ونحن السوريين أيضا عندنا مقابر جماعية .... "وما في حدا أحسن من حدا"

الطاهر إبراهيم

 

في كل يوم تتكشف للعالم أمور جسام كانت تحدث في هذا البلد أو ذاك، بعضها الأعظم كان يتم تحت سمع وبصر واشنطن، ولكنها كانت تغض الطرف عن تلك الأمور الجسام، طالما أن النظام الذي يقوم بها قد أدى واجبه تجاه الراعي الكبير، ثم ما يحدث بعد ذلك ما هو إلا تفاصيل لا تلحظها عيون "واشنطن" ولا تسمعها آذانها .

لقد ظل السوريون يصرخون بأعلى صوتهم، مناشدين أحرار العالم أن يلتفتوا إلى ما يحدث في وطنهم سورية من قمع وتنكيل واختفاء للآلاف من بيوتهم بعد أن تعتقلهم أجهزة الأمن ثم هم لا يعودون . ولأن مؤسسات الإعلام العالمية كلها تدار بشكل أو بآخر من واشنطن، فما يسمح بنشره يعرفه القاصي والداني ولو كان مقتل شخص واحد،مثل العجوز الأمريكي الذي مات بسبب انتهاء أجله على متن السفينة "أكيل لورو" التي اختطفتها ،في عام 1987، مجموعة فلسطينية يقودها "أبو العباس". وما لم يسمح بنشره يختفي وكأنه لم يحدث بالمرة، ولو كان تدمير مدينة بأكملها على رؤوس أهلها مثلما حدث في "حماة" عام 1982 .

ومع أننا لن نقف مدافعين عما كان يحدث في العراق في أيام حكم "صدام حسين"، إلا أن هذا لا يمنعنا أن ننبه إلى أن ما كان يحدث قبل اجتياح الجيش العراقي الكويت في 2 آب "أغسطس" من عام 1990 لم يكن أحد يسمع عنه بالمرة، يوم كان "دونالد رمسفيلد" يعمل بائعا متجولا عند "صدام حسين" يسوّق المنتجات العسكرية الأمريكية يوم كانت مصلحة واشنطن في استمرار الحرب العراقية الإيرانية على قدم وساق.

ويوم أصبحت مصلحة واشنطن تحتم زوال نظام صدام حسين،أصبحت كل صغيرة وكبيرة تحدث في العراق تنقلها القنوات التلفزيونية ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة. وكأن عراق ما بعد عام 1991 هو غير العراق الذي كان يراه الناس على الخريطة قبل عام 1991 .

يوم السبت 3 ديسمبر الجاري أعلنت سلطات الأمن اللبنانية عن اكتشاف حفرة قرب "مجدل عنجر"، مركز القيادة السورية يوم كان لبنان يحكم من مجدل عنجر، فيها أكثر من عشرين هيكلا عظميا تم دفنها فيها، وأذاعت الأخبار عن اكتشاف مقبرة جماعية .

وفي تتمة الخبر، سارع إعلام النظام السوري متبرعا بإيضاحات عن أصحاب هذه الهياكل، بأنها لقتلى من جنود قائد الجيش اللبناني العماد "ميشال عون" وآخرون من ميليشيا القوات اللبنانية التي كان يقودها "سمير جعجع"،في الحرب التي دارت بين الطرفين في عام 1992 وانتهت بخروج الطرفين من المعادلة اللبنانية لصالح قيادة "مجدل عنجر" .

ولمن لا يعرف، فقد كان الذي يسكن في مبنى القيادة في مجدل عنجر هو اللواء "غازي كنعان" الذي انتحر أو نحر أو استنحر في مكتبه يوم 12 تشرين الأول "أوكتوبر" الماضي. ولمن لا يعلم أيضا، فإن الطائر في السماء ما كان ليجرؤ على الطيران في سماء مجدل عنجر  إلا بإذن من اللواء "كنعان"، فكيف إذن تدفن تلك الجثث دون علمه ؟.

ونزيد السادة القراء إيضاحا، فننقل عن "روبرت فسك" رواية للقائه مع "كنعان"-بعد مقتله- يوم كان في رتبة العميد، ويوم كان الأوروبيون لا يجرؤون على السير في شوارع بيروت أو غيرها من مدن لبنان من دون حراسة، في ثمانينيات القرن الماضي. قال "فيسك": زرت الجنرال "كنعان" في مكتبه ، فدعاني إلى رياضة الجري معه في شوارع بيروت، وكأنه أراد أن يراني الناس معه فلا يجرؤ أحد على اختطافي .

فإذا كان هذا هو من كان يسكن على بعد أقل من كيلو متر واحد من هذه المقبرة، فهل يعقل أن يجرؤ أحد على نقل القتلى من بيروت الشرقية حيث كانت تدور"أم" المعارك بين "عون" و"جعجع"، ليدفنها في حفرة جماعية بجوار مكتب "غازي كنعان" ما غيره ؟.

هذه المقبرة الجماعية لعلها ما كانت لتجرؤ على أن ترفع رأسها ،خجلا من قلة عدد قتلاها، قياسا بمقبرة جماعية أخرى أكبر كانت قرب مركز سلطان "غازي كنعان"، قدر عدد قتلاها بأكثر من ألف معتقل، دفنتهم الجرافات في رمال مدينة "تدمر"، ليس بعيدا من سجن تدمر الذي ضرب به المثل بفظاعته، فقالوا "أفظع من سجن تدمر".

ففي ليلة 26/27 من حزيران "يونيو" عام 1980 قام جنود سرايا الدفاع بقيادة "رفعت أسد" شقيق الرئيس السوري "حافظ أسد"، باقتحام مهاجع المعتقلين في سجن تدمر، ومعهم البنادق الرشاشة، ولم يغادروا السجن إلا بعد أن تأكدوا أن أرواح المعتقلين قد صعدت إلى بارئها تدعو على القتلة والمجرمين .

ونبقى مع الذين يتابعون محاكمة "صدام حسين" وسبعة من أعوانه على خلفية إعدام عدد من أهالي قرية "الدجيل" العراقية شمال بغداد اتهموا بمحاولة اغتياله عام 1983 ... ومع اختلاف في تقدير عدد الذين أعدموا، فلا يتجاوزون المئة والخمسين، في أبعد تقدير، ومع ذلك وصفت المحاكمة بأنها محاكمة العصر .

واستطرادا مع ما سبق، فقد حدثت في سورية محاولة اغتيال فاشلة للرئيس حافظ الأسد في 25 حزيران "يونيو" من عام 1980 مشابهة لمحاولة اغتيال صدام حسين.لكن المفارقة بين المحاولتين، أن الذين حاولوا اغتيال "صدام" حوكموا –ولو صوريا- وصدر بحق من اشتبه به حكم بالإعدام. بينما المجموعة التي حاولت اغتيال حافظ الأسد، والتي يعتقد على نطاق واسع أنها تنتمي إلى "الطليعة المقاتلة"، استطاعت الإفلات، فأصدر النظام السوري ،غيابيا، حكما بإعدام ألف من المعتقلين في سجن تدمر الذين ما كانوا في صورة المحاولة، بل كانوا وراء قضبان السجن،بل ولم يسمعوا حتى بنبأ محاولة الاغتيال، ومع ذلك فقد تم تنفيذ الحكم فيهم فورا كما بينا سابقا .

ليس هذا فحسب، فقد كانت فورة الغضب عند الرئيس حافظ الأسد أكبر من أن تطفئها دماء ألف معتقل في سجن تدمر،فأصدر مرسوما بقانون تحت رقم 49 لعام 1980 يقضي بإعدام عشرات الآلاف من المنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين في سورية، ونفذ هذا الحكم بآلاف من المعتقلين في سجن تدمر ولكن بمحاكمات صورية.

ومع الفظاعة التي رافقت عمليات الإعدام الجماعية في سورية، ومع ما حصل من مجازر بحق سكان مدينة "حماة" في عام 1982 ،فلم يسمع صوت من واشنطن يندد بتلك الجريمة النكراء التي حصلت في سجن تدمر، ولا في المجازر التي كان مسرحها بيوت وجوامع وكنائس مدينة "حماة" كما روى "روبرت فيسك" في التقارير التي نشرتها "التايمز" اللندنية عام 1982 ، حيث كان الصحفي الوحيد الشاهد من داخل حماة. ولقد كان الصحفي الوحيد كتب بتجرد عن تلك المجازر بعد أن جازف بحياته ودخل مدينة حماة ونقل وصفا حيا لكل المجازر التي لم تفرق بيم النصارى والمسلمين وعاملتهم بالذبح على قدم المساواة.

ولقد بقي ضمير واشنطن نائما لا يحس بمآسي الشعب السوري على يد جلاديه يوم كانت العلاقة على أحسن ما يرام بين واشنطن ودمشق.حتى إذا ما توترت العلاقة سمعنا مطالبات من أعضاء الكونغرس بالكشف عن أعداد الذين قتلوا في تلك المجازر النكراء .

وأشعر أن قلمي لا يريد أن يبرح أرض تلك المقبرة الجماعية في تدمر إلا بعد أن يعاتب قلم الكاتب المصري "وحيد عبد المجيد" الذي كتب في صحيفة الأهرام في تموز "يوليو" عام 2003، مدافعا عن الارتكابات التي تمت في عهد حافظ الأسد، زاعما أنها كانت ردة فعل منه على التمرد الذي حصل في مدينة "حماة" في عام 1982 ، وكأنه بذلك إنما كان يبرر للطواغيت جرائمهم وما كانوا يفعلونه في شعوبهم. وأنّى لقلم الأستاذ الكبير أن يدرك مدى مرارة الظلم والطغيان وهو لم يذق منه قطرة علقم واحدة مما ذاقته الشعوب ؟.

الطاهر إبراهيم  كاتب سوري يعيش في المنفى