موراليس: صدى تشي غيفارا يتردد في بوليفيا

فيصل جلول

 

كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا

 

لم تستقبل أمريكا اللاتينية انهيار الاتحاد السوفيتي بالعويل والبكاء كما فعل البعض في عالمنا العربي على الرغم من أن نظام القطبين كان يتيح لشعوب الجزء الجنوبي من القارة الأمريكية فرصة مهمة لمقاومة طغيان الولايات المتحدة واستبدادها في ما تسميه ب "حديقتها الخلفية".وإذا كان صحيحا أن الثنائية العالمية القطبية قد وفرت الحماية للنظام الكوبي , كابوس واشنطن الأبدي, فالصحيح أيضا بل الأصح أن انهيار الحرب الباردة حرر شعوب أمريكا اللاتينية من وطأة الاستقطاب والاستغلال السياسي ودفعها قدما للامساك بمصيرها وثرواتها وبالتالي إيصال رؤساء إلى سدة السلطة سرعان ما تحولوا إلى كوابيس تقض مضاجع البيت الأبيض ومحافظيه الجدد.

بوليفيا الوافدة لتوها إلى النادي اللاتيني المناهض لنادي الشركات الأمريكية والعالمية الكبرى ليست العلامة الفارقة الوحيدة على هذا الطريق فعدا كوبا انضمت برازيل لولا داسيلفا إلى هذا النادي ومن ثم فنزويللا هوغو شافيز وأرجنتين كرشنر وتشيلي التي تستعيد أخيرا خط سيلفادور الليندي ... والبقية على الطريق كما يؤكد الرئيس الكوبي فيديل كاسترو.

والملفت في هذه السيرورة أن المسحوقين تمكنوا من تحويل الديموقراطية من وسيلة للسيطرة و الإخضاع الدائم والتبعية للولايات المتحدة إلى وسيلة للمقاومة وانتزاع الثروات من حلق مفترسيها الأجانب و ذلك عبر اختيار شخصيات ممانعة من خارج حلقات النفوذ الفاسدة أو من أدنى السلم الاجتماعي ولا تحتفظ بحبل نسب سياسي معمر.

لقد اعتلى ماسح الأحذية السابق لولا رئاسة البرازيل لكن الاختراق المميز وربما الأكثر خطورة في هذه القارة يتمثل في انتصار إيفو موراليس رئيس بوليفيا المنتخب لتوه فالرجل الذي يعيش في غرفة واحدة ضمن بيت جماعي يشبه مساكن العمال السوريين في لبنان بدا حياته راعي ماشية ثم بائع خبز وعامل بناء ومزارع ثم مهندس زراعي ينتمي إلى الهنود سكان البلاد الأصليين الذين يتولون الحكم للمرة الأولى في تاريخهم وفي أمريكا بأسرها منذ اكتشافها قبل خمسة قرون ما يعني أن هذا الانتصار محمل بإنعكاسات كبيرة على مجمل سكان القارة الأصليين لكن فوز موراليس ينطوي على معان أخرى لا تقل أهمية من بينها أن الرجل ينتمي إلى بلد يحمل وحده من بين كل بلدان أمريكا الجنوبية اسم سيمون بوليفار رمز التحرر اللاتيني الشهير وفي هذا البلد سقط الثائر الكوبي الأرجنتيني الأصل أرنستو تشي غيفارا أواخر العام 1967  خلال حرب عصابات شنها في مناطق السكان الهنود لإسقاط  حكم موال لواشنطن ومن أجل فك الحصار عن  كوبا المهددة والمعزولة.

 سيخلف غيفارا مؤسس حرب العصابات البوليفية   كثيرون من بعد, آخرهم  الفارو لينيرا  أستاذ الرياضيات والعلوم الاجتماعية الذي تخلى عن التمرد المسلح وانخرط في اللعبة الديموقراطية ليصبح نائبا للرئيس المنتخب والعقل المدبر لحركته وهو يمثل شريحة واسعة من البيض الذين تحالفوا مع الهنود وساندوهم في معاركهم من اجل السيطرة على ثروات بلادهم المتعددة.

ويحمل انتصار موراليس معنى اقتصاديا بارزا فقد طرأ في بلد يعتبر صاحب احتياط الغاز الثاني في القارة بعد فنزويللا ما يعني أن التنسيق السياسي بين البلدين في مجال الطاقة من

 شأنه أن يتسبب بصداع في الرأس للشركات العالمية التي تقبض على ثروات الدولتين شرط أن يتمكن الطرفان من تجاوز عقبة المنافسة في سوق المحروقات.

ويحمل انتصاره معنى إيديولوجيا فهو يترأس تيار "الحركة نحو الاشتراكية" في عصر يدير ظهره للاديولوجيات وينتمي إلى حركة رفض العولمة التي تناضل من اجل عالم لا تسوده شركات النهب الدولية بلا حدود ولا قيود.

وفي المعنى الشخصي للانتصار يلاحظ إصرار الرئيس المنتخب على اتخاذ مبادرات تجعله قريبا بل ملاصقا لمعاناة شعبه فقد قرر للتو تخفيض راتبه الرئاسي إلى النصف والامتناع عن ارتداء ربطات العنق والالتزام بمظاهر البروتوكول الغربي رغم الانتقادات التي وجهت إليه وإطلاق شعارات جذابة من نوع : نريد شركاء أجانب لا أسياد في بلادنا. لا توجد في بوليفيا أسماء لضباط أو قضاة منا في إشارة إلى سيطرة البيض على الرتب العليا في المؤسستين القضائية و العسكرية. لابد من تأميم بعض الشركات المتصلة بحياة المواطنين الأساسية وفي طليعتها شركة المياه التي تسيطر عليها بكتل الأمريكية. لابد لورقة الكوكا من أن تهزم ورقة الدولار. لن نسمح باستئثار 100 عائلة بالاقتصاد البوليفي على حساب الأكثرية الساحقة من الفقراء. لا نريد العيش على مساعدات الصناديق الدولية فيما بلادنا تضج بالثروات الطبيعية.

هذه الشعارات تعطي سلطة موراليس معنى شخصيا ليس غريبا عن رجل يعترف دون عقدة نقص انه كان في مراهقته يسير حافي القدمين ويأكل أحيانا قشور البرتقال التي يرميها المارة.

يبقى القول أن الشعب البوليفي انتخب موراليس رغم الحملة المسعورة التي تعرض لها  خلال الحملة الانتخابية في الخارج والداخل حيث وصف بالمجرم وتاجر المخدرات والإرهابي .. الخ ما يعني أن ناخبيه ينتظرون منه أن يكون على صورتهم وليس على صورة النخب الفاسدة التي حكمت بوليفيا خلال قرون.

 يمكن القول بلا تردد أن بوليفيا سجلت نهاية العام المنصرم نصرا تاريخيا أراده فقراؤها مدويا ربما كصدى متأخر لشعار ارنستو غيفارا الشهير : يجب ألا ندع العالم ينام على صدورنا. العقبى لعربنا الذين لم ما برحوا يندبون حليفهم السوفييتي البائد.