عبد الحليم خدام ينحاز إلى الخيار الوطني.. فهل تطوى صفحة الماضي؟

محمد عبد الله الهدائي

 

 

منذ استلام الرئيس بشار الأسد السلطة، من خلال مهزلة دستورية جرت على خشبة مسرح ما يسمى "مجلس الشعب" السوري، والمعارضة السورية لم تكف عن إطلاق المبادرات المتفائلة المنطلقة من حسن النوايا، والمعولة على حسن طوية الرئيس الشاب وعلى صدق وعوده الإصلاحية. لقد وعد الرئيس بالإصلاح الاقتصادي والسياسي، ووعدت المعارضة بطيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة تتطلع إلى المستقبل بتفاؤل وإيجابية. ولكن مع انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم في سورية بعد خمس سنوات من الاختبار لنوايا الرئيس، وبعد تمكن حرسه الجديد من حسم الصراع مع الحرس القديم لصالحه، أعلنت السلطة أنها ماضية في غيها وطغيانها، فتراجع الرئيس علانية عن وعوده التي أطلقها، وفي نفس الوقت تخلى السيد عبد الحليم خدام، النائب السابق لرئيس الجمهورية وأبرز وجوه الحرس القديم، عن جميع مهامه ومناصبه الرسمية والحزبية. فهل هذا مؤشر إلى أن السيد خدام كان فعلا يدفع باتجاه الإصلاح وعندما وصل إلى الطريق المسدود تخلى عن مناصبه في السلطة؟

 

لقد كان تراجع السلطة عن وعودها أسرع مما يتوقع، حيث بادرت إلى إغلاق المنتديات السياسية والفكرية، واعتقلت الأحرار، ووأدت ربيع دمشق قبل أن تتفتح أزهاره، ولم يشكل المؤتمر القطري العاشر الذي خرج بقرارات مخيبة للآمال، إلا إماطة للثام عن جميع الأقنعة، وإجهازاً كاملاً على ما كان قد بقي من مصداقية مزيفة لتلك الوعود الوردية. وبدا واضحاً منذ ذلك الحين أن التعويل على هذه السلطة السادرة في غيها كالتعويل على توبة الشيطان، أو كحلم إبليس في الجنة، كما يقول المثل الشعبي. لقد أخلف الرئيس الأسد وعوده بالإصلاح، فهل تفي المعارضة بوعودها التي أطلقتها من خلال مبادراتها المتتالية خلال الخمس سنوات الماضية؟ هل تفتح المعارضة صدرها لتحتضن من استجاب لنداء الوطن، فتطوي معه صفحة الماضي، أم أنها ستخل بوعودها وتسير على منهج السلطة في نقض الوعود وتخييب الآمال؟

 

لقد كان واضحا منذ لحظة وفاة الأسد الأب أن نائب الرئيس السابق السيد عبد الحليم خدام لم يمارس صلاحياته، فخلال سبعة وثلاثين يوما، ما بين وفاة الرئيس الأب واستلام الابن منصبه، لم يظهر السيد خدام في الإعلام السوري كرئيس تنفيذي، كما كان ينبغي، بل جرى من اللحظة الأولى التعتيم على اسمه وتغييب وجهه وتهميش دوره بشكل شبه كامل، اللهم ما عدا القرارات التي كان يوقعها، دون معرفة لنا بالظروف التي كان يعمل فيها والملابسات التي كان يتحرك في إطارها. لقد اتضح من حديث السيد خدام في مقابلته التلفزيونية التي بثتها قناة العربية، والتي زف فيها للشعب السوري نبأ انشقاقه عن سلطة الاستبداد وانحيازه إلى الخيار الوطني والخندق المعارض، أنه لم يكن استثناءا حينما عوّل، كغيره من السوريين، على وعود الأسد الابن، فحاول الدفع نحو تسريع الإصلاح من داخل السلطة. وربما يكون الخطأ السياسي الأبرز الذي ارتكبه السيد خدام في تلك الفترة هو إلقائه للمحاضرة المثيرة للجدل على مدرج جامعة دمشق، والتي أكد فيها أن الإصلاح يجب أن يكون مدروسا ومتأنيا تحاشيا للفوضى وتجنبا للفتن؛ ما فهم على أنه تبرير للتراجع عن الإصلاح، خاصة أن أجهزة الأمن (وعلى الأرجح بإيعاز من الحرس الجديد الذي اتضح فيما بعد أنه الأكثر استماتة في الحفاظ على الامتيازات) استغلت تلك المحاضرة لتتخذ منها نقطة التحول عن النهج الإصلاحي المزيف تجاه العودة إلى مصادرة الحريات وقمع الأحرار وإغلاق المنتديات. إن ما خرج به المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث من قرارات يثبت لنا بشكل قطعي أن السيد خدام، أو الحرس القديم بشكل عام، لم يكن هو المعرقل لمسيرة الإصلاح، فالكفة رجحت في ذلك المؤتمر لصالح النخبة الأمنية المساندة للحرس الجديد الذي تبين أنه هو الذي يمثل الصقور المتشددة في السلطة، وليس الحرس القديم كما كان يتوهم الجميع.

 

لو أن السيد خدام هو من كان يضع العصي في عجلات الإصلاح، ويدفع نحو قمع الحريات وزج الأحرار في المعتقلات، فلماذا بقي النائبان رياض سيف ومأمون الحمصي ومعهما ثلة من المناضلين في المعتقلات؟ ولماذا بقي قانون العار (رقم 49 لعام 1980) الذي يقضي بإعدام صوت الحق والحرية ساري المفعول؟ ولماذا ارتفعت وتيرة الفساد والإفساد؟ وإذا كانت إسرائيل هي من يغتال الأحرار في لبنان لتضغط على النظام السوري البريء من سفك الدماء، فهل إسرائيل أيضا هي من يعطي الأوامر لأجهزة المخابرات السورية لقمع الشعب السوري ونهب خيرات البلاد لتدمير بنيتها التحتية وتمزيق وحدتها الوطنية؟

 

لا شك أن هناك البعض ممن يحسبون على المعارضة من لا يتحرك إلا من خلال دوافع انتقامية لا إستراتيجية تحكمها ولا برنامج منهجي يوجه سلوكها وقراراتها. وقد ظهرت سذاجة هؤلاء من خلال بعض الأقلام المرتبطة بهم والتي انساقت خلف خطاب السلطة، وتركت الحبل لغريزتها الانتقامية للنيل من سمعة السيد خدام في الحق وفي الباطل، وهذا ليس دفاعا عن ماضي السيد خدام بقدر ما هو دفاع عن الخيار الوطني الذي أعلن انحيازه إليه، بغض النظر عن النوايا التي نترك الحكم فيها لمن بيده علم الغيب.

 

إن السياسي الذي لا يفقه علم الأولويات، ولا يتقن فن السعي خلف تحقيق الممكنات النسبية، لا يمكن له أن يضع إستراتيجية مرنة تستطيع الاستجابة لمتطلبات الواقع المتقلب والمتغير ولمستجدات اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر. فأي فهم يرتجى ممن يجعل من محاربة من انضم إلى صفه في معركة التحرير أولوية تتقدم على التصدي لمن يستمر في توجيه سهامه نحو صدره؟ كيف لعاقل أن يسخر طاقته ويصرف جهده في محاربة من أقلع عن الفساد وخرج على الاستبداد ليترك المجرم الحقيقي السادر في غيه والمستمر في طغيانه وفساده، أو على الأصح، لينضم إلى جوقته الإعلامية مرددا ترنيماتها السمجة، ليعلن على الملأ كلمة حق يراد بها باطل!

 

إن احتضان هؤلاء السذج في صفوف بعض الأحزاب الجديدة من أغرار المعارضة السورية يعطي مؤشراً سيئاً بأن هذه المعارضة قاصرة وغير مؤهلة لقيادة مسيرة التحول الديمقراطي في سوريا، وأنها مازالت بعيدة عن مرحلة النضج السياسي، وأقرب إلى مرحلة المراهقة السياسية حيث المواقف المرتجلة والانفعالية والاندفاع، تارة في اتجاه الآمال الرومانسية التي توحي بأن "شيطان" الاستبداد سيتحول إلى "ملاك" إصلاحي ديمقراطي بين يوم وليلة، وتارة في اتجاه الأحلام المثالية التي تصور التغيير الجذري (المنزل من عالم الغيب) وكأنه قاب قوسين أو أدنى، هو السائد في خطاب وسلوك هذه المعارضة الهزيلة! وهذا، مع الأسف الشديد، نذير شؤم يعطي انطباعا بأن البديل لهذا النظام الاستبدادي الآيل إلى السقوط لن يكون في المصلحة الوطنية، إذ أن الاحتمالات سوف تبقى مفتوحة على مصراعيها منذرة إما بتكرار النموذج العراقي المعول على العامل الخارجي كقوة وحيدة للتغيير، أو بأن أداة التغيير المتبقية لن تكون سوى انقلاب عسكري، مرتبط بقوى خارجية أيضا، يأتي بحكم استبدادي عسكري آخر ليجثم على صدر الشعب السوري لأربعة عقود أخرى تستنزف العباد والبلاد.

 

عزاؤنا في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ بلدنا أن التيارات الرئيسية الأصيلة في هذه المعارضة كانت من الحنكة والحكمة أنها أثبتت أنه مازال هناك من أمل في أن يتطور أداء هذه المعارضة. فالناطق باسم أحزاب "التجمع الوطني الديمقراطي"، الأمين العام لحزب "الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي" المحامي حسن عبد العظيم عبر عن موقف متوازن في لقاء مع "الرأي العام" الكويتية (3/1/2006). لقد بين السيد عبد العظيم أن المعارضة المنضوية تحت "إعلان دمشق" ترحب بكل من ينحاز إلى الخيار الوطني ممن "يريد العمل الديمقراطي ويؤمن بحرية العمل السياسي وبدولة الحق وسيادة القانون" مشيراً إلى أن دخول "أي جهة تؤمن بما سبق إنما يشكل إضافة إلى المعارضة التي تؤكد أن إعلان دمشق ليس مغلقا في وجه احد" وأنه (أي إعلان دمشق) مفتوحاً "حتى لمن يعد من آل النظام وداخله". وفي إطار رده على ألئك الذين انضموا إلى جوقة الإعلام الرسمي في اتهامهم خدام بأنه كان العقبة في طريق الديمقراطية وأنه كان وراء إلغاء المنتديات، أشار عبد العظيم بأن خدام "صار الآن خارج النظام، وليبادر هذا، إلى إطلاق الحريات الديمقراطية والى احترام حقوق الإنسان وحرية عقد المعارضة اجتماعاتها والتعبير عن آرائها وأفكارها عبر صحافتها".

 

إن هذا الموقف المتوازن والحكيم ينسجم مع متطلبات الحالة الراهنة للواقع السوري، وينبثق عن فهم عميق واطلاع واسع على التجارب العملية المعاصرة للشعوب والدول الأخرى. ففي جميع الحالات المشابهة للحالة السورية حيث تتحكم الأنظمة الشمولية القمعية بجميع مفاصل الدولة والمجتمع، يصبح التعويل في إطلاق شرارة التغيير بالدرجة الأولى على الانقسام داخل السلطة ذاتها، حيث تتناقض المصالح وتتعارض المواقف، إما بسبب اختلاف الأجيال المتصارعة على النفوذ أو بسبب تغير البنية الاجتماعية الناجم عن الإثراء السريع وغير الشرعي، وبذلك ينشأ ويتبلور داخل السلطة تياران أو معسكران متصارعان على النفوذ والامتيازات (محافظون وإصلاحيون؛ حرس قديم وحرس جديد؛ حمائم وصقور...)، وكثيراً ما ينتهي الصراع بالانقسام الحاد، وهو ما وصلت إليه الآن الحالة السورية. هذا الوضع لا ينتهي بانهيار السلطة إلا إذا أجادت المعارضة استثماره لصالح التحول الديمقراطي عبر التحالف مع الطرف الخاسر (الذي يبحث عن توازنات جديدة) على أسس ديمقراطية واضحة تستفيد من الوضع الجديد دون إعطاء الفرصة للمعسكر المنشق عن السلطة لإعادة دوره أو امتيازاته المفقودة. أما إذا فشلت المعارضة في استغلال اللحظة التاريخية في الوقت المناسب، فإن المعسكر المنشق يبحث عن خيارات أخرى، كترتيب انقلاب عسكري بالتحالف مع قوى خارجية، قد يكتب لها النجاح أو الفشل، وفي الحالتين يكون الخاسر الوحيد هو الوطن والشعب، ويعود اليأس ليخيم على المجتمع مرة أخرى.

 

الفرصة التاريخية لإسقاط النظام السوري قد وصلت إلى نقطة فاصلة: إما انهيار النظام الاستبدادي عبر استثمار الانشقاق وتشجيع المزيد منه، أو عودة العافية إليه وقيامه من محنته ليجثم على صدر الشعب السوري لأربعة عقود أخرى. والكرة اليوم قد أصبحت في ملعب المعارضة، فعليها أن تبرهن للشعب أنها على قدر المسؤولية التي انتدبت نفسها لحمل أعبائها، وإذا ما فشلت المعارضة هذه المرة، فعلى مستقبل سوريا السلام.

محمد عبد الله الهدائي

m_a_hidaee@hotmail.com