الحرية والوطنية شعارات ينتهك النظام السوري تحتهما حقوق الإنسان

الطاهر إبراهيم

 

دعيت إلى حضور مؤتمر في برلين عن حقوق الإنسان في سورية، ينعقد في أول شهر ديسمبر القادم من هذا العام 2005 . ولأسباب تتعلق بارتباطات سابقة لي حاولت أن أوفق بينها وبين موعد انعقاد هذا المؤتمر، تبين لي بعدها أن المدة المتبقية غير كافية للحصول على تأشيرة "فيزا" إلى ألمانيا.

لي جارٌ صديق، ليس بعثيا ولا من المزايدين بالوطنية، استمزجت رأيه فيما لو كان مكاني هل يضحي من أجل حضور المؤتمر بارتباطه السابق ؟ وفوجئت به يقول أنه ما كان ليفكر ،أصلا، في حضور هكذا مؤتمر له ارتباط بشخصيات أمريكية داعية لهذا المؤتمر.

لم أستغرب هذا الرأي منه، وهو بطبيعة الحال من الجيل الذي نما وترعرع في ظل ثقافة "التخوين" لكل ما هو غير بعثي، التي حرص إعلام حزب البعث على نشرها بين الأجيال الناشئة في الحقبة التي تسلط فيها على الحكم في سورية، من خلال شعارات جوفاء، ليس فيها من الحقيقة أكثر مما في جوف الطبل الذي يملأ قرعه الآذان، فإذا مزقت جلده ظهر الخواء في داخله.

 المؤتمر الذي تكلمت عنه، ينعقد في ضوء شكوى مزمنة من الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي تنفذها أجهزة الأمن السورية، كان العالم كله ،حتى وقت قريب، يغض الطرف عنها، يوم كان لأمريكا مصلحة مع نظام حزب البعث في سورية. ونحن كسوريين بطبيعة الحال، لن نقف معاندين ونقول لن نتعاون مع منظمات حقوق الإنسان لأنها نسيتنا أربعة عقود. فالعقل يقتضي أن لا نرتكب حماقة رفض المنفعة المتحققة حتى ولو جاءتنا من واشنطن، لأن الحكمة تقول "أينما كانت المصلحة فثم شرع الله".

وكما قلت في مقال سابق إن أمريكا ليست هيئة إغاثة ولا تعمل لوجه الله ولا لسواد عيوننا . وبناء عليه إذا كانت هناك مصلحة لأمريكا بكشف الغطاء عن جرائم حقوق الإنسان التي يرتكبها النظام السوري، واستطعنا أن نستفيد من هذه السانحة من دون تقديم تنازلات تمس الثوابت التي يحرص الشعب السوري على صيانتها من العبث، فالمصلحة تقتضي أن لا نتوقف عند شعارات جوفاء لا تغني من فاقة ولا تحمي من ظلم.

مرة أخرى يجب أن لا نتقوقع داخل برزخ الوطنية ونرفض الحوار مع الآخر، خصوصا إذا كان الحوار حول حقوق الإنسان في سورية، التي صادرتها الأجهزة الأمنية في ظل قانون الطوارئ وكل القوانين والمحاكم الاستثنائية، حتى صار افتتاح محل للحلاقة أو لبيع الفلافل "الطعمية" يحتاج إلى موافقات أمنية.

تنعقد المؤتمرات البعثية القومية داخل القطر السوري،فترفع فيها اللافتات البراقة من مثل لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فتسأل واحدا منهم وأين هي هذه المعركة التي ترفعون صوتها فوق كل الأصوات، ولن تجد من يجيبك . أما العاقل منهم فيتلفت يمينا ويسارا وإذا تأكد له أن الشارع خال من الرفاق الوطنيين هز رأسه وقال "حط بالخرج" .

وتنعقد مؤتمرات للصحافيين السوريين، بإشراف حزب البعث، فينادي المؤتمرون بحرية الكلمة. وإذا سألت أحدهم عن هذه الكلمة التي ينادون بحريتها ما هي؟ فيقولون لك ألا تقرأ الصحف القومية؟، ألم تطلع على المنطلقات الحزبية؟ ولا تعدم أن تجد من يقول لك هامسا: "حط بالخرج" .

بل إن مؤتمرا للصحفيين انعقد في عام 2001 ،تداعى له الصحفيون السوريون بعيدا عن حزب البعث، يوم أزهرت بعض الشتلات في ربيع دمشق. وسمعنا من الصحفيين من يؤكد أن في "سورية البعث" توأد الكلمة الحرة، ولا تكاد تسمع لصوت حر يرتفع في ظل الإعلام البعثي المؤمم. حتى أن "صابر فلحوط" نقيب الصحافيين يشير إلى ذلك في المؤتمر بقوله : (يأتي إليك المسئول بقصاصة فيها أسطر فيقول  انشر هذا الخبر من دون أن يحق لك أن تتأكد من صحته)."حسن يوسف" ،الذي يحرر عمود "عقل بالكف" في صحيفة "تشرين"، قال في المؤتمر: (مواطن سوري قال إنكم عملاء للنظام... بينما وزير بعثي قال لي أنتم عملاء لإسرائيل... فنحن عملاء للنظام وعملاء لإسرائيل في وقت واحد) .   

فإذا كان هذا هو واقع الحرية داخل سورية، فأين هي المشكلة في أن يجتمع السوريون من مناهضي التسلط والقمع والفساد، -وهم في الأصل ضحايا لهذا الثلاثي الظالم- تحت سقف واحد طالما أنهم لا يستطيعون الاجتماع ولو في كوخ خشبي في سورية.

عشنا عقودا ونحن نقف ضد هيمنة أمريكا على أوطاننا وخيراتها، ولم نترك منبرا إلا ووقفنا عليه خطباء ضد التبعية لها. ثم تبين لنا أن نظام البعث الذي أشهر سلاح التخوين في وجه معارضيه كان غارقا حتى أذنيه في علاقاته بواشنطن.

"محمد حيدر زمار" (43 سنة), محتجز منذ نوفمبر 2001 ،في فرع فلسطين في دمشق في الزنزانة (13) من سلسلة زنازين تحت الأرض معروفة لدى المعتقلين باسم "الأضرحة" أو "القبور", حيث يقال إن الأوضاع فيها مروعة. وبحسب ما ذكرته منظمة العفو الدولية, فان وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "السي آي إي" متورطة مع المخابرات السورية في عملية اعتقاله وما جرى معه من استجواب في المغرب, حيث تم اعتقاله ابتداء, ثم تم نقله سرا وسلم إلى سورية، لمعلومات قدمتها السلطات السورية إلى السي آي إي، تزعم فيها أن للزمار صلات مع تنظيم "القاعدة".. ولغاية اليوم لم توجه إليه أية تهمة جنائية...وهذا الخبر يبين فيما إذا كانت علاقة النظام السوري مع واشنطن عداوة أم تعاون ؟

في كل القواميس الدولية لا تكاد تجد من يعيب عليك أن تقارع أمريكا سياسيا، فتندد بها وبأخطائها بل وبخطيئاتها التي لم تنس من بركاتها بلدا عربيا أو مسلما. وأقصى ما يقوله لك من لا يجد غضاضة في تعامله معها: إياك وسلوك طريق الإرهاب، وافعل بعد ذلك ما شئت. اشتم بوش ليلا ونهارا فلن تجد من يلومك .

أما في وطني الحبيب سورية فكل كلمة تقال،عليك أن تتأكد أنها بعيدة عن أذن الرقيب.يقول احدهم لصديقه تعال نسمع للرئيس بشار وهو "يخطب"، فيقول له الصديق ومالي أنا حتى لو "تزوج"!فيمكث في المعتقل بضعة أشهر لا يجرؤ أحد أن يسأل عنه .

في سورية يجلس بعض أبناء الحي يسمرون عند جارٍ لهم، فينتقد الجميع المحسوبية والفساد وتفشي البطالة إلا صاحب البيت، فإنه لم ينبث ببنت شفة. في اليوم التالي يساق الجميع إلى المعتقل، ويحكم على الجميع بعشر سنوات سجنا وعلى صاحب البيت بسنة واحدة. فينامون على جنب واحد أحد عشر عاما بمن فيهم صاحب البيت، قبل أن يطلق سراحهم مع جماعة ال ( 190 ) الذين أطلق سراحهم قبل عيد الفطر الأخير.

طبيب الأعصاب ".... العقاد" في مدينة حلب، عالج ،في سبعينيات القرن العشرين، مريضا يشكو من اضطرابات عصبية. يعتقل هذا المريض لمجرد الاشتباه. وكان في من جرى على لسانه اسم الطبيب المعالج، فتداهم عيادته مجموعة من عناصر الأمن وتعتقله. ويبقي شهورا لا يدري أهله أين هو؟ حتى استلم رئاسة فرع مخابرات أمن الدولة في حلب العقيد "علي سعد الدين"، الذي درسته وزوجته في المرحلة الثانوية مدرسة من آل العقاد، وعمل على الاتصال بمدرسته، التي سألته عن الطبيب، فعمل على الإفراج عنه.

معتقل على الاشتباه، عجزت عناصر الأمن عن إثبات تورطه في حوادث الاغتيال التي سبقت أحداث 1979 – 1980 ،وعجز هو عن إثبات براءته. وكيف يثبت الإنسان براءته من قضية لم يتورط بها؟. كان يرغم على القعود على صفيح محمي بالنار. انتقل من معتقل إلى آخر حتى وصل إلى مهاجع الإخوان المسلمين. تلفظ مرة بكلمة لا تليق بالذات الإلاهية ،وعندما نبه إلى خطورة كلامه، خلع سرواله وكشف عن مؤخرته، فإذا عليها طبقة من جلد مشوي من كثرة ما وضع على الصفيح الحار.

"أحمد فيصل الشهابي" نجار عربي يتكسب قوته وقوت عياله من عمله في دكانه أمام بيته قرب "قهوة الشعار" في حلب. اعتقل أحدهم في عام 1979 وأخبرهم تحت التعذيب أنه بات أياما عند "الشهابي" هذا، فيعتقل ويصب عليه العذاب صبا. وكانت آخر مبتكرات فرع الاستخبارات أن نفخوا الهواء في فتحة الشرج، فتمزقت أمعاءه.أسوق هذه القصة أيضا لمن يدعو لقيام مرحلة انتقالية في سورية بعد زوال نظام حزب البعث يكون فيها اللواء "حكمت الشهابي" رئيسا وهو لم يجرؤ أن يتكلم مع "علي دوبا" بشأن ابن عمه هذا.

أوردت هذه الأمثلة التي لا ترقى إلى مستوى الارتكابات الفظيعة التي ارتكبت بحق الشعب السوري، خصوصا ما كان يحصل في سجن تدمر الرهيب، حيث تجاوز التعذيب فيه ما كان يحصل في محاكم التفتيش في أوروبا وخاصة في أسبانيا،حيث تم تقتيل سكانها العرب المسلمين أو أرغموا على ترك دينهم، وغدا تعداد الجالية الإسلامية  فيها أقل من كل الدول الأوروبية.

ولذلك ينبغي أن نجد العذر للكاتب الشاعر "محمد الماغوط"،وقد رأى البعثيين يحتكرون كل شيء في سورية بما فيها الوطنية التي جردوا خصومهم منها، وخصومهم هم كل السوريين ما عدا البعثيين، فلا يملك الماغوط نفسه إلا أن يكتب في أحد كتبه (أريد أن أخون وطني).

 

الطاهر إبراهيم  كاتب سوري يعيش في المنفى