للمرة 1559 لا لتصريحات الوزير الشرع

حكم البابا

 

    للوهلة الأولى قد يبدو تناولي لوزير الدبلوماسية السورية فاروق الشرع إستقصاداً شخصياً، كوني تناولته في مقال سابق قبل نحو شهرين. لكني أظن أن المسألة يجب أن تُقرأ بشكل معكوس. فأنا أعتبر الوزير الشرع يستقصدني شخصياً، وربما لست الوحيد بين

السوريين الذي يشعر بمثل هذا الاحساس، الذي ولّدته تصريحات سابقة لوزير الدبلوماسية السورية حول تفاهة القرار 1559 وحول كونه يخص جزر القمر وجيبوتي أكثر مما يخص سورية ولبنان. فبسبب هذا الاستكبار، وأحسد الوزير الشرع على قدرته الفائقة في

الاصرار على أن لون اللبن أسود، يعيش السوريون حالة الجارية شهرزاد في ملحمة (ألف ليلة وليلة) الشعبية، التي ترزح تحت مزاج شهريار وهي تبتكر حكاياتها، في محاولة منها للنجاة من سيف مسرور السياف (كدت أكتبه سيف القرار 1559) الذي قد يقطع رقبتها

في أية لحظة (!!).

 

      وبعدما حدث ما حدث، واكتشف السوريون أن الوزير الشرع نوّمهم في العسل، وأن القرار 1559 ليس من النوع الذي يطلقه أحد سفرائه ويخرج هو لينفيه أو يصحّحه فيما بعد، وأن مندوبي الدول العظمى في مجلس الأمن الدولي ليسوا أعضاء في حلقته الحزبية

لِيُقوّلوا ويوقعوا، ولربما استفزتهم تصريحاته بشأن قرارهم فقرروا المضي في غيّهم وتنفيذ بنود هذا القرار (التافه)، ويخرج كل زعماء العالم ليقولوا أن على سورية تنفيذ قرار الشرعية الدولية 1559، وقد شاهدت وشاهد غيري على كل الفضائيات القاصي والداني يردد مثل هذا الكلام، حتى أنني ظننت (من كثرة ما سمعت من بيض وسود وصفر من البشر يظهرون في التلفزيون، ويرددون بالعربية والانكليزية والصينية والهيلوغريفية والسنسكريتية رقم 1559) أن القيامة قامت، وأن شيفرة قيام الساعة وبوق الحشر هو 1559(!!).

 

   من جهتنا نحن السوريين ضربنا يدنا بحثاً عن الوزير الشرع، ليشرح ويوضح ويفسر ويجيب ويطمئن ويهدئ فلم نجده. اختفى فجأة ولم يعد صوته يظهر. لكن بقيت صورته تظهر بين فينة وأخرى على الشاشة، لينقل عنه مذيع ما، في نشرة أخبار ما، تصريحاً ما، بدون

أن نسمع صوت الوزير الشرع. ومن المنطقي في هذه الحالة أن احتمال نفي التصريح وارد ما دام لم يُسَجَّل صوتياً، لكن الملاحظة التي دقق فيها الجميع وتحاوروا حولها، هي وجه الوزير الشرع الذي لم يظهر عليه الارتياح، مع أنني كنت أخالف الجميع رأيهم هذا

وأراه أكثر الوجوه ارتياحاً (!!).

 

     على كلٍ نحن متعودون على هذا الأسلوب من الانسحاب الهادئ، والذي تجلى بأوضح صوره في غياب الوزير الشرع عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد اجتماعاً تحضيرياً للقمة في القاهرة، في عز أزمة القرار 1559 والمطالبات الدولية بتنفيذه بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وتوضح في غيابه، ولو نسبياً، من أمام كاميرات التلفزيون المغريـة في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في الجزائر التي سبقت القمة مباشرة. فحمدنا الله ورفعنا له آيات الشكر كوننا سننجو (أو هكذا شُبِّهَ لنا) مما قد تجره تصريحات جديدة علينا. لكننا وبعد أن تسرب جدول أعمال القمة، اكتشفنا أن الوزير الشرع ومساعده اللبناني الوزير محمود حمود قاما بجهد جبار لمنع طرح الزلزال اللبناني على القمة، رغم أنه الحدث الأبرز والأخطر الآن عربياً، واستُبدِلَ بإعادة نبش جثة مبادرة الغزل والمصالحة العربية الاسرائيلية، وحديث رومانسي أقرب إلى خفر العذارى عن الاصلاح، مع تجاهل للموضوع العراقي الذي لايزال مشكلة المشاكل. ولا يخفى

على لبيب أن العرب ومن وراء ترتيب جدول أعمال القمة على مقاسه، أراد أن يقول الصلح مع اسرائيل، وتجاهل الاحتلال الأمريكي للعراق، واصلاحات منتقاة على طريقة من يختار أطباقاً محددة من لائحة طعام في مطعم (حسب أحد الذين وصّفوا مُقتَ الزعماء العرب لنغمة الاصلاح)، وكل ذلك مقابل تجاهل زلزال لبنان، الذي تهب من خلاله روائح حرية وديمقراطية على منطقة تكره هاتين الكلمتين أكثر مما يكره شعبان عبد الرحيم اسرائيل !

 

    إلى هنا والموضوع محتمل ولو على مضض. فالكل يعرف أن القمة العربية مثل المسلسلات المكسيكية، لا تضر ولا تنفع، وأن قراراتها تشبه الدينار العراقي في أواخر أيام حكم صدام حسين تُعامَل بالكيلوغرام لا بالقيمة، وأن التغيير أو إيقافه ليس بأيدي المجتمعين فيها. فهؤلاء يريدون سللهم بلا عنب، لكن من غير المحتمل أن يعود الوزير الشرع إلى تصريحاته الشهيرة التي نقلت جريدة "الخليج" الاماراتية إحداها (23/3/2005(  حين أكد بلغة الواثق أنه (لا توجد أزمة بين دمشق وبيروت، ولكن هناك ازمة مفتعلة بسبب تطورات داخلية في لبنان، وأطماع خارجية، بهدف التغطية على ملفات أساسية في العراق وفلسطين). فهل هذا يعقل؟ وهل الناس من الهبل والبلاهة بحيث لا يفهون ما يشاهدونه على كل الشاشات، وبكل اللغات الحيّة والمنقرضة، لما يحدث في لبنان؟ اسألوا أي دهّان على سلّم في السودان، واستفسروا من أي حفار قبور في اليمن، واسمعوا مناغاة  أي رضيع على صدر أمه في البوليساريو. تحدثوا مع اليمين واليسار، وقولوا لـ(الناس اللي فوق) و(الناس اللي تحت)، وخذوا رأي التقدميين والرجعيين، وبعد ذلك عودوا واقرأوا التصريح الأخير للوزير الشرع، وأجيبوني كَسوري مَعني أكثر من الجميع بهذا التصريح، لأنه يقلقني ويهدد حياتي ووجودي ويجعل الأرض تزلزل من تحتي، والسماء ترعد من فوقي. وساعتها سأضرب يدي باحثاً عن تصريح آخر مطمئن للوزير الشرع فلا أجده، ولا أجد تصريحه!

 

    قبل أن أنهي مقالي اتصل بي صديق ليسألني ما هو السبب الذي يجعل من أمريكا دولة قادرة على تحقيق أهدافها. ولم أتعذب في العثور على اجابة، فقلت فوراً: لأنها تتعامل بعقلية الشركة المساهمة، فهي قد جاءت بالجنرال المتقاعد "غارنر" ليدير العراق بعد احتلاله، وبدلته بعد شهر واحد دون أن تعتبر ذلك انتقاصاً من هيبتها أو تراجعاً لسياسة دولتها، لا لأن العرب هاجموه باعتباره صديق شارون، لكن لأنه فقط لم يكن الرجل المناسب في المكان المناسب، ولم تَحمِهِ قرابة أو صداقة أو تاريخ، فهذه شركة وليست تكية !!!

 

hakambaba@hotmail.com