في الوطن العربي ... الفساد هل يتقلص أم يزداد ؟

المحامي فوزي نصر : ( كلنا شركاء ) 10/1/2006

كثر الحديث عن الفساد ، وكثرت الأقاويل عنه ، وتكلم عنه المواطنون والمسؤولون ، ولكن مهما تكلم المحدثون عنه فلا يوفوه حقه لأنه خطر على الوطن والمواطن ، فالفساد وباء معدي ينتقل بسرعة وهو خطر على صحة المجتمع ، لذلك يجب معالجته والتصدي له بكافة الوسائل وعدم التهاون في الوقوف بوجه هذا المرض 0 ولقد إعتدنا على الكلام أكثر من العمل فجميعنا يتكلم عنه لكن أحدا لم يقف في وجه هذا الوباء 0 المشكلة التي نواجهها هي أن الذين يجرحون أجسام الفساد وينددون به ، ويعملون على مجابهته قولا وعملا ، ويرفعون شعار محاربته والوقوف بوجهه ، ويتكلمون عنه بمصداقية يتعرضون للمضايقة والملاحقة من قبل بعض المسؤولين من جهة ومن قبل الأنظمة
وأجهزة السلطة من جهة أخرى .
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عندما قام مركز دراسات الوحدة بعقد ندوة تتضمن " أزمة الديموقراطية في الوطن العربي عام 1984 فقد إنعقدت في قبرص لعدم إتساع أي عاصمة عربية لعقدها ولضيق مساحة الوطن العربي لمثل هذه الندوة ؛ وقد تشكل على هامشها المنظمة العربية لحقوق الإنسان .
السؤال الذي يثير الاهتمام لماذا ضاقت مساحة الوطن العربي الكبير من السماح لعقد مؤتمر يبحث في الديموقراطية ؟؟ هل لأن الديموقراطية تشكل خطرا على الأنظمة العربية ، أم لأن النظم تشعر بأن البحث في الديموقراطية يهدد وجودها ، ويحرض المجتمع على المطالبة بحقوقه المفقودة من الديموقراطية ، أو أنها تخشى أن يتعثر حظها في بقاء السلطة بيدها .أم لأن مجرد الكلام عن الديموقراطية يشكل خطرا مرعبا على الأنظمة العربية وعلى الأمن الذي تفرضه بقوة السلاح ؟؟ ! أم لأن الديموقراطية : تقضي على الفساد وتقلص مساحة وجوده ، وتلاحق المفسدين إن كل هذه الإفتراضات جديرة بالإهتمام والدراسة .
فالفساد عرفته جميع المجتمعات في العالم وقد ظهر هذا المرض في جميع الدول بدون استثناء وأدى إلى سقوط ممالك ودول كثيرة .
لذلك فإن إستشراء ظاهرة الفساد في العالم ، وكونه مرضا عالميا يعيش بنسب في جميع الدول ، دفعت التفكير إلى عولمة محاربة هذه الظاهرة التي تمكنت من ولوج مختلف القطاعات ؛ والتغلغل في مختلف مؤسسات الدولة ، ولم تنكر كافة الأنظمة العربية على مختلف أشكالها الملكية أو الجمهورية وجود الفساد وتغلغله في مختلف الميادين ؛ وظهرت بعض الوعود الإصلاحية ، والبقع الضوئية والكلمات الملونة بمختلف الألوان والأصباغ من أجل المعالجة ؛ لكنها بقيت بعيدة عن الوقوف على اسباب المرض ووضع العلاج اللازم له بسبب عدم الجدية من جهة ، وعدم المراقبة الفعالة من جهة أخرى .
وبقيت أمواج الفساد تتراكم في مجتمعاتنا حتى فقد الناس الثقة بنظمهم ، كما فقدوا الأمل بمعالجة هذا المرض ثمة أمر ملاحظ بحسب جميع المصادر هو أن نسب الفساد في العالم العربي أكثر منها في بقية بلدان العالم وتعزى لعدة أسباب أهمها طرق الحكم الشمولية والإستبدادية ، وغياب النظم الديموقراطية .
لأن الديموقراطية تشكل خطرا على الأنظمة العربية ؛ وتبتعد عن تطبيقها وبذلك تزداد حالة وتفشي الفساد ولقد عّرف البنك الدولي الفساد : { بأنه إساءة إستعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص ، فيحدث الفساد عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة ؛ كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء شركات أو أعمال خاصة بتقديم رشاوى للإستفادة من سياسات أو إجراءات للتغلب على منافسين ، وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق إستغلال الوظيفة العامة دون اللجوء للرشوة وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة } .
ـ ندوة الفساد والحكم الصالح ص 2. ـ
إن
كافة أنواع الكسب غير المشروع تعتبر نوعا من أنواع الفساد ، فالفساد هو إستغلال المنصب أو الوظيفة أو المواقع الحساسة من أجل الكسب غير المشروع وهو لا يقتصر على موظف دون آخر بل يشمل جميع ضعاف النفوس من جميع المراتب ، الذين تغريهم الأطماع وتفضيل مصالحهم على الصالح العام .
لذلك قد شدد البنك الدولي على مفهوم الحكم الصالح ، فالحكم الصالح هو حكم حيادي يعبر عن إدارة السلطة للحكم والمجتمع ، ويركز على التنمية البشرية ثم على التنمية المستدامة من هنا تمت بلورة مفهوم الحكم الصالح ليحّول النمو الإقتصادي إلى تنمية بشرية مستدامة مرتبطة بمصالح الأجيال الراهنة واللاحقة وهذا ما يمكن الفقراء والمهمشين من المشاركة بثمارها عبر التمكين .
ولقد أشار الرئيس الجزائري في خطاب له بكل صراحة وجرأة وقال : { بأن الجزائر دولة مريضة بالفساد ، أي مريضة في إدارتها ، مريضة بممارسات المحاباة ، ومريضة بالمحسوبية والتعسف بالنفوذ والسلطة ، وعدم جدوى الطعون والتظلمات ، مريضة بالإمتيازات التي لا رقيب عليها ولا حسيب ، مريضة بتبذير الموارد العامة بنهبها بلا ناه ولا رادع } .
أنه كلام أعلى مسؤول في هرم السلطة يؤكد على وجود الفساد كما يؤكد على أنه مرض قاتل لمؤسسات الدولة ، إنه طبعا كلام مسؤول ، لكنه يتضمن الشجاعة والجرأة مع وجود النية الصادقة لمعالجة هذا المرض الدول العربية وموقعها في لوائح الفساد :
تصنف الدول العربية في مقدمة الدول التي يعشش فيها الفساد وجميع الحكام العرب في مختلف دولهم قالوا بأنهم سوف يحاربون الفساد ويقضون على المفسدين . جميع الأنظمة العربية بدون استثناء قالت بأنها سوف تحارب الفساد لأنه قاتل لمراكز الدولة وموهن لمفاصل المجتمع . وعلت التصريحات واطمئن الشعب لها بأنه سوف يتخلص من مرض خطير لأن المسؤولين يعترفون بذلك .
لكن المصيبة بأنه لم تتم معالجة الفساد ، ولم تتخذ التدابير الكفيلة للقضاء عليه ، لأن المسؤول يرى الفساد لكنه يسكت عنه ، والمواطن لا يستطيع تسيير أموره إلا إذا دفع أتاوة للموظف صاحب الشأن وقد تكون هذه الأتاوة ظاهرة أحيانا ومخفية أحيانا أخرى لأن العلانية في تناول الرشوة أو الأتاوة إنما تدل على الحماية الكاملة للفاسدين من قبل أصحاب النفوذ والصلاحية ، وإن تراخي السلطة في محاربة الفساد وتحديد مواقعه يجعل الفساد يتجاوز حدود الاستثناء ليصبح ظاهرة تهدد المجتمع في نظامه الاجتماعي والقيمي والأخلاقي كما تهدد توازنه الاقتصادي ، بل وكيانه بشكل عام وقد قيل : إن وجود الفساد في الدولة ينخر جسم المجتمع ويضعف مؤسساته ويقلل من عمر الدولة ..
فالدول العربية تخشى محاربة الفساد لأنها سوف تحارب بعض مسؤوليها ، وطريقة نظام الحكم فيها .
في الولايات المتحدة يعتبر المجتمع الأمريكي أن الهدية التي تقدم إلى رئيس الدولة نوعا من الفساد ولذلك يجري الإعلان عنها فور تسلمها ، ويصدر بها قرار من أجهزة أخرى للموافقة على قبولها وضمها لخزينة الدولة ـ الفساد والحكم الصالح ص172 مركز دراسات الوحدة ـ بينما في الدول العربية تنضم جميع الهدايا وجزء من المعونات التي تقدم للشعب إلى جيوب وخزائن الذين يتلقونها ، في دول أوروبا الشعب يحاكم السلطة ويحاسبها عن جميع أنواع الخلل والمظاهر المرضية في الإدارة ويسألها عن إدارة المال العام وطريقة التصرف به ، ولديها أجهزة رقابة قوية على جميع المؤسسات العامة وأنشأت منظمات لمكافحة الفساد .
أما الدول العربية فقد شجع على تنامي الفساد ، وعلى تواجده في مختلف الميادين غياب أجهزة الرقابة وعدم فاعليتها ، وإعتبار المال العام ملكا خاصا كأن الدولة ليست من الشعب أو أن هذا الشعب ليس من هذه الدولة وغاب العقد بين الفريقين ، فلا رقابة ولا محاسبة وهذا في النهاية يؤدي إلى دمار وخراب الدولة وضعفها ، كما يؤدي إلى انحلال القيم وضعف الأخلاق .
لقد عم الخراب وكثر الفساد ، وانتشر خراب النفوس واصبح همها البحث عن الغنيمة بأي وسيلة كانت ، فكل يتقاضى حسب حجمه فالكبير حصته كبيرة والأقل حصته أقل وهكذا تتقاسم المنافع بحسب الأحجام .
إن الولاء شيء مقدس مثل ، الولاء للوطن ، الولاء للحقيقة .. للحرية ، للتضامن ، لمصالح الشعب للبعد الواحد لماذا يغادر كل منا ذاكرته ؟؟!! وينسلخ عن جلده ، ويبتعد عن طرح السؤال الذي يهم الجميع وهو : أين الوطن ؟؟
أليس الوطن فوق الجميع ، ومصلحة الوطن فوق المصالح الخاصة تمشيا مع قاعدة لا شيء يعلو على الوطن وبحثا عن مقولة : أنا أكبر فيك يا وطني فلا تجعلني صغيرا ، فإن كنتَ عملاقا فأنا أيضا أكون كذلك . والعمل على ترسيخ قاعدة الوطن فوق الجميع فوق كل المسؤولين لأن غطاء المسؤول مهما علا هو الوطن وليس المسؤولية .
وهكذا فأنا أقول دائما : يعز علي يا وطني أن أرى المفسدين يفتحون أبوابك الخلفية والأمامية في وضح النهار وعلى مرأى الجميع ليعيثوا فسادا في داخلك ، إنني أعيش فيك يا وطني أحملك أغنية ، قصيدة على شفاه الجراح ، لماذا لا تحملني ـ أنا المواطن ـ في ربوعك صافيا نقيا ، لماذا تدع أيادي الفساد تعبث في ربوعك وأنت قادر على تقليم أظافر المسيئين والمفسدين ، حقا ما تقول بأنه من دون ديمقراطية حقيقية ، ومن دون نظام تداول السلطة لا سبيل لمكافحة المفسدين وبدون حرية وشفافية وتعددية وأنظمة إدارية وتشريعية ليبرالية لا مجـــال لتطهير مؤسسات الدولة والمجتمع من عصابات المجرمين والمنتفعين والمرتشين .
الشفافية التي ينادي بها المسؤول ويطلبها المواطن وكسر أذرع الفساد وبيان الأمور على حقيقتها ليست حلما بل قد تكون واقعا حقيقيا بتضافر الجهود ووجود النوايا المخلصة . وقد كان وما زال الفساد أحد الأسباب الهامة لتأخر الوطن العربي وتخلفه عن ركب الحضارة في العالم .
لذلك نرى أن الفساد يؤثر على التنمية وعلى إقتصاد الدولة :
فبالنسبة للنواحي الإقتصادية فإن الفساد يضعف الإقتصاد ، وقد بدأ الإقتصاديون يدركون أن الفساد يؤثر سلبا على تطوير السياسات الإقتصادية ، ويؤدي إلى تدني معدلات الأداء الإقتصادي والإداري . ومن ذلك فإن محاربة الفساد يجب أن تتجاوز النطاق الإداري لتصبح عنصرا مهما في استراتيجية شاملة تعالج جذور المشكلة ككل والمتمثلة في تخلف الإصلاح السياسي والإقتصادي ، وتدني كفاءة مؤسسات الدولة ، وغياب الديموقراطية وانعدام الشفافية والمساءلة . وإن ذلك ينطبق على المنطقة العربية التي قد يتجلى بها الفساد الكبير ، أي الفساد على أعلى المستويات والمرتبط بالصفقات في المقاولات وتجارة السلاح . وعلينا أن لا ننسى أن :
ـ الفساد يبعد المواطن عن الوطن ويقذف به إلى خارج الوطن وتهاجر العقول المعطاءة التي يحتاجها الوطن إلى الخارج ، ويولد حالة من الإغتراب بين المواطن وسلطاته الحاكمة ، مما يجرد السلطة من الشرعية .
فمحاربة الفساد هي جزء من عملية لإرساء قواعد الحكم الرشيد ( الحكم الصالح ) الذي يتضمن حكما ديموقراطيا فعالا ، ويستند إلى المشاركة والمحاسبة والشفافية ، ويرسخ نظم الشفافية والمساءلة في مؤسسات الدولة ، وهي عملية تتطلب تضافر جهود كافة فئات المجتمع بما فيها قوى الإصلاح ، وكافة المؤسسات المدنية التي تسعى لإرساء نظام ديموقراطي ، تسود فيه حرية الرأي وحرية الإعلام .
ـ المرجع السابق ص236 ـ
ـ
ومن هذا نخلص إلى القول بأنه لا بد من تشجيع عملية الوعي من أجل الوصول إلى عملية البناء ، والتشجيع على الإصلاح السياسي ، وتشجيع أصحاب القيم والسلوك والغيرة على الوطن للوقوف في جبهة الحرب المعلنة على الفساد ، ولا بد من أن نتساءل :
أين النزاهة والسلوك المهني ؟؟ أين الموظف الذي يتطلع لإرتقاء ونهضة وطنه ؟؟ !!
إن عدم تمكين المواطن ومشاركته في صياغة القرارات التي تتعلق بحياته ، وشعوره بعدم العدالة في التوزيع وشعوره بعدم الأمان جعل الموظف يشعر بعدم الإلتزام بالنزاهة والتجرّد والامانة والاستقامة حيث لا يتمّ معاملة المواطنين بشكلٍ متساوٍ كما ان غالبية الموظفين يجيزون لأنفسهم قبول هدايا صغيرة واكراميات وبخشيش ورشاوى لإنعدام الرقابة فهناك عمارات وقصور .. وفيلات وراقصات ... وخمر وحور عين .. وأغان مبهجة وثروات طائلة حصل عليها أناس بدون مقابل ؟؟ بلدي أنت معطاء وسخي علينا جميعا بحق ، ولكن لماذا على المفسدين الذين يدمرون بناء مؤسساتك ، لماذا على الذين لا يحرصون على مصالحك بل همهم مصالحهم الخاصة ؟؟
فعندما تتهاون وتضع سيفك بعيدا عنك تشعر يد الفساد بأنك لا تستطيع أن تطالها لقد رميت سيفك أيها الوطن ، وعرف جميع المفسدين أنه قد سقط السيف ولم يبق بيدك إلا الغمد فراحوا يركضون ويتسابقون لإستلاب خيراتك وخيرات مواطنيك يمدون أصابع الفساد إلى كل المرافق .
وهكذا يدب الفساد وأول ما يبدأ في إدارات الدولة وذلك نتيجة لما يلي :
1 ـ ضعف الإدارة والتسيير الإداري يجعل الفساد مطروحا على الطرقات ، ومرشوشا بين المكاتب وكراسي العاملين وإن الكثيرين من المسؤولين يتهربون من دفع الضرائب ، وإن نسبة عالية من أصحاب النفوذ يتهربون من دفع هذه الضرائب بصورة علنية أو سرية وإن إحصائية تقول إن 64%: من المتنفذين هم الأكثر تهرباً من دفع الضرائب
2 ـ عدم تحقيق العدالة الضريبية لأن تحقيق العدالة في توزيع الضرائب يجعل المواطن مطمئنا بأنه يدفع ما يتحقق عليه فعلا وغير مظلوم بذلك عندما تكون الضرائب غير مدروسة دراسة صحيحة بحيث تحقق العدالة التي ينشدها المواطن تجعله دائما يشعر بالظلم والحيف ، سيما وأن هناك 8.% منهم يرون أن الضرائب لا تطال المواطنين على قدر دخولهم ويعتبرونها غير عادلة وغير منصفة لهذا يعتبر مبدأ التهرب الضريبي لا بد منه لأنه مكسب يحققه التاجر نتيجة فقدان العدالة .
3 ـ لا توجد خطة فاعلة لمحاربة الفساد ، ولا نظريات صحيحة لمعالجة أمور المواطن وحل مشاكله وتخليصه من مخالب الفساد ، وهناك مخلص جمركي يتقاضى أجرا على تخليص البضائع ، فهل يحتاج الوطن لمخلصين من الفساد .
4 ـ غياب الرقابة الشعبية ، رقابة الشعب والمؤسسات المدنية على القطاع العام فغياب هذه الرقابة جعل تنامي الفساد أمرا عاديا فالمسؤولون ومن يلوذ بهم والمتنفذين يستطيعون تناول وجبات شهية من الرشاوى دون مساءلة أو محاسبة والرقابة تغض الطرف عنهم ، لأنهم قد يلحقون الأذى بأفرادها .
وبالرغم من أن تناوب معاول الإصلاح ومطارقه لم تستطع كسر صخرة الفساد الراسخة على قمم المنتفعين فلا بد من وضع حد لهذا السرطان المتفشي في جسم الدولة فما هي أهم الوسائل لمحاربة الفساد ؟؟!! :
أولا ـ لا بد من رقابة فاعلة وحقيقية تبقى مفتوحة العينين للوقوف على أهم مصادر الفساد ومنابعه وتتمثل في :
1 ـ جهاز رقابة أو مؤسسة عامة من أصحاب الضمير والسلوك الجيد يتمتع بصلاحية واسعة يمكنه تقديم الإشارات عن أصحاب الفساد في مختلف الدوائر ومؤسسات الدولة مهما كانت مكانتهم بحيث تتوفر الحماية الكاملة لهم من أيدي الفاسدين . على أن لا يحتاج هذا الجهاز إلى جهاز آخر لمراقبته .
2 ـ إرساء قواعد الديموقراطية في جميع القطاعات العاملة والهيئات الرسمية والشعبية ودعم حرية الكلمة لفضح كل ما هو مسكوت عنه . وممارسة الديموقراطية بصورة صحيحة تجعل منها عيونا لرؤية الفساد ومن يقوم به ويشجع عليه .
3 ـ إعطاء الإعلام حرية الرقابة ودورا حقيقيا من أجل كشف وفضح الذين يتعاطون مع ملفات الفساد وفضح الأساليب التي يتبعونها . وإعتبار الإعلام والصحافة السلطة الرابعة التي يمكن أن تصحح مسار العمل بشكل صحيح .
4 ـ إعطاء دور فاعل للقضاء ضمن قوانين صارمة من أجل فرض عقوبات على مؤسسي الفساد وعلى من يعملون لمخالفة
تلك
القوانين والعبث بها . وإحداث تشريع واضح في القانون الجزائي لملاحقة جميع الذين يتعاطون بمهنة الفساد .
وكذلك مراقبة القضاء بواسطة هيئة تفتيش قضائية صارمة لا تتبع للسلطة التنفيذية لها عنوان واضح هو مصلحة الوطن ، وتفعيل دور مجلس القضاء الأعلى .
5 ـ صياغة القوانين بشكل تخدم المواطن وعدم التضارب بين القانون واللوائح التنفيذية والتفسيرية بحيث تفقده مضمونه .
6 ـ تطبيق الديموقراطية في إدارات الدولة ، بحيث تكون المراقبة للشعب على جميع مؤسسات الدولة وعلى كافة مرافقها .
وأشير هنا بأنه قد جاءت في الأيام الأخيرة لائحة الصرف من الخدمة لبعض القضاة المشكوك بنزاهتهم ، رغم أن هؤلاء هم جزء من كم هائل من الموظفين الذين يتوزعون في مختلف وظائف الدولة .
وقد نسمع بصرف بعض الموظفين من هنا وهناك لكن تبقى المحاسبة والمراقبة هي الأصل لقد برز المسكوت عنه فجأة ، وأصبح الإعتراف بوجود الفساد واقعا ملموسا لكن تبقى الآلية الصحيحة لكشف جميع أصحاب الضمائر الضعيفة وفضحها وإرساء قاعدة الوطن فوق الجميع ، والمصلحة العامة قبل المصالح الخاصة وهي ملك كل المخلصين والشرفاء لا يجوز العبث بها وتدميرها .
ولا بد من أن نشير على ان الفساد ليس ظاهرة إقليمية بل اصبح ظاهرة عالمية يطوف جميع بلدان العالم مثل تجارة المخدرات ، وتجارة السلاح ، وتبييض الأموال وغير ذلك من أوجه الفساد المنتشرة وقد تداعت دول الأمم المتحدة لوضع برنامج لمحاربته والتعاون على تقليص مساحته .
وقد قال ابن خلدون في هذا المجال \ إعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم . وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك ، وعلى قدر الإعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الإكتساب || ـ انظر مجلة المستقبل العدد 3.9 ص94 ـ
لكن
المهم هو أن ننظر إلى بلدنا ، ونراقب صحة جسده وخلوه من كافة أمراض الفساد وغيرها حتى يتمكن من مواكبة السير على طريق العطاء وعبر آلية النهج الديموقراطي السليم .
فتطبيق الديموقراطية ، وإعطاء حرية الرأي ، والإصلاح السياسي هي السبيل لمكافحة ظاهرة الفساد .