
اهتماما
خاصا،حتى قبل
أن يصبح
رئيسا.
وبالرغم من
هذا الاهتمام
الخاص فإننا
لن نذيع سرا
عندما نؤكد أن
سورية ،
الآن، تعتبر
متخلفة
كثيرا،في
مجال "المعلوماتية"،
عن غيرها من
دول الجوار
العربي مثل
لبنان والأردن،
لدرجة أن رجال
الأعمال
يضطرون
لاستعمال
البريد
الإلكتروني
عبر خطوط
هاتفية خاصة من
لبنان والأردن،
بسبب التضييق
الذي تمارسه
أجهزة الأمن
السورية على
منح موافقات
لعناوين
البريد الإلكتروني
. وتعتبر
سورية البلد
الوحيد الذي
يطلب ترخيصا
عند افتتاح
عناوين
البريد
الإلكتروني،
وتتقاضى
رسوما عليها
.
أما
النائب رياض
سيف، فإن أهم
ما أغاظ
النافذين
منه، هو
توجيهه
الأنظار إلى سياسة
النهب المنظم
التي كان
يمارسها
هؤلاء النافذون،
مما أدى إلى
تجميع الثروة
في أيدي قلة
قليلة منهم ومن
أبنائهم
وأقربائهم،
ونجم عن ذلك
إفقار مجموع
الشعب السوري
بعد أن تم ضرب
الطبقة
الوسطى فيه،
وتدنت القيمة
الشرائية لليرة
السورية
وتضاءلت
القيمة
الحقيقية لرواتب
الموظفين إلى
أقل من عشْر
قيمتها،التي
كانت عليها
عند سيطرة حزب
البعث على
السلطة .وقد
أدى فضْحه
لصفقة"الهاتف
الخليوي"
التي تم ترسيتها
على "رامي مخلوف"
ابن خال
الرئيس بشار
الأسد، وضيعت
أربعة
مليارات
دولار أمريكي
على خزينة
الدولة
السورية، إلى
أن يسارع
المستفيدون
من هذه
الصفقة، إلى
رفع الحصانة
عن النائب
"سيف" وإلى
وإحالته إلى
النيابة
العامة
بتهمة
الإساءة إلى
الدستور. (صدق
أو لا تصدق) !
وقد كان
لافتا للنظر،
أن تقوم
الأجهزة
الأمنية
بالإيعاز إلى
وزارة
المالية
بملاحقة النائبين
"الحمصي"
و"سيف" بتهمة
التهرب من
الضرائب
للضغط على هذين
النائبين لكي
يقفوا
تصريحاتهما
التي بينت
انغماس
النافذين في
هرم السلطة في
الفساد
السياسي
والاقتصادي
في سورية .
ولقد
اعتبرت أجهزة
الأمن أن
النائب "الحمصي"
قد تجاوز
الخطوط الحمر
بإعلانه
الإضراب عن الطعام
وفضحه
الأساليب
الديكتاتورية
بعد أن نشر
قائمة
المطالب التي
توجه بها إلى
جماهير الشعب
السوري ووصلت
إلى
الصحافيين
الأجانب، وهو
لم يقم بهذه
الخطوة إلا
بعد أن تأكد
لديه أن سورية
لن يتاح لها
أن تنعم
بالإصلاح
السياسي، في
ظل هيمنة
أجهزة
المخابرات
على مقدرات البلد،
ابتداء من
حتمية
موافقتها على
تعيين صغار الموظفين
وصولا إلى
دورها البارز
في تحديد اسم رئيس
الوزارة
والوزراء
وأعضاء
القيادة القطرية
لحزب البعث الحاكم .
والنائب
"الحمصي"
بحكم وجوده في"مجلس
الشعب" خلال
ثلاث فترات
متوالية، رأى كيف
يتم ، ابتداء،
تزييف إرادة
الشعب السوري
عندما تقوم
القيادة
القطرية لحزب
البعث بتعيين
ثلثي أعضاء
هذا المجلس خلافا للدستور
الذي ينص في
المادة "50 " منه
على أن (
يُنتخب أعضاء
مجلس الشعب
انتخابا عاما
وسريا
ومباشرا
ومتساويا
وفقا لأحكام
قانون الانتخاب).
وكيف يتم فرض
القوانين على
نواب مجلس
الشعب، وكيف
تم تعديل
الدستور
السوري
–بطريقة مخالفة
لنصه - خلال
دقائق قليلة،
في جلسة تعديل
"عمر" المرشح
لرئاسة
الجمهورية من
40 سنة إلى 34 سنة، التي
عقدت يوم أعلن
عن وفاة
الرئيس حافظ الأسد .وكيف
كان يتم قمع
من يعترض على
الأسلوب الفوقي
الذي يفرضه
رئيس مجلس
الشعب "عبد
القادر قدورة"
عندما قام هذا
الأخير
بتقريع
النائب منذر
موصلي، الذي
اعترض على عدم
دستورية
تعديل
الدستور السوري،
قائلا له (
ماذا سولت لك
نفسك الأمارة
بالسوء ؟ ). أو
كما حصل مع
عضو مجلس
الشعب الممثل
الكوميدي
محمود جبر.
وعلى ما
يظهر فإن
النائب "الحمصي"
قد فقد الأمل
بإمكانية
تحقيق
الإصلاح السياسي
من تحت قبة
المجلس
النيابي -الذي
يعتبر المنبر
الذي يجب أن
تبتدئ منه
المطالبة
بتعديل
الأوضاع - والعودة
بسورية إلى جو
الديموقراطية
والتعددية
السياسية
وإيقاف مسلسل
الانحدار
الذي تنزلق فيه
سورية بسبب
احتكار حزب
البعث للسلطة
في سورية،
وبعد أن تحولت
سورية إلى
مزارع خاصة
لأعضاء هذا
الحزب وكبار
الضباط فيها .
ليس هذا فحسب
فقد تأكد لديه
أن أجهزة
الأمن تريد أن
تشوه سمعته
وتقضي على
مستقبله
السياسي
عندما تم
اتهامه
بالتهرب من
الضرائب كما
فعلت مع زميله
رياض سيف،
وعلى هذه
الخلفية بادر
"الحمصي"
السلطة
السورية
وأجهزتها
الأمنية
ببيانه آنف
الذكر وكأنه
أراد أن يقول
: هذه هي
سورية التي
تقمع الحرية،
في الوقت الذي
كان حزب البعث
في الماضي قد
جعل شعار
الحرية أحد
أهدافه
الثلاثة، وظل
يتغنى بهذا
الشعار طوال
أربعين عاما،
على حين كانت
أجهزة البعث
الأمنية تنتهك
هذه الحرية
جهارا نهارا
وتنكل
بالمعارضين .
الطاهر
إبراهيم كاتب
سوري يعيش في المنفى