هل بعد هذه الأزمات المتوالية يمكن أن نحلم بمستقبل لصالح الجماهير الشعبية الكادحة ؟

الحلقة الرابعة....

.محمد الحنفي

sihanafi@gmail.com

 

www.elhanafi.com

 

 

 

تعرف بلادنا في السنوات الأخيرة ترديا على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و هو ترد يرد ينبئ عن خطورة كبيرة تهدد مستقبل هذه الأوضاع،  بسبب هذا التردي المتوالي، و بسبب انعدام التفكير  في إعادة النظر في الاختيارات الرأسمالية التبعية، التي أنتجت لنا هذه الأوضاع. و نظرا لغياب الشجاعة الكافية للاعتراف بما آلت إليه بلادنا بسبب تلك الاختيارات، التي لا تخدم إلا مصالح البورجوازية التابعة، في ارتباطها بالمؤسسات المالية الدولية، و بالشركات العابرة للقارات، و بقبولها بالإملاءات الخارجية التي تستهدف إضعاف الاقتصاد الوطني، و خوصصة الخدمات الاجتماعية، و توجيه المخططات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى تصير، جملة و تفصيل،ا في خدمة المؤسسات الخارجية الموجهة، و من خلالها في خدمة الرأسمال العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

و بعد استعراضنا لمظاهر تلك الأزمات على المستوى الدولي، و على المستوى القومي، نصل إلى الوقوف على مظاهر الأزمة الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، على المستوى الوطني، لنجيب من خلال ذلك على السؤال العنوان : هل .. يمكن أن نحلم بمستقبل لصالح الجماهير الشعبية الكادحة؟

 

إن  ما يمكن تسجيله في البداية على المستوى الوطني: أن الأوضاع الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، متردية إلى أبعد الحدود، إلى درجة أن انعكاساتها السلبية طالت جميع مجالات الحياة، و صارت مفرخة لانتاج الجوع، و العري، و المرض، و الفقر، و العطالة، و الأمية، و التخلف، و المديونية، و إعادة إنتاج نفس الهياكل القائمة، و لكن بشكل اكثر  تخلفا، و أسرع تأثيرا  في  حياة الناس. و حتى نقف  على مظاهر الأزمات القائمة وراء هذا التردي المتسارع نرى أن الاقتصاد الوطني المغربي لم يعد قادرا على الاستجابة للحاجيات الوطنية، و المحلية على السواء. فهو مكبل بخدمة الدين الخارجي، مما يجعل جزءا من الدخل الوطني يذهب لخدمة ذلك الدين، بالإضافة إلى أن الطبقة البورجوازية المغربية، المتحكمة في ذلك الاقتصاد ذات  طبيعة هجينة، و متخلفة، مما يجعل الحس الوطني ينعدم عندها، و يقف وراء عدم توظيف الثروات، التي تحصل عليها تلك البورجوازية، في بناء  صناعة وطنية متطورة، و متقدمة.

 

فما هي العوامل التي جعلت البورجوازية المغربية لا وطنية، و غير عاملة على بناء الصناعة الوطنية؟

 

 إن عدم قيام البورجوازية المغربية بدورها التنموي الحقيقي القائم في الأصل على بناء الصناعة الوطنية الأساسية، و خاصة الصناعة الثقيلة، يرجع إلى طبيعة تلك البورجوازية، لأنها ليست بورجوازية أصيلة"، آتية من رعاية المقاولات الصناعية الصغرى، التي تتحول، مع مرور الأيام، إلى صناعة كبرى تساهم بشكل كبير في بناء الاقتصاد الوطني المتحرر. و مادامت غير أصيلة، فإن وصولها إلى امتلاك ناصية الاقتصاد الوطني غير المتحرر يرجع إلى :

 

1)                                   كونها ذات أصول  إقطاعية، أي أن الاحتلال الأجنبي للمغرب، عمل  على خلق الإقطاع الذي ترتبط مصالحه بالمصالح الاستعمارية، بعد تجريد الفلاحين قسرا من أراضيهم الزراعية، و بعد تجميع تلك الأراضي في يد العملاء الذين تحولوا إلى إقطاعيين، أو في يد المعمرين الذين كانوا يستغلون تلك الأراضي لصالح البلد المحتل.

 

2)                                   كون أولئك الإقطاعيين، و بفعل تمتعهم بالامتيازات التي لا حدود لها، تحولوا إلى وسطاء بين الرأسمال العالمي، و السوق الوطنية، ليتحولوا بذلك إلى وكلاء لما كان يعرف خلال الستينيات من القرن العشرين بالاستعمار الجديد، ليصيروا بذلك بورجوازيين بعقلية الإقطاع المتخلف، لنصل إلى أن البورجوازية المغربية في أصلها، و في بنيتها، و في عقليتها، و في فكرها، و في إيديولوجيتها، هي صنيعة استعمارية.

 

3)                                   كونها آتية من الامتيازات المخزنية، التي رفعت مكانة عملاء المؤسسة المخزنية، إلى مستوى التمتع بنفس الإمكانيات الرأسمالية التي تتوفر عليها نظيرتها في أوربا، دون أن تتمكن من امتلاك عقلية الاستثمار الوطني لصالح الاقتصاد المتحرر، و من أجل استفادة الشعب المغربي، بقدر ما يكون هاجسها هو استنزاف الثروات لصالحها، من أجل أن تصير متوفرة على الثروات الهائلة التي تصنفها إلى جانب البورجوازية الكبرى، و بكل الوسائل المشروعة، و غير المشروعة اقتصاديا.

 

4)                                   كونها آتية من تحمل المسؤولية على رأس الجماعات المحلية، حيث كانت تتصرف في المال العام و تفوته لصالحها، حتى تصير من كبار الأثرياء في هذا البلد، لتبقى الجماعات المحلية فقيرة، لا ترقى إلى مستوى ما عليه الجماعات المحلية في البلدان المتقدمة.

 

5) كونها آتية من استغلال النفوذ، من خلال التواجد في مسؤوليات السلطة، من أعلى المستويات، إلى أدناها، مما يجعل جميع المسؤولين السلطويين من الوزراء إلى المقدم و الشيخ يستطيعون تكديس الثروات الهائلة، التي تصنفهم إلى جانب كبار البورجوازيين على المستوى العالمي،  بسبب الفساد الإداري.

 

6) كونها آتية من سيادة الإرشاء و الارتشاء في العلاقة مع المواطنين في مختلف الإدارات المغربية، حيث نجد أن الرشوة هي التي تصير سائدة على جميع المستويات، و في جميع مجالات الحياة.  فيصير المرتشون، و بدون حياء ، مصنفين إلى جانب كبار البورجوازيين، نظرا لسيادة الفساد الإداري.

 

7) الاشتغال على تهريب البضائع، من البلاد المجاورة، و بأثمان بخسة، أو من الصحراء المغربية، إلى جميع المناطق المغربية، مما يمكن المهربين من اكتساب  ثروات هائلة، تجعلهم إلى جانب كبار البورجوازيين.

 

8) الاتجار في المخدرات التي تمكن التجار من إحداث تراكم هائل في الثروات، يفوق  كل الحدود، فيصير بسبب ذلك تجار المخدرات، يتحكمون في كل شيء، بما في ذلك مسئولو السلطة، على جميع المستويات، نظرا لصيرورتهم من البورجوازية الكبرى على المستوى الدولي.

 

و هذه الأشكال التي وقفنا عليها من البورجوازية، لا يمكن أن تكون ديمقراطية، و لا يمكن أن تبني الصناعة الوطنية، و لا يمكن أن تمكن الطبقة العاملة، و سائر المأجورين من حقوقهم الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و لا يمكن أن تحمل في وجدانها الحس الوطني، و الإنساني. و لذلك نجد أنها تحرص  على المزيد من امتلاك العقارات، و احتكار تلك العقارات، و توظيفها للاستحواذ على المزيد من فائض القيمة.

 

 

 

 

 

 

و إلى جانب هذه الأشكال من البورجوازية نجد :

 

1) البورجوازية العقارية القديمة التي نشأت في المدن، بعدما تبين لها أن الناس، في المدينة، في حاجة إلى استغلال العقارات المختلفة للسكن، و للتجارة.

2) البورجوازية التجارية التي تكونت على أساس ترويج البضائع الاستهلاكية، و بالأثمان التي تحددها هي، و انطلاقا من حاجة الناس إلى بضائع معينة، أو عدم حاجتهم إليها.

3) البورجوازية المالية التي تملك أسهما كبيرة في الأبناك، مما  يجعل فوائدها تزداد يوما  بعد يوم.

و أهم ما  يمكن أن نسجله، في هذه النقطة، أن البورجوازية المغربية تستثمر في كل شيء، و أن استثمارها يهدف إلى زيادة أرباحها، أي أنها لا تختص في هذا المجال، أو ذاك، بقدر ما تتهافت على المشاريع السريعة الربح، تاركة أمر الصناعات الأساسية، إلى الشركات العابرة للقارات، و إلى الدولة في احسن الأحوال،  لتصير مصدر ثراء البورجوازية نفسها، التي تتحمل المسؤولية في أجهزة الدولة، أو في الجماعات المحلية.

و انطلاقا مما رأيناه فإن هذه الأشكال من البورجوازية، نجد أن البورجوازية لا يمكن أن تكون منتجة، و لا يمكن أن تكون وطنية، و لا يمكن أن تساهم في بناء الاقتصاد الوطني المتحرر، و لا تسعى إلى تحقيق الديمقراطية، بقدر ما تسعى إلى إفساد العملية السياسية برمتها، كما أكدت مختلف المحطات الانتخابية، التي لا تكون إلا مزورة.

و أهم سمات الوضع الاقتصادي المغربي الذي تتحكم فيه البورجوازية المغربية اللاوطنية تتجسد في:

1) التدهور المتسارع للاقتصاد الوطني، الذي صار  فريسة للمديونية العالمية، و للشركات العابرة للقارات، إلى درجة أن ممتلكات الدولة التي تكونت من أموال الشعب، تم بيعها إلى الشركات العابرة للقارات، و البقية تأتي، و الأسعار تزداد ارتفاعا، و الضرائب المباشرة، و غير المباشرة لا حدود لها. و الضحية  دائما، هي الجماهير الشعبية الكادحة، التي تزداد انشغال،ا  بقوت يومها. و تدني مستوى المعيشة يزداد خطورة إلى درجة استحالتها لدى الكثير من أفراد المجتمع. في الوقت الذي تزداد فيه البورجوازية بذخا، و شراسة في الاستهلاك.

2) ازدياد عدد العاطلين الذين وصلوا إلى سن العمل، و خاصة من بين خريجي المدارس، و الجامعات، نظرا لكون الدولة تخضع  لتوجيهات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية، القاضية بتخفيض عدد العاملين بمختلف  الإدارات التابعة للدولة. و نظرا لكون البورجوازية المغربية الهجينة، و الخليعة، لا تفكر أبدا في الاستثمارات المنتجة،  بقدر ما تسعى إلى إقامة مشاريع سريعة الربح، أو أنها تحتكر امتلاك العقارات، لإحداث أزمة عقارية في المغرب، ليصير الشعب مقيما عندهم إلى حين، و ليصير العقار وسيلة، جهنمية، لامتصاص قوت الجماهير الشعبية الكادحة، التي تصير بدون قوت، و بدون أرض، و يصير وجودها قائما على قبول الأمر الواقع، الذي  تقره البورجوازية الهجينة، تحت رعاية الدولة، التي تقع بدورها تحت سيطرتها.

3) و أكثر من هذا و تبعا لملكية الدولة للمؤسسات التي تقوم بتسريح عمالها، و موظفيها، و تبيع ممتلكاتها، إلى الخواص فإن البورجوازية المغربية بدورها،  تقبل على تسريح الطبقة العاملة، و تتسبب في تشريد اسر بكاملها، حتى تعمل على إيقاف المؤسسات، التي لم تعد تحقق الأرباح المنتظرة منها، من أجل أن تعوضها بمشاريع أكثر ربحا، أو تهجير الرأسمال الوطني إلى الخارج، حيث صار يقدر بعشرات الملايير، التي حرم منها المغاربة، ليتحول المغرب إلى وطن لتقديم الخدمات المشروعة، و غير المشروعة، إلى الأجانب، و سوق  لاستهلاك البضائع الأجنبية، التي تفد عليه من كل أنحاء العالم.

4) تحول البورجوازية المغربية إلى مجرد وكلاء للشركات العابرة للقارات، من أجل العمل على تصريف بضائعها في المغرب، مما يعرض الاقتصاد الوطني إلى المزيد من الكساد، و إلى المزيد من الإفلاس، نظرا لتعرض المعامل إلى الإغلاق القسري، و فرض توقف الإنتاج الوطني، في العديد من القطاعات، و احتمال إمكانية توقف الإنتاج في جميع القطاعات، بما في ذلك القطاعات الخدماتية، التي صارت مهددة بمثيلاتها الوافدة الأكثر جودة، و الأفضل عطاء، و الأقل ثمنا، و خاصة في قطاع التعليم، و الصحة.

فالبورجوازية المحلية الهجينة، والمتخلفة التي ارتضت لنفسها أن تقوم بأدوار الوكلاء، سعيا إلى الربح السريع، غير المكلف لأي جهد مادي، أو معنوي ستحول الاقتصاد الوطني إلى مجرد أطلال، و سيتحول المغاربة إلى مجرد عاطلين، و ستعمل على تسخير الموارد البشرية، و الطبيعية لصالح الشركات العابرة للقارات، وسترهن مستقبل المغرب بإرادتها، كما تم رهن مستقبل القرار السياسي في المغرب بإرادة صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية الأخرى، و بإملاءات الدول الرأسمالية الكبرى، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.