الخطاب الإعلامي السوري وتصريحات خدام

 حسين العودات

 

بقلم :حسين العودات

 

تعامل الخطاب الإعلامي السوري مع تصريحات عبد الحليم خدام النائب السابق لرئيس الجمهورية السورية في مقابلة أجرتها معه قناة (العربية) بردود فعل انفعالية منفلتة وبدون ضوابط أو حدود، لم تأخذ باعتبارها لا صداها لدى المتلقي ولا مدى موضوعيتها أو صدقيتها لدى القارئ والسامع والمشاهد.

وقد بالغت ردود الفعل هذه بشتم خدام واتهامه بأبشع التهم بحيث لم تبق أية إمكانية لإيجاد تهم جديدة مع نهاية اليوم الأول من بدء الهجوم، ودون أن يقف الخطاب الإعلامي السوري وقفة موضوعية شاملة تجاه هذه التصريحات أو تحليلها.

وتفنيدها ثم الرد عليها بالمعلومة والدليل والبرهان كما هو مفروض بالرد الإعلامي أو على الأقل بالاستنتاج الصائب المبني على مقدمات تحاول إثبات تهافت التصريحات وبطلانها، وتنتقل بعد ذلك لاتهام خدام بتهم ينبغي أن تكون من نسيج تصريحاته واتهاماته تتواءم مع حجمها ونوعها كي تكون معبرة ومؤثرة.

واستسهل الإعلام السوري رد الفعل بلا حدود وبلا ضوابط له. مما أساء للخطاب الإعلامي نفسه (قبل أن يسيء لخدام) وأظهر ضعفه وانتقائيته وعدم احترامه للمتلقي (قارئاً ومشاهداً).

ركز الخطاب الإعلامي السوري رده في اتجاهات ثلاثة:

الاتجاه الأول: إطلاق سيل من الشتائم والسباب والاتهامات لخدام فاعتبره (مزيفاً وانتهازياً ومتسلقاً وفوقياً ونرجسياً ومستعلياً ومتواطئاً وجاسوساً وعميلاً) كما اتهمه بأنه (معرقل ومعيق لعملية الإصلاح والتطوير).

ويتحمل (مسؤولية الجانب الأكبر من الأخطاء المتراكمة في لبنان) وهو (خائن للحزب والوطن وخارج على مبادئه وقيمه وتقاليده النضالية).

الاتجاه الثاني: انتقد فيه الخطاب الإعلامي السوري خدام من منطلق أخلاقي (وليس من منظور سياسي) فهو أنكر النعمة التي استمتع بها خلال عشرات السنين (معتبراً أن السلطة نعمة بديهياً) وضخم انحراف الموقف الأخلاقي الشخصي لخدام، مع أن تصريحاته سياسية.

وليست أخلاقية بل أنه اعترف بتعامل الرئيس الأسد معه باحترام وتهذيب، ولم ينتقد الحزب الذي عاش فيه خمسين عاماً، كما لم يتخذ موقفاً غير أخلاقي من أحد. ومع ذلك فالقضية ليست قضية أخلاقية بل سياسية بامتياز.

الاتجاه الثالث: أشار الخطاب الإعلامي السوري (بخجل) إلى أن خدام كان شريكاً كامل الشراكة في النظام السياسي وبالتالي فهو يتحمل المسؤولية كاملة عن النواقص والأخطاء والخطايا.

وخاصة في الملف اللبناني الذي تولاه خلال ما يقارب العقدين، والملف الداخلي حيث كان رأس حربة فيه، ومشاركاً فعالاً في سياساته وتجنب الخطاب الإشارة إلى هذه الأخطاء والمسؤوليات التي اعتبر خدام شريكاً فيها، وكأنه وحده المسؤول عنها.

كان من المفروض بالخطاب الإعلامي السوري ليؤكد مصداقيته أن يشير إلى القضايا التي تهم الوضع الداخلي التي أشار إليها خدام.

لقد أهمل الخطاب الإعلامي السوري معظم تصريحات خدام التي سمعها الشعب السوري أكثر من مرة بطريق القنوات الفضائية، بينما صب سخطه وغضبه وكرس جهوده لإدانة خدام لا بالدليل والحجة التي لا يفتقدها، وإنما بالشتائم.

لم يحاول الإعلام السوري استخدام المعلومات والوثائق التي لا شك أنه يملكها، أو إجراء مقابلات مع رفاق خدام في الحزب والدولة، ليبين للمتلقي مواقفه الخاطئة (إن كانت موجودة فعلاً) كما لم يحاول أن يتناول القضية بما هي موقف سياسي شامل ينبيء بمرحلة جديدة وظروف جديدة يتعرض لها النظام السوري.

واستعاض عن هذا كله بالنقد والتجريح الذي قد يصدم المتلقي ويعجز عن كسب موقفه أيضاً، فضلاً عن أن هذا التوجه يدين الحزب والنظام السياسي الذي بقي خدام في قمة قيادته حوالي أربعة عقود.

ولاشك أن تجاهل الخطاب الإعلامي هذا كله والتركيز على جانب وحيد والاحتماء بالجوانب الأخلاقية والكلمات المضخمة والتهم غير المسبوقة أضعفه وربما جعل أداءه سلبياً، ولعله بدلا من إدانة خدام بالحجة والوثيقة والمعلومة والتحليل ترك مجالاً لنفور المتلقي من هذا الخطاب وأسلوبه ومضمونه، وتحييد نفسه أو الانتقال إلى الضفة الأخرى.

لسنا بوارد تحليل تصريحات عبد الحليم خدام، ولا في مجال تصديقها أو تكذيبها فهذا يحتاج لدراسات وتحقيقات ووثائق ولجان، ولكن لا ينبغي للخطاب الإعلامي القفز فوق هذه الافتراضات دفعة واحدة والوصول مباشرة إلى الحكم عليه بالخيانة العظمى.

وهو اتهام خطير لا يليق أن يوجه إلى شخصية حزبية وسياسية شاركت في دائرة القرار عدة عقود دون بينات وأدلة، فذلك يضعف ثقة الناس بشخصيات أخرى ويجعلهم يفكرون باحتمالات عديدة عند تحديد مواقفهم من النظام ومن الشخصيات السياسية القيادية، كما يشكك بمصداقية الإعلام وأهليته.

كاتب سوري