نظام الوصاية البعثي عاث فسادا في لبنان ... ووضع سورية على كف عفريت....

الطاهر إبراهيم

 

الخصوصية بين لبنان وسورية تكاد لا تجتمع لقطرين عربيين آخرين كما اجتمعت لهما، خصوصا منذ بداية القرن العشرين حيث جمع بينهما المستعمر الفرنسي في احتلال دام ربع قرن ثم فرق بينهما في دولتين، ومع ذلك فقد توحدت فيهما القوى الوطنية في مواجهة قمع المحتل وتنكيله.

ولقد شهد البلدان في فترة ما بعد الاستقلال،ازدهار التعاون بينهما كأحسن ما يكون. وقد تجلى ذلك التعاون بينهما في أبهى صوره في فترتي رئاسة الرئيسين: السوري "شكري القوتلي"، واللبناني "بشارة الخوري" وفي عهد الانفصال عن الوحدة (1961 – 1963 ). ولم يكن هناك سفارة أو قنصلية لأحد البلدين في عاصمة الأخرى.

هذه العلاقة المتميزة انتكست دفعة واحدة منذ اليوم الأول لدخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 بتفويض من واشنطن. وشهدت هذه المرحلة الجديدة تسابق زعماء لبنانيين إلى دمشق لتقديم خدماتهم، أملا في الحظوة عند القوة السورية المتسلطة في لبنان.

 كما شهدنا بدء حقبة سورية سوداء في لبنان، بلغ فيها الاقتتال اللبناني اللبناني، والاقتتال اللبناني الفلسطيني، والاقتتال السوري اللبناني،والسوري الفلسطيني مراحل صعبة، كان من المأمول أن يوقفها اتفاق الطائف، وقد حصل، لكن بدأت مرحلة سورية أُلغي فيها دور لبنان كدولة إقليميا ودوليا، لأن دمشق كانت هي المرجعية لأي شأن لبناني. 

 الآن وبعد أن صدر تقرير "ديتليف ميليس"، وأشار بأصابع الاتهام إلى مسئولين كبار في أجهزة الأمن السورية مشتبها بمشاركتهم ،بصورة أو بأخرى، في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق الشهيد "رفيق الحريري"، يشعر المواطن السوري أن المقاربة الأمنية لهذا الملف وضع سورية كلها ،الوطن والشعب، في مرمى الاستهداف الأمريكي.

هناك شعور عام بين صفوف السوريين يجعلهم يعتقدون أنهم في النهاية هم من سيدفع الثمن، وأن أباطرة النظام البعثي رتبوا أمورهم -إذا ما "وقعت الفاس في الراس"، وذهبت أمريكا إلى آخر الشوط مع سورية- على الفرار بالأموال التي نهبوها وحولوها دولارات سائلة أودعوها في البنوك الأوروبية.

في لبنان كمافي سورية كان من نتيجة السياسات الطائشة التي مارسها نظام الوصاية البعثي ،أن زرعت بذور البغضاء فيما بين الشعبين في كل من سورية ولبنان،بعد أن كان المواطن السوري قد عاش من قبل مع أخيه المواطن اللبناني، ينتقل أحدهما من بلده إلى البلد الآخر، فلا يحس أنه ذاهب إلى بلد أجنبي. لقد كانت التوأمة السورية اللبنانية أعمق من أن تقبل القسمة. ومع ذلك فقد تمت القسمة في عهد نظام حافظ الأسد.

في سورية تم كسر العمود الفقري لمكونات الشعب السوري بعد تسلط الأجهزة الأمنية على كل مرافق الحياة بإشراف قيادات عسكرية لا تعرف الرحمة، تحت سمع وبصر القيادة في أعلى هرم السلطة في سورية.

بعد أن استقر له نظام الحكم في سورية بفعل القبضة الأمنية، بدأت التطلعات الإمبراطورية للرئيس حافظ الأسد.وكان من الطبيعي عنده أن يمد نفوذه إلى لبنان الذي سيكون نقطة البدء لهذا التطلع خصوصا بعد أن أصبح "سليمان فرنجية"، الذي تربطه بوالد الرئيس السوري علاقة صداقة، رئيسا للبنان.

وكما أدرك الرئيس "السادات" أن واشنطن هي اللاعب رقم واحد في العالم، فقد أدرك ذلك أيضا شريكه في حرب تشرين "التحريكية" الرئيس "حافظ الأسد"، وتأكد عنده أن أي تطلع خارجي لا بد له من مباركة أمريكية. وكانت هذه تريد قبضة قوية تستعين بها عند الحاجة لتأديب الخارجين عن طاعتها، إذا ما لزم الأمر.

وقد قام الرئيس حافظ الأسد بما هو مطلوب منه وأكثر في المنطقة، وخصوصا بحق الفلسطينيين. ولعل ما فعلته الوحدات الخاصة السورية في فلسطينيي "تل الزعتر" عام 1976 ومعارك "طرابلس" ضد ياسر عرفات وأبو جهاد في عام 1986 يعطيه شهادة بامتياز عند أمريكا .

وإذا كان مفهوما، ولكنه غير مبرر، أن تقوم أجهزة الأمن باعتقالات واسعة في صفوف الشعب السوري في ثمانينيات القرن العشرين لسحق أي معارضة -وهو ما ميز حكم حافظ الأسد عمن سبقه من الزعماء البعثيين-، حيث تجاوز عدد المعتقلين خمسين ألفا. فإنه لم يكن مفهوما ولا مقبولا أن يشمل هذا السلوك آلاف اللبنانيين، فلم يسلموا من الاعتقالات أيضا، واعتقل منهم الآلاف، خرج منهم من المعتقل من كان في عمره فسحة من الوقت، وتم إعدام الكثيرين، ولا يزال مصير المئات منهم مجهولا.

وإذا كان عدوان أباطرة أجهزة الأمن على أملاك السوريين، من المعارضين الذي هاجروا من  سورية خوفا على أرواحهم وأسرهم، أمر معروف وقد لا يعرفه غير السوريين. ولكن لعل ما قاساه اللبنانيون ،بشكل موازٍ لإخوانهم السوريين، من سطوة أجهزة المخابرات السورية وعدوانها على أموال اللبنانيين لم يكن معروفا بالحجم الذي جرى فيه.

ولعل ما تناثر من أخبار بنك "المدينة" وارتباطه إلى حد بعيد باسم "رستم غزالي"،ما يعطى فكرة واضحة عما فعلته أجهزة "كنعان" و"غزالي" في أموال اللبنانيين. النهاية المأساوية لمديرة البنك "رنا قليلات"، حيث ذكر أنها تمت تصفيتها جسديا داخل سورية بعد أن بدأ وجودها يهدد بالخطر من كان يسطو على أموال البنك، يعطي صورة مرعبة عن بشاعة الصورة التي يبدو بها، بل ويتصف بها رموز أجهزة الأمن في سورية.

الراحل "جورج حاوي" الزعيم السابق للحزب الشيوعي اللبناني الذي اغتيل في ظروف لا تبعد كثيرا عن الصورة التي تمت بها جريمة اغتيال "الحريري،لتؤكد أن الفاعل خرج هو ومن اغتالوا "الحريري" ورفاقه من جراب واحد.

لقد تم إسكاته نهائيا بعد أن تبين أنه تكلم أكثر مما ينبغي ضد نظام الوصاية السوري في لبنان، خصوصا في مقابلة مع قناة "العربية" نشرتها بعد اغتياله، حمل فيها بشدة على رموز  لبنانية لم يسمهم، ومنهم وزراء ورؤساء وزراء، ونواب وزعماء أحزب كانت توجه إليهم الإهانات من قبل  قيادة "مجدل عنجر"، مركز قيادة المخابرات السورية في لبنان، وكان يعتبر أن اللبنانيين هم من أطمع السوريين فيهم.

هذه النظرة الفوقية التي كان ينظر بها رموز النظام السوري إلى الشخصيات اللبنانية وألمح إليها "الحاوي" لم تقتصر على مسئولي المخابرات بل تعدتها إلى رموز القيادة السياسية السورية، وقد قرأنا بعض ما ورد عنها في تقرير "ميليس" تجاه الفقيد "الحريري". وإذا كان ما ذكر في تقرير "ديتليف ميليس" ما يزال موضع شد وجذب، فإن ما سمعناه من القيادات السورية في الأمس القريب ما تزال كلماته تتردد في أسماع السوريين قبل غيرهم.

رئيس الوزراء السوري المهندس "ناجي عطري"خرج على غير المألوف في تعامل رؤساء  الحكومات مع نظرائهم في الدول الشقيقة أو غير الشقيقة، بل وحتى خرج عن الحد الأدنى مما يتطلبه العرف الدبلوماسي. فقد أفادنا فخامته في إحدى تصريحاته أن رئيس وزراء لبنان الدكتور "السنيورة" اتصل به ثلاث مرات فلم يرد عليه العطري، وكأنه نسي أن عدم رده هذا يعتبر مما لا يليق أولا، وأن التحدث به أمام أو تسريبه إلى الملأ يفقده -هو لا السنيورة- احترام الآخرين.

ومهما كانت الظروف الضاغطة على الإنسان، فلا ينبغي للرئيس أن ينسى أن مركزه لا يسمح له بأن يوجه الإهانات للآخرين، هذا أولا. وأن لا يقطع خطوط العودة بينه وبين من تربطه به آصرة قربى من أي نوع كانت تلك الآصرة. ولذلك فإن السوريين يعتقدون أن الألفاظ غير اللائقة التي وجهها الرئيس السوري إلى رئيس وزراء لبنان، في خطابه يوم 10 نوفمبر الجاري، كانت مما لا يليق برئيس جمهورية أن يتلفظ بها، خصوصا إذا كان من هواة التنظير في خطاباتهم. ويبقى أن الرئيس "فؤاد السنيورة" هو رئيس وزراء لقطر شقيق هو لبنان، تحتم علاقة الجوار التعامل معه بشكل يومي.

وكأني بالرئيس بشار الأسد ،عندما قال ما قال في حق الرئيس "السنيورة" قد حسم أمره بأن لا تعامل معه بعد الآن. وإلا فماذا عساه سيقول للسنيورة إذا عادت المياه إلى مجاريها بين البلدين الشقيقين، ووجد نفسه وجها لوجه مع السنيورة؟ إلا إذا كان الرئيس السوري قد قال في نفسه "إما أنا وإما هو".

نظام الوصاية السوري عاث فسادا في لبنان، ووضع سورية على كف عفريت، عندما رأينا رموز هذا النظام،وحتى أعلى قمة هرم السلطة،لم يرقبوا في إخوانهم اللبنانيين "إلاّ ولا ذمة" .. ومن قبْل اللبنانيين فعلوا في المواطنين السوريين ما هو أشد وأنكى. ولا نملك كمواطنين لا حول لنا ولا قوة، أمام جبروت وبطش أجهزة الأمن السورية وقياداتها، إلا أن نقول: نعتذر إليكَ يا لبنان عما ألحقه بك سوءُ تصرف النظام السوري...ولا ننسى قبلها أن نقول أيضا.. .. نعتذر إليكِ يا سورية عما لحِقكِ من جرائم هذا النظام ... ونردد مع الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة      على النفس من وقع الحسام المهند !.  

الطاهر إبراهيم  كاتب سوري يعيش في المنفى