في أزمة الدكتاتوريات ومستقبل العمل الديمقراطي

ياسين الحاج صالح

بعد طور الدكتاتوريات الوطنية المستقلة والأنظمة الأبوية الذي تلا الاستقلال وانتهى عام 1973، وعهد الأوتوقراطيات والدكتاتوريات العائلية والحروب الطائفية الذي انتهى بسقوط بغداد 2003، ينتقل المشرق العربي إلى ظل الهيمنة الأميركية مشوش اللب، منحدر المعنويات، منقسما على نفسه. ليس الانتقال هذا اقترابا من الديمقراطية أو من حكم مدني مستقر، وإن توافق مع انطواء عهد الدكتاتوريات المركزية شبه المستقلة. فالديمقراطية غير ممكنة في سياق تاريخي متسم بإضعاف الدول وانقسام المجتمعات. وهي، وليس الدكتاتورية، التي تتطلب تناميا في "كمية" السلطة المتاحة للمجتمع والقوى الاجتماعية للتحكم بنفسها والسيطرة على شروط وجودها السياسية. والديمقراطية في ذلك مثل الاشتراكية التي تقتضي، وفقا لرؤية ماركس، تقدما كبيرا لقوى الإنتاج. وكما الاشتراكية في بلد متخلف وصفة للاستبداد، فإن الديمقراطية في بلد غير مستقل ومسيطر على نفسه وصفة لعدم الاستقرار.

ما بعد الدكتاتورية
أدخل الاحتلال الأميركي للعراق الدكتاتوريات المشرقية في أزمة ظاهرة للعيان، تتجلى على شكل تخبط سياسي وخوف من المستقبل والسعي إلى التفاهم مع السيد الامبراطوري ومحاولة إثبات منفعتها ودورها، والتهديد بإفلات المجتمعات المقيدة وانتشار الفوضى. الأزمة أكيدة، لكن ماذا بعد؟ يبدو لنا أن أزمة الدكتاتوريات الشرق أوسطية الراهنة لا تنفتح، خلافا لدكتاتوريات أسبانيا والبرتغال واليونان قبل 30 عاما، على الديمقراطية وحكم القانون بل على انهيار الدولة والنزاع الأهلي. هذا لأن الدول المحتلة من قبل الدكتاتوريات تكاد تكون القوى المنظمة الوحيدة في المجتمعات المغلولة. هذا كلام يرضي الدكتاتوريات؟ ربما، لكن ليس لحرصنا على عدم إرضائها أن يدفعنا إلى التعامي عن احتمالات قد يجدي تبصرنا في الحد من أسوئها. الأسئلة المفيدة، والحالة هذه، هي: أية سياسات هي الأنسب لتجنب الأسوأ؟ كيف يمكن تدعيم القوى المنظمة والعقلانية والمعتدلة بما يمكن من اختزال مخاطر الصراعات الأهلية؟ ما الذي يمكن للديمقراطيين عمله للمساهمة في جعل آلام مرحلة ما بعد الدكتاتورية مرحلية وعابرة؟
ما يحتمل أن نشهده خلال الجيل التالي هو حالة من عدم الاستقرار الكياني قد تتجاوز العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، لتصيب دولا في الخليج، أو حتى مصر. وأكثر ما يخشى في القادم من العقدين أو ربع القرن هو انفلات العنف من أيدي أنظمة الحكم واندياحه في الشارع، دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار الدولة ونشوب حرب أهلية كلاسيكية من النوع اللبناني. يمكن أن تنشأ مقاولات قمعية تشرف عليها بعض استطالات دولة مخلعة الأركان، متعددة الرؤوس، كثيرة الأذرع، متنافرة الإرادات، متنوعة العقلانيات، دولة أهلية لا تمثل حلا للحرب الأهلية بل أحد وجوهها واستمرارا لها. ومع التغير المحتمل في الفاعل القمعي من المحتمل أن تتغير طبيعة القمع. كان السجن هو رمز القمع الأساسي في طور الدكتاتوريات الوطنية، التحقت به المجزرة والمقبرة الجماعية في طور الأوتوقراطيات والحروب الأهلية، قد تضاف إلى الاثنين عمليات التطهير الإثني أو الطائفي، وكذلك الاختطاف والقتل المفرق أو الواسع على يد كتائب موت في الزمن الآخذ بالانبساط أمامنا. وذو دلالة أنه في زمن الحرب اللبنانية (وقد كانت أهلية وإقليمية، وعالمية أيضا، شأن كل حرب أهلية ممكنة في مجالنا "الشرق أوسطي") برزت المذابح والتطهير الإثني والاختطاف فيما غاب السجن، المرتبط تاريخيا بالدولة. هل نحن مقبلون على أيام يبدو السجن فيها ترفا؟ الأرجح، إن حصل ذلك، أن أبطال عهد السجن هو ذاتهم أبطال عهد المذابح والتطهير. ذلك أن الدكتاتوريات السجانة لا تعدو كونها حروب أهلية مجمدة. ولعل اعتمادها فرط المجتمع ومنعه من الانتظام الذاتي إعداد لمستقبل من الفوضى، يمكن أن يدفع الناس للترحم عليها.
الجوار الأميركي يدفعنا للتفكير في نموذج بعض دول أميركا اللاتينية. لم تكف الولايات المتحدة عن "نقل الديمقراطية" إلى دول مثل بوليفيا والسلفادور وتشيلي ونيكاراغوا وهايتي وكولومبيا. كانت ترعى كتائب موت أشرف عليها في بعض الأوقات السفير الأميركي السابق في العراق جون نغروبونتي. اليوم، بلاد المشرق العربي مرشحة للقيام بدور أميركا اللاتينية للفرع الشرق أوسطي من الامبراطورية الأميركية. انسحاب الجيش الأميركي المحتمل من العراق لا يضمن تراجع احتمالات التطهير العرقي ومقاولات القتل هذا، بل بالعكس قد يشجعها ويجد فيها بديلا.

الديمقراطية ليست غدا، فلنفكر بطريقة مختلفة!
هذه تقديرات مشؤومة، لكنها قد تكون محتملة بسبب ضعف الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية والقيم العامة والوطنية في مجتمعات المشرق. والضعف هذا هو ما يحد من توقعاتنا الإيجابية حول آفاق الديمقراطية أو الحكم المدني في المشرق. إن الفعل المتضافر لكل من القوة الأميركية المتطرفة والأنظمة العصبوية المافيوزية المتفسخة المتطرفة بدورها والمجتمعات الأهلية غير العقلانية قد أضعف العناصر المدنية والعقلانية في دولنا ومجتمعاتنا وثقافتنا. تركيب الديمقراطية غير ممكن على نظام التفاعلات هذا. ومحاولات فرضها قسرا تعطي نتائج معكوسة.
الأمر يقتضي تبديلا في منظورات المثقفين والديمقراطيين التحليلية والعملية. في سوريا بالذات هذا راهن: فقد أخفقنا في الدفع نحو الديمقراطية خلال "ربيع دمشق"، إن لم نبدل تفكيرنا ومناهجنا، وحتى حساسيتنا، فسنخفق مرة أخرى. ينبغي أن يكون هذا بدهيا.
مهم، أولا، توسيع زاوية نظرنا إلى الواقع في اتجاهات ثلاثة: تاريخي وكوني وبنيوي. ضيق منظورات كثيرين منا تجعل كلامهم اجتراريا لا يحمل جديدا. نتوقع ما سيقوله هذا الكاتب أو ذاك قبل أن نقرأ ما يقول.
بداية يشكو الوعي الديمقراطي الشائع، وأكثر منه الوعي الليبرالي، من الغفلة عن التاريخ. إما أن نغرق في شريحة ضحلة من الحاضر، أو نقفز إلى التاريخ القديم، بالتحديد العصر الإسلامي الأول، بحثا عن زلل أصلي. كذلك إما أن ننحبس في إطار دولنا القائمة، أو يذهب بنا الفكر إلى أمريكا بحثا عن مؤامرة أولى، أو عن منقذ أول. وأخيرا، إما أن نرتهن إلى تموجات السياسة الظرفية وحدها، أو نذيبها في ثقافوية جوهرانية بحثا عن عطب أصلي. ما نسقطه في الحالة الأولى ليس عصورا بأكملها (العصر المملوكي والعثماني وعصر التنظيمات ومرحلة الاستعمار الغربي ومرحلة الاستقلال..) بل أولا الحس التاريخي. وما نسقطه في الحالة الثانية ليس أوربا وروسيا والصين وإيران وتركيا، ولا حتى إسرائيل والدول العربية، بل "الوعي الكوني"، أو إدراك البعد العالمي للسياسة والإعلام والدولة والاقتصاد... وما نغفل عنه في الحالة الثالثة ليس الاقتصاد والدين والثقافة بل الحياة الاجتماعية الدنيوية، حياة الناس الملموسين حولنا.
توسيع المنظورات يحسن قدرتنا على فهم الدكتاتوريات العدمية الحاكمة وعلى بناء حركات مقاومتها.
تلزم، ثانيا، مراجعة تصورنا البسيط والمبسط للديمقراطية الذي لا يتخيل أن الديمقراطية يمكن أن تكون مشكلة لأنها بكل بساطة حل أو الحل. إن العائق الأول أمام نقد الديمقراطية في البلاد العربي هو انعدامها. فنحن نحاول دعم قضيتنا ضد أنظمة قمعية برفع شعارنا المركزي إلى مرتبة المطلق الذي يحرم نقده. لكن هذا منطق تعبوي يلحق الضرر بمطالب الفهم والعمل معا. يتعين جرد ملامح التصور الحالي للديمقراطية ونقده من أجل بلورة نظرية للانتقال الديمقراطي في البلاد العربية.
النقطة الثالثة تمس مفهوم العلمانية. في مواجهة علمانويين يجعلون العلمانية معيارا مطلقا ومنظورا وحيدا أو أفضليا لرؤية السياسة والثقافة، يجنح بعضنا إلى التنكر للعلمانية أو تجاهل المسألة ببساطة. هنا أيضا ثمة عنصر تعبوي. في رأينا أن العلمانية أهم من أن تترك للعلمانويين. ويتعين على الديمقراطيين العمل على بلورة نموذج معتدل وعقلاني للعلمانية العربي، يحد من مخاطر الطغيان الديني المحتمل دون أن ينزلق إلى تسويغ الاستئصالية أو التحالف معها، أو إثارة حالة هستيريا ضد الخطر الأصولي المزعوم.
النقطة الرابعة تمس الوتائر والإيقاعات الزمنية. ربما ينبغي التحرر من الشعور بأننا "ملحوقون"، بأن مسألة التغير الديمقراطي وشيكة، وبالخصوص التحرر من المطابقة العفوية بين انهيار الأنظمة الحالية وبين حلول الديمقراطية. هذا مهم من أجل "إقامة الحد" على العنصر التعبوي والتحريضي في فكرنا. إن النزوع التعبوي يلحق الثقافة بالسياسة، وهو المسؤول الأول عن أكثر التشوهات التحليلية والبرنامجية في عمل الديمقراطيين. بالمقابل، إن الفصل بين التعبئة والتحليل ضروري جدا من اجل سلامة التحليل، وربما من اجل نجوع التعبئة ايضا. مسألة الإيقاع تتصل ايضا بالنبرة الساخطة والعنيفة في الكتابة النقدية، وبالعنصر النبوئي الكثيف في كتاباتنا. السكينة والسداد، ومقاومة إغراء النبوءات الكارثية أو الخلاصية، صفات يحسن تعهدها لدى الفاعلين العامين.

..ولنعمل بطريقة مختلفة!
ثمة أيضا حاجة إلى تبديل في منظوراتنا العملية والنفسية.
الرؤية المركزية هنا هي العمل على تنمية عناصر العقلانية والاعتدال والمدنية في الدولة والسياسة والثقافة.
في المقام الأول، الدكتاتورية تقوم على نهج فرق تسد، وبالخصوص الدكتاتوريات التي تلفع سيطرة أهلية. التفريق هنا غريزتها الطبيعية. النجاح في نسج شبكات من التفاهم والتعرف وبث الثقة بين الناس، المختلفين دينيا ومذهبيا وإثنيا بخاصة، يساعد على إبطال نهج العزل والتفريق الدكتاتوري.
ثانيا، هناك أشكال من العمل العام المستقل غير شفافة موجودة أو آخذة في التكاثر في بلاد عربية عديدة، منها سوريا. المقصود مناشط ومنظمات غير حكومية أو نصف حكومية، حقوقية أو إعلامية أو ثقافية..، تجدد شباب الفساد الحكومي وتوسع قاعدته الاجتماعية نحو قطاعات مستقلة أو اقرب إلى المعارضة. هذه الأنشطة والمنظمات مخربة ثقافيا ومفسدة أخلاقيا وسياسيا. وهي مصدر استنزاف بشري ومعنوي للحركات الديمقراطية، الضعيفة أصلا.
النقطة الثالثة تتصل باستقلالية العمل الديمقراطي والحركة الديمقراطية، حيال السلطات، وحيال القوى الدولية النافذة (الأميركيون بالخصوص)، وحيال المجتمع الأهلي المحلي. والعمل بالمقابل على التنظيم الفكري والسياسي لأوسع قطاعات المجتمع، الشباب بالخصوص، من أجل تشكيل جبهة ضد الطائفية والقمع والفساد.
رابعا، احترام المجتمع والدفاع عنه، ليس سياسيا فقط، وإنما أيضا اجتماعيا وثقافيا أيضا. في بلادنا حوَلٌ فكري وسياسي شائع، يدفع بعضنا إلى محاربة المجتمع بدلا من معارضة السلطات. معارضون تحت راية الليبرالية اليوم، وأمس تحت راية الشيوعية، يجدون من واجبهم تحقير مواطنيهم وازدراء عقائدهم وتسخيف عقولهم. يمارسون نقدا بلا تضامن، يشكل الوجه الآخر لتضامن بلا نقد، من النوع الذي أدانه بقسوة المرحوم إدوارد سعيد. وبينما يفضي التضامن غير النقدي إلى شكل من أشكال العصبية القبلية، يقود النقد العاري من التضامن إلى عنصرية حقيقية، تتبرع بالجمهور العام للاستبداد، وقد تكون أحيانا قناعا لعصبية قبلية أخرى. إن النقد العلماني للذات، النقد الذي لا ينزلق إلى تنكيل بها وحط جوهراني وشامل من شأنها، هو وحده النقد المحرر.
أخيرا، الديمقراطية في المنظمات السياسية والحقوقية والمدنية أهم من دعوت هذه المنظمات إلى الديمقراطية. التدرب على الديمقراطية يبدأ الآن، حين تكون بأيدينا سلطة صغيرة. التدرب عليها بعد حيازة سلطة كبيرة، سلطة الدولة، قد يكون باهظ التكاليف.

..وقبل كل شيء، لنشعر بطريقة مختلفة!
بداية لست متشائما. أحاول أن أكون متبصرا فحسب. لقد كان هناك كثير من التفاؤل وكثير من المآسي في تاريخنا خلال نصف القرن الماضي. ليس التفاؤل هو الذي جلب المآسي، لكنه أضعف الحذر الضروري لاجتنابها. ويلحظ المرء بسهولة أن إيديولوجيات أنظمة الاستبداد العربية (وغير العربية) هي إيديولوجيات متفائلة، واثقة بالتقدم والحتمية، حسنة الظن بالطبيعة الإنسانية، مؤمنة بعالم منسجم ومكفول. ولطالما خدم تفاؤلها كفتوى من أجل قتل الخصوم الذين يعوقون المستقبل الوطني المشرق أو تقدم التاريخ أو استقرار النظام. في سوريا يحاكم نشطاء ومثقفون بتهمة "توهين نفسية الأمة" التي يفترض أن فايز النوري، الرئيس المزمن لمحكمة أمن الدولة العليا، والذي حكم ألوف السوريين عشرات ألوف السنين، أحد أطبائها والأمناء على سلامتها. محكمة أمن الدولة حصن التفاؤل الوطني!
ربما ينبغي نقد الحساسية التفاؤلية التي تجمع بين البلاهة والجريمة. الحرية رهان، ليس ثمة ما يضمن النجاح فيه لكن لا شيء يمنع من الكفاح من أجلها. سنبقى عبيدا على الدوام إذا كنا نريد ضمانات للنجاح قبل أن نعمل. إننا نعيش في عالم غير مكفول المعنى والغاية. لهذا الحرية ممكنة فيه. ولهذا هي رهان.
إن عدم الثقة بالعالم شرط إقامة نظام من الثقة في العالم.

شجاعة حذرة
هناك أفق جديد، معقد ومهدد في الغالب، ينبسط أمام جهود التحرر السياسي والمعنوي في البلاد العربية. وهو يقتضي مزيجا من الشجاعة والحذر، من الاستماتة والاحتراس.
تنحل مسألة التخلص من الدكتاتوريات في تعهد الوعي المدني وبناء الحركات المدنية وتنمية الحساسية المدنية وإطلاق العمل المدني. الدكتاتوريات لا تحكمنا لأنها أقوى منا فقط، ولكن لأن مناعتنا ضعيفة حيالها. هذا ما يعطي أهمية إضافية للتمدين الثقافي والسياسي والاجتماعي. ليس قطارنا السياسي والثقافة اليوم على سكة الديمقراطية. ينبغي وضع القطار على السكة أولا، و..أخيرا.