مؤتمر وطني شعبي !

 ميشيل كيلو


لكثرة ما طالبت المعارضة السورية خلال السنوات الخمس الماضية بمؤتمر وطني ، بهتت الفكرة ودخلت في ضبابية جعلتها بلا ملامح واضحة ، وعرضتها للالتباس وسوء التأويل والفهم.
في الأصل ، طرحت فكرة المؤتمر الوطني في إطار رؤية سياسية جديدة تبلورت عقب وفاة حافظ الأسد ، وقالت بإجراء مصالحة تشمل جميع أطياف السياسة السورية ، بما في ذلك الإسلاميون والنظام ، على أن تكرس في مؤتمر وطني من الضروري أن يكون شاملا بدوره . وقد شاع المطلب إلى درجة كبيرة ، ثم قام الرفيق رياض الترك بتحديد شروط المصالحة والمؤتمر الوطني في محاضرة شهيرة ألقاها أمام منتدى الأتاسي عام 2001 .
آنذاك ، كان الرأي أن يكون عضوا في المؤتمر كل من يدعو إلى المصالحة وطي صفحة الماضي . وبما أن الرئيس الجديد ، بشار الأسد ، تحدث عن الديموقراطية بكلمات ومفاهيم تشبه كلمات ومفاهيم المعارضة ، فقد كان مقبولا ومتوقعا أن تبادر السلطة إلى دعوة الأطراف السياسية المختلفة إلى المؤتمر ، ليس فقط بسبب أهمية دورها السياسي الداخلي ، في الإصلاح كما في غيره ، بل لأن دعوتها ستعني أيضا تطبيع الحياة السياسية ، والاعتراف بمكوناتها المتباينة ، وتاليا الإقرار بضرورة الخروج من حال البلد الراهنة ، عبر إصلاح يطال نظامها ويتجه نحو تعددية تقوم على الاختلاف ، لا تكون متماثلة مع تعددية الجبهة الوطنية التقدمية ، وتكرس قانونيا ، بعد اعتراف النظام الواقعي بها عبر دعوتها إلى المؤتمر الوطني .
لكن الرئيس الجديد سرعان ما تنكر لأقواله في خطاب القسم ، وأعلن أنه لم يكن يقصد الآخر – المعارضة - حين تحدث عن الرأي الآخر ، وفهم الخلق منه أن الإصلاح سيقتصر على السلطة وسيتم بوسائلها وحدها . ذلك ترتبت عليه نتيجة مباشرة هي افتراق خطط المعارضة والسلطة بعضها عن بعض ، الذي ما لبث أن أدخلها في طور من التباعد والتناقض ، يذكر في بعض مفاصله بالتناقض الذي كان قائما زمن الأسد الأب ، وقاد النظام إلى معركة طاحنة ضد الرأي الآخر ، زج خلالها بعشرات آلاف المعارضين في السجون ، حيث تعرضوا لمعاملة قاسية إلى درجة يصعب تصورها ، أفضت إلى هلاك مواطنين كثيرين ، جسديا وإنسانيا .
ثم ، بعد قليل من استلام بشار الأسد السلطة ، تبين أنه مصمم على اتباع طرق النظام القديمة في الحكم ، ومواقفه من فضائه الداخلي ، وأنه يرفض الاعتراف بمكوناته ، وإن انتهج سياسات جديدة في احتواء المعارضة وضربها ضمن شرط دولي وداخلي جديد ، تختلف بعض مفرداته عن الشرط الذي ورثه الابن عن أبيه ، يقوم على إدارة أزمة المعارضة باعتبارها جزءا من إدارة أزمة المجتمع ، كي لا تتغير علاقات القوى بين السلطة وبينهما لغير صالحها ، ولا يصل الصراع إلى المجال السياسي ، الذي يجب أن يبقى للنظام وحده ، يضرب بقسوة كل من يحاول دخوله ، ناهيك عن التأثير في توازناته .
رغم هذه الأجواء ، التي ازدادت عداء ، واصلت المعارضة مطالبتها بالإصلاح والمصالحة الوطنية والمؤتمر الوطني ، ليس لأنها لم تر ما يجري ، بل لاعتقادها أن سياستها الجديدة ستمكنها من بناء كتلة وطنية شعبية تاريخية جديدة خلال فترة معقولة ، سيمثل تكونها تبدلا نوعيا في الحقل السياسي السوري ، الذي احتكره البعث منذ انقلاب عام 1963 ، ويجب إنهاء احتكاره من خلال أنماط جديدة من التحالف ، وإلا استحال تحقيق أي تغيير أو إصلاح في الوضع السوري القائم ، حيث ترفض العقلية التي تدير السلطة فكرة ومبدأ التعاقد من أساسه ، ولا ترى في السياسة عقدا وطنيا بين حاكمين ومحكومين ، هو جزء من عقد وطني عام يلزم المجتمع السياسي ، ما كان منه حاكما أو معارضا، باحترام حرية الشعب بصفته مصدر السيادة الوحيد ، وإرساء النظام العام على حقوق الإنسان والمواطن ، وإخضاع سائر تكوينات السياسة للدولة باعتبارها ممثل العمومية المجتمعية العام والشامل والمجرد الوحيد ، والامتناع عن إخضاع الدولة لأي تكوين سياسي جزئي ، كحزب البعث على سبيل المثال ، كي لا تتشوه الدولة وتتحول إلى تعبير عنه وحده ، وتنحط إلى مجرد سلطة وحسب ، وينتفي المجتمع المدني ويتفتت إلى جمعات اجتماعية متناقضة متصارعة وفي أحيان كثيرة متقاتلة .
إن من تابع إعلان دمشق ، سيجد هذه المعاني فيه . وسيفهم أنه خطوة مهمة على الطريق نحو المؤتمر الوطني العتيد ، الذي رفضته السلطة على لسان رئيسها ، عندما تساءل في آخر خطبه باستغراب واستنكار عن معنى المصالحة الوطنية ، وقال إنه تتم المطالبة بها في البلدان التي تفتقر إلى الوحدة الوطنية ، وإننا لسنا قبائل متقاتلة !. بعد أقوال بشار الأسد حول المؤتمر الوطني يطرح نفسه السؤال التالي : هل تتخلى المعارضة عن المؤتمر الوطني ، لأن السلطة رفضت فكرة ومبدأ المصالحة الوطنية ، وهل تدير ظهرها لمفهوم الإصلاح ، بحجة أن النظام أفشله ، أم تواصل العمل من أجل مؤتمر وطني يختلف عن المؤتمر العتيد ، الذي أرادت له أن يضم السلطة والمعارضة ؛ يقتصر على الأحزاب والحركات والتنظيمات المجتمعية والشعبية وحدها ، يتم الإعداد له انطلاقا من إعلان دمشق ، وتشارك فيه جميع أطياف السياسة السورية غير السلطوية، فضلا عن أفراد من حزب البعث وأعضاء من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ، على أن يجري التحضير له خلال الأشهر الثلاثة القادمة ، ويفضي انعقاده إلى بلورة برامج عمل سياسي / اجتماعي / اقتصادي / ثقافي جامعة ، وعقد اجتماعي / وطني تلتزم أطراف المؤتمر به اليوم وفي المستقبل، في ظل الأمر القائم وبعد شروع البلاد بالتغيير الديموقراطي ، على أن يبقى العقد مفتوحا أمام توقيع النظام عليه ، إن غير رأيه وأيد المصالحة الوطنية الشاملة ، التي تعني بين ما تعنيه موافقته على إقامة تحالف وطني واسع ، يتولى تسمية حكومة تدير البلد خلال فترة انتقالية محدودة المدة ، ويختار جمعية وطنية تقر دستورا لنظام تمثيلي برلماني ، ويشرف على التحول إلى نظام بديل لا يستبعد البعث من الحياة السياسية ، ولا يحول بينه وبين كسب أية انتخابات حرة قادمة وتشكيل حكومة تضم الموالين له وتطبق السياسات التي تقررها قيادته .
إن عقد هذا المؤتمر الوطني الشعبي مهمة ملحة من الضروري التفرغ لإنجازها خلال الفترة القادمة . وإذا كان النظام يريد الحفاظ على واقع سياسي يستبعد الشعب عن الشأن العام ، فلا يعني هذا بقاء المعارضة ، التي أصدرت إعلان دمشق ، ساكنه هامدة . ولا يعني أن غياب النظام عن المؤتمر يفقده صفته الوطنية / الشعبية ، ما دام مقرراته ستتخذ بروحية وطنية جامعة وتوافقية ، وستوضع في خدمة الوطن بأسره وليس في خدمة مصالح ضيقة أو جزئية ، حزبية كانت أم فئوية أم جهوية أم طائفية ، وما دام الطيف السياسي غير الرسمي يمثل عمقا شعبيا حقيقيا يتعاظم حضوره في حياة البلاد والعباد ، ويتعاظم اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بقدرته على تقديم سياسات ومواقف بديلة لسياسات ومواقف النظام ، التي تتزايد سلطوية ، وتتخبط في دوامة أزمة خانقة ، تفقدها ، دون أية مبالغة، طابعها كسياسات ومواقف تعبر عن أبعاد وطنية ، تتجاوز السلطة ومصالح الممسكين بها .
لا تستطيع سوريا المجتمع البقاء بعيدة أو مبعدة عن مصالحها وشؤونها . ولا يجوز أن تعمل بعد اليوم وفق الآليات وفي المربعات والدوائر الضيقة ، التي تعينها لها السلطة القائمة . ولا يحق لها ربط حركتها وأهدافها بخيارات وإرادة السلطة ، خاصة وأن سوريا الوطن مهددة ، وأن الحاكمين يبدون قدرا خطيرا من الاستهانة بمصالحها وحاجاتها ، وأن استمرار المعارضة في العمل تحت سقف السلطة يجعلها مشاركة في المسؤولية عن سقوط البلد ، الذي لا يستبعد أن يكون وشيكا !.