شكري القوتلي
بقلم المحامي
هيثم المالح
كان
وقع هزيمة
حزيران عام 1967
أليماً جداً
على الرئيس
المرحوم شكري القوتلي
كما على
المواطن،
توفي بعدها
متأثراً بعد
أن عانى من
المرض في أحد مشافي
بيروت وسمحت
السلطات
السورية
بدفنه في دمشق
.
معلوم
أن هذا الرئيس
المخلص عاش
عمره مناضلاً
مع رفاقه ضد
المستعمر الفرنسي
، وكان خلال
هذا النظام
ينفق من ماله
الخاص على
الشأن العام،
حتى نفد
المال، ثم
توفي أخوه،
وكان من
الأغنياء
المعدودين ،
فورثه ، إذ لم
يكن له وارثاً
سواه.
انفق
شكري القوتلي
ماله الذي
ورثه عن أخيه
على الحكم فلم
يكن يقبض راتباً
من الدولة، وحين
يأتيه معتمد
الرواتب
براتبه
يستخرج قائمة
من محفظة طاولته
، ويأمر
بتوزيع راتبه
على الموجودة
أسماؤهم في
هذه القائمة .
قبيل
وفاته كان كل
ما يملك:
المطعم
الأموي في السنجقدار
وكتلة بناء
قديم هدمت حين
نفذ الطريق
القائم فوق
جسر فكتوريا
وكذلك ثلاثة
أرباع قطعة
أرض مطلة على حديقة
الجاحظ غربي
أبي رمانة،
وجميع هذه
العقارات
كانت موضع حجز
لدى المصرف
التجاري
السوري.
أرسل
الملك فيصل
ملك المملكة
العربية
السعودية
رحمه الله
مندوباً هو
المرحوم ابن
لادن والد
الشيخ أسامة
، إلى شكري القوتلي طالباً
الأذن ليقوم
الملك بسداد
ديونه ، إلا
أن النفس الأبية
للرئيس القوتلي
لم تقبل بذلك
وبيعت
عقاراته
بالمزاد
العلني واشتراها
ابن لادن،
ودفع الثمن
إلى المصرف التجاري
السوري وهكذا
مات الرئيس وهولا
يملك فعلاً و
قولاً شروى
نقير. طلب ابن
لادن من محاسب
لديه هو
المرحوم نصوح المرستاني
أن يسجل
العقارات
باسم الأخير
ريثما يتم استصدار
مرسوم بتسجيل
العقارات باسمه
، إلا أن
المنية عاجلت
الرجلين
فتوفيا
بالتتابع،
وفي حينها كنت
قد عدت من
ليبيا فعينني
القاضي
الشرعي وصياً
على القاصرين
أولاد نصوح المرستاني
عقب وقوع
الخصام بين
هؤلاء الورثة وبين
ورثة ابن لادن
حول التركة.
ومن
خلال نفوذ تصفية
هذه التركة
أطلعت على
مالية
المرحوم القوتلي
وتيقنت كم كان
هذا الرئيس
شريفاً
عفيفاً نظيف اليد ،وفي
الوقت الذي
كان يشن عليه
اليسار
الاشتراكي
حملات ظالمة .كان المرحوم القوتلي يسكن
كما هو معلوم
حي الرئيس في الجسر
الأبيض في داره،التي
تحولت إلى متحفه
الشخصي .
وكان رحمه
الله كثيراً
ما يغادرها
إلى القصر
الرئاسي في
المهاجرين
مشياً على الأقدام
، دون حراسة
أو أي بهرج أو
أي شيء من هذا
القبيل.
وفي
أحدى المرات
كان يجد السير
صعوداً في "
طلعة العفيف"
وكان الطقس
ربيعاً وإذا باثنين
من أصحاب
الدكاكين
يجلسان على
الرصيف خارج
دكانيهما يتناولان
"الفول المدمس" وهي
الوجبة
المحبوبة لدى
الدمشقيين في
الربيع وما إن
شاهدا القوتلي
حتى نهضا وحيياه
ووجها له الدعوة
للمشاركة في
الطعام .
لم يرد الرئيس
الطلب وتقدم
إليهما
واقتطع قطعة
خبر وأكل لقيمات
معهما وتابع سيره .
أذكر
أنني حين كنت
طالباً
جامعياً
وأسكن مع أسرتي
في حي " عين
الكرش"، كنت
عادة أصلي
الجمعة في
جامع " لالا
باشا". وفي
أحدى الجمع لاحظت
الرئيس وقد حضر
للصلاة هناك
دون أي سرب أورتل
لسيارات
الحراسة أو أي
ضجة عند دخوله
المسجد فكان مثل
الناس الآخرين. وكان أحد
الذين معه
المرحوم عبد
الكريم العائدي
الذي كان معروفاً
بطوله، وعقب
انتهاء
الصلاة همّ
الرئيس
بالخروج، فاعتليت
المنبر" دون
أن أحضر أية
كلمة" ووجهت
انتقادات
لمديرية
أوقاف دمشق . الأدب الجم
الذي كان
يتمتع به
الرئيس دفعه
لأن يعود فيجلس
حين بدأت
الكلام
وانتظر حتى انتهيت
ثم خرج . لم
يعاقبني أحد
، ولم يستدعني
أي جهاز أمن
ولم أتعرض
لأية مساءلة.
أذكر
أنه كان للقصر
الجمهوري سيارة
واحدة قديمة
وفي إحدى
زيارات الملك حسين
ملك الأردن
إلى الرئيس
كان الاثنان
يستقلان
السيارة
باتجاه قصر المهاجرين
، وما إن وصل
الموكب إلى
العفيف حتى تعطلت
السيارة.
نزل الرئيس وضيفه
واستقلا
سيارة المرحوم
رشاد برمدا
الذي كان وزيراً
للدفاع يومها.
بعد
أيام قليلة
تقدمت
الحكومة
بمشروع قانون لإجراء
مناقلة
بين مادة في
الميزانية
إلى آخري
لشراء سيارة
جديدة للقصر ،
إلا أن النواب
الكرام وعلى
رأسهم
الاشتراكيون
عارضوا ذلك
وطلبوا إصلاح
السيارة وهو
ما تم فعلاً
ورفض تعديل
الميزانية،و
للمناسبة فقط
فقد كانت
معارض
السيارات إلى
جانب ثانوية
جودت الهاشمي
وكان المواطن
يستطيع شراء
سيارة جديدة
بثمانية آلاف
ليرة سورية وأحياناً
تقسيطاً. لو أردت أن
أسترسل
بالكتابة لما وسعتني
صفحات عديدة وحرصاً
على القارئ أن
لا يمل اكتفيت
بما كتبت ولدي
الكثير.
دفعني
للكتابة هذا
الفساد الذي
ينخر في جسم
الدولة. فإذا كان،
كما
قال"أعضاء
مجلس الشعب"، لدى
نائب الرئيس
المنشق عبد
الحليم خدام خمسمائة
سيارة، فلا
ندري كم لدى الآخرين. إلا أنني وغيري
من المواطنين نرى
"طروش"
سيارات بلا
حساب أمام
أبواب المسؤولين
أو محاسبيهم
والأقرباء والأصدقاء ،
وقد يكون حتى
الخادمات لهن
سيارات .
أما
المجندين
الذين يخدمون
في بيوت المسؤولين
فحدث ولا حرج
، فبدلاً من
أن يخدموا
الجيش يخدمون
في مكان آخر ،
والمشاهد
العادي يرى
الغرف
الخشبية خارج دور
المسؤولين
وفيها الأسرة
والتلفزيون ويجري
تنظيف سياراتهم
في الشوارع
بالماء بلا
حساب ودون اكتراث
لمخزونه في
الأرض .
هذه
الصورة التي
تراود مخيلتي
دائماً حين
ألمس النهب
المنظم للمال
العام والهدر
الكبير في ثروات
باطن الأرض من
مياه وبترول
وسواهما دون
أية محاسبة.
هل
يا ترى فكر
مجلس الشعب
الذي عقد جلسة
خاصة لتوجيه السباب
والشتائم
والتهم إلى
عبد الحليم
خدام بأن يحاسب
المسؤولين
عن هذه
الانحرافات
وهو الذي يمثل
الشعب كما يقولون
، هل شاهد
النواب
الكرام
الطرقات
السيئة المحفرة
وهل سأل هؤلاء
كيف يموت
الناس على
الطرقات
المليئة
بالحفر
وفتحات التصريف
المفتوحة
لسوء التغيير
دون أن يكترث
أحد؟ وقديماً
قال الشاعر:
إنا لفي
زمن ترك
القبيح به من أكثر
الناس إحسانا وإجمالا
نحن
مع محاسبة عبد
الحليم خدام
حول ما اقترفت
يداه أثناء
فترة وجوده في
سدة الحكم
ولكن مع فتح
سائر الملفات
من فساد
واختفاء
واضطهاد
وتصفيات
وانتهاكات
لحقوق
الإنسان وحتى
محاسبة مجلس
الشعب الذي
أصدر قوانين
خلافاً
للدستور حتى
يكون العمل
متكاملاً لا منحرفاً .
دمشق 8/1/2006 المحامي
هيثم المالح