سورية: مؤتمر وطني شعبي! - ميشيل كيلو

القدس العربي

2005/12/28

 


لكثرة ما طالبت المعارضة السورية خلال السنوات الخمس الماضية بمؤتمر وطني، بهتت الفكرة ودخلت في ضبابية جعلتها بلا ملامح واضحة، وعرضتها للالتباس وسوء التأويل والفهم.
في الأصل، طرحت فكرة المؤتمر الوطني في إطار رؤية سياسية جديدة تبلورت عقب وفاة حافظ الأسد، وقالت بإجراء مصالحة تشمل جميع أطياف السياسة السورية، بما في ذلك الإسلاميون والنظام، علي أن تكرس في مؤتمر وطني من الضروري أن يكون شاملا بدوره. وقد شاع المطلب إلي درجة كبيرة، ثم قام الرفيق رياض الترك بتحديد شروط المصالحة والمؤتمر الوطني في محاضرة شهيرة ألقاها أمام منتدي الأتاسي عام 2001.
آنذاك، كان الرأي أن يكون عضوا في المؤتمر كل من يدعو إلي المصالحة وطي صفحة الماضي. وبما أن الرئيس الجديد، بشار الأسد، تحدث عن الديمقراطية بكلمات ومفاهيم تشبه كلمات ومفاهيم المعارضة، فقد كان مقبولا ومتوقعا أن تبادر السلطة إلي دعوة الأطراف السياسية المختلفة إلي المؤتمر، ليس فقط بسبب أهمية دورها السياسي الداخلي، في الإصلاح كما في غيره، بل لأن دعوتها ستعني أيضا تطبيع الحياة السياسية، والاعتراف بمكوناتها المتباينة، وتاليا الإقرار بضرورة الخروج من حال البلد الراهنة، عبر إصلاح يطال نظامها ويتجه نحو تعددية تقوم علي الاختلاف، لا تكون متماثلة مع تعددية الجبهة الوطنية التقدمية، وتكرس قانونيا، بعد اعتراف النظام الواقعي بها عبر دعوتها إلي المؤتمر الوطني.
لكن الرئيس الجديد سرعان ما تنكر لأقواله في خطاب القسم، وأعلن أنه لم يكن يقصد الآخر ـ المعارضة ـ حين تحدث عن الرأي الآخر، وفهم الخلق منه أن الإصلاح سيقتصر علي السلطة وسيتم بوسائلها وحدها. ذلك ترتبت عليه نتيجة مباشرة هي افتراق خطط المعارضة والسلطة بعضها عن بعض، الذي ما لبث أن أدخلها في طور من التباعد والتناقض، يذكر في بعض مفاصله بالتناقض الذي كان قائما زمن الأسد الأب، وقاد النظام إلي معركة طاحنة ضد الرأي الآخر، زج خلالها بعشرات آلاف المعارضين في السجون، حيث تعرضوا لمعاملة قاسية إلي درجة يصعب تصورها، أفضت إلي هلاك مواطنين كثيرين، جسديا وإنسانيا.
ثم، بعد قليل من استلام بشار الأسد السلطة، تبين أنه مصمم علي اتباع طرق النظام القديمة في الحكم، ومواقفه من فضائه الداخلي، وأنه يرفض الاعتراف بمكوناته، وإن انتهج سياسات جديدة في احتواء المعارضة وضربها ضمن شرط دولي وداخلي جديد، تختلف بعض مفرداته عن الشرط الذي ورثه الابن عن أبيه، يقوم علي إدارة أزمة المعارضة باعتبارها جزءا من إدارة أزمة المجتمع، كي لا تتغير علاقات القوي بين السلطة وبينهما لغير صالحها، ولا يصل الصراع إلي المجال السياسي، الذي يجب أن يبقي للنظام وحده، يضرب بقسوة كل من يحاول دخوله، ناهيك عن التأثير في توازناته.
رغم هذه الأجواء، التي ازدادت عداء، واصلت المعارضة مطالبتها بالإصلاح والمصالحة الوطنية والمؤتمر الوطني، ليس لأنها لم تر ما يجري، بل لاعتقادها أن سياستها الجديدة ستمكنها من بناء كتلة وطنية شعبية تاريخية جديدة خلال فترة معقولة، سيمثل تكونها تبدلا نوعيا في الحقل السياسي السوري، الذي احتكره البعث منذ انقلاب عام 1963، ويجب إنهاء احتكاره من خلال أنماط جديدة من التحالف، وإلا استحال تحقيق أي تغيير أو إصلاح في الوضع السوري القائم، حيث ترفض العقلية التي تدير السلطة فكرة ومبدأ التعاقد من أساسه، ولا تري في السياسة عقدا وطنيا بين حاكمين ومحكومين، هو جزء من عقد وطني عام يلزم المجتمع السياسي، ما كان منه حاكما أو معارضا، باحترام حرية الشعب بصفته مصدر السيادة الوحيد، وإرساء النظام العام علي حقوق الإنسان والمواطن، وإخضاع سائر تكوينات السياسة للدولة باعتبارها ممثل العمومية المجتمعية العام والشامل والمجرد الوحيد، والامتناع عن إخضاع الدولة لأي تكوين سياسي جزئي، كحزب البعث علي سبيل المثال، كي لا تتشوه الدولة وتتحول إلي تعبير عنه وحده، وتنحط إلي مجرد سلطة وحسب، وينتفي المجتمع المدني ويتفتت إلي جمعات اجتماعية متناقضة متصارعة وفي أحيان متقاتلة.
إن من تابع إعلان دمشق، سيجد هذه المعاني فيه. وسيفهم أنه خطوة مهمة علي الطريق نحو المؤتمر الوطني العتيد، الذي رفضته السلطة علي لسان رئيسها، عندما تساءل في آخر خطبه باستغراب واستنكار عن معني المصالحة الوطنية، وقال إنه تتم المطالبة بها في البلدان التي تفتقر إلي الوحدة الوطنية، وإننا لسنا قبائل متقاتلة!. بعد أقوال بشار الأسد حول المؤتمر الوطني يطرح نفسه السؤال التالي: هل تتخلي المعارضة عن المؤتمر الوطني، لأن السلطة رفضت فكرة ومبدأ المصالحة الوطنية، وهل تدير ظهرها لمفهوم الإصلاح، بحجة أن النظام أفشله، أم تواصل العمل من أجل مؤتمر وطني يختلف عن المؤتمر العتيد، الذي أرادت له أن يضم السلطة والمعارضة؛ يقتصر علي الأحزاب والحركات والتنظيمات المجتمعية والشعبية وحدها، يتم الإعداد له انطلاقا من إعلان دمشق، وتشارك فيه جميع أطياف السياسة السورية غير السلطوية، فضلا عن أفراد من حزب البعث وأعضاء من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، علي أن يجري التحضير له خلال الأشهر الثلاثة القادمة، ويفضي انعقاده إلي بلورة برامج عمل سياسي / اجتماعي (اقتصادي) ثقافي جامعة، وعقد اجتماعي / وطني تلتزم أطراف المؤتمر به اليوم وفي المستقبل، في ظل الأمر القائم وبعد شروع البلاد بالتغيير الديمقراطي، علي أن يبقي العقد مفتوحا أمام توقيع النظام عليه، إن غير رأيه وأيد المصالحة الوطنية الشاملة، التي تعني بين ما تعنيه موافقته علي إقامة تحالف وطني واسع، يتولي تسمية حكومة تدير البلد خلال فترة انتقالية محدودة المدة، ويختار جمعية وطنية تقر دستورا لنظام تمثيلي برلماني، ويشرف علي التحول إلي نظام بديل لا يستبعد البعث من الحياة السياسية، ولا يحول بينه وبين كسب أية انتخابات حرة وتشكيل حكومة تضم الموالين له وتطبق السياسات التي تقررها قيادته.
إن عقد هذا المؤتمر الوطني الشعبي مهمة ملحة من الضروري التفرغ لإنجازها خلال الفترة القادمة. وإذا كان النظام يريد الحفاظ علي واقع سياسي يستبعد الشعب عن الشأن العام، فلا يعني هذا بقاء المعارضة، التي أصدرت إعلان دمشق، ساكنه هامدة. ولا يعني أن غياب النظام عن المؤتمر يفقده صفته الوطنية/الشعبية، ما دام مقرراته ستتخذ بروحية وطنية جامعة وتوافقية، وستوضع في خدمة الوطن بأسره وليس في خدمة مصالح ضيقة أو جزئية، حزبية كانت أم فئوية أم جهوية أم طائفية، وما دام الطيف السياسي غير الرسمي يمثل عمقا شعبيا حقيقيا يتعاظم حضوره في حياة البلاد والعباد، ويتعاظم اقتناع قطاعات واسعة من المجتمع بقدرته علي تقديم سياسات ومواقف بديلة لسياسات ومواقف النظام، التي تتزايد سلطوية، وتتخبط في دوامة أزمة خانقة، تفقدها، دون أية مبالغة، طابعها كسياسات ومواقف تعبر عن أبعاد وطنية، تتجاوز السلطة ومصالح الممسكين بها.
لا تستطيع سورية المجتمع البقاء بعيدة أو مبعدة عن مصالحها وشؤونها. ولا يجوز أن تعمل بعد اليوم وفق الآليات وفي المربعات والدوائر الضيقة، التي تعينها لها السلطة القائمة. ولا يحق لها ربط حركتها وأهدافها بخيارات وإرادة السلطة، خاصة وأن سوريا الوطن مهددة، وأن الحاكمين يبدون قدرا خطيرا من الاستهانة بمصالحها وحاجاتها، وأن استمرار المعارضة في العمل تحت سقف السلطة يجعلها مشاركة في المسؤولية عن سقوط البلد، الذي لا يستبعد أن يكون وشيكا!
ہ كاتب وسياسي من سورية