انتقام
التاريخ
باتريك
سيل :الحياة
23/12/2005
ترى
ما هي الدروس
التي يمكن
الشرق الأوسط
أن يستخلصها
من أحداث واضطرابات
عام 2005 ؟ وما
هي الاتجاهات
التي يمكننا
أن نرصدها على
المدى
البعيد؟ فمع
أنه يصعب تصور
الشكل الذي
ستنتهي إليه
الأحداث المتسارعة
فإن هذا العام
قد شهد – في
نظري على
الأقل – بداية
النهاية
لأربع قضايا
تاريخية كبرى.
هذه القضايا
تتعلق
بالعراق
وإيران، سورية
ولبنان،
إسرائيل
وأخيراً ولا
آخراً الدولة العظمى
في العالم
الولايات
المتحدة.
ولنبدأ
بالعراق، هذه الدولة
التي خلقتها
بريطانيا من
ثلاث محافظات
تابعة للدولة
العثمانية. لم
يكن اجتياح
العراق من
جانب
بريطانيا
خلال الحرب
العالمية
الأولى
بالأمر السهل.
فقد كان عليها
أن تتغلب على
المقاومة
المحلية من
أجل فرض
إرادتها على
البلاد
وتنصيب
الأمير
الهاشمي فيصل
بن الحسين على
العرش الذي
أنشأته.
وقد اتخذت هذه
المقاومة شكل
ثورة قامت بها
القبائل ذات
الغالبية
الشيعية في
الفرات الأوسط،
ما لبثت أن
امتدت إلى
منطقة الفرات
الأدنى ثم إلى
المناطق
المحيطة
ببغداد. وقد
بلغت قوات
الثورة في وقت
من الأوقات
نحو مئة ألف
مقاتل من رجال
القبائل
بقيادة
الشيوخ
«المجتهدين»
وأمضت
بريطانيا
معظم سنة 1920
للقضاء على
الثورة مخلفة
في ذلك نحو
عشرة آلاف
عراقي
وخمسمائة
جندي بريطاني
وهندي.
وهكذا أتاحت
هزيمة الشيعة
ظهور مؤسسة
سياسية سنية
في بغداد
تمكنت في صورة
أو أخرى – في
عهد الملكية
ثم عبد الكريم
قاسم ثم البعث
بقيادة صدام
حسين – من حكم
العراق طوال ثمانية
عقود. ولعل
أهم ما أدى
إلى انهيار
السلطة
السنية وقع في
عام 1980 حين قام
صدام حسين بشن
هجومه البائس
على
الجمهورية
الإسلامية في
إيران. ذلك
أن العراق ظل
في حالة حرب
منذ ذلك
الوقت، حرب مع
إيران
استغرقت
ثماني سنوات،
ثم اجتياح
الكويت وحرب
الخليج
الأولى عام 1991،
ثم الخضوع
للعقوبات
طوال 13 عاما،
ثم الاجتياح
الأمريكي
البريطاني في
عام 2003 والمقاومة
الشرسة التي
بدأت منذ ذلك
الوقت.
ولقد أدت تلك
الأحداث
العنيفة إلى
تدمير الهيمنة
السنية
وانتهت إلى
تغيير جذري في
ميزان القوى
الداخلي في
العراق. وكانت
الانتخابات
التشريعية
التي جرت هذا
الشهر ومحاكمة
صدام حسين
مؤشراً
واضحاً على أن
الأكثرية
الشيعية قد
استولت على
الحكم ولن
تتخلى عنه
بسهولة.
ولعل السؤال
الذي يطرح
نفسه بالنسبة
للمستقبل هو
ما إذا كان
هناك عراق
جديد سيبرز
تحت قيادة
شيعية طاغية،
وما إذا كانت
هذه القيادة
ستقيم علاقات
شراكة مع
إيران، وماذا
سيعني هذا الحشد
القوي
بالنسبة
لاستقرار دول
الخليج ولميزان
القوى في
الشرق الأوسط
ولمصالح الغرب
في المنطقة.
فك
الارتباط
السوري
بلبنان
وكما كان عاما
1920 و1980 مرحلة
حاسمة في
تاريخ العراق
كان عاما 1920 و1976
نقطتي تحول في
تاريخ سورية.
فلقد أنشأت
فرنسا دولة
لبنان الكبير
عام 1920 وضمت
لجبل لبنان
مناطق سلختها
عن «ولاية»
سورية في عهد
الأتراك
وبالتحديد
طرابلس في
الشمال وصيدا
في الجنوب
ووادي البقاع
في الشرق.
وخلال
معظم فترة ما
بين الحربين
العالميتين
كان القوميون
العرب في
سورية ولبنان
يطالبون
بإعادة هذه
الأجزاء إلى
سورية ويرفضون
الاعتراف
بتوسيع حدود
لبنان الكبير.
كانوا
يشعرون بأن كل
هذه المناطق،
بما فيها
بيروت نفسها،
هي من الناحية
التاريخية
والقانونية سورية.
ولا شك أن
شيئا من هذه
الخلفية التاريخية
قد أحدث أثره
على علاقة
سورية بلبنان
في السنوات
التي تلت
الحرب
العالمية
الثانية، ذلك
أن معظم
السوريين
كانوا
يعتبرون أن لبنان
قد أنشئ على
حساب أجزاء من
الجسم السوري.
وأما في عام 1976
فقد أرسل حافظ
الأسد جيشه
إلى لبنان
لحماية
المسيحيين
الذين كانوا
يواجهون
هزيمة محققة
وربما
المذابح على
يد الفلسطينيين
بقيادة ياسر
عرفات
وحلفائهم من
اليساريين
اللبنانيين
بقيادة كمال جنبلاط. كان الأسد
يعتقد بأنه
إذا لم يتدخل
فقد تفعل ذلك إسرائيل
لإنقاذ
المسيحيين،
وقد تحظى
نتيجة لذلك
بموطئ قدم في
لبنان وتصبح
سورية عندئذ تحت
رحمة إسرائيل.
وبعد
الاجتياح
الإسرائيلي
عام 1982 تصدى
الأسد بكل قواه
لإجهاض اتفاق
17 مايو (أيار) 1983
الذي توسطت أميركا
لإبرامه بين
لبنان
وإسرائيل،
والذي كان
سيجعل لبنان
في الفلك
الإسرائيلي.
لكن
أحداً لم
يتوقع أن يدوم
الاحتلال
السوري للبنان
طوال ثلاثة
عقود وأن
يتطور باتجاه
الإجرام. ويمكن
للمرء أن
يتساءل: ترى
ألم يكن من
الأفضل لسوريا
– وللعلاقات
السورية
اللبنانية –
ألا يتدخل
الأسد في
لبنان عام 1976 ؟
أما كان يمكن
حماية المصالح
السورية
بدون
الاحتلال وما
ينطوي عليه من
ازدراء ؟ ألم
يكن بوسع
علاقة الجوار
المميزة أن
تحول دون نسج
شبكة أشبه
بالمافيا بين
الأجهزة
الأمنية في
البلدين،
ودون إفساد
الحياة
السياسية في
لبنان وفيض
الاغتيالات،
ودون الانسحاب
السوري
المهين من
لبنان؟
لقد شهد هذا
العام نهاية
الهيمنة
العسكرية السورية
على أحد
جيرانه. أجل
إن فك
الارتباط سيبقى
بالطبع
جزئياً – فبين
البلدين قواسم
مشتركة عديدة
تحول دون أن
يكون نهائيا – فمصالحهما
المشتركة –
استراتيجياً
وتجارياً
ومالياً – فضلاً
عن الروابط
العائلية
الوثيقة – هذه
المصالح لا بد
أن تفرض نفسها
متى انتهت
الأزمة الراهنة.
لكن مهما
يكن الأمر فلا
بد أن ندرك
بأن مرحلة
تاريخية قد
انتهت. فأياً
كانت الضغوط الخارجية – وهي
بالفعل بالغة
الأثر – فإن
استقلال
لبنان أصبح
مضمونا ولم
يعد موضع نزاع
من أي طرف.
نهاية
حلم إسرائيل
الكبرى
وأما القضية
التاريخية
الثالثة التي
اقتربت من
نهايتها فهي
التوسع
الإسرائيلي
على حساب
الأراضي العربية.
فمنذ إنشائها عام 1948 كانت
إسرائيل ترفض
تحديد حدودها.
فلقد كان «التحريفيون»
المزعومون
من حزب حيروت
يعتقدون بأن
لإسرائيل
الحق في ضفتي
نهر الأردن،
وجاء انتصار
إسرائيل في
عام 1967 يخيل
لهؤلاء بأن
حلم إسرائيل
الكبرى أصبح
أمراً واقعاً.
وأخذت حركة
الاستيطان في الأراضى
المحتلة تنشط
منذ أن تولى مناحم بيغن
السلطة عام 1977
واستمرت منذ
ذلك الوقت في
عهد جميع
الحكومات
الإسرائيلية
المتعاقبة
بصرف النظر عن
لونها
السياسي. غير
أن
الانتفاضتين
أقنعتا
الإسرائيليين
بأنهم لن
يستطيعوا
إلحاق
الهزيمة
بالحركة
الوطنية
الفلسطينية
وبأنه لا بد
لهم من
التفاهم معها.
وهكذا كان انسحاب
أرييل
شارون من غزة
إشارة واضحة
بأن إسرائيل
لن تستطيع
التمسك بكل
الأراضي.
وسيكون
الصراع في السنوات
القادمة حول
تحديد الحدود
الإسرائيلية –
بعد طول عناد –
وإفساح
المجال لقيام
دولة فلسطينية.
ومعنى ذلك أن
إسرائيل
الكبرى لم تعد
هدفاً
واقعياً. ولقد
أدرك الرأي
العام
الإسرائيلي
هذا الواقع
كما يشاهد ذلك
من خلال
انفراط عقد
حزب ليكود
المتطرف وظهور
حزب شارون
الجديد (كديما)
ذي طابع وسط
اليمين وفي
انتخاب أمير بيريتس،
وهو نقابي دون
أي تجربة
عسكرية،
لقيادة حزب العمل.
فالمؤشرات
تدل الى
أن إسرائيل
أصبحت مستعدة
لتسوية
معقولة حول
الأراضي المحتلة.
انحسار
القوة الأميركية
وأما القضية
التاريخية
الرابعة التي
تقترب من
نهايتها فهي
تتمثل في
هيمنة أميركا
على العالم
إثر انهيار
الاتحاد السوفياتي
قبل 15 عاماً.
فلقد برهنت
حرب العراق
على أن القوة
الأمريكية
محدودة.
فالحروب
الاستعمارية
القديمة التي
كانت تقوم
طمعاً
بالمواد الأولية
والقواعد
الاستراتيجية
لم تعد خيارا
مقبولا لأنها
تثير الكثير
من المقاومة
المحلية.
فبدلاً من
تحويل العراق
إلى دولة عميلة
كما كانت
أميركا تأمل،
استنزفت
الحرب أموال
أمريكا وشلت
قوتها
العسكرية.
وأدت الحرب
بالتالي إلى
إضعاف بطليها
جورج بوش
وحليفه توني
بلير
اللذين أصبح
ينظر إليهما
من قبل الرأي
العام
العالمي
كخاسرين
فاشلين فقدا
كل صدقية.
وهكذا تحول
حلم
المحافظين
الجدد
الموالين لإسرائيل
في واشنطن
باستخدام
القوة
العسكرية الأميركية
لإعادة رسم
العالمين
العربي
والإسلامي
وفق المصالح
الأمريكية
والإسرائيلية
تحول هذا الحلم
إلى كابوس، بل
على العكس فقد
وجدت أمريكا
نفسها تواجه
حركة نضالية
إسلامية
شاملة.
وفي حين تجهد
أميركا في
معالجة «حربها
على الإرهاب»
التي لا يمكن
أن تنتصر
فيها، تهيئ الصين
نفسها لتحل
محلها في
القمة. وسيكون
مفيداً
ومهماً أن نرى
كيف تتطور هذه
القضايا التاريخية
الأربع خلال عام 2006.